الاثنين، 2 أكتوبر 2017

حجة وأحدية التوحيد على بدعة تقسيم التوحيد لسماحة العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحيم الركيني

(حجة وأحدية التوحيد على بدعة تقسيم التوحيد)
منقول من كتاب (وحدة التوحيد)
لمؤلفه: سماحة العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحيم الركيني، المندوب العام للطريقة الركينية

بسم الله الرحمن الرحيم
(بدعة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة بدعة محدثة)
هذه هي المادة موضوع النزع والنزاع.
تقسيم التوحيد إلى ثلاثة بدعة سيئة، لأنه ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قالها أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة ينافي مقصد (لا إله إلا الله)، ويخالف صريح الكتاب والسنة، فهذا هو تقسيم التوحيد المبتدع، ويليه الرد عليه:
١. توحيد الربوبية وهو كون الشخص يعرف أن الله هو الرب، أي إفراده بالخلق والملك والتدبير.
وهذا معروف حتى عند اليهود، والنصارى ومشركي الجاهلية.
٢. توحيد الألوهية وهو أفراد الله تعالى بالعبادة فلا تدعو غيره أو تعبد سواه.
٣. توحيد الأسماء و الصفات أي الإيمان بأسماء الله وصفاته التي ذُكرت بالأدلة الشرعية من غير تحريف أوتمثيل أوتشبيه أوتعطيل أوتكييف.
وهذا هو الرد على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة:
أولًا/ عقلًا توحيد الواحد الأحد لن يكون ثلاثة.
ثانيا/ نقلًا لم يرد هذا التقسيم بهذا الفهم في كتاب الله تعالى، ولم يرد نصًّا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد في أقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
ثالثًا/ هذا التقسيم بدعة مُحدثة.
والبدعة المحدثة هي كل ما خالف صريح الكتاب والسنة، مخالفة لا تقبل التأويل بوجه من الوجوه.
رابعًا/ أن أساس هذا التقسيم باطل.
وهو قولهم أن جميع الكفار حتى عباد الأصنام  موحِّدون توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر والمسيطر، فتعالوا معي أيها المسلمون إلى كتاب الله تعالى، هل هذا الفهم صحيح؟
نجد في آيات القرآن العظيم عدة أنواع من  الكفار ولكلٍّ سبب كفره.
أ/ اليهود أهل كتاب وهو التوراة.
ب/ النصارى أهل كتاب وهو الإنجيل.
ج/ عباد الأصنام ليس عندهم كتاب.
فاليهود والنصارى لأنهم أهل كتاب فلقد عرفوا من تعاليم التوراة والإنجيل أن الله هو الخالق والرازق والمدبر والمسيطر. ولذا كل آيات الإقرار تتعلق بأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ولا صلة لآيات الإقرار بعُبَّاد الأصنام.
ومن آيات الإقرار قوله تعالى:
§       (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)
§       (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)
§       (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
§       (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)، (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)
§        (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ)
   ثم بين الله تعالى في الآيات التي تليها، أن هذا الإقرار يخص أهل الكتاب ولا يخص عُبَّاد الأصنام.
قال الله تعالى:
§       (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
§       (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)
   ولكن عندما حرَّفوا التوراة والإنجيل تغير هذا الإقرار الذي اعتمد عليه أصحاب التقسيم في تقسيم التوحيد. ومما يجب الإنتباه إليه هو أنه بعد التحريف تعددت أقوال اليهود والنصارى على الوجوه الآتية:
1/ منهم من أنكر أحدية الله تعالى، قال الله تعالى:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)
فهؤلاء عندهم ربّان، بمعنى الله رب والإبن رب، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
2/ منهم من يعتقد أن الله هو نبي الله عيسى عليه السلام، قال الله تعالى:
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
وهذا ينفي الإقرار بربوبية الله تعالى ويهدم بدعة تقسيم التوحيد.
3/ ومنهم من أنكر إحاطة علم الله تعالى، قال الله تعالى:
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
وقال تعالى ردًّا عليهم:
(أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)
4/ ومنهم من أنكر أنَّ الرازق هو الله تعالى، قال الله تعالى:
§       (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ )
§       (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)
وهذا يهدم فهم تعميم الإقرار على جميع الكفار.
ويتبين لك أيها المسلم  أن الإقرار قد تغير وكل ذلك بدليل من كتاب الله عز وجل.
  وأما عُبَّاد الأصنام  فليس عندهم كتاب، وبالتالى فهم لا يعرفون الله تعالى، ولا يعرفون أن الله هو الخالق أو الرازق أو المدبِّر، وهذه بعض التفاصيل.
1/ عباد الأصنام لا يعرفون الله تعالى، قال الله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۩)
إنتبه! عُبَّاد الأصنام لا يعرفون الرحمن، والرحمن هو الله الخالق.
2/ عباد الأصنام في سبب نزول سورة الإخلاص قالوا: "يا محمد صف لنا ربك، هل هو من فضة أم من ذهب؟"
فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص ردًّا على سؤالهم وجهلهم بالله العلي الكبير، قال الله تعالى:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
إنتبه! قالوا: "صف لنا ربك" وبرواية: "انسب لنا ربك"  وما قالوا: "صف لنا إلهك".
3/ بعد أن ثبت جهل عُبَّاد الأصنام بأنهم لا يعرفون  الله الرحمن، فهذا يثبت أنهم لا يعرفون الله تعالى خالقًا ورازقًا ومميتًا وباعثًا.
4/ عُبَّاد الأصنام لا يعرفون الله تعالى رازقًا، قال الله تعالى:
(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)
والذين يقتلون أولادهم هم عُبَّاد الأصنام.
5/ عُبَّاد الأصنام ينكرون الله وأنه المميت وأنه المحي، قال الله تعالى:
(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)
6/ عُبَّاد الأصنام ينكرون الله تعالى وأنه القادر على إحياء الموتى، قال الله تعالى:
§       (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ)
§       (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)
§       (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)
§       (ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)
§       (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)
§       (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)
§       (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)
فرد عليهم الله عز وجل قائلًا:
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَٰلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
هؤلاء هم عُبَّاد الأصنام الذين لا يعرفون الله تعالى، ولا يعرفون أنه الخالق والرازق والمدبر والمسيطر.
7/ عُبَّاد الأصنام ينكرون الله والعذاب، قال الله تعالى:
((وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)
فيرد عليهم الله تعالى قائلًا:
(ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)
8/ قال تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
إنتبه! كفروا بربهم، بمعنى لا يقرون  بتوحيد الربوبية أحد أقسام التوحيد الثلاثة،
وهذا يهدم بدعة تقسيم التوحيد.
9/ عُبَّاد الأصنام يسبون الله تعالى من أجل أصنامهم، قال الله تعالى:
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وهذا ينافي الإقرار بربوبية الله تعالى.
  تنبيه هام!!!!!
وبعد هذا التوضيح فإن الذين قالوا كما جاء في الآية ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٌٰ)، هؤلاء ليسوا عُبَّاد الأصنام، إنما هؤلاء أهل الكتاب، فاليهود يعبدون عزيرًا عليه السلام، والنصارى يعبدون عيسى عليه السلام ليقربهم الابن إلى الأب بحسب عقيدتهم الباطلة، فهم لا يتوسلون بهم إنما (يعبدونهم) بدلًا عن الله تعالى.
وإذا أكملت الآية الكريمة والآية التي بعدها تبين لك أن المقصود بذلك هم  أهل الكتاب، وهذه هي الآية المقصودة:
(أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)
وهذه هي الآية التي تليها مباشرة:
(لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وأما عُبَّاد الأصنام فهم قوم يسبون الله من أجل أصنامهم لأنهم لا يعرفونه جل شأنه:
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
ويتضح لك جليًّا أن أصحاب تقسيم التوحيد إلى ثلاثة  حملوا  آيات الإقرار على عُبَّاد الأصنام وهذا تحريف لفهم آيات التوحيد، ووضع للقرآن في غير موضعه،
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أتخوف على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه)
وعلى أساس الرد على القسم الأول بطلت بدعة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة، وهي بدعة محدثة.
القسم الثاني في بدعة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة:  توحيد الألوهية
وأما قولهم إن توحيد الألوهية هو غير توحيد الربوبية، حتى إنهم يعتقدون أن فرعون إدعي الألوهية ولكنه موحِّد توحيد الربوبية، فالقرآن الكريم يكذب هذا الفهم، قال الله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)
وما قال فرعون وما إله العالمين. فجاء رد سيدنا موسى عليه السلام في الآية تليها:
(قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)
وما قال إله السموات والأرض.
وجاء رد فرعون في الآيتين بعدها.
§       (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ)
§       (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)
وما قال إلهكم.
ثم يعلن فرعون إنكاره لربوبية الله عز وجل:
(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)
ثم يرد عليه سيدنا موسى عليه السلام:
(قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)
ثم يوجه فرعون الكلام لموسى عليه السلام، وقد جاء في الآية التي  بعدها:
(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).
أيها المسلم، هذه الآيات تبين أنه لا فرق في التوحيد بين ربوبية وألوهية.  وتدبر هذه الآيات كذلك، قال الله تعالى:
§       (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ)
§       (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)
§       (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)
فإن فرعون كافر بالتوحيد والتوحيد واحد.
ويعتقدون أن أبا لهب وأبا جهل موحِّدون توحيد الربوبية، ولكنهم كفروا بتوحيد الألوهية، والقرآن العظيم يكذِّب هذا الفهم بدليل الآيات التي بينت أنَّ عبَّاد الأصنام لا يعرفون الله تعالى و يسبُّون الله من أجل أصنامهم.
أيها المسلمون إنَّ فهم تقسيم التوحيد فهم  باطل بدليل الكتاب والسنة، نجد في آيات القرآن العظيم أنه لا يوجد فرق بين الربوبية والألوهية في التوحيد لما ورد في الآيات السابقة وآيات وآيات، قال الله تعالى:
§       (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)
§       (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
§       (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).. (أَرْبَابًا)
§       (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).. (أَرْبَابًا)
§       (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).. (أَرْبَابًا)
§       (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).
ودخول الإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصيغة السؤال في القبر يقول الملَك: (من ربك) ولا يقول: (من إلهك).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا رسولًا ذاق حلاوة الإيمان)
والخلاصة؛ فمن رضي بالله ربًّا فقد رضي به إلها، ومن رضي بالله إلهًا فقد رضي به ربًّا، لأن معنى الإله هو الذي تألهه الخلائق لعبادته ولقضاء حوائجها، بمعني تقصده الخلائق. ومعنى الرب هو الذي ترُبُّه الخلائق لعبادته ولقضاء حوائجها، بمعنى تقصده الخلائق ((فالرَّب هو الإله والإله هو الرَّب)) وهذا لا ينافيه الأخذ بالأسباب، مع التوكل على ربِّ الأسباب لا على الأسباب.
إذًا فأصحاب بدعة تقسيم التوحيد -إن علموا بذلك أو جهلوا- فهو منهج لتغيير مفهوم التوحيد في الإسلام، وبالتالى فهو ذريعة لتكفير المسلمين الذين رضوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا رسولًا.
والقسم الثالث في بدعة تقسيم التوحيد هو ما سموه بتوحيد الأسماء والصفات، ولكن حقيقة التوحيد هو أنَّ من رضي بالله ربًّا فقد رضي به إلهًا، ومن رضي بالله إلهًا فقد رضي به ربًّا، ومن رضي بالله ربًّا لن يكون ذلك بمعزل عن أسماء الله تعالى وصفاته، ولا يكون بمعزل عن كمال التنزيه لله تعالى. فلا يوجد دليل عقلًا أو نقلًا يفصل صفات الله تعالى وأسمائه عن ذاته العلية في التوحيد، فالرب من أسمائه تعالى، والإله من أسمائه تعال، والله من أسمائه تعالى.
وأما أصحاب بدعة تقسيم التوحيد فهم لا يعرفون كمال التنزيه لله تعالى، فقد اتخذوا القسم الثالث في بدعة تقسيم التوحيد من أجل الأخذ بظاهر الصفات، بمفهوم الجوارح، فهم حينًا يجسِّمون الله تعالى، وحينًا يشبِّهونه بوضع النصوص في غير  موضع فهمها، وأكبر دليل على ذلك كتابهم (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن)، ففي هذا الكتاب أخذوا بمعنى اليد الجارحة وتركوا المعنى الذي يليق بالله تعالى في كل آيات اليد. وأخذوا من آيات الإستواء الإستقرار وتركوا كل ما يليق بالله تعالى في آيات الإستواء. وأخذوا في آيات  الوجه بالجارحة وتركوا المعنى الذي يليق بالله تعالى في آيات الوجه. وكذلك فعلوا في آيات العين وغيرها متجاهلين لفهم قول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
فكل فهم يؤدي إلى التجسيم والتشبيه فهو باطل، ولو أنهم لم يقسِّموا التوحيد
بهذه الكيفية المبتدعة لما وجدوا مدخلًا لتكفير المسلمين، فكل من لم يعتقد عقيدتهم هذه فهو عندهم كافر، مباح دمه وماله.
 إنتبهوا لهذا الكتاب جيدًا فإنه يشبه الله تعالى بصورة البشر تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
(إستراحة)
إعلم أنه لا يوجد نصٌّ في الكتاب أو السنة يقول: (من طاف بغير الله فقد أشرك)
لأن الطواف لا يكون بالله عز وجل، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، إنما الطواف يكون حول وبين حرمات الله وشعائر الله تعالى، قال الله تعالى:
(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)
والبيت العتيق هو الكعبة المشرفة، وهو مخلوق.
وقال تعالى:
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)
والصفا والمروة مخلوقان، يطوف المسلم تعظيمًا لها، ومن ثَمَّ التقرب بتعظيمها إلى الله تعالى، قال الله تعالى:
(ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)
وقال تعالى:
(ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)
ولكن لا أحد يطوف بالله تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ولا يوجد نصٌّ في الكتاب أو السنة يقول: (من تمسَّح بغير الله فقد أشرك) لأن التمسُّح لا يكون بالله الخالق، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فلا أحد يلمس الله تعالى، إنما التمسُّح يكون بالمخلوقات المباركة، قال الله تعالى:
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ).
وأجساد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام مباركة، قال الله تعالى:
(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).
وجسد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مبارك، وكان الصحابة رضوان الله عليهم، الفرقة الناجية، يتمسحون بعرق ونخامة وتفل وفضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبًا للبركة، ولكن لا أحد يتمسَّح بالله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ولا يوجد نصٌّ في الكتاب أو السنة يقول: (من قبّل غير الله فقد أشرك) لأن التقبيل لا يكون لذات الله عز وجل، فلا أحد يقوم بتقبيل الله في الدنيا، ولا أحد له  تقبيل الله في الآخرة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. إنما التقبيل يكون لحرمات الله تعالى، والتقبيل يكون لشعائر الله تعالى، والتقبيل يكون لأماكن البركة، فقد قبَّل المصطفى صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود. والصحابة، الفرقة الناجية، رضي الله عنهم كانوا يقبِّلون يد ورِجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبِّلون أيادي بعضهم.
ولا يوجد نصٌّ يقول: (من إنحنى لغير الله فقد كفر)، ولكن يوجد نصٌّ يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى). فننحني راكعين وساجدين لله ولكن إتجاه الكعبة وليس إتجاه الله، لأن الله تعالى عن الجهات، قال الله تعالى:
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهَُ).
وننحني راكعين وساجدين لله ولكن إتجاه مقام إبراهيم عليه السلام، وليس بإتجاه الله تعالى، لأن الله تعالى عن الجهات، قال الله تعالى:
(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّىِ)
وانحنى سيدنا يعقوب عليه السلام وأبناؤه لسيدنا يوسف عليه السلام وكانت نيتهم إنحناء تعظيم لا إنحناء عبادة، وسماه الله تعالى سجودًا في رؤيا يوسف عليه السلام  وفي تحقيقها في الواقع، ولكنه كان إنحناء تعظيم بحسب نيَّتهم، قال الله تعالى:
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا )
وانحنى الصحابة، الفرقة الناجية، رضوان الله عليهم لتقبيل (يد) بل و(رِجل) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت نيتهم التعظيم وطلب البركة لا العبادة. وانحنى الصحابة، الفرقة الناجية، رضي الله عنهم لتقبيل أيادي بعضهم وما كان قصدهم العبادة. ولا يحق تشبيه المتوسِّلين والمتبركين بعُبَّاد الأصنام لما علمت من أدلة سابقة، وأن التوسُّل والتبرُّك هو من أفعال الفرقة الناجية وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم.

وعندما أصحاب بدعة تقسيم التوحيد إتهموا حكومة السودان بأنهم فعلوا ذلك من أجل إرضاء الصوفية فالرد على ذلك أن الحكومة من حقها أن تتخذ كل الإصلاحات التي تؤدي إلى أمن السودان وتماسك نسيجه الإجتماعي وتعايشه في سلام حالًا ومستقبلًا، ولكن قرار حذف مادة بدعة تقسيم التوحيد ليس هي من أجل الصوفية فقط، أنما هذا القرار إنتصار لكلمة التوحيد بصونها من بدعة التقسيم المحدثة،  وبالتالى هو إرضاء لكل أهل لا إله إلا الله، وحفظ للسودان بعيدًا بعيدًا عن التكفير والتهجير الدواعشي.

الأحد، 16 يوليو 2017

نظرية المؤامرة

عبارة "نظرية المؤامرة" هي في نفسها جزء من المؤامرة لأنها تعرِّض بمن يتقصى نشاط العدو، وتظهره كأنه شخص موهوم بشيء لا وجود له إلا في ذهنه!
عجبًا، هل كل الناس أخيار ليس فيهم شرير؟ بل إن أكثرهم ليس على هدى، كما قال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)

أليس هنالك مصالح وموارد وثروات ومكانة تصطرع عليها الدول والمجتمعات والأفراد؟
هل نعيش في الجنة؟ أو في المدينة الفاضلة؟

إذا فما هي المؤامرة؟ هي المكر السيء، وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع، كما قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وقال تعالى: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، وقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
فهذه الآيات تثبت المؤامرة وإن كان الأمر أهون من أن يدلل عليه بالقرءان الكريم، فإنه مما يفهم بداهة.

فائدة:
المكر بمعنى الاحتيال والخداع لا يليق برب العزة عز وجل كما في قوله تعالى: (ويمكر الله والله خير الماكرين)، وقوله تعالى: (ومكر الله والله خير الماكرين)، وهو مجاز، فمكر الله هو أن يعاملهم بعدله لا برحمته وعفوه، لكن الكلام جرى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، قال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم،  فسمي الجزاء باسم الابتداء، والعقوبة باسم الذنب، فهي من باب المجازاة وإتباع لفظ لفظا، وإن اختلف معنياهما وهذا كثير في كلام العرب، كما قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ××× فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يُفتخر به، وإنما قاله ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان مع المخالفة بينهما في المعنى. وهذا كثير في كلام الله عز وجل كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فالجزاء لا يكون سيئة، وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والقصاص لا يكون اعتداءًا لأنه حق وجب، وكذا قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا)، وقوله تعالى: (إنما نحن مستهزئون)، وقوله تعالى: (الله يستهزئ بهم)، وليس منه سبحانه هزء ولا كيد، إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم، وكذلك قوله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم)، وقوله تعالى: (فيسخرون منهم سخر الله منهم)، وقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)، وقوله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا)، كله مجاز فالله تبارك وتعالى منزه عن الخداع والسخرية والنسيان والملل والسأم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

الاثنين، 26 يونيو 2017

البدعة الحسنة سنة نبوية

الذي اجتمع عليه جمهور أهل العلم في الأمة أن البدعة بدعتان: بدعة هدى وهي ما وافقت تعاليم الإسلام وروحه ومقاصد شريعته، وبدعة ضلال وهي ما خالفت تعاليم الإسلام وروحه ومقاصد شريعته، وروي ذلك عن أكابر الفقهاء وحفاظ الحديث وشراح السنة وأهل القرءان من السلف والخلف، كالإمام الفقيه الشافعي، والإمام الحافظ الخطابي الشافعي، والإمام الحافظ ابن عبد البر المالكي، والإمام الحافظ ابن حزم الظاهري، والإمام الفقيه ابن عربي المالكي، والإمام الفقيه أبي حامد الغزالي الشافعي، والإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي، والإمام الحافظ ابن الأثير الشافعي، والإمام الفقيه العز بن عبد السلام الشافعي، والإمام الحافظ أبي شامة المقدسي الشافعي، والإمام الفقيه القرافي المالكي، والإمام الحافظ القرطبي المالكي، والإمام الحافظ النووي، والإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي، والإمام العلامة التفتزاني الحنفي، والإمام الحافظ البدر العيني الحنفي، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم خلق كثير بما في ذلك ابن تيمية الحراني في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"، لم يشذ عن ذلك الإجتماع سوى أبي اسحاق الشاطبي المالكي الأشعري المتوفى في أواخر القرن الثامن الهجري سنة 790 هجرية، ولا شك أن مخالفته للسلف ولهؤلاء الجهابذة من نقلة الشريعة وأعمدة العلم في الأمة وشذوذه عليهم يجعل رأيه غير ملتفت إليه.

والتحقيق أن البدعة الحسنة أو بدعة الهدى هي سنة نبوية وذلك من عدة وجوه:
1. السنة التقريرية، وهي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على أمور لم يفعلها أو يأمر بها، كتقبيل يده صلى الله عليه وسلم ورجله، والتبرك بماء وضوئه ونخامته الشريفة، والتمسح ببطنه الشريف، والرقية بالفاتحة من لدغة الحية والعقرب، ومداومة الصلاة بسورة الإخلاص.. إلخ. بل وكان يثني على بعضها ولا يكتفي صلى الله عليه وسلم بالإقرار، كثنائه على من قال في الصلاة: "حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" بعد قول "سمع الله لمن حمده". فلو كان كل أمر ديني جديد هو بدعة ضلالة لما أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على ما عملوه بدون سابق أمر منه لأنه لا يقر على ضلال أو باطل، والشاهد على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يقرهم على الشفاعة في أمر المخزومية التي سرقت، ولا في قتل المشرك الذي شهد الشهادتين، ولا في قبول عامل الخراج للهدية، وغير ذلك من الأمثلة. ولذا فإن ابتداع أمر يوافق أصول الإسلام هو في الحقيقة سنة أصَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته التقريرية.
2. قوله صلى الله عليه وسلم: (من سنَّ في [الإسلام] سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم سيء) [رواه مسلم]، والسنة هي ابتداع شيء لم يكن فيعمل به الناس ويسيرون عليه ويقتدون فيه بفاعله. وفي هذا الحديث الشريف بشر النبي صلى الله عليه وسلم فاعل البدعة الحسنة في الدين وأشار إليها بقوله (في الإسلام)، والتي يتابعه عليها الناس بالأجر والثواب الدائم، وسماها (سنة). ولذا فإن البدعة الحسنة هي إمتثال لتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في هذا الحديث وحضه على سن أمور طيبة يدعو إليها الإسلام ويؤصِّل لها.
3. قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) [أخرجه الترمذي وقال وصححه]، فجعل للخلفاء الراشدين سنة مستقلة تنسب إليهم، ولا شك أنها مما لم يفعله او يقله أو يقرره النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لكان ذلك سنته هو صلى الله عليه وسلم وليس سنة خلفائه رضي الله عنهم، فجعل صلى الله عليه وسلم إحداث خلفائه لأمور جديدة في الدين على الأصول الشرعية سنة.
4. سنة صلاة التراويح حيث جمع سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه الصحابة خلف إمام واحد طيلة أيام شهر رمضان، وهي سنة تنسب له رضي الله عنه وأرضاه ومع ذلك سماها بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الحق يجري على لسان عمر وقلبه.
5. الإجتهاد في الدين، فمن حكم وأصاب فله أجران، ومن حكم وأخطأ فله أجر واحد كما روي عن النبي صلى الله، ولا شك أنه لا اجتهاد مع نص، فدل ذلك على أن الاجتهاد هو ابتداع حكم شرعي غير مسبوق قياسًا على الأصول الشرعية، والاجتهاد في الدين سنة بلا شك فدل ذلك على أن البدعة الحسنة سنة.

وللبدع الحسنة أو بالمسمى الصحيح السنن الحسنة دواعٍ شرعية منها:
1. مرونة الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان لأنه الدين الختام. وبهذه السنن تتم الاستجابة للتحديات المعاصرة بالقياس على أصول الشريعة ومقاصدها، وكان من ذلك تصنيف العلوم الشرعية، وجمع القرءان، وتنقيط المصحف وتشكيله وبيان علامات التجويد فيه، وبناء المآذن في المساجد، وإحياء ذكرى المناسبات الإسلامية العظيمة كالمولد وليلة القدر وليلة النصف من شعبان وليلة الإسراء والمعراج والهجرة النبوية وغزوة بدر الكبرى، وإقامة المؤتمرات الإسلامية والأسابيع الدعوية، .. إلخ.
2. تشجيع أهل الهمم العالية على فتح أبواب الخير امتثالًا لقوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)

فإذا تبين أن البدعة الحسنة سنة فإن إطلاق لفظ بدعة بدون تقييد كما في بعض كتب السلف وأهل العلم فيقصد به البدعة الضلالة المخالفة للكتاب والسنة كالتبديع والتكفير ورمي المسلمين بالشرك وسفك دمائهم.

أما الاحتجاج بأن لفظة (كل بدعة ضلالة) لم تفرق بين الحسنة والمذمومة فمردود لأن جمهور أهل العلم أجابوا عن ذلك بشواهده بأنه من العام المخصوص. وأما الإحتجاج بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فمردود لأن البدعة الحسنة تكون على أصول الشريعة وبذلك فهي (منه) أي الإسلام ولا ينطبق عليها قوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه).

الخميس، 22 يونيو 2017

ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر على التحقيق


26 رمضان، ليلة القدر، الموافق ليلة السابع والعشرين من رمضان فلا تفوتك:
ليلة القدر ليلة عظيمة وكنز من كنوز هذه الأمة المكرومة، أنزل فيها القرءان جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، ثم نزل بعد ذلك مفرقًا على النبي ﷺ بعد البعثة. وهي ليلة مباركة من تعرَّض لها تعرَّض لبركات الله فيها، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)، ومن بركتها أن من قامها غُفر الله له ما تقدم من ذنبه، فيخرج من رمضان كيوم ولدته أمه، فقد قال رسول الله ﷺ: "من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر لله ما تقدم من ذنبه" [رواه البخاري]، ومن بركتها أن العمل الصالح في هذه الليلة الواحدة أفضل من العمل الصالح في ألف شهر، أي ما يعادل أكثر من 83 سنة، فقد قال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر).

وقد كانت خافية على الصحابة رضوان الله عليهم قبل الهجرة، لا يدرون أي ليلة هي ليلة القدر، فكانوا يتحرونها في كل ليالي السنة، وهذا كان تربية ودربة لهم على قيام الليل. وقضت حكمة العليم الحكيم عز وجل أن تتدرج الشريعة في كشف حقيقتها رويدًا رويدًا، فبعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، كشف الله للصحابة جزءًا من حقيقتها أنها في شهر رمضان، فقال تعالى في سورة البقرة وهي سورة مدينة: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان)، فكانوا يقومون الليل كل السنة لكن يزدادون حرصًا على تحريها في ليالي شهر رمضان. ثم أراد الله أن يكشف لهم مزيدًا من حقيقتها فقال لهم النبي ﷺ: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري ومسلم]، ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري]، ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (إلتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) [رواه البخاري ومسلم]، وفي رواية: (إلتمسوها في السبع الأواخر) [رواه البخاري ومسلم].

ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر على التحقيق:
ثم حدد النبي ﷺ لهم أنها ليلة السابع والعشرين، وذلك من باب التيسير على الأمة فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير عليل، يشق علي القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لِلَيْلَةِ القدر. قال: "عليك بالسابعة" [رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط البخاري]، وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي في ليلة القدر قال: "ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" [رواه أبو داود في وابن عبد البر وصححه]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ، فقال: (أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة؟" وشق جفنة: أي نصف قصعة، أي ليلة سبع وعشرين لأن القمر يطلع فيها بتلك الصفة. وعن سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: (والله إني لأعلمها، وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) [رواه مسلم]، وقال رضي الله عنه: (هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها) [رواه مسلم]، وعن زر بن حبيش، يقول: سألت أبي بن كعب رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر؟ فقال رحمه الله: "أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين"، ثم حلف لا يستثني، أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: "بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟"، قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها" [رواه مسلم، والترمذي وقال حسن صحيح]، وعن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرًا عن ليلة القدر، فقال: "كان عمر، وحذيفة، وناس من أصحاب رسول الله ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين تبقى ثلاث" [رواه ابن أبي شيبة]

من علم الإشارة:
وهي ليلة السابع والعشرين أيضًا من خلال علم الإشارة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ ويقول لي: "لا تتكلم حتى يتكلموا"، قال: فدعاهم وسألهم عن ليلة القدر، قال: "أرأيتم قول رسول الله ﷺ: (التمسوها في العشر الأواخر، أي ليلة ترونها؟) قال: فقال بعضهم ليلة إحدى، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال آخر: خمس، وأنا ساكت فقال: "ما لك لا تتكلم؟" فقلت: "إن أذنت لي يا أمير المؤمنين تكلمت"، قال: فقال: "ما أرسلت إليك إلا لتتكلم"، قال: فقلت: "أحدثكم برأيي؟" قال: "عن ذلك نسألك"، قال: فقلت: "السبع، رأيت الله ذكر سبع سماوات، ومن الأرضين سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وبرز نبت الأرض من سبع"، قال: فقال: "هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم ما قولك نبت الأرض من سبع؟" قال: فقلت: إن الله يقول: {شققنا الأرض شقا} [عبس: 26] إلى قوله {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] والأب نبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس، قال: فقال عمر: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم يجتمع شئون رأسه بعد؟ إني والله ما أرى القول إلا كما قلت"، قال: وقال: "قد كنت أمرتك أن لا تتكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم" [رواه اسحاق بن راهويه، والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم]
وتعجب بعضهم كيف يخصص العدد 7 وينسى العشرين؟ فأجيب عليه بأن العشرين هي الأيام التي مضت من الشهر، والسبع هي التي بقيت منه إلى الليلة.

ومن علم الإشارة أيضًا أن كلمة "ليلة القدر" مكونة من تسعة أحرف وقد وردت في سورة القدر ثلاث مرات، فحاصل الضرب 9×3 يساوي 27. ومن علم الإشارة أيضًا أن سورة القدر مكونة من 30 كلمة بعدد أجزاء القرءان الكريم، والكلمة السابعة والعشرين هي إسم الإشارة "هي" فدلت كذلك على أنها ليلة السابع والعشرين. ومن علم الإشارة أيضًا أن كلمة "القدر" وردت ثلاث مرات، في الموضع 5، و10، و12 ومجموعها يساوي 27.

هل تتنقل ليلة القدر من ليلة إلى ليلة؟
لا يمكن أن تتنقل الليلة بين الليالي لأنها هي ليلة واحدة ومحددة نزل فيها القرءان الكريم، في السابع والعشرين من رمضان، وهو تاريخ محدد، تمامًا مثل تاريخ غزوة بدر الكبرى، فنحن اليوم نتدارس ذكرى غزوة بدر الكبرى يوم السابع عشر من رمضان لأن الغزوة حدثت في ذلك اليوم، فهل يمكن أن نتعرض لهذه الذكرى في يوم آخر؟ مرة 17 ومرة 16 ومرة 18 وهكذا؟ قطعًا لا. ويجب الانتباه إلى أن التقويم الإسلامي في كتاب الله عز وجل هو التوقيت القمري بالشهور العربية، ولا علاقة له بالتقويم الشمسي. أما ما يروى من تحريها في ليالٍ متعددة في العشر الأواخر فتلك كانت مراحل تدرج الكشف عن حقيقتها حتى لا يتكل الناس.

الواجب تجاهها:
الحرص على قيامها والتعرض لنفحاتها وتذكير الناس بها، فقد كان يقول النبي ﷺ عند دخول رمضان: "إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم" [صحيح أخرجه ابن ماجة]. وأيضًا الدعاء لك ولأهلك وأقربائك وزملائك وسائر المسلمين بخير الدنيا والآخرة مع التركيز على خير الآخرة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا نبي الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: "تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" [رواه الإمام أحمد]

الخميس، 8 يونيو 2017

الصلة بين الأحياء والأموات

الموت ليس نهاية الحياة، بل هو انتقال من حياة إلى حياة، وقد تكون الحياة الجديدة أفضل، أو قد تكون أسوأ حسب العمل، وبالنسبة للكفار فإن الموت هو نهاية الحياة لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ولا يؤمنون بنعيم القبر أو عذابه، ولا يؤمنون بقدرة الله عز وجل على كل شيء ومن ذلك إحياء الموتى. لذلك تجد علاقة الكافر بالشخص تنقطع بموته كما قال تعالى: (قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور)، أما المؤمن فيعلم أن الموت انتقال إلى حياة أخرى، فلئن مات الجسد فإن الأرواح لا تموت، بل تتواصل وهذا عزاء طيب بأننا لا نفقد موتانا تمامًا والحمد لله، قال الإمام مالك بن أنس: "بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت". والمؤمن يعلم أن الميت حسب درجة صلاحه وقدره عند الله تكون كرامة الله له، في الموت وبعد الموت، أما في الموت فإن الرجل الصالح يختم على بخاتمة صالحة، أما بعد الموت بكرامات كثيرة حسب درجة صلاحه، فيحرم جسده على الأرض كالأنبياء فلا يتحلل جسده، ويحيا في البرزخ حياة كريمة فالأنبياء أحياء في قبورهم يصلون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون كما قال الحق سبحانه وتعالى، بل ونهانا عن أن نقول لهم أموات: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون)، وهنالك تواصل عجيب بين الأحياء والصالحين من الاموات، فيما يلي نعرض طرفًا من النصوص الدالة على ذلك:

الزيارة والسلام:
عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة". رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله كيف أقول لهم - يعني أهل القبور- قال: قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون") رواه مسلم
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" رواه مسلم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ » صحيح أخرجه الإمام أحمد وأبوداود وصححه النووي في رياض الصالحين والحافظ في الفتح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" أخرجه ابن عبد البر وصححه، وابن المبارك وصححه، والإشبيلي وصححه، والعراقي وصححه، والزبيدي وصححه وغيرهم.
وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ رد السلام، ثم قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل وإسرافيل سلموا علينا فردي عليهم السلام، وقد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أو أربع، فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثا وسبعين بين رمية وطعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت، فقالت: أسماء هينئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكن أخاف أن لا يصدق الناس فاصعد المنبر أخبر به، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن جعفر مع جبريل وميكائيل، له جناحان عوضه الله من يديه سلم علي، ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين، فاستبان للناس بعد اليوم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جعفر لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة". 
أخرجه الحاكم في المستدرك وسكت عنه الذهبي في التلخيص
وعن الفضل بن موفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبى جزعت عليه جزعًا شديدا فكنت آتى قبره في كل يوم ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إنى أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتنى عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبى قد انفرج وكأنه قاعد في قبره متوشحًا أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت لما رأيته، قال: يا بُني ما أبطأ بك عني؟! قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟! قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فآنس بك وأُسَرُّ بك ويُسَرُّ من حولي بدعائك. قال: فكنت آتية بعد ذلك كثيرًا. أخرجه بن القيم في الروح
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة كل جمعة. أخرجه عبد الرزاق في المصنف
وعن أبي التياح قال: كان مطرف يغدو -أي يذهب في الصباح- فإذا كان يوم الجمعة أدلج -ذهب الليل- قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينوَّر له في سوطه -أي أن صوته يضيء له- فأقبل ليلة حتى إذا كان عند مقابر القوم وهو على فرسه فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسًا على قبره فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة، قلت: وتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقول الطير، قلت: وما يقولون؟ قالوا يقولون: سلام سلام. أخرجه ابن أبي الدنيا
وعن حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتى الجبان فنقف على القبور فنسلم عليهم وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين؟!ّ قال: بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبلها ويومًا بعدها. أخرجه ابن القيم في الروح
وعن بشر بن منصور قال لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن مسيئكم وقبل حسناتكم لا يزيد على هؤلاء الكلمات قال فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلى ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو قال فبينا أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى فقلت ما أنتم وما حاجتكم قالوا نحن أهل المقابر قلت ما حاجتكم قالوا إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك فقلت وما هى قالوا الدعوات التي كنت تدعو بها قال قلت فإنى أعود لذلك قال فما تركتها بعد

السماع والإحساس:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ» أخرجه البخاري ومسلم
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» أخرجه البخاري ومسلم
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال في وصيته عند موته:«فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي » رواه مسلم
وعن ابن وهب قال حدثني عطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي يقال لها تهلل بنت العطاف، وكانت من العوابد، وكانت كثيرًا ما تركب إلى الشهداء، قالت: «ركبت إليهم يوما فصليت عند قبر حمزة بن عبد المطلب ما شاء الله أن أصلي، حتى إذا فرغت فقمت، فقلت هكذا بيدي، السلام عليكم، قالت: فسمعت أذناي السلام يخرج إلي من تحت الأرض، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني، وكما أعرف الليل من النهار، وما في الوادي داع، ولا مجيب يتحرك إلا غلامي نائما أخذ برأس دابتي، فاقشعرت كل شعرة مني، فدعوت الغلام: يا بني هلم دابتي، فأدنى دابتي فركبت » أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وابن عبد البر في الإستذكار
وعن عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْقَنَّادُ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: تُوُفِّيَ أَخِي عُمَيْرُ بْنُ طَرِيفٍ عَامَ الْجَمَاجِمِ، فَلَمَّا دُفِنَ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرِهِ، فَإِنَّ أُذُنِي الْيُسْرَى عَلَى الْقَبْرِ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَخِي، أَعْرِفُ صَوْتًا ضَعِيفًا، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُ . فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: فَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ. أخرجه الطبري في تهذيب الآثار

عرض الأعمال على الأموات:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حياتي خير لكم تُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيتُ من خيرٍ حمدتُّ الله عليه، وما رأيتُ من شرٍ استغفرتُ الله لكم).
رواه البزار في مسنده، وقال الحافظ العراقي في طرح التثريب: إسناده جيد، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح.
وعن أوس بن أوس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي) فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْت (قال: يقول بَلِيْتَ) قال: (إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إنّ أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم، فإن رأوا خيرا فرحوا به، وإن رأوا شرًا كرهوه، وإنهم يستخبرون الميت إذا أتاهم، من مات بعدهم؟ حتى إن الرجل يسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟ وحتى إن الرجل يسأل عن الرجل، فإذا قيل: قد مات قال: هيهات، ذهب ذاك، فإن لم يحسوه عندهم، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئس المربية» أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وصححه الحافظ في الفتح
وعن سيدنا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا» حديث حسن رواه الإمام أحمد
وعن سيدنا أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قبضت نفس العبد تلقاه أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه ليسألوه، فيقول بعضهم لبعض: أنظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله و إنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم و بئست المربية. قال: فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسنا فرحوا و استبشروا و قالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها، و إن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع بعبدك" حديث حسن أخرجه ابن المبارك في الزهد، والطبراني في الكبير، والإمام أحمد في المسند
وعن أبي الدرداء رضي لله عنه قال: "ألا إن أعمالكم تعرض على عشائركم، فَمُسَاؤُون ومسررون، فأعوذ بالله أن أعمل عملا يخزى به عبد الله بن رواحة" وعبد الله بن رواحة خاله. صحيح أخرجه ابن المبارك في الزهد وأبو داود في الزهد وابن أبي الدنيا في المنامات.
وعن عبد الغفور بن عبد العزيز عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى، وتعرض على الأنبياء وعلي الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضًا وإشراقًا، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم" رواه الحكيم الترمذي في النوادر من حديث.

الضرر يلحق بالأموات من أفعال الأحياء:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) رواه البخاري ومسلم، فإن نواح أهل الميت يبلغه فيؤذيه، وعن قيلة بنت مخرمة قالت: (قلت: يا رسول الله، قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة، ثم أصابته الحمى فمات، ونزل عليَّ البكاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحِبَه في الدنيا معروفًا، وإذا مات استرجع؟ فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي فيستَعبِر إليه صويحبه -أي يحزن وتسيل دمعته- فيا عباد الله، لا تعذبوا موتاكم") قال الحافظ في الفتح: "حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة، وابن أبي شيبة، والطبراني"
كما روى الإمام أحمد من حديث أبي موسى مرفوعا: (الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسياه، جُبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟) ورواه ابن ماجه بلفظ: (يتعتع به ويقال: أنت كذلك؟)، ورواه الترمذي بلفظ: (ما من ميت يموت فتقوم نادبته فتقول: واجبلاه واسنداه، أو شبه ذلك من القول، إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟) وشاهده ما رواه البخاري في المغازي من حديث النعمان بن بشير قال: (أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه واكذا واكذا، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟) وهذا التعريض والتوبيخ يؤذي الميت في دار الحق والسؤال.

الأموات ينفعون الأحياء بإذن الله:
النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر للمؤمنين عندما تعرض عليه أعمالهم، كما في حديث البزار المتقدم، ويزورهم في المنام كما قال في الصحيح: (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)، وأي نفع أعظم من رؤية سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.
وانتفع الأحياء بتخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس بأجر الخمسين وذلك بمراجعة سيدنا موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج، فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي) رواه البخاري ومسلم.
واستسقى الصحابة في عام الرمادة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار -وكان خازن سيدنا عمر رضي الله عنه على الطعام- قال: (أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا" فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مُسْقَوْنَ، وقل له: "عليك الْكَيْسَ الْكَيْسَ". فأتى الرجل عمر، فأخبره، فبكى عمر ثم قال: "يا رب ما آلو إلا ما عَجَزْتُ عنه" أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في دلائل النبوة وصححه الحافظ في الفتح، وقال الحافظ في الفتح: (وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة)
واستطعم زوار الحبيب صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم عندما فتك بهم الجوع، فقد قال الحافظ أبو بكر ابن المقرئ مسند أصبهان: (كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فضاق بنا الوقت فوصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء أتيت إلى القبر الشريف وقلت: "يارسول الله الجوع" فقال لي الطبراني:"اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت!" فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له فإذا معه غلامان بزنبيلين بهما شيء كثير فقال:" ياقوم، شكيتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم.") رواها ابن الجوزي في الوفاء والسخاوي في القول البديع، والسمهودي في وفاء الوفاء. وابن المقريء والطبراني وأبو الشيخ كلهم من كبار الحفاظ الأثبات
والصالحون من المؤمنين عندما تعرض عليهم أعمال ذويهم يسألون الله لهم الهدى والصلاح إذا رأوا ما يسوؤهم، كما في الحديث: (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا) حديث حسن رواه الإمام أحمد، والحديث: (و إن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع بعبدك) حديث حسن أخرجه ابن المبارك في الزهد، والطبراني في الكبير، والإمام أحمد في المسند
والميراث، ميراث العلم والمال، فكل العلماء الأحياء عالة على العلماء الأموات بدءًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلماء الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وبقية علماء الأمة.

التماس البركة في قبور الصالحين، فإنها أماكن إجابة دعاء:
قال الإمام الحافظ ابن حبان في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين من كتابه "الثقات" (8 /456): "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين" انتهى
وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال الحاكم (صاحب المستدرك) في تاريخ نيسابور:"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ماتحيرنا."
وعن الحافظ إبراهيم الحربي أنه قال: قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب. أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء
وعن أبي الحسين محمد بن أحمد بن جميع قال: سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: (أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه). أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
وعن أبي الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول: (قبر معروف الكرخي مجرب لقضاءالحوائج ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته).
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
وقال ابن خلكان: وكان بكَّار تاليًا للقرآن، بكاءً صالحًا دينًا، وقبره مشهور قد عرف باستجابة الدعاء عنده. 

ثواب الأعمال الموهوبة:
أول ما ينتفع به الميت يكون بعد سماع الناس خبر وفاته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه وكبَّر أربع تكبيرات، وقال: "استغفروا لأخيكم" أخرجه البخاري ومسلم، وعن أم سَلَمةَ رضي الله عنها قالت: (لما مات أبو سَلَمَةَ أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنَّ أبا سلمة قد مات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولي اللهم اغفر له) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، 
ثم ينتفع بصلاة الجنازة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من صلى عليه أربعون وفي رواية مائة شفعوا فيه، وينتفع بدعاء المصلين له في صلاة الجنازة، وينتفع باستغفار المسلمين والدعاء له بعد الفراغ من الدفن، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت يقول: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيتَ فإنه الآنَ يُسأل) أخرجه أبو داود والحاكم، 
وينتفع بقضاء الدَّين عنه والنذور، قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دَين) [النساء: 12] وعن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذرٍ كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقضه عنها" متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، فقال: "أكنت قاضيةً عنها دَينًا لو كان على أمك؟". قالت: نعم. قال: "فصومي عنها" أخرجه مسلم، 
وينتفع من هبات صالح الأعمال كالصلاة والصيام والحج والعمرة والصدقات، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" متفق عليه، وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها" أخرجه الترمذي وصححه، وعن بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبرُمة، قال من شُبرُمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. أخرجه أبو داود غيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن سعدًا بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، وفي رواية: "قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها. أخرجه البخاري، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات ولم يوصِ، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: "نعم"أخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم" متفق عليه، والصدقات اسم جامع لكل أعمال البر والخير وهي كثيرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإنَّ لكم بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، والأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة) أخرجه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه

الجمعة، 12 مايو 2017

هل تارك الصلاة كافر؟‼

في البداية إن مهمل صلاته والمتهاون فيها والمتكاسل ما كان ينبغي بالأساس أن يسمى (تاركًا للصلاة) إلا اصطلاحًا، لأن عبارة (تَرَك فلان الشيء) تعني انصرف عنه أو صرف النظر عنه، وبمعنى خلاه أو تخلى عنه، وبمعنى فارقه، ومنه تركة الميت أي ميراثه الذي فارقه وخلاه إلى غير رجعة كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)، أي فارقه إلى غير رجعة، وهذا المعنى كثير في القرءان الكريم كما في قوله تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، وقوله تعالى: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا)، وقوله تعالى: (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ)، وغيره كثير. فالترك من معانيه الظاهرة المفارقة إلى غير رجعة، والراوي المتروك مثلًا لا يُرجع إلى الرواية عنه مطلقًا، ولذا فالترك لا يصف حال المهمل صلاته، الذي يضيعها بالتكاسل والتهاون، فيصلي حينًا ويتكاسل عنها حينًا، لكن الترك يناسب من يهجرها  جحودا وردة كالملاحدة أعاذنا الله تعالى. لذلك فقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن تركها) فمحمول على من فارقها إلى غير رجعة جحودا وإنكارًا، وهذا الذي يتسق مع  النصوص الشرعية الأخرى ذات العلاقة.
              🌺🌷🌷🌷🌺
وهذا التفصيل الشرعي مهم لمعرفة حال تارك الصلاة تمهيدًا لنصحه، فالدعوة إلى الله مشروطة بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال تعالى:
(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [سورة النحل: 125]
             🍃🌸🌸🌸🍃
إن التهاون في الصلاة إثم عظيم وكبيرة من الكبائر، فالصلاة هي الركن الأول بعد الشهادتين، وهي عماد هذا الدين، وهي من أحب الأعمال إلى الله تعالى وأعظمها، وأوثق  صلة فعلية بالله في اليوم والليلة، والتهاون فيها إثم عظيم ومغضبة لله تبارك وتعالى كما قال في كتابه الحكيم:
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [سورة مريم: 59]

ولحكم تاركها وجهان:
١/ جحودًا وإنكارًا فهذا كافر مرتد باتفاق العلماء، ويلحق بذلك الحكم من تركها في الصدر الأول والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، والصحابة والخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم متوافرون، وذلك لأن العصر النبوي والقرن الأول الهجري هو أفضل عصور الإسلام، فالدين في أشده والدعوة في أوجها، فمن تهاون في الصلاة في ذلك العصر فهو بلا شك منافق كافر. ولا يخفى أن تاركها في الصدر الأول ليس كالمتهاون فيها اليوم بعد 1400 عامًا، وقد ضعف بريق الرسالة، وقل الإلتزام، وتراجعت التربية الإسلامية.

٢/تهاونا، وتكاسلا وجهلًا فمذهب الجمهور أنه لا يكفر، وهذا مذهب الشافعية والحنفية ومالك، ورواية عن الإمام أحمد، وذكر الإمام النووي في المجموع أنه مذهب الأكثرين من السلف والخلف، أنه لا يكفر بترك الصلاة تهاونًا.
واستدلوا على ذلك بأدلة قوية:
▪الدليل الأول: حديث (إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) فعن عبادة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس صلوات افترضهن الله على العباد، من أداهن وصلاهن بركوعهن وخشوعهن ووضوئهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يفعله لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )، والحديث رواه أصحاب السنن، وقال النووي في المجموع: رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة، فهو حديث صحيح، وفيه قوله: (ومن لم يفعل لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)، والكافر لا يغفر الله له.

▪الدليل الثاني: عموم أحاديث الرجاء كقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة)، ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، فلم يشترط لدخول الجنة شيئًا آخر غير الشهادتين، فقالوا: إنه لم يشترط لذلك الصلاة ولا غيرها، فدل على أن تارك الصلاة تهاونًا لا يكفر وأنه استحق دخول الجنة بالشهادتين.

▪الدليل الثالث: نجاة قائلي (لا إله إلا الله) مع عدم علمهم بالصلاة، فقد روى ابن ماجة وغيره عن حذيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى الشيخ والعجوز يقولون: لا إله إلا الله، أدركنا آباءنا يقولونها فنحن نقولها. فقال صلة بن زفر -أحد رواة الحديث- لـحذيفة: يا حذيفة! ما تنفعهم: لا إله إلا الله؟! فسكت، فأعادها عليه ثلاثًا فقال حذيفة رضي الله عنه: يا صلة! تنجيهم من النار)، والحديث رواه ابن ماجة، وقال الحافظ البوصيري: "إسناده صحيح رجاله ثقات"، وقوى إسناده الحافظ ابن حجر، فهو سند صحيح، وفيه قول حذيفة رضي الله عنه: (تنجيهم من النار)، يعني مع أنهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، فدل هذا على أن تارك الصلاة جاهلًا أو متهاونًاولا يكون بذلك كافرًا.

▪الدليل الرابع: حملوا ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وما شابهه من نصوص على الجحود والإنكار والنفاق لمعارضتها النصوص الثابتة أعلاه، ولأن الترك يعني المفارقة إلى غير رجعة وهذا لا يكون حال المتهاون أو الجاهل.

المفارقات العجيبة في الدعوة الوهابية

من المفارقات العجيبة في الدعوة الوهابية، الشكل المعاصر للخوارج، والتي كفر مؤسسها كل أهل الجزيرة العربية تقريبًا إلا من تبعه، تكفيرًا عامًا وتكفير لمعينين، وأدعى عليهم بالشرك وعبادة غير الله عز وجل، وقالتهم ونكل بهم. ويرى أنصاره اليوم أنه إمام مجدد وأنه كان محقًا في دعوته، معيدًا للتوحيد رايته وللإسلام مجده، وبعيدًا عن الخلفيات السياسية ذات العلاقة بتأسيس هذه الحركة، والصراع بين الإمبراطوريتين الإسلامية والبريطانية آنذاك، نجد أن هنالك استغفال عظيم وقفز رهيب على أمور أولية! خاصة عندما تقرأ تاريخ نجد لابن بشر أو ابن غنام، وأنهم كيف كانوا يعاملون المسلمين آنذاك معالمة المشركين الكفار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنهم كانوا يطلقون إسم (مسلمين) على أنفسهم فقط، أما غيرهم فمشركون يجوز قتلهم إذا لم يدخلوا في الدعوة الوهابية، ويجوز سبي نسائهم، وسلب ممتلكاتهم كغنائم، وتخريب زرعهم، والتنكيل بهم وما إلى ذلك.

المفارقة العجيبة الأولى في أن محمد بن عبد الوهاب هذا ليس نبيًا! وليس رسولًا! وليس معصومًا! وليس مؤيدًا بوحي من السماء كالنبي صلى الله عليه وسلم! فكيف له أن يتقمص شخصية النبي الرسول المعصوم المؤيد من السماء بالوحي ليحكم على الناس بالشرك والكفر ثم يستحل دمائهم وعروضهم وأموالهم، ويسمى قتالهم غزوات؟!!! من أين أعطى نفسه هذه القداسة والعصمة الرسالية؟! أليس وارد أنه كان على خطأ؟! وأن خصومه على صواب؟! هل هو معصوم؟! هل ينزل عليه جبريل عليه السلام بالوحي؟ هل يرى في منامه رؤيا الأنبياء؟! هو بشر عادي، وقدراته أكثر من عادية، بل وروي أن أهله كانوا يتوسمون فيه الزيغ والضلال والإنحراف في الرأي! بل ويعترف على نفسه بالبلادة والغباء عندما يقول: (لقد طلبت العلم واعتقد من عرفني أن لي معرفة وأنا ذلك الوقت لا أعرف معني لا إله إلا الله ولا أعرف دين الإسلام) يعني كالحمار يحمل أسفارًا، ثم يقول: (ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخبر الذي منَّ الله به) هل هبط بهذا الخبر جبريل عليه السلام؟! هل كلمك الله كفاحًا به؟! هو فهم لمسألة من مسائل الدين الخطأ فيها وارد جدًا، ثم يقول: (وكذلك مشايخي ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى لا إله إلا الله أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك فقد كذب وافترى) هل لأنهم لم يوافقوك الرأي فهذا يعني أنهم لا يعرفون معني لا إله إلا الله ومعنى الإسلام؟! ألا يجوز -بل هو الحق لأنك لا تدري وأنت تطلب العلم الصواب من الخطأ- أنك أنت الذي لم تزل لا تعرف معنى لا إله إلا الله؟! ما الذي يجعل فهمك صحيح وفهمهم خطأ؟! بل وأين فهمك أنت في فهم كل من سبقك من الأئمة والعلماء المعتبرين؟! هل هو فهم جديد لنج ليس له حضور في تصانيف الثقات من علماء الأمة على مر العصور بما فيها عصرك؟!

هنا تلاحظون أنه يتحدث كأنه معصوم عن الخطأ والزلل، وأن غيره على ضلال، في حين أنه بشر عادي يجوز عليه الخطأ، بل هو على خطأ لا محالة كما سيتبين لاحقًا.

المفارقة العجيبة الثانية هي أن الناس الذين استهدفهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته من أهل الجزيرة العربية ليسوا مشركين ولا كفارًا، بل مسلمون يشهدون الشهادتين، ويقيمون أركان الدين، ولا يختلفون كثيرًا عن غيرهم من المسلمين في أقطار المعمورة، في العراق وفي الشام وفي اليمن، وفي كل أرجاء الإمبراطورية الإسلامية! فكيف يجعلهم كالكفار الأوائل الذين ينكرون البعث والنشور وينكرون وجود الله عز وجل؟ أو يجعلهم كالمشركين الأوائل الذين لا يشهدون لله بالوحدانية أبدًا، ولهم آلهة، سواء أكانت أصنامًا أو أوثانًا، ومعترفووووووووووووووووووووون بأنهم يعبدون أصنامهم، أو يعبدون عيسى عليه السلام، أو عزيرًا عليه السلام، أو الملائكة، أو الجن، أو غير ذلك. ويعتقدون أن هذه آلهة مع الله عز وجل، وإعترافاتهم في ذلك وااااااضحة وصرررررريحة، يعني ما ناكرين ولا داسين المسألة، (قالوا [نعبد] أصنامًا فنظل لها عاكفين)، (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوًا قبل هذا أتنهانا أن [نعبد] ما يعبد آباؤنا)، (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما [يعبد] آباؤنا؟)، (ما [نعبدهم] إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، (واذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ان هذا إلا اساطير الأولين) وغيرها، وكلها إعترافات صريحة بالكفر والشرك وعبادة غير الله!!! فكيف تساويهم بمن يشهد لله عز وجل بالوحدانية، ويصلي ويصوم ويزكي ويحج بيت الله عز وجل وغير ذلك من الشعائر؟! إن من كان يظهر الإسلام من المنافقين ويضمر الكفر كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم نفاقهم لكنه تستر عليهم ولم يحاكمهم بالنفاق، فكيف وأنت لست بنبي، ولا برسول، ولا بمعصوم، ولا بمؤيد بالوحي؟ تخرجهم من الملة وتنكل بهم مع ما يظهرونه من إسلام؟!!! ما هذه الجسارة؟!

وتبرير خطأئه، زعم أنهم يشهدون الشهادتين لكنهم يفعلون أفعالًا شركية، كالطواف بالقبور، ودعاء الأولياء، والذيح لهم، ... إلى غير ذلك. ومن قرر لك أن هذه أفعال شركية؟! طبعًا هو يتبنى تقسم ابن تيمية [للتوحيد] إلى ثلاث أقسام، وهي بدعة من البدع لم يسبقه إليها عالم معتبر من علماء السلف، ومن بين هذه الأقسام المبتدعة ما يعرف بتوحيد وشرك الإلهية أو الألوهية، وفهمه له أن تصرف عبادة لغير الله، لكن المعلوم بداهة أن أي عمل لا يكون عبادة إلا إذا كان بنية التعبد، وهذا في غاية البداهة لأن الأعمال بالنيات، فحتى لو صلت صلاة كاملة لكن خوفًا من الحاكم أو رياءًا فإن هذه الصلاة لا يمكن أن تكون عبادة صحيحة لأن نيتها مشوبة. فكيف له أن يجعل الطواف بالقبور ودعاء الأولياء والذبح لهم وغيرها أفعالًا شركية بدون ملاحظة النية عند العمل؟ فهذه الأفعال التي يسميها شركية، إذا فعلها الشخص على سبيل التعبد فهنا يكون قد جعل لله ندًا وشريكًا وآلهة تعبد من دون الله، لكن المسلمين لا يفعلون ذلك على سبيل التعبد، وإنما على سبيل التبرك، والتوسل، والأخذ بالأسباب!! فأيَّا كان اتفاقه معهم أو اختلافه فإنهم لا يمكن أن يكونوا مشركين لأسباب بسيطة جدًا، وهي أنهم:
- لا يفعون ذلك بنية العبادة
- ولا ينظرون إلى الأنبياء والأولياء كآلهة، بل يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمعبودهم واحد، أما الإدعاء عليهم بقوله تعالى: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فهؤلاء أولًا معترفون بعبادة غير الله (ما نعبدهم)، ثانيأ أنهم مشركوا أهل الكتاب، يدل على ذلك سياق الآيات وطبيعة الحال، فهم عبدة مريم وموسى عليه السلام، يظنون أنهم آلهة مع الله عز وجل، وأن عبادتهم لها تقربهم من الإله الأكبر، وهذه هي عقيدة الثالوث والعياذ بالله تعالى.
- لهم أدلتهم الشرعية من الكتاب والسنة التي تجيز لهم ذلك التبرك والتوسل والإستعانة والإستغاثة بالأحياء والأموات، القريبين والبعيدين، وأن ذلك لا يقدح في عقيدتهم طالما أنهم يؤمنون بأن القادر هو الله عز وجل وأنه يجري قدرته على خلقه، تمامًا مثلمًا يجري الشفاء على يد الطبيب، وأنه أمام قدرة الله عز وجل ليس هنالك حدود، ينفع بالحي وكما ينفع بالميت، يغيث بالحي كما يغيث بالميت، ولهم أدلتهم الشرعية في ذلك، وهي أدلة صحيحة ومعتبرة شرعًا.
- ولا يعترفون بأنهم أشركوا بالله شيئًا، بل إن قلبهم عامر بالتوحيد واعتقاد أن الله عز وجل هو الذي أكرم هؤلاء الأنبياء والأولياء بالبركة والصلاح والجاه عنده عز وجل والقدرة على نفع الناس بإذن الله، لقربهم منه!

وأيًا كان اتفاقه معهم في أدلتهم الشرعية، أو اختلافه فهل هم كالذين يثبتون لله الشريك والند، ويعترفون بعبادة غير الله لينزل عليهم آيات المشركين والكفار الأوائل؟!
ومن أين أتت القداسة لفهمه هو لنصوص الكتاب والسنة؟ والعصمة ليعتبر أنه مصيب في رأيه وأن غيره مخطئ لا محالة مشرك مرتد حلال المال والدم؟! ألا يجوز أنه مخطيء في ما ذهب إليه؟ بل هو كذلك!
فبغض النظر عن إتفاقه معهم أو اختلافه فإنه ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي، المعصوم من الخطأ في الدين ليعتبر أنه محق وأنهم خطأ، لذلك فكان الأولى طالما أنهم استعصموا بأدلتهم الشرعية أن يتركهم وشأنهم وأمرهم إلى الله عز وجل.

المفارقة العجيبة الثالثة أن الإختلاف بين العلماء حاصل منذ قديم الزمان، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عهد الصحابة رضوان الله عليهم، في كل مسائل الدين بما في ذلك العقيدة، وكان جُلُّ اختلافهم ليس في النص نفسه وبقدر ما كان في فهم النص، لأن الفهوم تتباين، ومع ذلك لم يصر طرف على حمل الطرف الآخر على رأيه، أقصى ما يفعله هو أن يبدي رأيه فإن قبل فذا، وإلا عذره، فلماذا هو يصر على أن الحق معه بما يخول له قتل خصمه؟! أمعصوم هو؟

المفارقة العجيبة الرابعة، ما الذي يجعل الأمة بكثرة علمائها المعتبرين على مر العصور أن تختزل الصواب في شخص أو شخصين أو ثلاثة؟! في محمد بن عبد الوهاب، وفي ابن تيمية الذي أخذ عنه محمد بن عبد الوهاب معظم تنظيراته، وابن القيم الذي تتلمذ على ابن تيمية!؟! أليست هذه مجازفة كبرى أن نرهن الأمة برأي أشخاص ليسو بأنبياء ولا رسلًا ولا معصومين ولا مؤيدين بالوحي السماوي؟ بل شاذون ومتفردون على جماهير أهل العلم من السلف والخلف؟!

مفارقات عجيبة، لا يقبلها المنطق السليم