الجمعة، 2 نوفمبر 2018

تحقيق علمي في صحة توثيق رسالة الحافظ الذهبي لابن تيمية

اُختلف في إثبات ونفي الرسالة التي أرسلها الإمام الذهبي([1])، ( ت/ 748 هـ) الى ابن تيمية، وفحوى ما كتبه في خطابه هو النصح والوعظ تارةً والتأنيب والتوبيخ تارةً اُخرى، فهذا الخطاب يكشف عن الخطأ الجسيم الذي وقع فيه ابن تيمية وأتباعه سلوكاً ومنهجاً وأداءً، وحريٌ بمن يقرأ هذه الرسالة أن يتأمل ويدقق بمفرداتها ملياً ، فلم تصدر هذه الكلمات من شخص عادي بل من أقرب المقربين إلى ابن تيمية، فهو ذلك الإمام الذي يريد الخير لاستاذه ، وهو ذلك التلميذ الوفي والمخلص والحريص عليه أو كما يعبر الذهبي: الشفوق المحب الواد ، وبحق كلماته تُعد دستوراً يجب أن يقتفى لا سيما أتباع ابن تيمية المتشددين في الفكر والرأي . ولا يجب التشكيك في هذه الرسالة؛ لأننا سوف نثبت بإذن الله تعالى مصداقيتها بالأدلة والبراهين القاطعة .
نص الرسالة :
وهاهي فحوى هذه الرسالة ، كما ينقلها العلامة تقي الدين السبكي (ت/ 765 هـ ) في سيفه الصقيل ، فهي من الأهمية بمكان ، كونها تعتبر الخط الفاصل لمن يريد أن يدرك الحقيقة كما هي([2])؛ لذا سننقلها بجميع حروفها وكلماتها ، قال:
>رسالة كتب بها ([3])، الشيخ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية كتبتها ([4]) من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة رحمه الله، وكتبها هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد بن العلائي وهو كتبها من خط مرسلها الشيخ شمس الدين.
الحمد لله على ذلتي ، يارب ارحمني وأقلني عثرتي. واحفظ علي إيماني. واحزناه على قلة حزني ، وا أسفاه على السنّة وذهاب أهلها. واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء. واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات. آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. وتبّاً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه. إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك ! إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تذكروا موتاكم إلا بخير ، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) بلى أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو جهاد. بلى والله عرفوا خيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز وجهلوا شيئا كثيرا مما لا يعنيهم ، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
يا رجل بالله عليك كف عنا ، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام. إياكم والغلوطات في الدين ، كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي: كل منافق عليم اللسان) وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلوب إذا كان في الحلال والحرام ، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمى القلوب. والله قد صرنا ضحكة في الوجود فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد بعقولنا ؟ يا رجل قد بلعت (سموم) الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات. وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم وتكمن والله في البدن. واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر وخشية بتذكر وصمت بتفكر. وآه لمجلس يذكر فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. بلى عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة. كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما بالله ، خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب وجدوا في ذكر بدع كنا نعدّها من أساس الضلال قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار ، ومن لم يكفر فهو أكثر من فرعون. وتعد النصارى مثلنا ، والله في القلوب شكرك إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد.
يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليا شهوانياً . لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم ، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل ، يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك.
إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح - والله - بها أحاديث الصحيحين ؟
يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار أو بالتأويل والإنكار ، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل . بلى - والله - ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همّة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام ولا تزال تنتصر حتى أقول: وألبتة سكت.
فإذا كان هذا حالك عندي، وأنا الشفوق المحب الواد([5])، فكيف حالك عند أعدائك . وأعداؤك - والله - فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء، كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر.
قد رضيت منك بأن تسبني علانيةً وتنتفع بمقالتي سّراً(فرحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي)، فإني كثير العيوب غزير الذنوب. الويل لي إن أنا لا أتوب ، ووافضيحتي من علام الغيوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين< ([6]).
الذهبي يضع إصبعه على الجرح
فالذهبي يضع إصبعه على الجرح حينما قال له:>أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل. بلى - والله - ما أذكر أنك تذكر الموت ...وتقطع لي أذناب الكلام ولا تزال تنتصر حتى أقول: وألبتة سكت<.>
ففي هذا المقطع يطالبه بالتوبة والإنابة والرجوع عن منهج يسوده ويشوبه الخطأ ، ثم يقول أنا أعلم انك لا تصغى لقولي ووعظي ، بل جلَّ همك هو النقض بكلام خال من قبول الحق ، والأدهى هو أنك تقطع النصوص وأذناب الكلام، ثم يتمنى الذهبي سكوته الذي هو خير من كلامه.
الذهبي يحذر ويقيّم أتباع ومريدو ابن تيمية
ثم نجد أن الذهبي يحذّره من أتباعه، وهذا الخطاب عام وليس محصور بزمان معين، فنرى اليوم من ينعق بما لا يعي ويكفّر طوائف المسلمين ويتهمهم بالشرك وشتى التهم، وهذا ما حذر منه الحافظ الذهبي ، حيث قال له:
>يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال ، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً. لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه ، وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه ، فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل ، أو عامي كذاب بليد الذهن أو غريب واجم ، قوي المكر أو ناشف صالح عديم الفهم ، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل.. كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر. قد رضيت منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سراً..<.>
ففي هذا المقطع نجد القسوة في مفردات الذهبي حيث قيّم أصحابه بألفاظ يجب أن نتأمل فيها ، ولا سيما من هو مقرب لمعتنقي هذا الفكر ، لابد أن يسألوا أنفسهم لماذا يقول الذهبي هذا الكلام؟ ما الذي حدا به ليصفهم بهذه الأوصاف وما الغاية من ذلك ؟
هذه الأوصاف تستدعي أن يراجعوا أنفسهم أن يتمعنوا بما يقوله ، فالذهبي ذلك العالم الذي يكبرونه ويجلونه، ولا يمكن أن يغضوا الطرف عن كلامه فهو المرجع عند من يقلّد هذا الفكر فلماذا يقول :
فمعظم أتباعه قعيد مربوط خفيف العقل، بليد الذهن قوي المكر ، وحتى أوليائك فيهم الفجرة والكذبة والبقر والعور.
ولعل الذهبي يريد أن يشير وينبه إلى فكر وعلم هؤلاء، فهناك فجور([7]). وجهل وكذب في هذا الفكر ، وهو غاية الجهل.
ولكن الذهبي يعلم عندما وصم أصحابه بهذه التهمة أنه لا يصدقه ، فقال له: فتشهمْ وزنهمْ بالعدل ، ونعم ما قال.
وليت هذه النصائح والمواعظ تأخذ طريقها إلى اتباع الفكر الوهابي الذي ما فتئوا يكفرون المسلمين ويتهمونهم بشتى أنواع التهم من التبديع والتشريك وغير ذلك .
وياليتهم أيضاً درسوا هذا الفكر ، متأملين ومنصفين فيه ، وفيمن ردّ عليه من أكابر فقهاء وعلماء أهل السنة .
ولكننا نجدهم يتبجحون بما كتبه، وتجد الرسائل في الجامعات تناقش وتدافع عن هذا الفكر، متناسين شذوذه وضلالاته وانحرافاته ، التي وصمه بها علماء السلف ممن عاصره وممن لم يعاصره، بل ومن تلامذته - في حين أن الموضوعية العلمية تقتضي ذلك- فلا نجدهم ينبسون ببنت شفة، عن ذكر كبار علمائهم الذين ناظروه أو الكتب والرسائل التي نقدوا فيها هذا الفكر([8])، وقد ناهز عدد هؤلاء العلماء ما يقارب خمسين عالماً، كما سيأتي في البحث اللاحق
ولعل هذا البحث قد كشف بعض الخطأ مما ورد من منهجه، لاسيما في التوحيد الذي يعد الركن والأساس المهم في الشريعة الإسلامية.
توثيق رسالة الذهبي
قد يشكك البعض في صحة ونسبة هذه الرسالة إلى الحافظ الذهبي وذلك بلحاظ أمرين:
الأول: إن الذهبي كان تلميذاً لإبن تيمية وهو من المتأثرين به ، وعندما ترجم حياته أثنى عليه ومدحه، فكيف يصدر منه هذا الكلام؟ ألا يُعد هذا تناقضاً ؟
الثاني: إن النسخة التي نقلها السبكي ، هي بخط ابن قاضي شهبة، وهو من خصوم ابن تيمية ، ومعلوم أن الخصم مجروح في شهادته.
الجواب على من يشكك في الرسالة
ويُجاب عن تلك التشكيكات بما يلي :
أولاً: الذهبي لا يعتقد العصمة في ابن تيمية ويخالفه
أما التشكيك الأول : وهو القول بثناء الذهبي على ابن تيمية عندما ترجم له فهذا كاشف عن بطلان هذه الرسالة . هذا الكلام يدفعه ابن حجر العسقلاني في ترجمته لابن تيمية، حيث نقل كلاماً للذهبي يرفع هذا الإبهام حيث قال: > وأنا لا أعتقد فيه عصمة ، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية
إذن لمَ هذا الاستبعاد إذا كان الغرض مهماً ، لاسيما في عقائد الدين والشريعة التي لا مجال ليتساهل فيها الذهبي وإن كان تلميذاً. وهذا أمر يُمدح ويُثنى عليه، لا أن يشكك فيه .
ثانياً: الإمام السخاوي والحافظ العلائي والمحقق الدكتور بشار عواد والدكتور صلاح الدين المنجد يُثبتون الرسالة للذهبي .
قال الحافظ السخاوي في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ:
>وقد رأيت له (أي للذهبي) عقيدة مجيدة ورسالة كتبها لابن تيمية هي لدفع نسبته لمزيد تعصبه مفيدة
وقال محقق هذا الكتاب في الهامش:> إن النصيحة الذهبية لابن تيمية التي نشرها مع بيان زغل العلم ، هي نفس الرسالة التي أشار إليها السخاوي
وقال الحافظ العلائي :> رسالة نصيحة من الذهبي لابن تيمية عفا الله عنهما < ([12]) .
وكذلك اثبت المحقق البارع بشار عواد([13])، صدق هذه الرسالة ، قائلاً:
>وهي رسالة بعث بها الذهبي إلى شيخه ورفيقه أبي العباس ابن تيمية الحراني ينصحه فيها ويعاتبه في بعض تصرفاته ، وهي رسالة مفيدة في تبيان عقيدة الذهبي وقد ذكرها السخاوي في الاعلان .. وذهب بعضهم إلى القول بأنها مزورة ولا عبرة بذلك
وقال أيضاً : >ومع أن الذهبي قد خالف رفيقه وشيخه [ أي ابن تيمية ] في مسائل أصلية وفرعية ([15])، وأرسل إليه نصيحته الذهبية التي يلومه ، وينتقد بعض آرائه وآراء أصحابه بها ، إلا أنه بلا ريب قد تأثر به تأثراً عظيماً
وأيضاً أكد هذه الحقيقة الدكتور المحقق صلاح الدين المنجد([17]). حيث قال:> شك بعضهم في نسبة هذه النصيحة للذهبي ، ولا شك عندنا أنها له، فقد نقلت مخطوطاتها من خط الذهبي، ولم ينكرها أحد من العلماء الذين نقلوها كتقي الدين بن قاضي شهبة وغيره. .» ([18]).
ثالثاً : الذهبي سليط اللسان، وأنكر على غيره من العلماء بألفاظ جارحة .
ثم إن المتتبع لسيرة الذهبي في كتبه وتراجمه للرجال، يجده سليط اللسان على بعض العلماء ، فقد تكلم على بعضهم كالفخر الرازي والآمدي.
قال السبكي في طبقاته :> ودائما أتعجب من ذكره الإمام فخر الدين الرازي في كتاب الميزان في الضعفاء، وكذلك السيف الآمدى ، وأقول: يالله العجب هذان لا رواية لهما، ولا جرحهما أحد، ولا سمع من أحد أنه ضعفهما فيما ينقلانه من علومهما ، فأي مدخل لهما في هذا الكتاب، ثم إنا لم نسمع أحداً يسمى الإمام فخر الدين بالفخر بل إما الإمام وإما ابن الخطيب
فلمْ يَسلم هؤلاء العلماء من لسان الذهبي وهم أعلم من ابن تيمية ، فلم لا يَتكلم على غيرهم وإن كان ابن تيمية . لذا قال الدكتور المنجد :
> ثم إن هذا هو أسلوب الذهبي عندما يُهاجم، ويبدو أنه كتبها في آخر عمره. ولم يثن أحد على الشيخ كثناء الذهبي عليه، لكنه انتقده بعد ذلك في بعض الأمور حباً له، وإشفاقاً عليه< ([20]). إذن فلماذا الاستبعاد أو التشكيك؟
رابعاً: الرسالة منسوخة عن خط الذهبي، ولا يمكن تزويرها
ولعل المهم في توثيق هذه الرسالة : أنها منسوخة عن خط الذهبي ، وناسخها هو تقي الدين ابن شهبة الاسدي ، وهي محفوظة في دار الكتب المصرية في القاهرة ، وكذلك في دار الكتب الظاهرية ، كما هو مشاع ومعروف ومشهور.
وقد أشار المحقق البارع بشار معروف عواد في هامش كتابه الذهبي ومنهجه في كتابه تأريخ السلام لهذه النسخ قائلاً : > منها نسخ في دار الكتب المصرية بخط تقي الدين ابن قاضي شهبة الاسدي المتوفي سنة ( 851 هـ ) رقم ( 18823 ) ومنها نسخة بدار الكتب الظاهرية برقم ( 1347) وقد نشرها حسام الدين القدسي بمصر سنة ( 1347 هـ) مع كتاب زغل العلم
من خلال ما تقدم نجزم أن الرسالة موثقة ونسبتها في غاية الصحة، ولا يمكن التشكيك بها, فلا معنى للتناقض المزعوم.
أما التشكيك الثاني: وهو أن النسخة الخطية والتي نقلها السبكي وكانت بخط ابن قاضي شهبة ، وهو خصم لابن تيمية فهو مجروح الشهادة .
فهذا الكلام غير منتج ؛ لإن فرضية كون النقل للرسالة جُرحاً ، أجنبي عن مفاد هذه القضية ؛ لأنه من قال أن كل من يخالف الآخر فكرياً وعلمياً يُعد خصماً له ، مع ان العلماء ديدينهم الخلاف، بحيث نجد الذهبي يقرر قاعدة وهي : عدم العبرة بكلام الاقران ، قال :> فلا يلتفت إلى كلام الاقران بعضهم في بعض< ([22]). فالذهبي يشير الى الخلاف العلمي . أضف إلى ذلك أن الامر لم يقتصر على القاضي ابن شهبة ، بل هناك شبه إجماع من علماء أهل السنة في ردَّ شبهات ابن تيمية في المجال العلمي والفكري ويتمسكون بأي دليل للوصول إلى مبتغاهم، والغرض من ذلك هو تصحيح أفكاره ، وليس بث روح العداوة والخصومة، وخير شاهد هو هذه الرسالة التي فيها النصح أقرب منه إلى الـتأنيب ، فهل نستطيع ان نقول أن كل هؤلاء خصوم ابن تيمية ولا تقبل شهادتهم .
ترجمة ابن قاضي شهبة ( ت/ 851 هـ )
ولكي نطمئن أكثر بوثاقة ناقلي هذه الرسالة ، أنقل تراجمهم للقارئ لكي يقف على وثاقتهم وفقاهتهم وجلالة علمهم .
أما ابن قاضي شهبة ، فهو: أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الشهبي الدمشقي ، تقي الدين : فقيه الشام في عصره ومؤرخها وعالمها ، من أهل دمشق . اشتهر بابن قاضي شهبة؛ لأن أبا جده ( نجم الدين عمر الأسدي ) أقام قاضيا بشهبة ( من قرى حوران ) أربعين سنة ،من تصانيفه : المنتقى من تاريخ الاسلام للذهبي، ومناقب الإمام الشافعي، والكواكب الدرية ، و طبقات النحاة واللغويين .. ([23]). وطبقات الشافعية وغيرها .
ترجمة برهان الدين بن جماعة ( ت /790 هـ)
وأما القاضي ابن جماعة الذي كتب عنه ابن قاضي شهبة ، فترجمه الذهبي قائلاً : >إبراهيم بن عبد الرحيم ابن شيخنا قاضي القضاة أبي عبد الله بن جماعة، الإمام الفقيه المحدث المفيد برهان الدين الكناني الشافعي، أحد من طلب وعني بتحصيل الاجزاء وقرأ وتميز ، وهو في ازدياد من الفضائل..< ([24]).
إذن من كان بهذه الدرجة من الفقاهة والعلم والفضل ، فهل نستطيع أن نطعن باقوالهم، وما نقلوه إلينا . بل لابد من التصديق والاذعان بهذا النقل . وبهذا يتم أن هذه الرسالة صحيحة وإثباتها لا يعتريه الشك والريب .
المصدر / كتاب منهج ابن تيمية في التوحيد ؛ يحيى عبد الحسن الدوخي ، ص 77- 90
الهواامش
([1]) ترجمه الصفدي قائلاً :> حافظ لا يجاري ولا فظ لا يباري أتقن الحديث ورجاله ونظر علله وأحواله وعرف تراجم الناس وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس من ذهن يتوقد.. ولم أجد عنده جمود المحدثين بل هو فقيه النظر له دربة بأقوال الناس ومذاهب الائمة من السلف وأرباب المقالات ، وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام أسناد أو طعن في رواته..< الوافي بالوفيات: ج 2ص114- 115 ، الناشر: دار إحياء التراث العربي- بيروت.
([2]) وفي نظري أن فحوى هذه الكلمات لا تنحصر بخطاب موجه لابن تيمية فقط ، بل هي لكل مسلم يريد أن يضع نفسه في مقام الفتوى ويتصدى لأمور الدين والشريعة.
([3]) بتضمين( بعث) ، كما في هامش النسخة الأصلية .
([4]) والكاتب هو التقي ابن قاضي شهبة ، وقد ذكر في طبقات الشافعية ، أنه اطلع على مجاميع وفوائد بخط البرهان ابن جماعة. كما في الأصل . انظر : طبقات الشافعية ، ابن قاضي شهبة : ج 3 ص 140 . الناشر: عالم الكتب ـ بيروت ، ط1 ، 1407 هـ . والعبارة كما في هذه النسخة :> وقد وقفت له على مجاميع وفوائد بخطه< .
([5]) وهنا الذهبي يريد أن يقول له بلغة المحبة والحنان والشفقة ، أن تصوراتك للمحبين والأعداء قد التبس عليك ، فقد يكون من تتوهمه عدوك هو المخلص لك، وعندما ينصحك؛ لأنه محب لك ، وقد تتوهم ان المقربين لك الذين يهادنونك ولا يبدون نصحهم لك ، هم المخلصين لك، وهذا خطأ يجب أن تلتفت إليه .
([6]) تقي الدين السبكي ، السيف الصقيل: ص217 – 218 ، الناشر: مكتبة زهران.
([7]) المراد من مفردة الفجور: أي الفجور العلمي وهو كناية عن الجهل المركب ، المتجذر في نفوس هؤلاء . وهذا يدل على أن الحافظ الذهبي وصل إلى درجة اليئس مما يفعله المقربين من ابن تيمية .
([8]) ولكن سيأتي اليوم الذي تتحرر فيه العقول وتنفتح فيه الأفكار، فرياح التغيير والجمود والتقليد قد ولى، فهناك من العلماء في المملكة العربية السعودية، الذين يمثلون خط الاعتدال والانفتاح، من نقد هذا الفكر التكفيري في مهرجانات ومنتديات ثقافية وعلى شبكات الانترنيت، فهناك إتجاه يبحث بصورة أكثر واقعية في نقد الفكر السلفي المتمثل بابن تيمية؛ لانه الاداة التي من خلالها يمكن أن تغير ايديولوجية الدولة برمتها ، ولعل من بين هذا الاتجاه النخبوي الشيخ حسن بن فرحان المالكي، ومشاري الذايدي، ومنصور النقيدان ، وعبد الله بن بجاد العتيبي، وخالد الغانمي ، ومحمد علي المحمود ، و عبد المحسن العواجي وغيرهم ...
([9]) ابن حجر العسقلاني ، الدرر الكامنة: ج1 ص 176.
([10]) السخاوي ، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ : ص 136 .حققه وعلق عليه بالانكليزية: فرانز رونثال ، وأشرف على نشر النص، الدكتور: صالح أحمد العلي، الناشر: دار الكتب العلميةـ بيروت.
([11]) نفس المصدر: ص 136.
([12]) نقلاً عن كتاب تنزيه الحق المعبود ، هامش ص 139 ، الناشر : مكتبة اليسر ، ط 1428 هـ .
([13]) اُستاذ ومحقق ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب/ جامعة بغداد.
([14]) بشار عواد معروف ، الذهبي ومنهجه في كتابه تأريخ الاسلام : ص 146 ، الناشر : مطبعة عيسى البابي الحلبي - القاهرة . ط1 ، 1976 م .
([15]) إشارة إلى ما ذكره ابن حجر العسقلاني ، الدرر الكامنة: ج1 ص 176.
([16]) الذهبي ، سير أعلام النبلاء :ج 1 ص38، مقدمة الكتاب . تحقيق الشيخ الارنؤوط .الناشر :مؤسسة الرسالةـ بيروت . ط9 ، 1413 هـ .
([17]) استاذ القانون الدولي والتأريخ، عمل مديراً لمعهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية، ثم مستشاراً به، حاضر في كثير من المعاهد والجامعات، مثل: معهد الدراسات العربية العليا، وجامعة فرانكفورت، وجامعة برنستون. فالرجل متخصص وضليع في المخطوطات ، فضلاً عن خبرته في مجال القانون والتأريخ ، فكلامة مورد للإطمئنان لذلك هو قطع بأن هذه النصيحة هي للذهبي وليس لغيره .
([18]) صلاح الدين المنجد، شيخ الإسلام ابن تيمية سيرته وأخباره عند المؤرخين: ص14. طبعة بيروت .
([19]) تاج الدين بن علي السبكي ، طبقات الشافعية الكبرى: ج2 ص41 ، الناشر: هجر للطباعة والنشر ، ط2 ، 1413 هـ .
([20]) صلاح الدين المنجد، شيخ الإسلام ابن تيمية سيرته وأخباره عند المؤرخين: ص14.
([21]) بشار عواد معروف ، الذهبي ومنهجه في كتابه تأريخ الاسلام : ص 146.
([22]) الذهبي ، تذكرة الحفاظ : ج 2 ص 662 .
([23]) الزركلي ، الأعلام :ج 2 ص 61 . وانظر ترجمته في النجوم الزاهرة ، جمال الدين ، أبي المحاسن : ج 15 ص 523، الناشر: وزارة الثقافة والارشاد القومي ـ مصر .
([24]) الذهبي ، معجم محدثي الذهبي: ج1 ص 45، تحقيق : الدكتورة روحية عبد الرحمن السويفي، الناشر: دار الكتب العلميةـ بيروت ، ط1 ، 1413 هـ

في الأخذ عن أهل العلم

يحكى أن أحدهم أخذ العلم من الكتب وكان لا يرى حاجة إلى مجالسة العلماء فمرت عليه عبارة في كتاب فقهي أشكلت عليه وهي: "لا يجوز بيع برمبلول ببرمبلول" فلم يعرف ما هو (البرمبلول) فسأل أحد العلماء فضحك وقال: يا بني (البرمبلول) يحتاج إلى الجلوس بين يدي العلماء، ثم قال له: لقد قرأتها خطأ وصوابها: لا يجوز بيع برٍّ مبلول ببرٍّ مبلول.

المهم الشاهد: "لا تأخذ العلم من صُحُفي ولا القرآن من مُصحفي".

قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: "من لم يأخذ الحديث من أفواه العلماء لا يسمى محدِّثاً بل يسمى صُحفياً".

قال الإمام ابن الصلاح في مقدمته: "وأما التصحيف فسبيل السلامة منه الأخذ من أفواه أهل العلم والضبط، فإن من حُرِم ذلك وكان أخذه وتعلمه من بطون الكتب كان من شأنه التحريف ولم يفلت من التبديل والتصحيف".

مفاهيم شرعية مهمة

العام المراد به العام: كقوله تعالى: (إن الله بكل شيء عليم)، (إن الله لا يظلم الناس شيئًا)، (وما ربك بظلام للعبيد)، (وما من دابة إلا على الله رزقها)، (وجعلنا من الماء كل شيء حي).
العام المراد به الخاص أو العام المخصوص: كقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) كلية منخرقة لأن لله تعالى أسماءً اختص بها نفسه عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك). وأيضًا كقوله تعالى: (تدمر كل شيء بأمر ربها) كلية منخرقة لأنها ما دمرت السموات ولا الأرضين ولا الجنة ولا النار وكلها أشياء. وكقوله تعالى: (ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) بنفس المعنى السابق، وكقوله: (وأوتيت من كل شيء) بنفس المعنى السابق، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) كلية منخرقة لأن هناك بدع حسنات، كقول سيدنا عمر رضي الله عنه: (نِعم البدعة هذه).
الخاص المراد به العام: كقوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) على قاعدة: إياك أخاطب وغيرك أعني، فالمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة لأنه نبي معصوم لا ينسى إلا إنساءً رحمانيًّا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما أُنَسَّى لِأَسُنَّ» بينما إنساء عامة الناس شيطاني. وكذلك قيل قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود كل من يملك الطلاق من أمته.
والخاص المراد به الخاص: كقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وقوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى).

مختصر تاريخ التصوف في السودان

توجه سيدنا عبد الله بن أبي السرح إلى شمال السودان سنة 31 هجرية ولم يتمكن من فتح السودان ووقع هدنة مع دولة المقرة المسيحية ضمنت تعايشًا سلميا بين المسلمين والنوبة وبني بموجبها مسجد للمسلمين في دنقلا، هو المسجد الوحيد في السودان آنذاك. 
كانت تقع جنوب مملكة المقرة مملكة علوة المسيحية والتي كانت تغطي أجزاءًا واسعة من وسط وشرق السودان، وكانت عاصمتها سوبا.
أدت اتفاقية البقط التي استمرت لست قرون ومملكة علوة المسيحية إلى تأخر دخول الإسلام إلى السودان وانتشاره.
في عام 848 هجرية الموافق 1445 ميلادية قدم إلى السودان من المغرب الشريف أبو الحسن حمد دنانة بعد أن ترعرع في الحجاز وحفظ فيه القرءان وأخذ العلم على علمائه ثم هاجر إلى اليمن ومنها إلى المغرب وتزوج فيه بنت الشريف الجزولي صاحب (دلائل الخيرات) ثم تنقل في شمال إفريقيا حتى استقر زمانا في تلمسان بالجزائر اشتهر فيها بالتدريس والدعوة، ثم انتقل إلى مصر ومنها جنوبا إلى السودان، وحل بدنقلا ومكث بمسجدها الذي بناه الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن أبي السرح يدرس القرءان والعلوم الإسلامية الأخرى كالفقه المالكي والتصوف، وما أن وطن الشريف حمد علومه ومعارفه في (مسيد) السواراب بدنقلا وأعد جيلا من التلاميذ العلماء حتى قرر الارتحال. وواصل مسيرته الدعوية جنوباً داعياً ومعلماً فحط الرحال في منطقة سقادي غرب المحمية. هناك أسس مسجده الجامع على ربوة عالية مطلة على نهر النيل تسمى (قوز العشرة). قد اعتبر المؤرخون المحققون ومنهم الدكتور عبد الله الطيب أن هذا المسجد هو المسجد الجامع الثاني الذي كانت تقام فيه الجمع بعد مسجد دنقلا وبذلك أصبح معلماً تاريخياً هاماً في تاريخ الإسلام في السودان خاصة وقد كان في داخل حدود مملكة علوة المسيحية وتحت نفوذها. وكان الشريف حمد من أول العلماء الذين وفدوا إلى السودان وعززوا أركان الإسلام بالتعليم ونشر الوعي الديني بين أهله في تلك الفترة المبكرة. فقد توافد في عصره على السودان علماء أجلاء كالشيخ غلام الله الركابي الذي وفد من اليمن والشيخ تاج الدين البهاري الذي وفد من العراق والشيخ محمد القناوي الذي وفد من مصر وغيرهم من العلماء.
وفي عام 909 هجرية الموافق 1504 ميلادية تأسست مملكة الفونج أو السلطنة الزرقاء على أنقاض مملكة علوة المسيحية، وكانت أول دولة إسلامية عربية في السودان، أسهم فيها العلماء الصوفية في نشر الإسلام في كافة ربوع السودان. حيث اهتم ملوك سنار بالعلم حيث اقاموا رواق السنارية في الازهر الشريف بالقاهرة من أجل طلاب مملكة سنارالمبتعثين إلى هناك, وشجعوا هجرة علماء الدين الاسلامي للهجرة إلى السودان للدعوة ونشر العلم فلبى الدعوة كثير من رجال التصوف. وأنشأ أاحد سلاطين مملكة سنار و يدعي بادي الأحمر وقفًا بالمدينة
المنورة لاستفبال الزوار من مملكته للإقامه هناك عند زيارتهم للأراضي المقدسة ولا يزال جزء من أوقاف السودان هناك. و انتشرت أيضا الخلاوي التي تعرف أيضا بالكتاتيب في السودان لتحفيظ القران الكريم و علوم الدين واللغة العربية و الحساب.
الملخص:
1. الإسلام لم ينتشر في السودان عن طريق سيدنا عبد الله بن أبي السرح لأنه لم يفتح السودان بل عقد هدنة وهي اتفاقية البقط، وظلت دولة المقرة على دينها المسيحي مع الحفاظ على الرعايا المسلمين وإقامة مسجد واحد لهم لأكثر من ستة قرون.
2. كانت تقع جنوب مملكة المقرة مملكة علوة وأيضا مسيحية واستمرت على مسيحيتها إلى قيام السلطنة الزرقاء في عام 909 هجرية الموافق 1504 ميلادية.
3. التصوف نشأ في القرن الأول الهجري، والإمام الحافظ الحسن البصري هو أحد مشائخ الصوفية وقد ولد سنة 21 هجرية وأدرك كثيرا من الصحابة منهم سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وسيدنا أنس وسيدنا أبا هريرة. ويكفي أن التصوف عليه جمهور مشائخ السلف كما اعترف ابن تيمية في مجموع فتاويه، فهو أحد أهم علوم السلف الصالح والحمد لله.
4. من أوائل العلماء الصوفية الذين ساهموا في نشر الإسلام والعلوم الإسلامية هو الشيخ حمد أبو دنانة، فقد قدم السودان سنة 848 هجرية الموافق 1445 ميلادية ودرس في مسجد دنقلا وأنشأ مسجدا آخر في منطقة سقادي بمملكة المقرة ونشر العلوم الإسلامية في وسط السودان وساهم تلامذته كذلك في نشر الإسلام بشكل أكبر لأنهم كانوا متفرغين للدعوة أكثر من التجار.
5. عند قيام السلطنة الزرقاء وجد السادة الصوفية فرصة أكبر ورعاية من الدولة لتدريس القرآن الكريم والعلوم الإسلامية واللغة العربية، وكان ذلك أساس العلم الشرعي في السودان على مذهب جماهير أهل العلم.
6. ساهم علماء التصوف ومشائخ الطرق الصوفية في انتشار الإسلام في كل ربوع السودان وإفريقيا.
7. هذا حظ الصوفية من الفضل فما هو حظ الوهابية؟ حركة أنشأها المستعمر البريطاني قبل حوالي 260 عاما من اليوم، فما علاقتها بالإسلام والدين في السودان. إن تاريخ الوهابية في السودان لا يزيد عن 60 سنة فقط!!!

مشروعية السبحة

الغرض من اتخاذ السبحة هو ضبط العدد في الذكر فإن بعض الأذكار مقيدة بعدد كالباقيات الصالحات، وليس بمقدور كل الناس ضبط العدد من خلال عقد التسبيح باليد كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أن السبحة مذكرة بالذكر تعين من غفل على الذكر، وروي عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (نعم المذكر السبحة)، أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، فهي معين على الذكر وتدخل في عموم قوله تعالى: (فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، ولها أصل في سنة المصطفى لذلك ليست بدعة على تعريف أهل العلم سلفا وخلفا للبدعة.
ومن الآثار في ذلك:
1- أخرج الترمذي، والحاكم وصححه، والطبراني والسيوطي وصححه عن السيدة صفية رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال: ما هذا يا بنت حيي؟ قلت: أسبح بهن، قال: قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا، قلت: علمني يا رسول الله، قال: "قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء". أقرها ولم ينكر عليها، لا التسبيح بالنوى ولا تخصيص عدد، لكنه علمها ما يزيد من نفعها خاصة وهي ربة منزل لها شؤون منزلية قد لا يناسب حالها الانقطاع للتسبيح في كل وقت. طبعا لا يخفى أنه يمكن تكرار قول: "سبحان عدد ما خلق الله" مرات ومرات لعدد يتعذر ضبطه بالسبحة.

2- وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى -أو حصى- تسبح فقال: "أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ قولي سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، الله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا قوة إلا بالله مثل ذلك" أقرها وعلمها ماهو أيسر وأفضل.

3- وأخرج الإمام أحمد في الزهد بسند صحيح عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى من نوى العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفدن.

4- وفي جزء هلال الحفار، ومعجم الصحابة للبغوي، وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر بن سليمان عن أبي بن كعب عن جده بقية، عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع، ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به، فيسبح به حتى يمسي.

وأخرجه الإمام أحمد في الزهد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية -رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان جارنا- قالت: فكان يسبح بالحصى.

5- وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى.

6- وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مولاة لسعد، أن سعدا كان يسبح بالحصى، أو النوى. وأخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن جابر عن امرأة حدثته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها.

7- وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد من طريق نعيم بن محرز بن أبي هريرة عن جده أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به.

8- وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري أنه كان يسبح بالحصى. وأخرج من طريق أبي نضرة عن رجل من الطفاوة قال: نزلت على إبراهيم ومعه كيس فيه حصى أو نوى فيسبح به حتى ينفد. 
وأخرج عن زاذان قال: أخذت من أم يعفور تسابيح لها فلما أتيت عليا قال: اردد على أم يعفور تسابيحها.

9- قال الإمام السيوطي في [المنحة في السبحة]: اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم، ويعتمد عليهم، كأبي هريرة رضي الله عنه كان له خيط فيه ألفا عقدة، فكان لا ينام حتى يسبح به ثنتي عشرة ألف تسبيحة قاله عكرمة. وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث أبي نضرة الغفاري قال: حدثني شيخ من طفاوة قال: تثويت أبا هريرة بالمدينة فلم أر رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه، قال: فبينما أنا عنده يوما وهو على سرير له ومعه كيس فيه حصى أو نوى، وأسفل منه جارية سوداء، وهو يسبح بها حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فأعادته في الكيس فدفعته إليه يسبح.
قوله تثويت أي تضيفته ونزلت في منزله، والمثوى المنزل. وقيل: كان أبو هريرة رضي الله عنه يسبح بالنوى المجزع -يعني الذي حك بعضه حتى ابيض شيء منه ، وترك الباقي على لونه- وكل ما فيه سواد وبياض -فهو مجزع- قاله أهل اللغة.
10- وذكر الحافظ عبد الغني في الكمال في ترجمة أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه أنه كان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وذكر أيضا عن سلمة بن شبيب قال: كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ. ومن المعلوم المحقق أن المائة ألف بل والأربعين ألفا وأقل من ذلك لا يحصر بالأنامل فقد صح بذلك وثبت أنهما كانا يعدان بآلة.

11- وكان لأبي مسلم الخولاني رحمة الله عليه سبحة فقام ليلة والسبحة في يده قال: فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وجعلت تسبح، فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول: سبحانك، يا منبت النبات، ويا دائم الثبات، قال: هلمي يا أم مسلم فانظري إلى أعجب الأعاجيب، قال: فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت. أخرجه ابن عساكر في تاريخه وذكره أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري في كتاب كرامات الأولياء.

12- وذكر القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان أنه رُئي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله يوما سبحة فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ قال : طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه.
قال: وقد رويت في ذلك حديثا مسلسلا -وهو ما أخبرني به شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله من لفظه- ورأيت في يده سبحة قال: أنا الإمام أبو العباس أحمد بن أبي المحاسن يوسف بن البانياسي بقراءتي عليه ورأيت في يده سبحة، قال: أنا أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي، ورأيت في يده سبحة، قال: قرأت على شيخنا أبي الثناء، ورأيت في يده سبحة، قال: أنا عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر، ورأيت في يده سبحة، قال: أنا أبو محمد يوسف بن أبي الفرج عبد الرحمن بن علي، ورأيت في يده سبحة، قال: أنا أبي ورأيت في يده سبحة، قال: قرأت على أبي الفضل بن ناصر، ورأيت في يده سبحة، قال: قرأت على أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي، ورأيت في يده سبحة، قلت له: سمعت أبا بكر محمد بن علي السلمي الحداد، ورأيت في يده سبحة؟ فقال: نعم، قال: رأيت أبا نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المقري، ورأيت في يده سبحة، قال: رأيت أبا الحسن علي بن الحسن بن أبي القاسم المترفق الصوفي وفي يده سبحة، قال: سمعت أبا الحسن المالكي يقول: وقد رأيت في يده سبحة، فقلت له: يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السبحة؟ فقال: كذلك رأيت أستاذي الجنيد وفي يده سبحة، فقلت له: يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السبحة؟ قال: كذلك رأيت أستاذي سري بن مغلس السقطي وفي يده سبحة، فقلت: يا أستاذ أنت مع السبحة؟ فقال: كذلك رأيت أستاذي معروفا الكرخي وفي يده سبحة، فسألته عما سألتني عنه فقال: كذلك رأيت [بشرا الحافي وفي يده سبحة، فسألته عما سألتني عنه فقال: كذلك رأيت] أستاذي عمر المالكي وفي يده سبحة، فسألته عما سألتني عنه، فقال: كذلك رأيت أستاذي الحسن البصري وفي يده سبحة، فقلت: يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة؟ فقال لي: شيء كنا استعملناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات، أحب أن أذكر الله بقلبي وفي يدي ولساني.
علق على ذلك الإمام السيوطي في المنحة فقال:
فلو لم يكن في اتخاذ السبحة غير موافقة هؤلاء السادة والدخول في سلكهم والتماس بركتهم، لصارت بهذا الاعتبار من أهم الأمور وآكدها، فكيف بها وهي مذكرة بالله تعالى؛ لأن الإنسان قل أن يراها إلا ويذكر الله وهذا من أعظم فوائدها، وبذلك كان يسميها بعض السلف رحمه الله تعالى أي بالمذكر. ومن فوائدها أيضا الاستعانة على دوام الذكر، كلما رآها ذكر أنها آلة للذكر فقاده ذلك إلى الذكر، فيا حبذا سبب موصل إلى دوام ذكر الله عز وجل، وكان بعضهم يسميها حبل الوصل، وبعضهم رابطة القلوب.

الحاجة لبيان القرءان وتفسيره

هل القرءان لا يحتاج إلى تفسير، وأنه واضح بدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟
أولا تيسير القرءان للذكر يعني تيسير تلاوته وقراءته، قال مجاهد: يعني هونا قراءته، وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل.
ولم يقل أحد ذو بال أن القرءان لا يحتاج إلى شرح وبيان وتفسير، بل يحتاج بدليل أن الله عز وجل بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقال تعالى: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، فبيان الكتاب والتنزيل يطلب من السنة المطهرة، والمبيِّن لذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه من أنزل عليه.
ومن الشواهد على أن القرآن يحتاج إلى بيان أن أهل اللغة استشرحوا النبي صلى الله عليه وسلم مواضع عدة منها:
▪في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: "الذين إذا رُءوا ذكر الله" 
▪ولما نزلت هذه الآية: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون! ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)؟ إنما هو الشرك"
▪وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت السيدة عائشة: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذِّب.
▪ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} فما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا" [أخرجه البغوي في التفسير]

وشرح النبي صلى الله عليه وسلم معان أخرى على سبيل المثال:
▪سدرة المنتهى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى.
▪المجيئ بجهنم {وجيء يومئذ بجهنم}: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.
▪مستقر الشمس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم}
▪الصراط المستقيم: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًّا فقال: هذا سبيل الله. ثم خط عن يمين ذلك الخطّ وعن شماله خطوطًا فقال: هذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها. ثم قرأ هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وغيرها.

كما أن القصص القرءاني وتفاصيله تحتاج إلى شرح وبيان لا يكتمل المعنى والمغزى إلا به، كقصة بقرة بني إسرائيل، وكقصة أهل الكهف، وقصص الأنبياء مع قومهم كقصة يوسف عليه السلام، وغير ذلك.

للفهم السليم هناك علوم أولية كثيرة لابد من توفرها لفهم القرآن بشكل سليم، منها على سبيل المثال:
النحو والصرف، روايات القرآن المتواترة والشاذة، أسباب النزول، ترتيب النزول، الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، العام والخاص، العام المخصوص والعام المراد به الخصوص، المطلق والمقيد، السنة المطهرة وما ورد في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وغيرها.

النقاب

لباس المرأة قديم قبل الإسلام، وهو أنواع مختلفة منه الرداء والإزار والنقاب والبرقع والخمار والنصيف والجلباب والقفاز وغيره، وقد أتت الشريعة الغراء بالتعاليم التي تهذبه بما يحقق الحشمة ويعزز العفة.

هل النقاب أو البرقع من الإسلام؟
قالت أم عمرو بنت وقدان:
إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ××× فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ××× نقب النساء فبئس رهط المرهق
وقال الحطيئة:
طافت أمامه بالركبان آونة ××× ياحسنه من قوام ما منتقبا

وقال النابغة الجعدي يصف غزالا:
وخدا كبرقوع الفتاة ملمعا ××× وروقين لما يعدوا أن تقشرا

هذه الأبيات من الشعر الجاهلي تؤكد أن النقاب كان معروفا عند بعض العرب قبل الإسلام، وأنه كان طرازا من لباس المرأة وزينتها ولما جاء الإسلام لم يأمر به ولم ينه عنه وتركه لأعراف الناس لكنه صحح من طريقة لبسه ليحقق الحشمة ويدعم العفة. يرى جمهور أهل العلم أن لباس المرأة الشرعي هو الذي يستر جسدها لا يظهر منه سوى الوجه والكفين، لذلك جاءت آية النور بالأمر بضرب الخمار على الجيب: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)

الذي عليه جمهور أهل العلم سلفًا وخلفًا أن اللباس الشرعي للمرأة هو الذي لا يصف، ولا يشف، ولا تتشبه فيه بالرجال، لا يصف أي فضفاض لا يصف تضاريس الجسد، ولا يشف أي ساتر لا يظهر ما تحته، ولا يجوز أن يظهر منها إلا وجهها وكفيها، أما تغطية الوجه فليست فرضًا ولا واجبًا وإنما مباحة إلا في مواضع، منها الإحرام والصلاة، فإن على المرأة أن تسفر عن وجهها وكفيها في الإحرام والصلاة.
أخرج البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تنتقب المرأة في الإحرام وأن تلبس القفازين. 
وروى أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب.
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها: "المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت". [أخرجه البيهقي في "سننه" (5/47) بسند صحيح وعزاه إليه الحافظ في " الفتح" (4/52-53)]

روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أخاه الفضل كان رديفاً للنبي صلى الله عليه وسلّم، في حجة الوداع فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي صلى الله عليه وسلّم، يصرف وجه الفضل إلى الشق الاخر، ففي هذا دليل على أن هذه المرأة كاشفة وجهها. قال ابن عبد البر في شرحه لهذا الحديث من كتابه التمهيد :(9 /124)
"وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها وهذا ما لم يختلف فيه الفقهاء"
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (4 /70):
"وفيه أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام".
وقال الإمام مالك: (وتصلي المرأة الحرة في الدرع الخصيف يستر ظهور قدميها في الركوع والسجود، وخمار يستر كتفيها وقصتها ودلاليها، ولا يظهر منها غير دور الوجه والكفين)، وقال ابن قدامة: (وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على ‏الرجل تغطية رأسه).
وقد جاء تفسير قوله إلا ما ظهر منها بالوجه والكفين عن ابن عباس رضي الله عنه أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي وأخرجه إسماعيل القاضي عن ابن عباس مرفوعا بسند جيد [عون المعبود للعظيم آبادي]. 
وقال الإمام السيوطي في [الدر المنثور]:
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: هو خضاب الكف والخاتم
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: وجهها وكفاها والخاتم
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: رقعة الوجه وباطن الكف
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: الوجه والكف
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله {إلا ما ظهر منها} قال الكفان والوجه
وقال الإمام الشوكاني في [فتح القدير]:
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. وأخرجا عن ابن عباس قال: إلا ما ظهر منها وجهها وكفاها والخاتم، وأخرجا أيضا عنه قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها والزينة الظاهرة الوجه وكحل العينين وخضاب الكف والخاتم، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها.
وقال الشوكاني في [نيل الأوطار]:
"والحاصل: أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى"
وأخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلّم، بالناس صلاة العيد ثم وعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: «يا معشر النساء تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم». فقامت امرأة من سطة النساء سعفاء الخدين.. الحديث، ولولا أن وجهها مكشوفاً ما عرف أنها سعفاء الخدين.
وقال ابن عبد البر في [التمهيد] (6/364): وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين، وأتمه قول الائمة الثلاثة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثور: "على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها!" وتعقبة ابن عبد البر فقال: "قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف، ذلك كله منها تباشر الأرض به، وأجمعوا أنها لا تصلي منتقبة، ولا عليها أن تلبس القفازين في الصلاة، وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام" أهـ
قال أبو جعفر الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (2/392- 393):
"أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى".

وقال بعض العلماء يستحب للمرأة أن تنتقب إن خشيت على نفسها الفتنة وإيذاء الصعاليك والسفهاء، أو فعلت ذلك من باب الحياء والحياء من الإيمان، لكن لا يكون هذا حكمًا عامًّا تلزم به النساء، فإن ظروف الناس تتباين والشريعة رفعنت عن الناس الحرج (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، فالأصل هو قول الجمهور أن الوجه والكفين ليسا من العورة وجاز للمرأة إبداؤهما، ولا إلزام بالنقاب.
قال البغوي في " شرح السنة" (9/ 23):
"فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة".

الفرق بين النقاب والحجاب:
الحجاب هو الستار أو الساتر، ولا يصح أن يقال للباس المرأة المحتشمة حجابًا إلا من باب الاصطلاح المجازي فقط، لأن الحجاب معناه أشمل، فالحائط حجاب، والحصير حجاب وغير ذلك، قال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، أي من وراء ستار.
وأما النقاب وكما في لسان العرب فهو القناع على مارن الأنف، والجمع نُقُبٌ. وهو على أقسام تعتمد على ما يغطيه من الوجه، فالتَّرْصِيصُ: هو أن تنتقب المرأة فلا يُرى إلا عيناها، وتميم تقول: هو التَّوْصِيصُ، بالواو، وقد رصصت ووصصت بمعنى واحد. قال الْفَرَّاءُ: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها، فتلك الوَصْوَصَةُ، فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر، فهو النِّقابُ، فإن كان على طرف الأنف، فهو اللِّفَامُ أو اللثام. فالنقاب إذًا هو القناع على الوجه الذي يظهر العينين وما حولهما.
والجلباب: ثوب أوسع من الخمار، دون الرداء، تغطي به المرأة رأسها وصدرها.

حرمة النقاب:
يحرم للمرأة أن تنتقب للتهرب من رقابة الأسرة كما يحصل من بعض النساء، فينتقبن حتى يَخفَين على أعين أوليائهن ثم يذهبن إلى حيث يشئن، فلو ركب وليها قريبًا منها في المواصلات لم يتعرف عليها، ولو وجدها تسير مع أجنبي لم يكترث لها، وما أن تصل إلى وجهتها حتى خلعت نقابها، فلهذا يجب الإنتباه إلى أن النقاب يمكن أن تستخدمه بعض النساء في معصية الله عز وجل. وتستخدم بعض النساء النقاب هذه الأيام للحفاظ على المكياج وقناع الوجه أو لحماية وجهها من حرارة الشمس وغير ذلك من الأغراض المستحدثة.

السعودية والنقاب:
ومؤخرا تراجعت السعودية عن فتاواها السابقة ورجعت لقول الجمهور وقررت المحكمة العامة في العاصمة السعودية الرياض، إلغاء شرط ارتداء المحاميات اللاتي يرغبن بدخول المحكمة للنقاب، واكتفت بارتدائهن للحجاب (الذي يظهر الوجه والكفين).
وذكرت صحيفة "عكاظ" السعودية، أن المحكمة استبدلت تعميماً سبق أن علقته على واجهتها بتعميم آخر أزيل منه شرط غطاء الوجه وتم الاكتفاء فيه بارتداء الحجاب، وذلك بعد أيام من جدل أثاره طرد محامية من المحكمة لعدم ارتدائها النقاب.
ونص التعميم الجديد، وفقا لعكاظ، على "توجيهات صاحب الفضيلة رئيس المحكمة العامة بالرياض بعدم دخول أي من النساء إلا أن تكون بلبس محتشم، وأن عليهن التقيد بالحجاب الشرعي عملا بالأنظمة المرعية لدخول الدوائر الشرعية، لذا آمل التقيد بذلك".
وكان التعميم القديم ينص على "منع دخول النساء غير المتقيدات بالحجاب الشرعي، وغير المغطيات للوجه المحكمة، لاسيما وأنهن داخلات دائرة شرعية ومن الواجب الحشمة باللباس عملا بالأنظمة المرعية لدخول الدوائر الشرعية، لذا عليكن تنفيذ الأوامر حرفياً".

تشريع النبي صلى الله عليه وسلم للقياس

ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها؟ ، قال: ( نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية ؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).
ومنها ما أخرجه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ، فقال: (أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟) ، قالت: نعم، قال: (فدين الله أحق بالقضاء).
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لم يحج، أفأحج عنه؟ ، قال: (أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت تقضيه؟) قال: نعم، قال: ( فحج عنه )، وحديث الخثعمية حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن أبي أدركته فريضة الله في الحج، وهو شيخ كبير، لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال: (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزي؟)، قالت: نعم ، قال: ( فدين الله أحق ).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أختي نذرت أن تحج فماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟) ، قال: نعم، قال: (فاقضوا الله، فإنه أحق بالوفاء).
وفي هذه الأخبار إثبات المقايسة، والتنبيه على الرد إلى النظائر، وروي عن محمد بن المنكدر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قضاء رمضان أيفرَّق؟ فقال: (أرأيتم لو كان لرجل على رجل دين، فقضاه أولا فأولا ؟) قال: لا بأس، قال: (فالله أحق بالتجاوز) فقايسه وأراه موضع الشبه والنظير.
ومنه: حديث سيدنا عمر رضي الله عنه قال: هششت فقبَّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرا عظيما، قبَّلت وأنا صائم، قال: (أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟)، قلت: لا بأس به، قال: (ففيم إذًا) فقايسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورده إلى مثيله.

تحريم مولاة الكفار واليهود والنصارى

قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[سورة البقرة: 257]

وقال تعالى: :(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)[سورة النساء: 139]

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا)[سورة النساء: 144]

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[سورة المائدة: 57]

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[سورة المائدة: 51]

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)[سورة الممتحنة: 1]

بل يجرم تولي الآباء والإخوان والأهل إن استحبوا الكفر على الإيمان كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[سورة التوبة: 23]

ويجب تولي المؤمنين والمؤمنات كما قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[سورة التوبة: 71]

إلى من يدعون إلى القرءان ويتجاهلون السنة

على من نزل الكتاب العزيز؟ علينا أم على النبي صلى الله عليه وسلم؟ طبعا على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المؤهل لتحمله وبيانه وأداء رسالته، لأنه صلى الله عليه وسلم نبي قبل أن يكون رسولا، ويوحى إليه بأشكال الوحي كلها منها وحي الإلهام ووحي المنام ووحي جبريل عليه السلام. فهو الأعلم بالكتاب العزيز ومعانيه تفسيره وشروحه وهو المكلف ببيانه وبلاغه وتعليمه كما قال تعالى: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقال تعالى؛ (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فهو المعلم للمؤمنين إلى يوم الدين لذلك لا يؤخذ علم القرآن الكريم أساسا إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الأعلم به. هذا مهم جدا لنعلم قدر السنة وأنها بيان للتنزيل من رسول معصوم هو المرجع الأول في الدين، ليس فينا من كلمه الله ولا من سمع الله ولا من رأى الله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كل ذلك وزيادة. لأجل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم تلقوا عنه معرفة القرءان والشرائع ثم نقلوها لمن بعدهم إلى أن وصلتنا.
فمن يريد أن يفهم القرءان بمعزل عن من أنزل عليه القرءان وأمر ببيانه وتعليمه فهو ضال لا محالة.
كيف وصلنا القرءان الكريم؟ كيف وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)؟ وحي عن طريق جبريل عليه السلام إلينا؟ قطعا لا، بل عن طريق ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، ثم بعد ذلك بعلم الإسناد إلينا، فمن طعن في طريقة تدوين السنة النبوية يلزمه أن يطعن في طريقة وصول القرءان الكريم لأنهما نقلا بنفس الطريقة. نعم هناك تفاوت في درجات في ثبوت الأخبار لكن ذلك ينطبق على الكل، ويراعى.

وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم لا يقول إلا الحق كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)، وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: (حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) وهذا شأن كل الرسل، فإذا ثبت ذلك فإن كلامه لا يمكن أن يناقض كلام الله تعالى، لذلك أمرنا الله بطاعته فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وعليه يجب أن نأخذ الدين عنه والتفسير كما فسره علمنا كنهه أو لم نعلم، فكم من شيء مستنكر في زمان عرفت حقيقته في زمان آخر، والضابط هو أن النص إذا ثبت وجب الإيمان والتصديق، عقلنا أم لم نعقل، فلا نشترط فهم كيف عاشوا 309 سنة بلا أكل ولا شرب ولا قضاء حاجة لنؤمن بكرامة أهل الكهف مثلا. لذلك إذا ظهر لك تناقض بين الكتاب العزيز وما يحتج به من السنة فينبغي أولا أن تتهم نفسك بالجهل إن لم تكن من العلماء وهذا بدهي جدا، لأن الفهم الصحيح للكتاب أو السنة يتطلب علوما أساسية دقيقة يجب الإحاطة بها فيمن يريد الغوص في بحر الدين. وينبغي ثانيا أن تتهم قصور فهمك وتراجع من هو أفهم منك ففوق كل ذي علم عليم، هذه مراحل التوفيق، وإذا تعذر كل ذلك جاز للعلماء الترجيح فيقدم القرءان على ما سواه. والآفة أكثرها تأتي من تطفل الجهلاء على الكتاب والسنة، وتأتي من ادعاء البعض كمال الفهم، والفهم فيه جانب روحي باطني مهم مرتبط بصدق النية والتقوى والصلاح كما قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، فيلهم الله من شاء من عباده الصواب كقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
لذلك فالعلماء من الفقهاء والمفسرين وشراح السنة وعلماء اللغة وغيرهم يفسرون ويشرحون، وفي الأمر سعة للمفكرين في كل عصر لكن بضوابط علمية وليس فوضى.

وكذلك ينبغي الانتباه إلى أن الحياة ليست فقط مادية كما يظهر لنا، هناك أمور خفية لا تحصى ولا تعد.

العلاقة بين المحبة والاتباع والطاعة

لا يوجد مؤمن غير متبع وغير مطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا لما صلح أن يكون مؤمنا من الأساس، فالمؤمن الذي يشهد الشهادتين ويقيم أركان الدين ويطيع الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من أمور الشريعة هو متبع ومطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ربما تقع منه مخالفات، فالكلام في هذا السياق ينبغي أن يكون عن كمال الاتباع وكمال الطاعة، هل كمال الاتباع وكمال الطاعة علامة على صحة المحبة؟ ليس بالضرورة، من عدة وجوه:
▪ الطاعة وحدها لا تكفي لتكون علامة على صحة المحبة، فقد تطيع وأنت مجبر ومكره كما في العسكرية أو تحت تهديد السلاح مثلا أو تطيع بداعي الخوف أو نفاقًا، أو لغرض دنيوي. والمخالفة وحدها من الناحية الأخرى لا تكفي لتكون علامة على الجفاء وضعف المحبة، فقد تقع المخالفة من باب الأدب الجم وفرط المحبة مثلما أبى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أن يثبت في الصلاة عندما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره بالثبات. وقد تقع من باب الغيرة وفرط المحبة مثلما أبى سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن يمحو اسم النبي صلى الله عليه وسلم من الصحيفة يوم الحديبية، وقد تقع بسبب مرض أو ابتلاء أو ضعف في العزيمة وغير ذلك، وشارب الخمر الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحبة خير مثال.
▪ المحبة نفسها عمل من أعمال القلوب أمرت الشريعة بالمبالغة في تحريه وتحصيله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه)، فهي نفسها اتباع وطاعة.
▪ المحبة شعور قلبي لا ادعاء فيه ولا تكلف ف لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم العلامة عليها الشوق للمحبوب، كما تقدم في حديث الإمام مسلم: (إن من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم أن لو رآني بأهله وماله).
▪ لو كانت الطاعة علامة على صحة المحبة لما قال المعصوم صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي أتى يسأل عن الساعة: "أنت مع من أحببت"، كان الأولى أن يقول له ما ينبغي أن تدعي المحبة وأنت ليس عندك عمل، إرجع واعمل.
▪ ما ينسب للإمام الشافعي من قوله:
إن كان حبك صادقًا لأطعته ××× إن المحب لمن يحب مطيع
يليق بأهل الورع والكمال من خاصة أهل الله وليس عامًا لكل الناس، وإلا لكان كل مؤمن عاص غير صادق في حبه، فكيف يشهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى لمدمن أم الكبائر بحب الله ورسوله؟ وهذا الحديث الصحيح المخرج في البخاري يكفي لتقرير عدم ارتباط الطاعة بالمحبة لأن التشريع يكفي فيه نص صحيح واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقم دليل بالتخصيص، فكيف إذا تقرر ذلك بأكثر من نص يحتج به؟
▪ أما كون المحبة فرع أو ثمرة، فإن الفرع يحتمل أكثر من ثمرة، لذلك الطاعة فرع من المحبة، تفرع عنها لأنها الباعث عليها.
▪ قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) تناول بالذكر محبة الله الموجبة للإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، وامتحن من أراد أن يفرق بين الله ورسوله، فمن يزعم أنه يحب الله يتعين عليه أن يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس من يحب رسول الله يتعين عليه أن يتبعه لأن هذا بدهي كما ذكرنا في البداية، فأي مؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخلو من اتباع له. كما أن الاتباع في هذه الآيات أقرب إلى الإيمان منه إلى الطاعة، فالآيات مستخدمة في غير سياقها الذي يستدلون بها عليه.

عن أهل الكتاب في هذا العصر

طبعا الذين عبدوا عزيرا وعيسى والذين نسبوا لله الولد وتطاولوا على الله هؤلاء كفار ومشركون باتفاق، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)
وقال تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)
وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم).
وقال تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)
وغير ذلك من الآيات التي تصف حال أهل الكتاب في العهد النبوي. وهؤلاء الكفار هم غالبية أهل الكتاب اليوم مع الأسف إن لم يكونوا كلهم، أما الذين مدحهم الله في كتابه العزيز فهم قليل بدليل الاستثناء بالتبعيض بعد الذم في قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)
ثم استثنى بعضهم فقال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)، وهذا الاستثناء يدل على أن الممدوحين هم السابقون وليس المعاصرون، ويؤيده نعتهم بالذين (كفروا من أهل الكتاب) في سورة الحشر وهي مدنية، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، ويؤيده أيضا كثير من آي التنزيل منها قوله تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الخطاب لأمة النبي صلى الله عليه وسلم ووصف فيه أهل الكتاب أنهم يكفرون بآيات الله.
ومن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم من الصالحين منهم أسلم، كسيدنا عبد الله بن سلام، وسيدنا سلمان الرومي وكعب الأحبار وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، كما قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)، وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
لذلك لا يوجد صالح من أهل الكتاب يأبى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله بشرهم بها وأمرهم باتباعها، بل كانوا يستفتحون بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته ويستتصرون به كما قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).
لذلك إن كانوا مؤمنين بالله فيلزمهم الإيمان برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه رسول ربهم بشرهم به الله تعالى في كتبهم كلها وأخبرهم عنه وعن أوصافه كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ولأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كما قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
فوجب عليهم الإيمان به واتباعه عملا بما جاء في كتبهم السماوية، فمن اتبعه أفلح ونجا ومن أبى خاب وخسر وناله عذاب لعصيانه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار) أخرجه مسلم

ولا يعفيهم ادعاؤهم أنهم يؤمنون بالله ويحبونه أن يتهربوا من الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

بل إن الأنبياء السابقين لو أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب عليهم الإيمان به وأتباعه كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) رواه أحمد والبيهقي.
فلو وجدنا اليوم من أهل الكتاب موحدا ولم يسلم فإنه عاص تجب عليه النار.

السبت، 20 أكتوبر 2018

ردود سريعة على شبهات حول مشروعية الإحتفال بالمولد النبوي الشريف

🍃🍂ردود سريعة على شبهات حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

(1) 👈قالوا: المولد بدعة، والنبي ﷺ قال: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).
✍الجواب:
⚪ عندما ترد عبارة "بدعة" في النصوص الشرعية وكلام العلماء فإن المقصود بها البدعة الضلالة أو البدعة المذمومة، وذلك لأن البدعة عند أهل العلم تنقسم إلى محمودة ومذمومة. قال الإمام الشافعي (ت 204هـ) رضي الله عنه: "البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي"[1]
وقال الإمام العلامة أبو سليمان الخطابي (ت 388هـ) في شرح سنن أبي داود:
"وقوله كل محدثة بدعة فإن هذا خاص في بعض الأمور دون بعض، وكل شيء أحدث على غير أصل من أصول الدين وعلى غير عياره وقياسه. وأما ما كان منها مبنياً على قواعد الأصول ومردود إليها فليس ببدعة ولا ضلالة"
وقال الإمام الحافظ القرطبي (ت 672هـ) في تفسيره:
"كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أن يكون لها أصل في الشرع أو لا، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحض رسوله عليه، فهي في حيز المدح. وإن لم يكن مثاله موجوداً كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعله من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه. ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه"
وقال الإمام الحافظ ابن الأثير (ت 630هـ) في النهاية: «البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ، فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه أو رسوله فهو في حيز المدح»
وقال: «والبدعة الحسنة في الحقيقة سنّة، وعلى هذا التأويل يحمل حديث "كل محدثة بدعة" على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة».
وقـال الإمام الحافظ تقي الدين السبكي (ت 756هـ): "البدعة فـي الشرع إنما يراد بها الأمر الحادث الذي لا أصل له في الشرع، وقد يطلق مقيداً، فيقال: بدعة هدى، وبدعة ضلالة". انتهى
وقال ابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ): «والمراد بالبدعة ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة»
⚪ هذه بعض تعريفات أهل العلم سلفًا وخلفًا للبدعة، وعلى هذا الفهم أيضًا أكابر أهل العلم كسلطان العلماء العز بن عبد السلام، وحجة الإسلام الغزالي، والحافظ ابن الجوزي، والإمام الحافظ النووي، والإمام العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام الحافظ العلامة بدر الدين العيني الحنفي، والإمام العلامة الحافظ السيوطي، والإمام العلامة أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي، والإمام العلامة الزرقاني المالكي وخلق كثير من أهل العلم لا يتسع المقام لذكرهم.
⚪ من أمثلة البدع الحسنة، صلاة التهجد في جماعة، جمع القرءان، تنقيط المصحف، وتشكيله، وتلوينه وتبيين أحكام التجويد وأماكن الوقف فيه، وتصنيف العلوم الشرعية كعلم الحديث وأصول الفقه، قيام المدارس والمعاهد الدينية، قيام المؤتمرات والندوات الإسلامية والأسابيع الدعوية، وإقامة المسابقات الدينية في حفظ وتلاوة القرآن الكريم.. إلخ.
⚪ تعريف البدعة الخاطئ الذي يتم الترويج له هذه الأيام منسوب للفقيه الأشعري أبي اسحاق الشاطبي المتوفى سنة 790هـ وهو مخالف لما عليه جمهور أهل العلم المعتبرين من السلف والخلف.
⚪ قوله ﷺ: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" من العام المخصوص كما بينه أهل العلم، وهو مبسوط بشرحه في كتب أهل العلم المذكورين.
⚪ جعل أهل العلم الضابط على البدعة الحسنة أن يكون لها أصل من الدين يدل عليها. قال الإمام العلامة التفتزاني (ت 792هـ) في شرح المقاصد: «ومن الجهل من يجعل كل أمر لم يكن في عهد الصحابة بدعة مذمومة، وإن لم يقم دليل على قبحه، تمسكاً بقوله عليه الصلاة والسلام: "إياكم ومحدثات الأمور" ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل من الدين ما ليس منه» وقال المباركفوري (1334 هـ) في "تحفة الأحوذي": "والمراد بالبدعة: ما أُحدث ممَّا لا أصل َله في الشريعة يدلُّ عليه، وأمَّا ما كان له أصل من الشَّرْع يدلُّ عليه، فليس ببدعة شَرْعًا". أهـ
⚪ أصَّل المحققون من أهل العلم للمولد من جملة من الأدلة الصحيحة، ومنها حديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم الأثنين، فقال: (ذلك يوم فيه ولدتُّ، وفيه أنزل عليَّ) [أخرجه مسلم] وهذا صريح في التنبيه إلى عظمة ميلاد النبي ﷺ. ومن قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)، ففضل الله هو العلم ورحمته هو رسول الله ﷺ وهذا أمر رباني صريح بالفرح برسول الله ﷺ وأولى الفرح يكون باليوم الذي ولد فيه. قال الإمام الحافظ السيوطي في تفسيره [الدر المنثور]:
"أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: فضل الله العلم ورحمته محمد ﷺ قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [سورة الأنبياء: 107]"
وقال الحافظ ابن الجوزي في [زاد المسير في علم التفسير]:
"فضل الله: العلم، ورحمته: محمّد ﷺ، رواه الضحاك عن ابن عباس."
وقال أبو حيان الأندلسي في [البحر المحيط]:
"وقال ابن عباس فيما روى الضحاك عنه: الفضل العلم والرحمة محمد ﷺ."
⚪ وأصلوا له أيضًا من إخبار النبي ﷺ صحابته ما جرى في ميلاده العظيم، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قَال: سَمِعْت رسول اللَّه ﷺ يَقُول: (إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك أني دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين وإن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام) أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم وفي حديث أبي أمامة عند أحمد نحوه اهـ
⚪ وأصَّل الحافظ ابن حجر العسقلاني للمولد من حديث عاشوراء حيث قال: "وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم؟"
⚪ وأصَّل الحافظ السيوطي للمولد من حديث أنه ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة حيث قال: "وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات" ذكره السيوطي في [حسن المقصد في عمل المولد]

فعلى رأي جماهير علماء الأمة فإن المولد عمل صالح يندب خاصة في هذه العصور المتأخرة التي كثر فيها الإنشغال عن رسول الله ﷺ وعن تعظيمه ومدارسة سيرته وشمائله وأوصافه.

(2) 👈قالوا: حديث أنه ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة روايته ضعيفة.
✍الجواب:
لا يحكم على الحديث بالضعف من طريق واحدة ولكن من كل الطرق، أما الطريق الضعيفة فهي طريق عبد الله بن المحرر وهو ضعيف، لكن هناك طريق أخرى صحيحة، أخرجه الطبراني في الأوسط قال: حدثنا أحمد قال: نا الهيثم قال: نا عبد الله بن المثنى عن ثمامة، عن أنس، أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد ما بعث نبيًّا.
قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل، وهو ثقة، وأخرجه عبدُ الرزَّاقِ في «المصنَّف» (٤/ ٣٢٩) رقم: (٧٩٦٠)، وابنُ حبَّان في «الضعفاء» (٢/ ٣٣)، مِن طريق قتادةَ عن أنسٍ رضي الله عنه. كما أخرجه الطحاويُّ في «مُشْكِل الآثار» (١/ ٤٦١)، وابنُ حزمٍ في «المحلَّى» (٨/ ٣٢١)، مِن طريق ثُمامةَ بنِ أنسٍ عن أنسٍ رضي الله عنه.
⚪ لم يجد ألألبانيُّ بُدًا من تصحيحه، «السلسلة الصحيحة» (٦/ ١/ ٥٠٢) برقم: (٢٧٢٦).

(3) 👈قالوا: قال ابن الماجشون سمعت مالكًا يقول: "من ابتدع في الاسلام بدعة يراها حسنه فقد زعم ان محمدًا ﷺ، خان الرسالة لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا."
✍الجواب:
⚪ هذا الأثر لا يثبت عن الإمام مالك لأن في سنده عبد الملك بن حبيب السلمي، وهو ضعيف. قال الحافظ في لسان الميزان: "كثير الوهم صحفي وكان بن حزم يقول: ليس بثقة، وقال الحافظ أبو بكر بن سيد الناس في تاريخ احمد بن سعيد الصدفي توهنه عبد الملك بن حبيب وانه صحفي لا يدري الحديث وقال أبو بكر: وضعفه غير واحد، ثم قال وبعضهم اتهمه بالكذب. قال بن حزم روايته ساقطة مطرحة". قال القاضي عياض في ترتيب المدارك "وحكى الباجي وابن حزم أن أبا عمر بن عبد البر كان يكذبه".
⚪ ولو افترضنا جدلًا ثبوت ذلك عن الإمام مالك فليس فيه حجة لأن أهل العلم سلفًا وخلفًا يقسمون البدعة إلى محمودة ومذمومة، وعبارة "بدعة" عند الإطلاق يراد بها البدعة الضلالة، تؤيده الزيادةُ التي أخرجها الحافظُ الترمذي من حديث عبد الله بن عبدالرحمن وحسَّنه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لبلال بن الحارث رضي الله عنه: "ومَن ابتدعَ بدعةً ضلالة"؛ لذا فالبدعة لا تُذمُّ بإطلاق، بل بِشَرْط أن تكون ضلالة، وأن تكون مخالِفةً لكليات الشريعة، فاقتضى هذا كلُّه أنَّ البدعة إذا لم تكنْ كذلك لم يَلْحقْها ذمٌّ، ولا يَتْبَع صاحبَها وزر. قال الإمام الحافظ السبكي: "فالبدعة عند الإطلاق لفظ موضوع في الشرع للحادث المذموم لا يجوز إطلاقه على غير ذلك، وإذا قيدت البدعة بالمستحبة ونحوه فيجوز، ويكون ذلك للقرينة، ويكون مجازا شرعيًا حقيقة لغوية" اهـ فيحمل كلام الإمام مالك على البدعة المذمومة.
⚪ قوله تعالى: (اليوم أكلمت لكم دينكم) لا يقتضي أن الدين قد اكتمل بكل أصوله وفروعه في ذلك اليوم لأن هذه الآية ليست آخر ما نزل من القرءان الكريم، بل آخر ما نزل هو قوله تعالى: (واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله). هذا فضلًا عن أن النبي ﷺ عاش شهورًا بعد نزول هذه الآية يفعل، ويتكلم، ويقر وهذا كله سنة، وكله دين. لذا لا يصلح الاحتجاج بها في هذا السياق.
⚪ بعد انتقال النبي ﷺ اكتملت أركان الدين وأصوله وبقيت مسائل فرعية مفتوحة إلى يوم القيامة كالإجتهاد في الدين، وتفسير القرءان الكريم، وبيان عجائب القرءان كمعاني الحروف المقطعة، والإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، والسنن الحسنة وتجديد معاني الدين، وكل ذلك من الدين بلا شك.
⚪ لا يجوز أن يقال عن البدعة الحسنة: (ما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا) لأن البدعة الحسنة كانت دينًا يومئذ لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وقرره أهل العلم.
⚪ ثبت عن الإمام مالك أنه كان لا يمشي منتعلًا في المدينة المنورة ولا راكبًا دابة حتى لا يطأ حافرها موضعًا وطئته أقدام المصطفى ﷺ، وهذا من باب الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ. ومع ذلك لم يثبت هذا عن الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي ﷺ، فهل نقول فيه: (ما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا)؟ بل هو دين لأننا مأمورون بتوقير النبي ﷺ إطلاقًا.

(4) 👈قالوا: المولد لم يفعله الرسول ﷺ ولا الصحابة ولا التابعون، فلو كان خيرًا لسبقونا إليه.
✍الجواب:
⚪ ليس في ذلك حجة لأن الترك أوعدم الفعل لا يقتضي المنع أو النهي، فقد يكون الترك سهوًا، أو رحمةً، وتخفيفًا، وعفوًا، أو لعدم بروز الحاجة، أو لغير ذلك. فقد ترك ﷺ بعضًا من الصلاة سهوًا للتشريع، وترك التراويح في جماعة خشية أن تفرض تخفيفًا على الأمة، وترك هدم البيت وبناءه على أساس سيدنا إبراهيم عليه السلام رحمةً ومراعاةً لحال المسلمين آنذاك فقد كانوا حديثوا عهد بالكفر[1]، وترك أكل الضب لأنه عافه ﷺ[2] مع أنه مباح، وقال النبي ﷺ عن المباح والذي هو أصل الأحكام في الدين: (وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها).
⚪ الداعي الأكبر إلى تشريع السنن الحسنة واستحسان أمور لم تكن في الصدر الأول هو الحاجة، والدين مرن: (وما جعل الله عليكم في الدين من حرج). خذ مثالًا على ذلك جمع القرءان الكريم. فإن النبي ﷺ لم يجمعه، بل بدأ جمعه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، هل نقول لو كان خيرًا لسبقه إلى جمعه النبي ﷺ؟
لا يقول ذلك عاقل، فعلى عهد النبي ﷺ لم تكن هنالك حاجة إلى جمع القرءان، إذًا متى برزت الحاجة؟ برزت عندما كثر القتلى في القراء يوم اليمامة، وخُشي عليهم الإنقراض وذهاب القرءان الذي صدورهم. جاء في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت، قال: بعث إليَّ أبو بكر لمقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: "إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن"، قلت: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟»، فقال عمر: "هو والله خير"، فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: «وإنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن، فاجمعه»، قال زيد: "فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كلفني من جمع القرآن، قلت: "كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟" قال أبو بكر: «هو والله خير»، فلم يزل يحث مراجعتي حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، ورأيت في ذلك الذي رأيا، فتتبعت القرآن، أجمعه من العسب والرقاع واللخاف وصدور الرجال. وكذلك عندما كثر دخول الأعاجم في الإسلام برزت الحاجة إلى تنقيط المصحف وتشكيله وكان هذا على عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. وعندما تفشى الكذب على رسول الله ﷺ وخشي على السنة الضياع برزت الحاجة إلى علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، وغير ذلك من الأمثلة، فهل نقول: لو كان تنقيط المصحف وتشكيله خيرًا لسبقنا إليه النبي ﷺ وصحابته؟ أو لو كان تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف وموضوع خير لسبقنا إليه رسول الله ﷺ؟ هذا منطق عقيم حري ألا يلتفت إليه.
⚪ برزت الحاجة إلى المولد كتظاهرة -سنوية على الأقل- تحيي ذكرى النبي ﷺ في الوجدان عندما تطاول الأمد، وطال العهد، وبعدت الأمة، وكثر الإنشغال عن رسول ﷺ، وكثر الجهل به وبقدره العظيم، وضعف حضوره في قلوب بعض الشباب، فصار اليوم المطرب أو لاعب الكرة أو المصارع أهم منه وهو ﷺ الذي نصت الشريعة على أن يكون أحب إلى قلوب المسلمين وأولى عندهم من النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين، أليس هذا واقع كارثي وحاجة مُلِحَّة؟!
⚪ وعليه فهل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة أم بدعة حسنة؟ هو سنة قولية وفعلية مؤكدة، أما قولية فلقوله ﷺ عندما سئل عن صيام يوم الأثنين: (ذلك يوم فيه ولدت) فبين فيه ﷺ عظمة يوم الأثنين وأنه ذكرى يوم ميلاده الشريف واختاره الله تعالى لينزل عليه القرءان. أما سنة فعلية مؤكدة فلأنه ﷺ كان يداوم على صيام يوم الأثنين وكان يصومه الصحابة أيضًا ويحرصون على صيامه، وسنة فعلية كذلك لأنه ﷺ عق عن نفسه بعد أن بعث نبيًّا، والعقيقة (السماية) احتفال بالميلاد ولا تعاد، وقد أعادها رسول الله ﷺ وعمره الشريف بين الخمسين والستين وفي ذلك تأكيد على أهمية ذكرى الميلاد. وثبت كذلك أنه ﷺ جمع الصحابة رضوان الله عليهم وحدثهم عن ميلاده الشريف وأن أمه السيدة آمنة أخبرته أنه لما وُلد خرج معه نور أنار قصور كسرى والشام.
وقد أصَّل له بعض العلماء من باب البدعة الحسنة، فأصَّل له الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني من حديث عاشوراء المخرَّج في صحيح البخاري، فلا شك أن نعمة ميلاد الرحمة المهداة والنعمة المسداة ﷺ أعظم من نعمة إنجاء موسى عليه السلام من فرعون. وأصَّل له الإمام الحافظ السيوطي من حديث أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة[3].
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] جاء في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السّلام فإنَّ قريشاً استقصرت بناءه"
[2] وجاء في الصحيحين أنه قدّم إليه صلّى الله عليه وسلّم ضب مشوي فمد يده الشريفة ليأكل منه فقيل إنّه ضب، فأمسك عنه. فسئل: أحرام هو؟ فقال: "لا، ولكنّه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه"!
[3] حسن المقصد في عمل المولد للإمام الحافظ السيوطي.

(5) 👈قالوا: المولد لم يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، فهل تحبون رسول الله ﷺ أكثر منهم؟
✍الجواب:
⚪ تقدم في جواب الشبهة رقم (4) أن الترك ليس فيه حجة للمنع أو النهي، فقد يكون الترك سهوًا، أو رحمةً، وتخفيفًا، وعفوًا، أو لعدم بروز الحاجة، أو لغير ذلك مما لا يوجب المنع أو يقتضي النهي.
⚪ تقدم بيان أن الدافع الشرعي لعمل أمور لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ هو الحاجة، فالحاجة إلى إحياء سيرة النبي ﷺ عند ذكرى ميلاده برزت عندما مرت قرون على انتقاله، وقل الذين يذكِّرون الناس به، وكثرت المشاغل عنه، وكثرت الفتن في أمته ﷺ.
⚪ الصحابة لم ينقطوا المصحف الشريف ولا شكَّلوه، ولا بينوا عليه علامات الوقف والتجويد، ولا ألفوا الكتب في علم القراءات، ولا نظَّموا المسابقات المحلية والعالمية في تلاوة القرءان الكريم، فهل يقتضي ذلك أننا نحب القرءان أكثر منهم؟! قطعًا لا، لكن برزت الحاجة إلى ذلك عندما كثر دخول الأعاجم في الإسلام وخشي عليه من اللحن والتحريف، واتسعت رقعة بلاد الإسلام بالفتوحات وقل القراء في الأمصار البعيدة. وعندما قلت في القرون المتأخرة العناية بالقرءان الكريم وحفظه برزت الحاجة لمعالجة ذلك فاستحسن المسلمون تنظيم مسابقات محلية وعالمية في حفظ القرءان الكريم ترصد لها جوائز معنوية ومادية عظيمة تكون دافعًا ومشجعًا للأمة على زيادة العناية بالقرءان الكريم وحفظه.
⚪ قال الإمام الشافعي المتوفى سنة 204 هجرية: رأيت بباب مالك -المتوفى سنة 179 هجرية- كراعًا من أفراس خراسان وبغال مصر فقلت: "ما أحسنها!" فقال: "هي هبة مني إليك."
فقلت: "دع لنفسك منها دابة تركبها."، قال: "أنا أستحي من الله أن أطأ تربة نبي الله بحافر دابة." [1]
وهذا المسلك في الأدب مع رسول الله ﷺ لم يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، ومع ذلك ما قال الشافعي ولا أحد من التابعين للإمام مالك رضي الله عنه: هل تحب رسول الله ﷺ وتعظمه أكثر من الصحابة؟! وهم علماء القرون المفضلة؟!
⚪ ثبت عن سيدنا عبد الله مسعود رضي الله عنه قوله: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيء"، وقد رفعه بعض الحفاظ والمحدثين وقالوا إن ذلك من كلام النبي ﷺ رواه عنه سيدنا عبد الله بن مسعود. ويؤيده قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، وقوله ﷺ: "يد الله مع الجماعة"، وقوله ﷺ: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة"، ويؤيده فعل الصحابة في استحسانهم واختيارهم لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه خليفة لرسول الله ﷺ وأميرًا للمؤمنين.
وقد استحسنت الأمة وأكابر علمائها وحفاظها عمل المولد، وصنَّفوا فيه التصانيف البديعة. قال إمام الحديث في زمانه وشيخ الإمام الحافظ النووي، الحافظ العلامة أبو شامة المقدسي المتوفى سنة 665 هجرية في كتابه [الباعث في إنكار البدع والحوادث]: "وَمن أحسن مَا ابتدع فِي زَمَاننَا من هَذَا الْقَبِيل مَا كَانَ يفعل بِمَدِينَة اربل جبرها الله تَعَالَى كل عَام فِي الْيَوْم الْمُوَافق ليَوْم مولد النَّبِي ﷺ من الصَّدقَات وَالْمَعْرُوف واظهار الزِّينَة وَالسُّرُور، فان ذَلِك مَعَ مَا فِيهِ من الإحسان الى الْفُقَرَاء، مشْعر بمحبة النَّبِي ﷺ وتعظيمه وجلالته فِي قلب فَاعله، وشكرًا لله تَعَالَى على مَا من بِهِ من ايجاد رَسُوله الَّذِي أرْسلهُ رَحْمَة للْعَالمين ﷺ وعَلى جَمِيع الْمُرْسلين". وممن أجاز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من أكابر أهل العلم والحفاظ وصنَّف فيه:
▪ الإمام الحافظ ابن الجوزي [توفي 597هـ]: له مولد باسم "العروس"، وقد طبع في مصر بتحقيق الدكتور عبد الحفيظ البقالي الغزواني.
▪الإمام الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي [توفي 633هـ]: له مولد باسم "التنوير في مولد البشير النذير".
▪الإمام الحافظ أبو العباس العَزَفي [توفي 633هـ]: له مولد باسم "الدر المنظم في مولد النبي المعظم".
▪الإمام الحافظ ابن كثير صاحب التفسير [ت 774هـ]: له (مولد رسول الله ﷺ) طبع بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، طبع دار الكتب ببيروت.
▪الإمام الحافظ عبد الرحيم العراقي [توفي 808هـ]: له مولد باسم "المورد الهني في المولد السني".
▪إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري [توفي 833هـ]: له مولد باسم "عرف التعريف بالمولد الشريف".
▪الإمام الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي [توفي 842هـ]: له مولد باسم "مورد الصادي في مولد الهادي" وكذلك له "جامع الآثار في مولد المختار" و"اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق".
▪الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي [توفي 902هـ]: له مولد باسم "الفخر العلوي في المولد النبوي".
▪الإمام الحافظ علي زين العابدين السمهودي [توفي 911هـ]: له مولد اسمه "الموارد الهنية في مولد خير البرية".
▪الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي [توفي 911هـ]: له مصنف باسم "حسن المقصد في عمل المولد".
▪الإمام الحافظ عبد الرحمن بن علي بن محمد الشيباني المعروف بابن الديبع [توفي 944هـ].
▪الإمام المحدث الفقيه ابن حجر الهيتمي [توفي 974هـ]: له مولد باسم "إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم".
▪الإمام المحدث الفقيه ملا علي قاري [توفي 1014هـ]: له مولد باسم "المورد الروي في المولد النبوي".
▪الإمام المحدث الفقيه محمد عبد الرؤوف المناوي صاحب "فيض القدير شرح الجامع الصغير" المتوفى سنة 1031 هـ.

وممن أجازه من أهل العلم ولم يصنف فيه، الإمام الحافظ العلامة أبو شامة المقدسي [توفي 665هـ]، والإمام الحافظ العلامة ابن حجر العسقلاني [توفي 852هـ]. حتى ابن تيمية [توفي 728هـ] قال في كتابه [اقتضاء الصراط المستقيم]: "فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله ﷺ" انتهى
ومن المعاصرين الذين ينتمون لمؤسسات دينية كانت تحارب الإحتفال بالمولد النبوي الشريف الشيخ عبد الله المطلق، المستشار بالديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية حيث قال: "إن المحتفلين بالمولد النبوي ليسوا كلهم على خطأ"، مشيراً إلى أن هناك منهم من يستغل هذه الفرصة للتعريف بالرسول ﷺ ونقل الصحيح من أخباره وسيرته ومنهجه، بحكم أن الناس يستمعون فيها إلى سيرته أكثر من غيرها، واعتبر المطلق هذا من "أفضل الأعمال، ومن انتهاز الفرص لإسماع الناس الخير".
ولم يشذ عن جمهور هؤلاء العلماء إلا قلة مغمورون لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، عاشوا في القرن السابع والثامن الهجري، فعاصروا ابن تيمية وتأثروا بفكره المنحرف المتحامل على تعظيم الأمة لرسول الله ﷺ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض.

(6) 👈قالوا: المولد أحدثه الفاطميون الروافض.
✍الجواب:
⚪ استند المحتفلون بالمولد على تأصيل شرعي متين من الكتاب والسنة على فهم أهل العلم المعتبرين ولم يأخذوه عن أحد آخر.
⚪ عندما وجد النبي ﷺ اليهود يصومون عاشوراء بمناسبة ذكرى إنجاء الله تعالى لموسى عليه السلام من فرعون قال لهم: "نحن أولى بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه، لم يمنعه من شكر نعمة الله تعالى أن اليهود سبقوه إليها بل قرر لهم أننا نحن المسلمين أولى بذلك، وكذا في ذكرى ميلاد النبي ﷺ فنحن أولى به من غيرنا كائنًا من كان.
⚪ الإحتفال بالمولد الذي عرفه أهل السنة والجماعة وتقبلته الأمة بالقبول كان أول من أقامه هو الملك المظفر صاحب إربل. قال الحافظ السيوطي(ت 911هـ) في حسن المقصد: "وأول من أحدث فعل ذلك صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدّين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وكان له آثار حسنة، وهو الذي عمَّر الجامع المظفري بسفح قاسيون".
⚪ وقال الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي (ت 665هـ) في الباعث: "وَمن أحسن مَا ابتدع فِي زَمَاننَا من هَذَا الْقَبِيل مَا كَانَ يفعل بِمَدِينَة اربل جبرها الله تَعَالَى كل عَام فِي الْيَوْم الْمُوَافق ليَوْم مولد النَّبِي ﷺ من الصَّدقَات وَالْمَعْرُوف واظهار الزِّينَة وَالسُّرُور فان ذَلِك مَعَ مَا فِيهِ من الاحسان الى الْفُقَرَاء مشْعر بمحبة النَّبِي ﷺ وتعظيمه وجلالته فِي قلب فَاعله وشكرا لله تَعَالَى على مَا من بِهِ من ايجاد رَسُوله الَّذِي أرْسلهُ رَحْمَة للْعَالمين ﷺ وعَلى جَمِيع الْمُرْسلين". انتهى
⚪ وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى صاحب إربل:
"أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد، له آثار حسنة وقد عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون... وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالًا هائلًا، وكان مع ذلك شهمًا شجاعًا فاتكًا بطلًا عاقلًا عالمًا عادلًا رحمه الله وأكرم مثواه. وقد صنف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلدًا في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه على ذلك بألف دينار"أهـ
⚪ وقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى صاحب إربل:
"وأما احتفاله بالمولد، فيقصر التعبير عنه؛ كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة، وتنصب قباب خشب له ولأمرائه وتزين، وفيها جوق المغاني واللعب، وينزل كل يوم العصر، فيقف على كل قبة ويتفرج، ويعمل ذلك أياما، ويخرج من البقر والإبل والغنم شيئا كثيرا، فتنحر، وتطبخ الألوان، ويعمل عدة خلع للصوفية، ويتكلم الوعاظ في الميدان، فينفق أموالا جزيلة. وقد جمع له ابن دحية -الحافظ- (كتاب المولد)، فأعطاه ألف دينار. وكان متواضعًا، خيرًا، سُنِّيًّا، يحب الفقهاء والمحدثين"

(7) 👈قالوا: لم يثبت تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
✍الجواب:
قال ابن كثير في البداية والنهاية: "قيل: لثنتى عشرة خلت منه، نصَّ عليه ابن إسحاق، ورواه ابن أبى شيبة في "مصنفه" عن عفان عن سعيد بن ميناء عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الأثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات. وهذا هو المشهور عند الجمهور."

(8) 👈قالوا: لماذا لا تكتفون بصيام يوم الأثنين كما فعل النبي ﷺ والصحابة؟
✍الجواب:
⚪ مداومة النبي ﷺ على صيام يوم الأثنين يشرع التنبيه لعظمة ميلاد النبي ﷺ ويلفت النظر إلى التعرض لنفحات تلك الذكرى العظيمة بما يستوجب الشكر على الرحمة المهداة والنعمة المسداة.
⚪ الغرض من الاحتفال بالمولد اليوم هو الاستمرار في تنبيه الأجيال وتذكيرهم بعظمة النبي ﷺ، فكيف سيصوم من لا يعرف قدر نبيه وعظمة نعمة ميلاده؟! يجب أن يعرف أولًا، لذلك نحتاج إلى المولد لإبقاء ذكرى الميلاد حية في الوجدان لنهيئ الأجيال للإحساس بنعمة الميلاد بما يؤهلهم للصيام شكرًا لله عليها.
⚪ ليس بمقدور الجميع الصيام، قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فالمريض، والمسافر، والطفل الصغير، والحامل، والنفساء، والمرضع، قد لا يستطيعون الصيام بحسب الحالة، لكن من حق الجميع الفرح برسول الله ﷺ وذكرى ميلاده.
⚪ كثير من المسلمين اليوم يصومون كل أثنين فرحًا بميلاد النبي ﷺ، لكن يستفاد من حديث صيام يوم الأثنين أيضًا في تأصيل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف كل سنة في الثاني عشر من ربيع الأول لأن الحديث يلفت النظر لذكرى الميلاد.
⚪ كونه ﷺ دوام على صيام يوم الأثنين، وجمع الصحابة وعق عن نفسه بعد النبوة وعمره الشريف فوق الثلاث والخمسين سنة، وجمع الصحابة وحدثهم عن ميلاده الشريف، كل ذلك لتشريع تعدد طرق الاحتفال بذكرى الميلاد.

(9) 👈قالوا: المولد تشبه بالكفار ومجاراة لهم في عيد ميلاد المسيح.
✍الجواب:
⚪ عندما كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس، هل كان هذا تشبهًا بأهل الكتاب أم حق وافق؟
⚪ وعندما قال رسول الله ﷺ: (خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله) هل كان هذا تشبهًا بأهل الكتاب أم حق وافق؟
⚪ وعندما وجد النبي ﷺ اليهود يصومون عاشوراء بمناسبة ذكرى إنجاء الله تعالى لموسى عليه السلام من فرعون، وقال: "نحن أولى بموسى منكم" وأمر بصيامه، هل كان هذا تشبهًا بأهل الكتاب أم حق وافق؟
⚪ إذًا إذا وافق الحق أهل الكتاب لا نخالف بل نكون نحن الأولى، فنحن أحق بالحق أينما وجد لأننا خير أمة أخرجت للناس، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها.
⚪ لقد أثنى النبي ﷺ على حلف الفضول الذي حدث في الجاهلية وقال عنه: «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت»، فهل ذمه لأنه كان أيام الجاهلية ودعا إليه المشركون؟ بل أثنى عليه وقرر أنه لو دعي إليه في الإسلام لأجابه.
⚪ لا علاقة بين مسلم يحتفل بذكرى ميلاد النبي ﷺ مستندًا على أدلة شرعية من الكتاب والسنة على فهم أهل العلم المعتبرين، وبين من يحتفل بميلاد عيسى عليه السلام على سبيل الاعتياد، بل هو نصراني ينسب لله الولد ويؤمن بالثالوث.
⚪ ضابط التشبه هو أن تقصد بعملك مشابهة المتشبه به ومحاكاته ومماثلته بغية أن تنتسب إليه، وتندرج في سياقه، وتحسب منه، وهذا معدوم في إقامة المولد لأن النية هي إحياء ذكرى النبي ﷺ في نفوس الأمة ونشر المعرفة به ﷺ وبصفاته وشمائله وسيرته وسنته وليس تشبهًا بأحد.

(10) 👈قالوا: المولد قد يشتمل على بعض المنكرات والمحظورات لذلك هو باطل.
✍الجواب:
إن اختلاط الرجال بالنساء في الحج والعمرة معلوم، واستحباب خروج النساء لصلاة العيد وشهود الخير ودعوة المسلمين ثابت لما رواه الشيخان عن أم عطية رضي الله عنها قالت: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن -أي الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ- في الفطر والأضحى» ومع ذلك فلو وقعت منكرات أو محظورات في الاجتماع للحج أو العمرة أو صلاة العيدين أو صلاة الجمعة لوجب إنكارها بدون أن يعني ذلك إبطال الحج والعمرة وصلاة العيدين وصلاة الجمعة. يجب إنكار كل فعل قبيح جاز أن يقع في ساحات الاحتفال بالمولد النبوي الشريف دون أن يكون ذلك ذريعة إلى إبطال أصل الاحتفال.

(11) 👈قالوا: لماذا لا تحتفلون بيوم مماته أيضًا وقد وافق يوم ولادته؟
✍الجواب:
⚪ الله تعبدنا في الميلاد بإظهار الفرح والسرور، وبشكر النعمة، لذلك شرع لنا العقيقة (السماية) وهي وليمة يدعى لها الناس شكرًا لله وتعبيرًا عن الفرح والسرور، أما في الوفاة فإن الله تعالى تعبدنا بالصبر والسلوان.
⚪ الموت لم يغيب النبي ﷺ فهو ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى حي وحاضر لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [سورة الجمعة: 2 - 4]
عن مجاهد في قول الله: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال: "من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وعن ابن زيد قال: "هؤلاء كلّ من كان بعد النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى يوم القيامة، كلّ من دخل في الإسلام من العرب والعجم" [تفسير الطبري]
ولقوله ﷺ: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)[1]
ولقوله ﷺ: (حياتي خير لكم تُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيتُ من خيرٍ حمدتُّ الله عليه، وما رأيتُ من شرٍ استغفرتُ الله لكم)[2]
ولقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) [سورة البقرة: 154] فإذا كان الشهداء أحياء فكيف بالأنبياء؟ وكيف بسيدهم ﷺ وأكرمهم على ربه عز وجل؟
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه أبو يعلى بسند رجاله ثقات والبيهقي والهيثمي وصححاه.
[2]رواه البزار في مسنده، وجود إسناده الحافظ العراقي في طرح التثريب، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح.

(12) 👈قالوا: الاهتمام برسول الله ﷺ يكون في سائر الأيام وليس في يوم أيام محددة من ربيع الأول.
✍الجواب:
نعم هو كذلك، لكن هنالك دائمًا أيام مواسم تزداد فيها الهمة ويزيد فيها النفح الرباني ويستحب فيها زيادة الاجتهاد، ألم تر أن المؤمن يعبد الله في سائر أيامه لكنه يزيد همة واجتهادًا في رمضان، ويضاعف جهده في العشر الأواخر؟! عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها»[رواه مسلم].
وتجده يعبد الله حتى الصباح تحريًا لليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان؟! والناسك تراه يتنسك في سائر أيامه ويشتد نسكه في الحج، والعائل تراه ينفق على عياله ويوسع عليهم في عاشوراء وهكذا.

(13) 👈قالوا: في قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) الفضل هو القرءان والرحمة هي الإسلام كما قال أهل التفسير ولم يرد معنى أن الرحمة هي سيدنا محمد ﷺ.
✍الجواب:
⚪ قال الإمام الحافظ السيوطي في تفسيره [الدر المنثور]:
"وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: فضل الله العلم ورحمته محمد ﷺ قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [سورة الأنبياء: 107]"
⚪ وقال الحافظ ابن الجوزي في [زاد المسير في علم التفسير]:
"فضل الله: العلم، ورحمته: محمّد ﷺ، رواه الضحاك عن ابن عباس."
⚪ وقال أبو حيان الأندلسي في [البحر المحيط]:
"وقال ابن عباس فيما روى الضحاك عنه: الفضل العلم والرحمة محمد ﷺ."

(14) 👈قالوا: المولد عادة أم عبادة؟ إن كان عادة فليس لكم فيه ثواب، وإن كان عبادة فأين الدليل عليه؟
✍الجواب:
إن تقسيم الشريعة إلى عادة وعبادة بهذا الإطلاق تقسيم فاسد ومبتدع، فإن سئلت عن الطعام أو الشراب، أهو عادة أم عبادة؟ ماذا تقول؟ إن قلت عبادة كنت مخطئًا لإن الكافر بقولك هذا عابد لله، بل وأفضل عبادة من المسلم لقول النبي ﷺ: (الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد)، وإن قلت عادة فقد أخطأت أيضًا لأنك بذلك نفيت وألغيت أحكام الشريعة المتعلقة بالطعام والشراب، وجوزت بذلك أكل الخنزير والميتة والدم وما أهل به لغير الله، وأبحت شرب الخمر، وغير ذلك، فيظهر بذلك فساد هذا التقسيم.
لذلك قسم أهل العلم الشريعة على الأحكام الخمسة المعروفة: الحلال والمستحب والحرام والمكروه والمباح وهي تستوعب كل الأحكام، فمن الطعام ما هو حلال كبهيمة الأنعام، ومنه ما هو مستحب كالتمر والزيتون وكل ما رود في القرءان الكريم والسنة المطهرة، ومنه ما هو حرام كلحم الخنزير والميتة، ومنه ما هو مكروه كالبصل والثوم والكراث، ومنه مباح كسائر الطعام الذي لم يرد فيه نص. وللطعام والشراب آداب شرعية أيضًا كالبسملة، وأن تأكل مما يليك، وأن تشرب جالسًا، وأن لا تتنفس في الإناء، وفيه سنن كلعق الأصابع بعد الأكل، والأكل بثلاث، أصابع والشرب على ثلاث دفعات، وأن لا تعيب طعامًا وغير ذلك، وكل ذلك دين. لذلك قسم العلماء البدعة للأحكام الخمسة، فمنها المحرمة والمكروهة والواجبة والمستحبة والمباحة وهو تقسيم يستوعب أقسام البدعة بشقيها الحسنة والسيئة.
أما تأصيل المولد والدليل عليه فقد سبق الإشارة إليه باستفاضة في الرد على الشبهة رقم (4).

(15) 👈قالوا: ليس في تذكر يوم الميلاد تعظيم للمولود حتى ولو كان نبيًّا.
✍الجواب:
⚪ بلى فيه، وذلك بتذكره وتذكُّر سيرته ومناقبه وفضله والنعمة بميلاده. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على الأنبياء في أيام ميلادهم فقال تعالى عن يحيى عليه السلام: (وسلام عليه يوم ولد) وعلى لسان عيسى عليه السلام: (والسلام عليَّ يوم ولدت)، وروى ابن الجوزي في تفسيره أن الحسن البصري قال: "التقى يحيى وعيسى، فقال يحيى لعيسى: أنتَ خير مني، فقال عيسى ليحيى: بل أنت خير مني، سلَّم الله عليك، وأنا سلَّمتُ على نفسي. وقال سعيد بن جبير مثله، إِلا أنه قال: أثنى الله عليك، وأنا أثنيت على نفسي."أهـ
فالسلام هنا ثناء وكرامة.
⚪ ولذكرى ميلاد النبي ﷺ تعظيم خاص فقد اختار الله تبارك وتعالى يوم ذكرى يوم ميلاده ليكون يوم نزول القرءان، ويوم الإسراء والمعراج، ويوم الهجرة، ويوم دخول المدينة، ويوم الإنتقال إلى الملأ الأعلى، وهذا تعظيم استثنائي.

(16) 👈قالوا: تعظيم النبي ﷺ ومحبته تكون باتباع سنته.
✍الجواب:
⚪ لا يوجد مؤمن غير متبع وغير مطيع لرسول الله ﷺ وإلا لما صلح أن يكون مؤمنا من الأساس، فالمؤمن الذي يشهد الشهادتين ويقيم أركان الدين ويطيع الرسول ﷺ في كثير من أمور الشريعة هو متبع ومطيع لرسول الله ﷺ.
 ⚪ محبة النبي ﷺ نفسها طاعة وعمل من أعمال القلوب أمرت الشريعة بالمبالغة في تحريه وتحصيله، كما قال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه)، فهي نفسها اتباع وطاعة.
⚪ المحبة أساس التعظيم، فإنك لا تعظم في قبلك من تكره.
⚪ المحبة إحساس يخالج القلب لأنها من أعمال القلوب، والطاعة وحدها لا تكفي لتكون علامة على صحة المحبة، فقد تطيع وأنت مجبر ومكره كما في العسكرية أو تحت تهديد السلاح مثلا أو تطيع بداعي الخوف أو نفاقًا، أو لغرض دنيوي. والمخالفة وحدها من الناحية الأخرى لا تكفي لتكون علامة على الجفاء وضعف المحبة، فقد تقع المخالفة من باب الأدب الجم وفرط المحبة مثلما أبى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أن يثبت في الصلاة عندما حضر رسول الله ﷺ، وأمره بالثبات. وقد تقع من باب الغيرة وفرط المحبة مثلما أبى سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن يمحو اسم النبي ﷺ من الصحيفة يوم الحديبية، وقد تقع بسبب مرض أو ابتلاء أو ضعف في العزيمة وغير ذلك، وشارب الخمر الذي شهد له رسول الله ﷺ بالمحبة خير مثال.
⚪ علامة المحبة الصادقة هي الشوق لرؤية المحبوب فقال النبي ﷺ: (إن من أشد أمتي لي حبًّا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله) [رواه مسلم]، وهذا صريح في أن الشوق له ﷺ علامة على شدة محبته.
⚪ السعي لمحبة النبي ﷺ أكثر من النفس هو في حد ذاتها طاعة لقوله ﷺ: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) [أخرجه الإمام أحمد]
⚪ الإنسان لا يحب من يجهل، فلكي تحب يجب أن تتعرف على المحبوب وهذا الذي يفعله الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
⚪ لو كان الإتباع علامة المحبة لما شهد النبي ﷺ لمدمن خمر بأنه يحب الله ورسوله كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأين الإتباع والطاعة في إدمان أم الكبائر؟!!
⚪ المحبة أصل والطاعة فرع، فإن تعاهد المحبة يثمر لاحقًا عن الطاعة والصدق والتضحية والإيثار لكن لا تلازم بينهما في الأصل.
⚪ ورد في الصحيحين أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ: متى الساعة؟ فقال له: "وماذا أعددت لها؟" قال: ما أعددت لها من شيء، غير أني أحب الله ورسوله. فقال له ﷺ: "أنت مع من أحببت"، فلو كان الإتباع علامة المحبة لما قبل النبي ﷺ منه إجابته: "ما أعددت لها من شيء" فضلًا عن أن يبشره بأنه مع الله ورسوله.
⚪ بعد أن بشر النبي ﷺ الأعرابي بأن المرء مع من أحب قال سيدنا أنس رضي الله عنه: "فما فرحنا بشيء فرَحَنا بقول النبي ﷺ: (أنت مع من أحببت)، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم" وهذا صريح في فهم الصحابة أن الإتباع ليس علامة للمحبة.
⚪ لو كان الإتباع علامة المحبة لاقتضى ذلك أن المؤمنين لا يحبون الله تعالى لقول النبي ﷺ: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
⚪ أما قوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) فإن الآية تتحدث عن محبة الله عز وجل (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) وليس عن محبة رسوله ﷺ. وقد نزلت فيمن زعم محبة الله عز وجل ولا يريد أن يؤمن برسالة سيدنا محمد ﷺ لأن الاتباع هنا بمعنى الإيمان بالرسالة، فأوجب الله عليه الإيمان برسوله حتى يقبله الله عز وجل. قال الطبري في تفسيره: "هذا أمرٌ من الله نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقول لوفد نجران الذين قدموا عليه من النصارى: إن كان الذي تَقولونه في عيسى من عظيم القول، إنما تقولونه تعظيمًا لله وحبًّا له، فاتبعوا محمدًا ﷺ" انتهى.

(17) 👈قالوا: حلوى المولد وطعامه حرام
الجواب:
⚪ إطعام الطعام مستحب وحضت عليه الشريعة كما قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)[سورة الإنسان: 8-9]، وقال تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)[سورة البلد: 14-16]، وقال رسول الله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» [متفق عليه]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال :«تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» [متفق عليه]، وقال رسول الله ﷺ: «أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» [أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]، وقال رسول الله ﷺ :«أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جوعًا، أو تقضي عنه دينا» [صحيح أخرجه الطبراني]، وقال رسول الله ﷺ :«خياركم من أطعم الطعام» [صحيح أخرجه أحمد وابن حبان وغيرهما]، وغير ذلك من النصوص الدالة على استحباب إطعام الفقراء والمساكين.
⚪ الأصل في الأشياء الحل والإباحة ما لم يرد نص صحيح وصريح بالتحريم.
⚪ الحرام من الطعام هو ما حرمه الله عز وجل في كتابه العزيز كالدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، والخمر، وما حرمه رسول الله ﷺ في سنته كذي الناب من السباع وذي المخلب من الطيور.
⚪ إن تحريم الحلال جرم عظيم لقوله ﷺ: «إن محرم الحلال كمحل الحرام» [رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح]
⚪ استحسن طعام المولد علماء الجمهور مثل الإمام أبي شامة المقدسي، والإمام الحافظ الذهبي، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام الحافظ السيوطي، وغيرهم من أكابر أهل العلم.
⚪ تقدم بيان مشروعية الإحتفال بالمولد النبوي الشريف استنادًا على أصول شرعية متينة.
⚪ يمكن النظر إلى التمر والرطب على أنها كانت تمثل الحلوى على أيام الصحابة رضوان الله عليهم، فعندما يصومون يوم الأثنين بمناسبة ذكرى ميلاد النبي ﷺ كانوا يفطرون على هذه الحلوى. واليوم فإن من يصوم الإثنين يفطر على التمر والرطب، وأيضًا على العصائر التي هي في الحقيقة حلوى سائلة إذا جمدتها صارت حلوى صلبة.
⚪ كون أن حلوى الأطفال تكون على شكل دمى فليس في ذلك حرج لأن دمى الأطفال في صورة بشر أو حيوان أمر مباح على مذهب الجمهور، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بناتي. ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع. فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟" قالت: فرس. قال: ما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان. قال: "فرس له جناحان؟" قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه) [رواه أبو داود والنسائي]
والسهوة: ما يكون شبيهًا بالرف الذي توضع فيه الأشياء.
⚪ إذا كان طعام الذين أوتوا الكتاب حلال أيكون طعام المسلم فرحًا برسول الله حرامًا؟ هذه مبالغة في الجفوة مع النبي ﷺ وتحريض صريح بغضه والجفاء معه في حين أن العكس هو المطلوب، خاصة في هذه العصور المتأخرة.

(18) 👈قالوا: أنكر المولد ابن الحاج والمالكي والفاكهاني والشوكاني من العلماء.
✍الجواب:
⚪ جمهور أهل العلم لم ينكروا عمل المولد بل استحسنوه لما فيه من التذكير بفضل النبي ﷺ.
⚪ الإمام الصوفي الأشعري المالكي ابن الحاج لم ينكر عمل المولد بل أثنى عليه لكن كانت له تحفظات على بعض المسائل فيه.
⚪ رد الإمام الحافظ السيوطي في رسالتين على الإمام ابن الحاج والفاكهاني وأثبت في رده بطلان كلامهما في المولد، يرجى مراجعة حسن المقصد في عمل المولد للإمام الحافظ السيوطي.
⚪ بعض العلماء الذين أنكروا عمل المولد لا يبلغوا في العلم والجلالة من خالفهم ممن أجازه واستحسنه، وأغلب من تحفظ على عمل المولد هم ممن عاشوا في القرن الثامن الهجري وما تلاه ويبدو أنهم تأثروا بآراء ابن تيمية الشاذة والمتحاملة على تعظيم النبي ﷺ.
⚪ جمهور أهل العلم وأكابر العلماء الذين حضروا قيام احتفالات المولد في ذلك الوقت استحسنوها، وصنفوا في المولد التصانيف البديعة، قال الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي: "وَمن أحسن مَا ابتدع فِي زَمَاننَا من هَذَا الْقَبِيل مَا كَانَ يفعل بِمَدِينَة اربل جبرها الله تَعَالَى كل عَام فِي الْيَوْم الْمُوَافق ليَوْم مولد النَّبِي ﷺ من الصَّدقَات وَالْمَعْرُوف واظهار الزِّينَة وَالسُّرُور فان ذَلِك مَعَ مَا فِيهِ من الاحسان الى الْفُقَرَاء مشْعر بمحبة النَّبِي ﷺ وتعظيمه وجلالته فِي قلب فَاعله وشكرا لله تَعَالَى على مَا من بِهِ من ايجاد رَسُوله الَّذِي أرْسلهُ رَحْمَة للْعَالمين ﷺ وعَلى جَمِيع الْمُرْسلين". انتهى
⚪ أجاز عمل المولد جمهور أهل العلم من الفقهاء والحفاظ والعلماء المعتبرين. وممن أجاز الاحتفال بالمولد من أهل العلم الإمام الحافظ العلامة أبو شامة المقدسي شيخ الإمام الحافظ النووي، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، وممن أجازه وألف فيه كتبًا تقرأ في احتفالات المولد:
▪ الإمام الحافظ ابن الجوزي [ت 597هـ]: له مولد باسم "العروس"، وقد طبع في مصر بتحقيق الدكتور عبد الحفيظ البقالي الغزواني.
▪الإمام الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي [ت 633هـ]: له مولد باسم "التنوير في مولد البشير النذير".
▪الإمام الحافظ أبو العباس العَزَفي [ت 633هـ]: له مولد باسم "الدر المنظم في مولد النبي المعظم".
▪الإمام الحافظ ابن كثير صاحب التفسير [ت 774هـ]: له (مولد رسول الله ﷺ) طبع بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، طبع دار الكتب ببيروت.
▪الإمام الحافظ عبد الرحيم العراقي [ت 808هـ]: له مولد باسم "المورد الهني في المولد السني".
▪إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري [ت 833هـ]: له مولد باسم "عرف التعريف بالمولد الشريف".
▪الإمام الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي [ت 842هـ]: له مولد باسم "مورد الصادي في مولد الهادي" وكذلك له "جامع الآثار في مولد المختار" و"اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق".
▪الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي [ت 902هـ]: له مولد باسم "الفخر العلوي في المولد النبوي".
▪الإمام الحافظ علي زين العابدين السمهودي [ت 911هـ]: له مولد اسمه "الموارد الهنية في مولد خير البرية".
▪الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي [ت 911هـ]: له مصنف باسم "حسن المقصد في عمل المولد".
▪الإمام الحافظ عبد الرحمن بن علي بن محمد الشيباني المعروف بابن الديبع [ت 944هـ].
▪الإمام المحدث الفقيه ابن حجر الهيتمي [ت 974هـ]: له مولد باسم "إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم".
▪الإمام المحدث الفقيه ملا علي قاري [ت 1014هـ]: له مولد باسم "المورد الروي في المولد النبوي".
▪الإمام المحدث الفقيه محمد عبد الرؤوف المناوي صاحب "فيض القدير شرح الجامع الصغير" المتوفى سنة 1031 هـ.
⚪ ثبت عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن)، وجمهور أهل القبلة يستحسنون المولد ويحتفلون بذكرى ميلاد النبي ﷺ، قال الإمام الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ في كتابه [بيان المولد النبوي]: "لا زال أهل الحرمين الشريفين ومصر واليمن والشام وسائر بلاد العرب من المشرق والمغرب يحتفلون بمجلس مولد النبي ﷺ، ويفرحون بقدوم هلال شهر ربيع الأول، ويهتمون إهتمامًا بليغًا على السماع والقراءة لمولد النبي ﷺ، وينالون بذالك أجرًا جزيلًا وفوزًا عظيمًا" أهـ