الأحد، 24 سبتمبر 2023

في الفوضى الدينية وحرمة الخوض في المسائل الدينية والفتوى والقول على الله بغير علم

في الفوضى الدينية وحرمة الخوض في المسائل الدينية والفتوى والقول على الله بغير علم

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
«لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيم أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله ﷺ، بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصات وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأفكار، وتكون له قريحة -أي ملكة وموهبة- بعد هذا، فإن كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي»[اخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه]

الاثنين، 20 فبراير 2023

صحة حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه

صحة حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد ما بعث نبيًا:
عن الهيثم بن جميل، عن عبد الله بن المثني، عن ثمامة، عن أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد ما بعث نبيًّا".
أخرجه أبو داود في مسائله عن الإمام أحمد، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ في الأضاحي، وابن أعين في مصنفه، والخلال، والضياء في المختارة، وقال الهيثمي في المجمع: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل، وهو ثقة، قال الحافظ في الفتح عن رواية أبي الشيخ الثانية: "من رواية أبي بكر المستملي ‏‏‏‏عن الهيثم بن جميل.. والهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري. فالحديث قوي الإسناد"
فالسند لا غبار عليه، رجاله ثقات، رجال الصحيح، سوى الهيثم بن جميل وهو ثقة.
الهيثم بن جميل ثقة حافظ من شيوخ الإمام أحمد.
وعبد الله بن المثني أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجه. وثقه الدارقطني قال: عبد الله بن المثنى الأنصاري ثقة يحتج به، ووثقه الإمام أحمد، وابن حبان وخرج له في صحيحه، وابن أبي حاتم، ويحي بن معين في رواية، وأبو زرعة، والعجلي، والجيلي، وابن خلفون، واحتج به البخاري في صحيحه، قال الحافظ ابن حجر: «لم أر البخاري احتج به إلا في روايته عن عمه ثمامة» وههنا هو يروي عن عمه ثمامة وروايته في عمه حجة لكونه أعرف بحديثه بحكم القرابة. 
وثمامة ثقة وثقه الإمام أحمد والنسائي وابن عدي وغيرهم.
وله متابعة أخرى، فقد أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني من رواية إسماعيل بن مسلم عن قتادة عن أنس به، وهذه متابعة جيدة تزيد الحديث قوة إلى قوته،  فإسماعيل بن مسلم المكي البصري وإن كان ‏‏‏‏ضعيفًا إلا أنه لم يتهم، بل كان حافظًا ليس بالثبت، وكان يخطئ كما صرح البعض. قال أبو حاتم: "ليس بمتروك، يكتب حديثه"، أي يصلح للمتابعة والشواهد، وقال ابن سعد: "كان له رأي وفتوى، وبصر وحفظ للحديث، فكنت ‏‏‏‏أكتب عنه لنباهته ".
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف"، ومن طريقه ابن ‏‏‏‏حبان في "الضعفاء"، والبزار في مسنده، وابن عدي في "الكامل" عن عبد الله بن المحرر عن ‏‏‏‏قتادة عن أنس به. بعضهم استنكر قوله (بعد ما بعث نبيًّا) لكون النبوة قديمة، وهذا خطأ، فالمقصود: "بعد أن كان نبيًا فبعث رسولًا"، مصداقًا لقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) [البقرة: 213]. والبعض الآخر وهم فظن أن عبد الله بن محرر تفرد بهذا الحديث، كأنهم لم يقفوا على الروايات الآنفة، قال البزار: "تفرد به عبد الله بن المحرر، وهو ‏‏‏‏ضعيف جدا، إنما يكتب عنه ما لا يوجد عند غيره "،  وأورد الذهبي الحديث في ترجمة عبد الله بن المحرر في ‏‏‏‏"الميزان" وعلَّق عليه فقال: "هو من بلاياه!"، وقال ابن عدي: "عبد الله بن محرر ‏‏‏‏رواياته غير محفوظة "، وقال عبد الرزاق: "إنما تكلموا فيه لأجل هذا الحديث"، أي أنه ثقة تكلموا فيه لأجل هذا الحديث الصحيح الذي ظنوا أنه تفرد به وهو لم يتفرد به، فهذا جرح باطل، فتتضح براءة عبد الله بن المحرر مما اتهم به، وتصبح روايته طريقًا ثالثًا تزيد الحديث قوة إلى قوته والحمد لله رب العالمين

الأحد، 29 يناير 2023

استحباب صيام رجب هو مذهب جمهور أهل العلم من كافة المذاهب

استحباب صيام رجب هو مذهب جمهور أهل العلم من كافة المذاهب:
إن الصيام المفروضَ هو صيام شهر رمضان، وصيام النَّذر والكفارات، وما عدا ذلك فمُستحب، والنبي ﷺ رغَّب في صيام التطوع بمثل كما جاء في الصحيحين: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا». ومن الصيام المُستحب الصيام في الأشهر الحُرُم التي منها شهر رجب، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}[1]
والأشهر الحُرُم هي رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمُحرَّم، ويستحب في هذه الأشهر الإكثار من العمل الصالح والبعد عن المعاصي، قال السلف: «العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحُرُم، والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن» 
وذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية، وبعض الحنابلة إلى استحباب الصيام في شهر رجب كما يستحب صيام باقي الأشهر الحُرُم، واستدلوا على ذلك ببعض النصوص الدالة على ذلك، 
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المُحرَّم»[2] والمُحرَّم أي الأشهر الحُرُم، وعن أبي مجيبة الباهلي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «صُمْ من الحُرُم واترك، ثلاث مرات»[3]. وعن ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما أنه: «كان يصومُ أشهرَ الحُرُم»[4]، وعن نافع أن ابنَ عمرَ رضي الله عنهما: «كان لا يكادُ يُفطرُ في أشهر الحُرُم ولا غيرها»[5].
قال الإمام الحافظ النووي في المجموع: «قال أصحابنا: ومن الصوم المستحب صوم الأشهر الحرم، وهي: ذو العقدة وذو الحجة والمحرم ورجب.»اهـ.
أما في استحباب صيام شهر رجب فعن عروة بن الزبير أنه قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «هل كان رسول الله ﷺ يصوم في رجب»؟ قال: «نعم ويشرفه، قالها ثلاثًا»[6]. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: «يا رسول الله لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم في شعبان». قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان»[7] فدل هذا الحديث الحسن على أن رجب ورمضان شهران اشتهرا في الصدر الأول بكثرة الصيام وكان الناس يغفلون عن صيام شعبان بينهما.
قال الحافظ بن حجر: «فهذا فيه إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان. لذلك كان يصومه، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار بفضل رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم»[8]
وقال الحافظ الشوكاني: «ظاهر قوله في حديث أسامة إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان أنه يستحب صوم رجب، لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم، كما يعظمون رمضان ورجبًا به»[9]
وعن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقالت: «بلغني أنك تحرِّم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله»، ‏
فقال ابن عمر رضي الله عنهما: «أما ما ذكرتِ من رجب فكيف بمن يصوم الأبد؟!»[10]، قال الحافظ النووي في شرح صحيح مسلم:«أما جواب ابن عمر –رضي الله عنهما- في صوم رجب فإنكار منه لما بلغها عنه من تحريمه، وإخبارٌ بأنه يصوم رجبًا كله، وأنه يصوم الأبد، والمراد بالأبد ما سوى أيام العيدين والتشريق، وهذا مذهبه ومذهب أبيه عمر بن الخطاب وعائشة وأبي طلحة –رضي الله عنهم- وغيرهم من سلف الأمة، ومذهب الشافعي وغيره من العلماء أنه لا يكره صوم الدهر»أهـ. وفيه دليل على استنكار السيدة أسماء رضي الله عنها لتحريم صيام شهر رجب كله فضلًا عن صيام بعضه، وإقرار من سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه ليس ممن ينكر ذلك، بل وممن يصومه كله، وهذا أنموذج لفهم الصحابة رضوان الله عليهم لصيام شهر رجب. ‏
وقال الحافظ ابن حجر: «وروينا في كتاب [أخبار مكة] لأبى محمد الفاكهي، بإسناد لا بأس به، عن ابن عباس  رضي الله عنهما أنه قال: "لا تتخذوا رجبًا عيدًا، ترونه حتمًا مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم منه صمتم وقضيتموه"»[11].
وعن عطاء: «كان ابن عباس، ينهى عن صيام رجب كله، ألا يتخذ عيدًا)»[12].
وفيه دليل على شيوع صيام رجب عند الصحابة رضوان الله عليهم وأن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كره تشبيهه برمضان فنهى أن يصام حتمًا كما يصام رمضان ولا يقضون ما أفطروه.
فيثبت مما تقدم استحباب صوم شهر رجب وهو مذهب الجمهور من أهل العلم من كافة المذاهب، قال المرداوي في الإنصاف: «وأما صيام بعض رجب، فمتفق على استحبابه عند أهل المذاهب الأربعة لما سبق، وليس بدعة، ثم إن الراجح من الخلاف المتقدم مذهب الجمهور لا مذهب الحنابلة.»أهـ
المراجع:
[1] سورة التوبة، آية رقم 36.
[2] أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
[3] أخرجه أبو داود والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي في السنن.
[4] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح.
[5] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح.
[6] أخرجه أبو الحسن الربعي في "فضائل رجب"، والحافظ القسطلاني في "المواهب اللدنية"، وقال الحافظ السيوطي في "جامع الأحاديث": رجاله كلهم ثقات.
[7] أخرجه النسائي بسند جيد وأبو داود وابن خزيمة وصححه.
[8] مواهب الجليل للرعيني.
[9] نيل الأوطار.
[10] صحيح الإمام مسلم.
[11] مواهب الجليل للرعيني.
[12] أخرجه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح.

الثلاثاء، 17 يناير 2023

في الحلف برسول الله ﷺ وما اتصل بالله عز وجل

في الحلف برسول الله ﷺ وما اتصل بالله عز وجل:
الأصل في القسم والحلف بالأشياء تعظيمها، ولذلك أقسم الله تبارك وتعالى ببعض مخلوقاته ليظهر للناس عظمتها مع استغنائه سبحانه وتعالى عنها وعن الإقسام بها، لكن تعارف الناس قبل الإسلام وبعده على الحلف بالأشياء التي يعظمونها بحيث ينعقد يمينهم بالحلف بها ويعز عليهم الحنث لعظمتها، لذلك فإن الأصل في الحلف يكون بالله عز وجل لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، والحلف بغير الله بشكل عام لا خلاف بين الفقهاء بأنه منهي عنه، لكن في مرتبة هذا النهي اختلاف، فالحنابلة قالوا: إنه حرام إلا الحلف بالأمانة، فإن بعضهم قال فيها بالكراهة، والحنفية قالوا: مكروه تحريمًا، والمعتمد عند المالكية والشافعية أنه مكروه تنزيهًا، وسبب هذا الإختلاف هو الجمع بين النصوص المختلفة التي صدرت عن حضرة النبي ﷺ في الحلف وسياقاتها الموضوعية، واتصال من حُلِفَ به بالله عز وجل فإن لذلك استثناءات في الحكم ظاهرة، فاختلف الفقهاء مثلًا في الحلف بالأنبياء عليهم السلام، فذهب جمهورهم إلى كراهة الحلف بالأنبياء، وذهب آخرون كالحنابلة إلى التحريم ولا تنعقد بها يمين باستثناء الحلف برسول الله ﷺ، فإمام المذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى استثنى الحلف برسول الله ﷺ، لذا ينعقد بها اليمين كالحلف بالله عز وجل، قال ابن قدامة في المغني [11 / 204]:
«فصل: ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، هذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر الفقهاء، وقال أصحابنا الحلف برسول الله ﷺ يمين موجبة للكفارة وروي عن أحمد أنه قال إذا حلف بحق رسول الله ﷺ فحنث فعليه الكفارة قال أصحابنا: لأنه أحد شرطي الشهادة فالحلف به موجب للكفارة كالحلف باسم الله تعالى.»أهـ
واختلفوا أيضًا في الحلف بالمصحف الشريف، فإنه ينعقد به اليمين عند المالكية ما لم يرد بحلفه النقوش والورق، وعند الشافعية ما لم يرد به الورقه والجلد، وقال الحنابلة: الحلف بكلام الله تعالى والمصحف والقرآن والتوراة والإنجيل والزبور يمين، وكذا الحلف بسورة أو آية، وذلك لأن من حلف بالمصحف فإنه يريد ما فيه من كلام الله عز وجل، بينما يرى الأحناف أنه ليس بيمين لأنه الورق والجلد وليس صفة لله تعالى ولا اسمًا له، إذًا فإن هنالك استثناءات والمسألة تحتاج إلى بيان وفهم ومراعاة لأثر النية والعُرف في الحلف. وعلى أي حال فلا إنكار في مسائل الخلاف بين العلماء كما هو معتمد في علم الأصول، فالحلف برسول الله ﷺ تنعقد به اليمين ويوجب الكفارة إن حنث به. 
نهى رسول الله ﷺ عن الحلف بغير الله عز وجل خصوصًا في صدر الإسلام، حيث كان الناس آنذاك يحلفون بالآباء والأمهات لعظمتهم عندهم في الجاهلية فعندما جاء الإسلام نهاهم عن ذلك من أجل تربيتهم على تعظيم الله الواحد الأحد، ولما في الحلف بالآباء والأمهات من تعظيم جاهلي لا يقوم على أسس التقوى والإيمان، بل قد يكون الآباء والأمهات مشركين، فتعظيم الشرك والمشركين يناقض رسالة الإسلام، لذلك قال رسول الله ﷺ: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» [أخرجه البخاري ومسلم] ، وقال رسول الله ﷺ: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت». [أخرجه النسائي وابن ماجه]، وقال ﷺ أيضاً: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمهاتكم ولا بالاَنداد» [أخرجه النسائي]، وقال ﷺ: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» [أخرجه النسائي وأبو داود]، وروي أنه جاء سيدنا ابنَ عمر رضي الله عنهما رجل فقال: أحلف بالكعبة؟ قال له: «لا، ولكن إحلف بربِّ الكعبة، فانّ عمر كان يحلف بأبيه، فقال رسول اللّه له: "لا تحلف بأبيك، فإنّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك"» [أخرجه النسائي]، معلوم أن والد سيدنا عمر رضي الله عنه الخطاب بن نفيل توفي قبل البعثة بأعوام قليلة، لذلك فالحلف به يكون على ما اعتادوا عليه من تعظيم الآباء في الجاهلية لذلك نهاه رسول الله ﷺ عن ذلك. وقال ﷺ: «من حلف بغير الله فقد أشرك» [أخرجه أحمد والترمذي] وهو محمول على الحلف بالأصنام والأوثان وتعظيم المشركين، وغيرها من الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، والملاحظ أنها وردت بألفاظ وسياقات تشير إلى أنها ذكرت في صدر الإسلام حيث جرت العادة أن يحلفوا بالـ «الآباء»، «الأمهات»، و«الأنداد»، و«الطواغيت»، وقوله ﷺ «فقد أشرك»، ونظائرها. 
أما بعد أن رسخ الإسلام في النفوس وأسلم كثير من آباء المسلمين وأمهاتهم الذين كانوا على الشرك عرفوا عظمة الله عز وجل ودينه ثبت أن رسول الله ﷺ وبعض أكابر صحابته حلفوا ببعض المخلوقين، فأخرج الإمام مسلم في صحيحه أنّه جاء رجل إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه أي الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: «أما [وأبيك] لتُنَبَّئنَّه، أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء».
وأخرج مسلم أيضاً في صحيحه أنه جاء رجل إلى رسول اللّه من نجد يسأل عن الاِسلام، فقال رسول اللّه «ﷺ: 
«خمس صلوات في اليوم والليل»
فقال: «هل عليَّ غيرهنّ؟»
قال: «لا...إلاّ أن تطوع، وصيام شهر رمضان».
فقال: «هلّ عليَّ غيره؟»
قال: «لا... إلاّ تطوّع، وذكر له رسول اللّه الزكاة».
فقال الرجل: «هل عليّ غيره؟»
قال: «لا... إلاّ أن تطوّع».
فأدبر الرجل وهو يقول: «واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه».
فقال رسول اللّه ﷺ: «أفلح [وأبيه] إن صدق».
أو قال: «دخل الجنة [وأبيه] إن صدق». 
والحديث صحيح ثابت لا مطعن فيه، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:
«وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ وأبيه لم تصح لأنها ليست في الموطأ وكأنه لم يرتضِ الجواب فعدل إلى رد الخبر وهو صحيح لا مرية فيه»
وذكر روايات أخرى صحيحة، حيث قال في موضع آخر:
«وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصديق في قصة السارق الذي سرق حلي ابنته فقال في حقه: "[وأبيك] ما ليلك بليل سارق" أخرجه في الموطأ وغيره، قال السهيلي: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع قال للذي سأل أي الصدقة أفضل فقال وأبيك لتنبأن أخرجه مسلم»

وقد أشكل ذلك على بعض العلماء، كيف ينهى رسول الله ﷺ عن الحلف بغير الله عز وجل ويحذر من أنه شرك أصغر ثم يثبت عنه ﷺ أنه حلف بمخلوق، بل وخليفته سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه أعلم الصحابة رضوان الله عليهم؟ وبرروا ذلك بأنه مما يجري على الألسن وهذا خطأ فادح لأنه في حق النبي ﷺ  محال، فالنبي ﷺ معصوم عن قول ما لا يرضي الله عز وجل فضلًا عن أن يكون من الشرك الأصغر، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، وأخرج أبو داود وأحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلا حق»، لكن يزول الإشكال إذا علم أن الحلف أصلًا مداره على نية الحالف في تعظيم ما يحلف به، فالنهي في صدر الإسلام كان خشية تعظيم الشرك المتمثل في الطواغيت والأنداد والآباء والأمهات الذين لا يدينون بالإسلام ويُعَظَّمُون تعظيم الجاهلية، بل قد يكونوا أعداءً لله ورسوله ﷺ، وانتفى ذلك بعد أن استقر الإسلام في النفوس ورسخ الإيمان، وتؤيده أحاديث الإمام مسلم عن الرجل الذي جاء يسأل عن الإسلام كان بالمدينة بدليل أن النبي ﷺ ذكر له صوم رمضان الذي فرض في المدينة في السنة الثانية من الهجرة، فالحادثة لم تكن في صدر الإسلام بمكة المكرمة. وعن الرجل الذي جاء يسأل عن الصدقة، فتشريع الصدقات متأخر بعد أن رسخت العقيدة، وكذلك قصة السارق الذي سرق حلي ابنته كانت على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهذا متأخر جدًا بعد عهد النبي ﷺ بالمدينة المنورة. هذه من ناحية، من ناحية أخرى فإن الحلف بما أمر الله تعالى بتعظيمه كرسول الله ﷺ: {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}، وحرمات الله كافة: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ}، وكتابه العزيز: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ}، وعرشه المجيد: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، وشعائر دينه المقدسة: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}، وحرمة النفس المسلمة فقد قال رسول الله ﷺ: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» [أخرجه الترمذي]، وغير ذلك، هو تعظيم لما عظمه الله عز وجل وأمر بتعظيمه، فالحلف برسول الله ﷺ مثلًا هو حلف بالله تعالى ضمنيًّا، فمثلما أن طاعة رسول الله ﷺ هي طاعة لله عز وجل: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، ومبايعة رسول الله ﷺ هي مبايعة لله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}، يكون الحلف به حلف بالله عز وجل لذلك جعل الإمام أحمد بن حنبل الحلف برسول الله ﷺ حلف بالله عز وجل. فيكون ثبوت الحلف بالمخلوقين عن رسول الله ﷺ نسخ للحكم الأول، وثبوته عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه هو إظهار لفهم أعلم صحابة رسول الله ﷺ بتلك المسألة. وعليه فإن الحلف برسول الله ﷺ أو بأنبياء الله عز وجل تنعقد به اليمين على مذهب الجمهور، وكذا بأولياء الله عز وجل، فقد  أخرج ابن المبارك، والترمذي في نوادر الأصول وأبو الشيخ وابن مردويه وآخرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قيل: «يا رسول الله من أولياء الله؟!»، قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله»، فالحلف بمن بأولياء الله حلف بما اتصل بالله عز وجل.
والله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2022

على مر التاريخ لم يبغض ميلاد النبي ﷺ أكثر من اليهود والمنافقين

على مر التاريخ لم يبغض ميلاد النبي ﷺ أكثر من اليهود لأنه ﷺ سفَّه أحلامهم وكانت على يديه نهاية تبجحهم بأنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه. فهيمن على كتابهم وعلى دينهم وفضح كذبهم وتزييفهم وتحريفهم. ولم يبغض ميلاد النبي ﷺ أيضًا أكثر من المنافقين الذين كان سيدهم عبد الله بن أبي بن سلول على وشك أن ينصَّب سيدًا على يثرب لولا الهجرة النبوية الشريفة ومقدم النور ﷺ الذي عندما دخل يثرب أضاء منها كل شيء كما قال سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه فسميت المدينة بالمنورة.
فمبغض المولد اليوم لا يخرج عن موافقة اليهود أو المنافقين فكن على علم بذلك، فالمنكرون للاحتفال بالمولد فئتان: فئة جاهلة بواقع حال الأجيال وعلاقتها برسولها ﷺ، وجاهلة بمقاصد الشريعة وطريقة الاستدلال الشرعي السليم، وهذه فئة تحتاج لتنوير وتبصير بالمولد من ناحية المقاصد والاستدلال الشرعي فيزول عنها الإلتباس. وفئة تعاني من جفوة لرسول الله ﷺ والعياذ بالله، وحججهم التي يغطون بها جفوتهم أوهى من بيت العنكبوت، فإذا كانت المصالح المرسلة عندهم تشرِّع لهم جمع القرءان الكريم، وتشكيله، وتنقيطه، وبيان علامات الوقف والوصل ومعينات التجويد، وزخرفته، وبناء المآذن والمحاريب، وفرش المساجد، وقراءة خطبة الجمعة من ورقة، وصلاة التهجد في جماعة والمواظبة عليها، وقول "صلاة القيام أثابكم الله" وغيرها من الأمور المستجدة في صميم الدين مما لم يكن في العهد الأول فإن إحياء حضور النبي ﷺ في وجدان الأمة أولى من كل ذلك لأنه أصل كل خير يصلنا من الله عز وجل، ولأن حاجتنا الكبرى للنبي ﷺ لم تحن بعد ولم تأتِ، وهي الشفاعة الكبرى، ومرافقته ﷺ في الجنة.
سل الطلاب الجامعيين اليوم والدكاترة والمهندسين والمثقفين واستطلعهم عن أبسط المعلومات عن نبيهم ﷺ، عن نسبه الشريف ونشأته وحياته وصفاته وشمائله وإبتداء دعوته، سلهم مثلًا كم حوصر في الشِّعب؟ وكم فتر الوحي؟ من هن زوجاته أمهات المؤمنين؟ ! ستحصل على إجابات صادمة!
هذا فقط يكفي لمن يدرك الإهمال الذي اعترى الأمة اليوم فيما يخص نبيها، وسيد الأنبياء والمرسلين ﷺ، هذا الإهمال كافٍ ليحتم علينا إحياء ذكرى الميلاد دعك من الكلام عن مشروعية الحفل بميلاده ﷺ الذي شرعه الله عز وجل بتخصيص ذكرى ميلاد الأنبياء بعطاء رباني خاص: (السلام عليه يوم ولد)، (السلام علي يوم ولدت)، وشرعه النبي ﷺ بصيام يوم الإثنين والمواظبة على ذلك، وعندما قيل له في ذلك قال: «فيه ولدتُّ» وعقَّ عن نفسه ﷺ بعد الثلاث والخمسين وقيل في الستين من عمره الشريف، وجمع الصحابة وحدثهم عن ميلاده الشريف وما حدث فيه من الأمور العجيبة، والأدلة الشرعية أكثر من أن تحصى في هذا المقال.
وإذا كان جمهور أهل العلم يقسم البدعة لحسنة ومذمومة، ويستحسن عمل المولد ويثني عليه ويصنف فيه المصنفات البديعة، فما قيمة الإعتراض من متأخرين بأنه بدعة؟ وإذا كانت أقلية شاذة تراه بدعة فليتركوا الاحتفال به فهذا شأنهم، وليدعوا غالبية أهل القبلة والعلماء وشأنهم، لكنها الجفوة لرسول الله التي تكوي قلوبهم كلما رأوا تعظيمًا لرسول الله ﷺ وإظهارًا لحبه في الأمة.
هم لا يستطيعون الجهر بما يكنون في صدورهم من جفوة لأن ذلك سيفضح حقيقة نفاقهم، لذلك يلفقون حججًا واهية يلبسوها لباس الشرعية ليوهموا العوام أنهم لا يفعلون ما يفعلونه إلا غيرة على الدين وعلى صاحب الرسالة ﷺ، وما دروا المساكين أن صاحب الرسالة ﷺ لا يُرى أكثر ما يُرى إلا في منام وسوح المحتفلين بالمولد النبوي الشريف، وأن جفاته عنه محجوبون والعياذ بالله تعالى، محجوبون وما تفرقهم عنه سوى نومة لو كانت قلوبهم سليمة كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: «من رأني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي».
وعلى كل حال فإننا كمحتفلين نتسلح بمحبتنا التي تثمر عن معية النبي ﷺ فالمرء مع من أحب، ومسلحين ببشارات رؤانا الصالحة، كما قال النبي ﷺ: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات، الرؤيا الصالحة، يراها الرجل أو ترى له»، ومسلحين بأدلتنا الشرعية المتينة المحكمة، وبعمل جمهور علماء الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلال.
إن الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف ليست كافية لإحياء حضور النبي ﷺ في الأجيال المتأخرة، نحتاج لمزيد من الفعاليات لتكون ذكراه في حياتنا كل أسبوع، بل كل يوم، بل كل لحظة.

بشرى لنا بخير مولد *** أتى بخير دين أسعدا
#الركينية

الأحد، 6 نوفمبر 2022

براءة نسل سيدنا إبراهيم عليه السلام من الآباء المشركين

 براءة نسل سيدنا إبراهيم عليه السلام من الآباء المشركين:

قال تعالى: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[سورة الأنعام: 74]

فهل كان آزر والدًا لسيدنا إبراهيم عليه السلام؟ بالطبع لا، فالأنبياء أشرف عند الله تعالى من أن يخرجهم من أصلاب نجسة وأرحام نجسة والمشركون نجس كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، فضلًا عن أن يخرج من أصلاب المشركين وأرحامهم أولي العزم من الرسل الذين هم عند الله أشرف من سائر الأنبياء، فقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[سورة آل عمران: 33-34]، وبموجب هذا الاصطفاء الإلهي لا يليق بالسلسلة النسبية لذرية الأنبياء عليهم السلام إلا الطهر والكرامة لأجل ذلك قال تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} قال أهل التفسير: ذرية بعضها من بعض في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، وقيل: في الاجتباء والاصطفاء والنبوة. يؤيده ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، وأخرج الإمام الترمذي وحسنه وأحمد البيهقي وأبو نعيم بسند جيد عن المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه قال: جاء العباس رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ وكأنه سمع شيئًا، فقام النبي ﷺ على المنبر، فقال: «من أنا؟» قالوا: «أنت رسول الله عليك السلام»، فقال ﷺ: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وخيركم نفسًا»، وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طرق، والسيوطي في الخصائص عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لم يلتق أبواي في سفاح، لم يزل الله عز وجل ينقلني من أصلاب طيبة إلى أرحام طاهرة، صافيًا، مهذبًا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما»، وقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}[سورة الشعراء: 219] أي انتقالك بين الموحدين الساجدين لله عز وجل، وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم من طريق عكرمة عن ابن عباس  رضي الله عنهما في قوله تعالى {وتقلبك في الساجدين} قال: «ما زال النبي ﷺ يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه» وهذا الذي يليق بالأنبياء الأنقياء عليهم السلام وبخاتم الأنبياء والرسل وسيدهم ﷺ.


أورد مسلم بن قتيبة الدينوري في المعارف نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام عند أهل الكتاب فقال: هو إبراهيم بن تَارَخْ -أو تَارَحْ بالمهملة، وقد يكون ذلك لتقارب النطق بين حرفي الحاء والخاء، أو تصحيفًا في النَّسْخ- بن ناحور بن أشرغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، قال: «هكذا قال وهب، وقابلت بهذه النسبة ما في التوراة فوجدتها موافقة، إلا أنى وجدت مكان [أشرغ] شاروغ». وذكرنا النسب من أهل الكتاب لكونهم أعلم بأنسابهم خصوصًا اليهود لكونه عليه السلام جدهم، والد سيدنا يعقوب عليهما السلام الذي يسمى إسرائيل وينتسبون إليه، ولأن النبي ﷺ أجاز التحديث عن بني إسرائيل فقال ﷺ: «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، ما دام أن ما ينقل عنهم لا يناقض ما عندنا. أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قال: «إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، إنما كان اسمه تارح»، وعن مجاهد قال: «ليس آزر أبا إبراهيم»، وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج أن اسمه تيرح أو تارح، وقال الزجاج: «ليس بين النسّابين اختلاف أن اسم أبى إبراهيم تارح»! وجاء في معجم تاج العروس: «وتَارَحُ، كآدَمَ: أَبو إِبراهيمَ الخَليلِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعلَى نَبيّنا» وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور النسابين. 


وأسباب الخطأ باعتقاد أن آزر هو والد إبراهيم عليه السلام أولًا التقصير في تنزيه الأنبياء والرسل عليهم السلام عما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، وثانيًا الخلط بين وصف الأب والوالد، فالأب كثيرًا ما يطلق على العم والجد بينما الوالد عادة ما يطلق على الأب الحقيقي الذي أنجب الولد. ثالثًا الغفلة عن الحكمة من وراء ذكر الإسم مقرونًا بصفة الأبوة، رابعًا إهمال مراعاة السياق الزماني للأحداث التي تثبت أن سيدنا إبراهيم عليه السلام تبرأ من عمه وأبيه المجازي في الشباب ودعا لوالديه وأبويه الحقيقيين في الكبر، خامسًا الغفلة عن الآثار الكثيرة التي تتكاثف لتعضد حقيقة أن آزر إنما كان عمًّا لإبراهيم عليه السلام وليس والده، وذلك من عدة وجوه منها:

1/ أن وصف الأب لا يعني بالضرورة الوالد، فالعم والجد يطلق عليهما أيضًا لفظ الأب كما في قوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[سورة البقرة: 133]، فإبراهيم عليه السلام جده، وإسماعيل عليه السلام عمه، وإسحاق عليه السلام والده ومع ذلك جاء في التنزيل: {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ}، فكلهم آباء. وكذلك قول سيدنا يوسف عليه السلام لصاحبي السجن: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ}[سورة يوسف: 38] فيعقوب عليه السلام والده بينما إسحاق وإبراهيم عليهما السلام أجداده ومع ذلك وصفوا بالآباء. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والطحاوي وابن عساكر وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال عن عمه العباس رضي الله عنه: «ردُّوا عليَّ أبي, ردُّوا عليَّ أبي» وفي رواية:«إن عمَّ الرجل صِنْو أبيه»، وفي أخرى: «هذا بقية آبائي» فدل على أن العم يقال له أب. وأخرج الحاكم وغيره عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: «إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده»، ومن الشائع أن يطلق على العم أب كما يطلق على الخالة أم. لذلك فقوله تعالى: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ) ليس صريحًا في أن آزر والده لأن وصف الأب يحتمل العم والجد أيضًا، وكل الآيات التي تناولت الأحداث ومواقف سيدنا إبراهيم عليه السلام مع عمه الكافر كانت بصيغة الأبوة وهي غير صريحة في أنه والده.


2/ أن آزر هذا هو عمه لما أخرجه ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال: «لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار جعلوا يجمعون الحطب حتى أن كانت العجوز لتجمع الحطب، فلما أن أرادوا أن يلقوه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما ألقوه قال الله: {يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} فقال عم إبراهيم: من أجلي دُفِعَ عنه، فأرسل الله عليه شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته».وجاء في السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي: «أجمع أهل الكتاب على أن آزر كان عمه، والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أمًّا»، ويؤيد ذلك أن سيدنا إبراهيم عليه السلام تكلم مع آزر بشيء من الحدة والشدة التي لا تكون بين الولد ووالده، فقال له: {أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} والذي يليق بالوالد: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا}، {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريمًا}، وهو الحليم الأواه،  فكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع والده، فدل على أنه لم يكن والده وإنما كان عمه.


3/ لا يؤتى بالإسم بعد صفة الأبوة عادة إلا للتمييز، فعندما يقال لك: أين أبوك؟ فإنك ستفهم أن السؤال عن والدك لأنه ذكر مبهمًا، أما إن قيل لك أين أبوك فلان فهذا يدل على أن المقصود أب مجازي آخر غير والدك. فلو أن الله تعالى قال مثلا: {وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ أصنامًا آلهة} بدون ذكر الإسم لانصرف الذهن إلى أن المراد هو الوالد والأب الحقيقي، لكن الله أتبع صفة الأبوة بذكر الإسم (آزر) فدل على أن المقصود أب مجازي آخر وليس الوالد أو الأب الحقيقي حتى لو لم يأت ذكره بالإسم في الآيات الأخرى التي نقلت الحوارات الدعوية والأحداث التي ربطت سيدنا إبراهيم عليه السلام بعمه. وقد أُثبٍت الإسم أيضًا في السنة المطهرة، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه [آزر] يوم القيامة، وعلى وجه [آزر] قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: {إني حرمت الجنة على الكافرين}» الحديث، فميز رسول الله ﷺ أباه بذكر اسمه ما يدل على أنه ليس والده وأباه الحقيقي، ثم هناك إشارة أخرى في الحديث وهي قوله: «من أبي الأبعد»، حيث يستخدم وصف الأقرب والأبعد كثيرًا في النسب والمواريث، فالأب الأقرب هو الوالد والأبعد هو العم أو الجد، جاء في لسان العرب: «وَيُقَال فلَان قصير النّسَب إِذا كَانَ أَبوهُ مَعْرُوفًا إِذا ذكره الابْن كَفاهُ عَن الانتماء إِلَى [الْجد الْأَبْعَد]» فاستخدمت عبارة [الجد الأبعد] في سياق النسب دلالة على أنه ليس والده.


4/ يدل السياق الزماني لقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام أن دعوته لعمه آزر ومحاججته لقومه إنما كانت أيام الشباب عندما كان فتىً، وهي الفترة التي كاد فيها أصنامهم وأقام عليهم بذلك الحجة على رؤوس الأشهاد، كما قال تعالى في سورة الأنبياء: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} فعندما وجدوا أن آلهتهم قد أهينت {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} وهنا عبارة صريحة بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام وكان فتىً في سن الشباب: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}، فطلبوا أن حضوره ليوبَّخ أمام جميع الناس على ما فعله بآلهتهم: {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} وعندما أحضروه، جعلوا يستجوبونه ويستوضحونه فعلته وهو يرد عليهم بالحجة والبرهان حتى حيرهم: {قَالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} ليثبت لهم أنها جمادات لا تنطق، وهنا وقع الحق وبطل ما كانوا يفترون: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤوسِهِمْ} ثم اعترفوا له بعجز أصنامهم: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فأثبت لهم ضلالهم الذي هم فيه: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ؟ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، فعندما أقام الحجة عليهم وأفقدهم صوابهم عدلوا عن الجدال والمناظرة ولم يبقَ لهم إلا استعمال القوة والسلطان لينتصروا لباطلهم وينصروا أصنامهم: { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}. 

ثم عمد إلى دعوة عمه هذه المرة بالرفق واللين طمعًا في أن يسلم بعد أن أظهر له من الحجة والبرهان في المناظرة التي كانت على رؤوس الأشهاد ما فيه الكفاية، كما قال تعالى: {إِذْ قَالَ [لِأَبِيهِ] يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}[سورة مريم: 43-45]، لكن عمه استكبر وأبى وقابله بالكفر والإنكار كما جاء في التنزيل: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}، فتوعده بالرجم والإيذاء وطرده، لكن سيدنا إبراهيم عليه السلام قابله بالحسنى: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} فوعده أن يدعو له ويستغفر، وعزم على أن يتركهم وشأنهم، ويعتزل قومًا أبوا الحق بعد أن ظهر جليًّا: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}. لكن قومه كانوا قد عزموا على التخلص منه عليه السلام،  فشرعوا يجمعون حطبًا من جميع الأماكن، ومكثوا مدة يجمعون له ما يستطيعون من الحطب، حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبًا لإحراق إبراهيم عليه السلام، فجمعوا حطبًا عظيمًا وأشعلوا فيه النار، فاضطربت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط، ثم أوثقوه وجعلوه في منجنيق ورموه في النار ليحرقوه ويتخلصوا منه، كما جاء في سورة الأنبياء: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، فنجاه الله من كيدهم ونصره عليهم وأظهر قدرته الجلية عز وجل فلم تأكل النار إلا وثاقه، وقيل مكث أربعين يومًا هي من أطيب الأيام والليالي التي عاشها في الدنيا. 

ومما يدل أيضًا في هذا السياق على أن والديه وأبويه الحقيقيين كانا مؤمنين على خلاف عمه الكافر ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم» وهذا ثناء على الله عز وجل لا يكون إلا من مؤمن، وروي عنه أيضًا رضي الله عنه: «أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته: يا بني إني أريد أن أجيء إليك، فادعُ الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم. فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته، ثم عادت»، فلو لم تكن مؤمنة وحانية على ولدها لأحرقتها النار، فدل على إيمانها مع أنه لم يكن بمقدورهما -والدته ووالده- أن يدفعا عنه أذى قومهما لكنهما تفاعلا معه وسعدا بما أكرمه به ربه عز وجل، وهذا أقصى ما يستطيعان. بعد حادثة محاولة الإحراق التي ظاهر فيها عمه قومه على ابن أخيه تبين لسيدنا إبراهيم عليه السلام بأن عمه آزر عدو لله، لذلك تبرأ منه وترك الإستغفار له، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}[سورة التوبة: 113-114].

ثم تزوج سارة التي كانت تصغره بعشر سنوات وكانت عاقرًأ، وهاجر مع والده تارخ إلى أرض كنعان (الشام) كما ذكر ابن كثير وغيره من أهل التاريخ، وهذا يدل على أنه هاجر مع والده المؤمن واعتزل عمه الكافر تصديقًا لقوله عليه السلام في سورة الأنبياء {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا}. فتزوج السيدة هاجر بناءً على رغبة سارة في الولد، وأنجب من السيدة هاجر رضي الله عنها سيدنا إسماعيل عليه السلام وأسكنهما بالحجاز حيث بنى هو وولده إسماعيل عليه السلام الكعبة المشرفة، ثم عافى الله سارة فأنجبت له سيدنا إسحاق عليه السلام ويعقوب من بعده، فذكر نعم الله عليه وهو في أواخر عمره ودعا لوالديه بالخير، ويدل السياق على أن إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه المجازي في شبابه، بينما دعا واستغفر لأبويه الحقيقيين في كبره وأواخر عمره، وللتفريق بينهما جاءت صيغة الدعاء بلفظ [والدي] وليس [أبوي] أو [أبي] كما قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}[سورة إبراهيم: 39-40] فجاءت الآيات صريحةً في الدعاء كان على الكِبَر، وأن ذلك كان بعد أن هاجر إلى الحجاز، وذكر والديه في زمرة المؤمنين، وربط دعاءه بيوم الحساب، فدل على أن حديث تعذيب آزر الوارد في صحيح البخاري وغيره لا يشمل تعذيب والديه الحقيقيين لكونها مغفور لهما يوم يقوم الحساب.


والله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم

الخميس، 27 أكتوبر 2022

التفنيد المفصل لجميع شبهات رمي المسلمين الموحدين بالشرك


الشبهة:
زعم الوهابية ومن سار على دربهم أن من دعا غير الله أو استغاث بغير الله أو ذبح لغير الله أو طاف بقبر فقد صرف عبادة لغير الله، ومن صرف عبادة لغير الله فقد أشرك. 

التفنيد:
هذا باطل من وجوه كثيرة جدا لكن خذ منها:
أولا الشرك هو اتخاذ إله آخر مع الله رب الغالمين، والتوحيد هو اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، قال تعالى {وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوۤا۟ إِلَـٰهَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهࣱ وَ ٰ⁠حِدࣱ فَإِیَّـٰیَ فَٱرۡهَبُونِ}[سُورَةُ النَّحۡلِ: ٥١]، وقال تعالى {أَجَعَلَ ٱلۡـَٔالِهَةَ إِلَـٰهࣰا وَ ٰ⁠حِدًاۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَیۡءٌ عُجَابࣱ}[سُورَةُ صٓ: ٥]، ومن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله مسلم موحِّد، لا يمكن أن يعتقد بوجود إله آخر إلا الله عز وجل، فالجمع بين الشرك والتوحيد محال لأنه جمع بين نقيضين.
ثانيا النية هي أساس كل عمل لقول رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه]، وهي الفيصل بين العادة والعبادة، فما عمل بنية التعبد كان عبادة، وما لم يعمل بنية التعبد لم يكن عبادة، فهناك من يصلي لله، وهناك من يصلي نفاقًا، وهناك من يصوم لله وهناك من يصوم لإجراء عملية جراحية، وهناك من يذبح لله وهناك من يذبح لرحلة خلوية، وهناك من يطوف لله وهناك من يطوف للرياضة وتخفيف الوزن وغير ذلك من الأمثلة. لذا لا تصح عبادة في الإسلام بغير نية، فالنية هي أول شرط صحة في أي عبادة في الإسلام. لأجل ذلك لا يكون العمل عبادة إلا إذا نوي به التعبد، ومن نوى التعبد بعمل فلابد أنه يعتقد أن من عبده إله يعبد، فهل المسلمون المتهمون بهتانًا بالشرك فعلوا ما فعلوا بنية التعبد؟ قطعًا لا وإنما أخذًا بالأسباب أو توسلًا أو تبركًا أو أي نية أخرى غير التعبد. وهل يعتقدون أن من عملوا له هذا العمل إله يعبد؟ قطعًا، لا فإنهم يشهدون أن الله واحد لا شريك له، وأن الأولياء مخلوقين، وعباد صالحين، مكرمين من رب العالمين. 
لذلك فاتهام كل من دعا غير الله أو استعان بغير الله أو استغاث بغير الله أو ذبح لغير الله أو غير ذلك أنه صرف عبادة لغير الله باطل لأنها ليست عبادة ولا العامل يعتقد أن المعمول له إله يعبد. 
ثالثا دعاء غير الله العادي مشروع، فيمكن أن تدعو من تشاء لما تشاء، كما جاء في التنزيل: {... قَالَتۡ إِنَّ أَبِی یَدۡعُوكَ لِیَجۡزِیَكَ أَجۡرَ مَا سَقَیۡتَ لَنَاۚ}[سُورَةُ القَصَصِ: ٢٥]، أما الدعاء بنية التعيد (الدعاء التعبدي) فلا يكون إلا لله كما قال تعالى: {وَٱلَّذِینَ لَا یَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا یَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا یَزۡنُونَۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰ⁠لِكَ یَلۡقَ أَثَامࣰا}[سُورَةُ الفُرۡقَانِ: ٦٨] 

رابعًا الاستعانة بالمخلوقين مشروعة على سبيل الأخذ بالأسباب، فقد قال تعالى: {.. وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِۚ.. }[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٢]، تعاونوا على وزن تفاعلوا، أي أعينوا واستعينوا، وقال رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» [أخرجه مسلم]، أما قوله ﷺ: «وإذا استعنت فاستعن بالله» تنبيه إلى أن المعين حقيقة هو الله، فالإعانة من المخلوق شيء وحصول العون من الله شيء آخر، فالله يعين عند السبب وبلا سبب. 

خامسًا الإستغاثة بالمخلوقين مشروعة على سبيل الأخذ بالأسباب، فقد قال تعالى: {... فَٱسۡتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِی مِن شِیعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِی مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَیۡهِۖ... }[سُورَةُ القَصَصِ: ١٥]، وأخرج البخاري في صحيحه في حديث الشفاعة أن رسول الله ﷺ قال: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم، وقال إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم»، أما الاستغاثة بنية التعبد فلا تكون إلا بالله كما قال تعالى: {إِذۡ تَسۡتَغِیثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّی مُمِدُّكُم بِأَلۡفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ مُرۡدِفِینَ}[سُورَةُ الأَنفَالِ: ٩]. 
سادسًا تقييد الإستعانة والإستغاثة بما يقدر عليه المخلوق، أو بأن يكون حيًّا أو قريبًا فباطل من عدة وجوه: أولا لأن فيه شبه شرك إذ تجعل للمخلوق قدرة مستقلة عن قدرة الله عز وجل. ثانيا المخلوق في الحقيقة عاجز، فلا حول ولا قوة له إلا بالله، لا يقدر على أهون شيء إلا أن يقدره الله تعالى عليه. ثالثا المخلوق سبب، فالقادر القدير هو الله عز وجل. رابعًا الله يقدر من خلقه من شاء على ما يشاء، فقد أقدر آصف بن برخياء على إحضار عرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين، وهذا بمقاييس دعاة الشبهة لا يقدر عليه إلا الله. خامسًا قدرة الله صالحة لتبصير البعيد كما يبصر القريب، وإسماع البعيد كما يسمع القريب، وفي قصة سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاهلإ وسارية الصحيحة خير شاهد، فقد أبصر سيدنا عمر وضع جيش سارية فحذره من العدو خلف الجبل وسمع سارية التحذير وبينهما مسيرة شهر بالبعير. سادسًا قدر الله صالحة لتبصير الميت كما يبصر الحي وإسماع الميت كما يسمع الحي، أما الأولى فبدليل قصة درع سيدنا قيس بن ثابت بن شماس رضي الله عنه وأرضاه التي أخرجها الطبراني بإسناد صحيح، فقد أخبر بعد موته أحد المسلمين في رؤيا منام بمن أخذ درعه وأين خبأها. أما الثانية فبدليل حديث قليب أهل بدر، فقد قال رسول الله ﷺ لسيدنا عمر رضي الله عندما استغرب خطابه ﷺ لقتلى المشركين في غزوة بدر: «والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، وفي صحيح مسلم: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا»، فيتضح أن الحي والميت، والقريب والبعيد أمام قدرة الله سواء. 
سابعًا العبادات لا يحكم عليها بظاهر الأفعال لوجود النية، فالمسلمون اليوم يصلون إلى الكعبة وهي أحجار، لكنهم في الحقيقة يصلون لله وما الكعبة إلا قبلة يعبد الله عليها. 
ثامنًا الإستدلال بحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) على وجود عبادات بدون اعتقاد أن المعبود إله آخر باطل من وجوه: 
أولًا الحديث ضعيف ولا تقوم به حجة، قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ. وَغُطَيْفُ بْنُ أَعْيَنَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الْحَدِيثِ.
وهو مضطرب، فقد أخرجه الطبري في تفسيره بألفاظ متناقضة، ففي رواية: قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدُهم! فقال: «أليس يحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه، ويحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه؟» قال: قلت: بلى! قال: «فتلك عبادتهم» 
وفي رواية إخرى: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا يحلّون لهم فيُحلُّون»، 
ثانيا الصحيح أنها ليس عبادة على المعنى الشرعي للعبادة وإنما على المعنى اللغوي لأن الطاعة معنى من معاني العبادة، وذلك بدليل ما رواه الْأَعْمَشُ وَسُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبَى الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: سُئِلَ حُذَيْفَةُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ" هَلْ عبد وهم؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَاسْتَحَلُّوهُ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ فَحَرَّمُوهُ». وهذا إسناد صحيح.
تاسعًا عبارة (من دون الله)، (من دونه)، (غير الله) ونظائرها في القرءان الكريم المقصود بها (إله غير الله)، (إله من دون الله)، (إله من دونه)، بدليل قوله تعالى_ (لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذًا شططًا)، وقوله تعالى: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة)، (أم اتخذوا من دونه آلهة)، (أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون)، وغيرها، ولا تعني العباد المخلوقين، وإلا لكان كل دعاء شركًا، حتى لو قلت يا محمد أقبل، ويا ولدي تعال، ويا فلان إذهب لكنت مشركا، ولم يقل أحد بذلك، فقد قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: (يا بني اركب معنا)، وقال يعقوب عليه السلام: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف)، وقال إبراهيم عليه السلام: (يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك)، وغيرها، لذلك الإستدلال بآيات كقوله تعالى: {وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا یَنفَعُكَ وَلَا یَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذࣰا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ}[سُورَةُ يُونُسَ: ١٠٦]، وقوله تعالى: {... وَٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا یَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِیرٍ}[سُورَةُ فَاطِرٍ: ١٣]، وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلۡمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدࣰا}[سُورَةُ الجِنِّ: ١٨] وأمثالها على تشريك من يستعين ويستغيث بالخلق باطل، فهذه الآيات تخاطب عباد الأصنام والأوثان الذين يعبدون غير الله من الآلهة.
عاشرًا: الإستدلال بحديث ذات أنواط على إمكانية وقوع الشرك من المسلم الموحد بدون أن يدري باطل من عدة وجوه:
أولا تكلم بعض العلماء في صحة الحديث والعقائد لا تثبت بأحاديث فيها مقال معتبر. 
ثانيا ولو قبلنا بالحديث جدلًا فليس فيه حجة لأنه لا يدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم أشركوا عندما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة ذات أنواط، فلو كان أشركوا للزمهم أن يشهدوا الشهادتين ليسلموا مرة أخرى، وهذا الوجه كاف لنسف الإستدلال بهذا الحديث.
ثالثًا رغمًا عن حداثة عهدهم بالجاهلية إلا أن ما طلبوه هو شجرةٌ يعلقون بها السلاحَ ويستمدُّون البركةَ والنصر بها مِن الله عز وجل وليس من الشجرة، لكنهم بهذا الطلب العفوي وقعوا بدون قصد في التشبه بالمشركين قبل أن يعلموا النهي بعدم التشبه بالمشركين، وسبب التشبه هو أن الشجرة التي طلبوا نظيرها كانت شجرة يعلق فيها المشركون أسلحتهم ويعبدونها من دون الله، فكان لسؤالهم هذا مشابهة مع سؤالَ بني إسرائيل لموسى عليه السلام اتِّخاذَ إله لا أنهم طلبوا اتخاذ إله، فالتشابه من وجهٍ لا يَلزم منه التشابه من كلِّ الوجوه، مثلا كقول رسول الله ﷺ في تعلُّق قلبِ المدمن بالخمر: «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»، فوجهُ التشابه بينهما أنَّ المدمنَ لا يكاد يستغني عن الخمرَ، كما لا يستغني عابِدُ الوثن عن عبادتَه، ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّ مدمن الخمر مشركٌ بهذه المشابهة.
وكذلك كقوله ﷺ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ»، قال العلماء: «وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئيِّ بالمرئيِّ». 

ملاحظة:
يرجى الإضافة والإثراء والتنبيه للخلل والخطأ اللفظي والمعنوي، القصد إعداد رسالة شاملة تتناول هذا الموضوع تكون عونا للإخوان خصوصا الدعاة

تخريج حديث: (وا شوقي لإخواني)

أخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «وددت أني لقيت إخواني»، قال: فقال أصحاب النبي ﷺ: «أوليس نحن إخوانك؟» قال: «أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني»، وفي رواية لأبي يعلى: «ومتى ألقى إخواني؟»، قالوا: «يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟» قال: «بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني».
وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يا ليتني قد لقيت إخواني»، قالوا: «يا رسول الله، ألسنا إخوانك وأصحابك؟» قال: «بلى، ولكن قوما يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم، ويصدقوني تصديقكم، وينصروني نصركم، فيا ليتني قد لقيت إخواني»
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ودَدِتُّ أنَّا قد رأينا إخواننا»، قالوا «أولسنا إخوانك يا رسول الله؟» قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد»
وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق عن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «يا ليتني قد لقيت إخواني» فقال له عمر بن الخطاب: «يا رسول الله أو لسنا إخوانك؟» قال: «أنتم أصحابي، إخواني قوم آمنوا بي ولم يروني، وصدقوني ولم يروني» قال: فجاء أبو بكر على هيئة ذلك فقال له عمر بن الخطاب: «يا أبا بكر ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ؟» قال: «وما يقول؟» قال: «يا ليتني لقيت إخواني، فقلت له: يا رسول الله: أو لسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي إخواني قوم آمنوا بي ولم يروني، وصدقوا بي ولم يروني» قال: فقال النبي ﷺ: «صدق يا أبا بكر، أما تحب قوما بلغهم أنك تحبني وأحبوك لحبك إياي فأحبهم أحبهم الله عز وجل»، وغير ذلك من الأسانيد والألفاظ

قوله ﷺ: «ودَدِتُّ أني لقيت إخواني»، وقوله ﷺ: «يا ليتني قد لقيت إخواني»أي وا شوقي إلى إخواني، أتمنى أن أراهم.

الربط بين مفهوم أمة الدعوة وأمة الإجابة وبين النصوص الشرعية ذات العلاقة

أمة الدعوة هم كل من بعث فيهم رسول الله ﷺ كما قال تعالى: (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ)، وكما قال النبي ﷺ: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم، فقوله ﷺ: (من هذه الأمة) يعني به أمة الدعوة، وكذا قوله ﷺ عن أبي جهل لعنه الله: (هذا فرعون هذه الأمة) يعني أمة الدعوة. وتشمل أمة الدعوة كافة الناس الذين بعث فيهم النبي ﷺ من الثقلين إلى يوم القيامة، وذلك لأن الأنبياء كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة بينما أرسل سيدنا محمد ﷺ إلى الناس عامة كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).

أما أمة الإجابة أو الاستجابة فهم من آمن بدعوة النبي ﷺ ودخل الإسلام، كما في قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، ويخاطب القرءان الكريم أمة الدعوة بيأيها الناس، ويا بني آدم، ويخاطب أمة الإجابة بيأيها الذين ءامنوا.

أما ربط مفهوم الأمة مع النصوص الشرعية ذات الصلة فكما في حديث افتراق الأمة: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة). قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي)
فالأمة المقصودة في قوله ﷺ: (وتفترق أمتي) هي أمة الدعوة، وهي كلها النار إلا فرقة واحدة وهي أمة الأجابة فإنهم في الجنة، وذلك لقوله تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس)، فأمة الإجابة هي خير الأمم، ولقوله ﷺ: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) فأصحاب النار هم الذين سمعوا بدعوة النبي ﷺ ولم يجيبوها.

أما الفرق والطوائف داخل أمة الإجابة فمشروعة، بل وكانت موجودة على عهد النبي ﷺ ونزل بها القرءان الكريم، مثل قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين)، وقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) فكلا الطائفتين من المؤمنين، وقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ). ومن أمثلة هذه الطوائف المشروعة: أهل بيت النبوة كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، ومثل الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومثل التابعين كما قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)، ومثل أهل بيعة العقبة الأولى والثانية، والعشرة المبشرين بالجنة، وأهل بدر، وأهل القرءان، وأهل الحديث، والأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ..إلخ.

الخميس، 25 مارس 2021

ليلة النصف من شعبان


ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، ورد في فضلها أحاديث صحيحة منها ما أخرجه ابن حبان في صحيحه وابن أبي عاصم في السنة وغيرهما عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». [رجاله ثقات سوى عبد الرحمن روى مع الأوزاعي، والأوزاعي ثقة]، وما أخرجه ابن ماجه وابن أبي عاصم واللالكائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن»، وهو لا ينزل عن رتبة الحسن. وجاء الترغيب فى إحيائها فى جملةٍ من الأحاديث حتى لو كان في بعضها ضعف فإن جمهور أهل العلم لا يرون بأسًا في العمل بالحديث الضعيف في الترغيب وفضائل الأعمال، ومن ذلك ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف وبن ماجه في [السنن] والبيهقي في [فضائل الأوقات] وابن والشجري في الأمالي وغيرهم عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا يومها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر». وقوله ﷺ: «مَنْ أَحْيَا اللَّيَالِى الخَمْسَ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ..» وذكر منها: «لَيْلَة النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان» [رواه الأصبهانى فى "الترغيب والترهيب" من حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه].

ومشروعية إحياء ليلة النصف من شعبان ثابتٌ عن كثير من السلف، وهو قول جمهور أهل العلم، وعليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا، قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي المتوفى سنة ٢٧٢هـ في كتابه [أخبار مكة]، باب ذكر عمل أهل مكة ليلة النصف من شعبان واجتهادهم فيها لفضلها:

«وأهل مكة فيما مضى إلى اليوم إذا كان ليلة النصف من شعبان، خرج عامة الرجال والنساء إلى المسجد، فصلوا، وطافوا، وأحيوا ليلتهم حتى الصباح بالقراءة في المسجد الحرام، حتى يختموا القرآن كله، ويصلوا» 

وقال الإمام الشافعى رضى الله عنه المتوفى سنة ٢٠٤هـ في كتابه [الأم] : «وبلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب فى خمس ليالٍ.. وذكر منها ليلة النصف من شعبان».

وقال الإمام زين الدين بن نجيم فى [البحر الرائق]: «ومن المندوبات إحياء ليالى العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان كما وردت به الأحاديث .. والمراد بإحياء الليل قيامه»

وقال ابن تيمية في [الفتاوى الكبرى]: «وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يُصلِّي فيها»

وجاء في الموسوعة الفقهية، باب إحياء الليل:

«ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى نَدْبِ إِحْيَاءِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ... اخْتُصَّتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِاسْتِحْبَابِ قِيَامِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ فِي فَضْلِهَا»

وما كان له أصل في الدين يدل عليه فهو مستحب على أقل تقدير وليس ببدعة شرعًا، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في [جامع العلوم والحكم]: «والمراد بالبدعة ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة»

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: «والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق: إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة».

وقال في الفتح أيضًا: «والمراد بقوله كل بدعة ضلالة ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام».

وقول الحافظ: (بطريق عام) أي أنه لا دليل عليه بخصوصه ولكن ورد الدليل على أصله، ولا يخفى أن الترغيب في الصيام والقيام بشكل عام قد دلت عليه من النصوص ما لا يحصى ولا يعد.

🌹اللهم صلِّ وسلم على الذات المحمدية وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد🌹

أ   ك

الثلاثاء، 19 يناير 2021

التوسل بالذوات المباركة والأعمال الصالحة

 الوسيلة هي «الفعيلة» من قول القائل: «توسلت إلى فلان بكذا»، بمعنى: «تقرَّبت إليه»، ومنه قول عنترة:

إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ××× إِنْ يَأْخُذُوكِ، تكَحَّلِي وتَخَضَّبي 

يعني بـ«الوسيلة»، القُرْبة، جمعها وسائل أي القربات ومنه قول الآخر: 

إِذَا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا ××× وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالوَسَائِلُ

التوسل شرعًا هو التقرب إلى الله عز وجل بما يحب ويرضى من الوسائل والقربات كما قال تعالى: (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ)، وهي إما أعمال صالحة يحبها الله تبارك وتعالى، أو ذوات مقربة لها عند الله تبارك وتعالى منزلة وشأنًا. 

أما التوسل بالأعمال فكما في الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في صحيحه: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». 

وأما التوسل بالذوات المقربة عند الله عز وجل فيكون بدعاء الله تبارك وتعالى بحق منزلتها وقربها عنده عز وجل كما قال تعالى: (أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ یَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِیلَةَ أَیُّهُمۡ أَقۡرَبُ) أي يتوسلون إلى الله عز وجل بمن هو أقرب إليه وأحب.

أخرج البخاري في صحيحه عن سيدنا أنس رضي الله عنه أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بسيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون»، فكان الصحابة رضوان الله عليهم يتوسلون بذات النبي ﷺ لمنزلتها العظيمة عند الله عز وجل في الحياة وبعد الوفاة، أما التوسل به ﷺ بعد وفاته فقد ثبت بما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في دلائل النبوة وصححه الحافظ في الفتح عن مالك الدار -وكان خازن سيدنا عمر رضي الله عنه على الطعام قال: “أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا»، فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، فقال: «ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مُسْقَوْنَ، وقل له: عليك الْكَيْسَ الْكَيْسَ». فأتى الرجل عمر، فأخبره، فبكى عمر ثم قال: «يا رب ما آلو إلا ما عَجَزْتُ عنه». 

وكان توسل سيدنا عمر رضي الله عنه والصحابة رضوان الله عليهم بسيدنا العباس رضي الله عنه بعد وفاة النبي ﷺ لعدة حكم منها:

١/ أن التوسل بسيدنا العباس رضي الله عنه هو توسل ضمني برسول الله ﷺ لمكانة سيدنا العباس من النبي ﷺ، إذ يُتقرب إلى الله تبارك وتعالى بكل ما اتصل برسول الله ﷺ وكان له مكانة عنده، يؤيده قول سيدنا العباس رضي الله عنه في الاستسقاء: «اللهمَّ.. قد توجَّه القومُ بي إليك لمكاني من نبيِّك» [أخرجه الزبير بن بكار في الأنساب]، وما رواه الحاكم والبلاذري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم هذا عم نبيك العباس نتوجه إليك به فاسقنا»، فما برحوا حتى سقاهم الله قال: فخطب عمر الناس فقال: «أيها الناس إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه، ويفخمه، ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله عز وجل فيما نزل بكم». وأخرج التاج السبكي في الطبقات أن سيدنا عمر خرج بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب رضى الله عَنْهُمَا يستسقى فَأخذ بضبعيه وأشخصه قَائِما ثمَّ أشخص إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نتقرب إِلَيْك بعم نبيك وقفية آبَائِهِ وَكبر رِجَاله فَإنَّك تَقول وقولك الْحق {وَأما الْجِدَار فَكَانَ لغلامين يتيمين فِي الْمَدِينَة وَكَانَ تَحْتَهُ كنز لَهما وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا} فحفظتهما لصلاح أَبِيهِمَا فاحفظ اللَّهُمَّ نبيك فى عَمه فقد دلونا بِهِ إِلَيْك مستشفعين ومستغفرين ثمَّ أقبل على النَّاس فَقَالَ {اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا} إِلَى قَوْله {أَنهَارًا} وَالْعَبَّاس قد طَال عمر وَعَيناهُ تَنْضَحَانِ وسبابته تجول على صَدره وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْت الراعى لَا تهمل الضَّالة وَلَا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصَّغِير ورق الْكَبِير وَارْتَفَعت الشكوى وَأَنت تعلم السِّرّ وأخفى اللَّهُمَّ فأغثهم بغياثك قبل أَن يقنطوا فيهلكوا فَإِنَّهُ لَا ييأس من روحك إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ اللَّهُمَّ فأغثهم بغياثك فقد تقرب إِلَى الْقَوْم لمكانى من نبيك عَلَيْهِ السَّلَام. فَنَشَأَتْ طريرة من سَحَاب وَقَالَ النَّاس ترَوْنَ ثمَّ تلامت واستتمت ومشت فِيهَا ريح ثمَّ هدت وَدرت فَمَا برح الْقَوْم حَتَّى اعتلقوا الْحذاء وقلصوا المآزر وخاضوا المَاء إِلَى الركب ولاذ النَّاس بِالْعَبَّاسِ يمسحون أردانه وَيَقُولُونَ: هَنِيئًا لَك ساقى الْحَرَمَيْنِ، فأمرع الله الْحباب وأخصب الْبِلَاد ورحم الْعباد». قال السبكي: «فَهَذِهِ دَعْوَة مستجابة ببركة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم»

٢/ لأن سيدنا العباس رضي الله عنه هو من ضمن المتأثرين بالجوع والعطش فكان ذلك أدعى للقبول وأرجى للإجابة.

وقد تكلم من يجهل مشروعية التوسل بالذوات الصالحة في توسل سيدنا عمر رضي الله بسيدنا العباس رضي الله عنه وزعم أن التوسل كان بالدعاء وليس بالذات، وأن هناك محذوفَا في قول سيدنا عمر رضي الله عنه تقديره: «اللهم إنا كنا نتوسل [بدعاء] نبينا.. وإنا نتوسل إليك [بدعاء] عم نبينا» وهذا مردود من وجوه منها:

١/ مخالفته لظاهر النص من غير حاجة إلى تأويل فالذوات الصالحة يجوز التوسل بها. 

٢/ التوسل أصلًا يكون في سياق الدعاء وطلب قضاء الحاجة، فالغرض الأساسي منه هو قبول الدعاء أو الطلب، لذلك فالدعاء في حال الاستسقاء هو تحصيل حاصل. 

٣/ طلب الدعاء من ذات مباركة والاستسقاء بها هو توسل إلى الله تبارك وتعالى بحقها عنده وجاهها لديه لأن الغاية من التوسل هي قبول الدعاء وتحقق المراد.

وأخرج الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن سيدنا عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: «ادع الله أن يعافيني»، فقال ﷺ: «إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير لك». [وفي رواية: «وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك»]، فقال: «ادعهُ». فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ وشفّعني فيه». قال: «ففعل الرجل فبرأ». 

وقد تكلم ايضًا من يجهل مشروعية التوسل بالذوات في هذا الحديث وزعم أنه ليس توسلًا بل هو دعاء من النبي ﷺ بدليل قول الأعمى: «أدعه»، وغفل جهلًا أو عمدًا عن إرشاد النبي ﷺ للأعمى كيف يدعو الله عز وجل متوسلًا إليه بعظم قدر ذات النبي ﷺ، وهذا صريح في ألفاظ الدعاء التي علمها له المعلم الأعظم ﷺ «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي».


وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يخرج إلى الصلاة: “اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت“ وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته. [أخرجه ابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده، و الطبراني في الكبير، و ابن أبي شيبة في مصنفه، وقد حسن الحديث الدمياطي في المتجر الرابح، و الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، و الحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار]


وروى الحاكم في مستدركه وصححه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا ربِّ، أسألك بحق محمَّد لَمَا غفرتَ لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقْه؟ قال: يا رب، لأنَّك لما خلقتني بيدك، ونفخت فيَّ من رُوحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِفْ إلى اسمك إلا أحبَّ الخلق إليك، فقال الله: صدقتَ يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقِّه، فقد غفرت لك، ولولا محمَّد ما خلقتك»

فالتوسل بالذوات الصالحة أحياءً أو أمواتًا مشروع، قال الإمام الشوكاني في تحفة الذاكرين: «ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين، ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى النبي ﷺ فذكر الحديث ثم قال: وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عم رسول الله ﷺ وقال عمر رضي الله عنه اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا ﷺ»، وقال في الفتح الرباني: «لا بأس بالتوسل بنبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء، أو عالم من العلماء، وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه. فهذا الذي جاء إلى القبر زائرًا، ودعا الله وحده، وتوسل بذلك الميت، كأن يقول: اللهم إني أسألك أن تشفيني من كذا، وأتوسل إليك بما لهذا العبد الصالح من العبادة لك، أو المجاهدة فيك، أو التعلم والتعليم، خالصا لك، فهذا لا أتردد في جوازه».

 إن تحري الدعاء في الأزمنة المباركة كيوم الميلاد، ويوم عرفة، وليلة القدر، وفي السحر، وبين الأذان والإقامة، وفي الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، وعند نزول الغيث..وغيرها من أزمان استجابة الدعاء، وتحري الدعاء في الأمكنة المباركة كالقبر النبوي الشريف، والروضة النبوية الشريفة، والكعبة المشرفة، والمقام، وبين الصفا والمروة، وجبل عرفات، وأضرحة الصالحين،.. وغيرها من الأماكن المباركة، إن هذا التحري للدعاء في هذه الأزمنة والأمكنة المباركة هو في الحقيقة توسل، لأن الله هو الله، يسمع الدعاء ويقبله ويستجيب له في أي زمان ومكان، ولما كان التوسل هو التقرب إلى الله عز وجل والتودد إليه سبحانه رجاء الرضى والقبول والإجابة، كان تخير هذه الأزمنة والأمكنة هو تقربًا إلى الله تبار وتعالى بها وتوسلًا ببركتها. وإذا كان التوسل حاصل بالفعل ببركة الأزمنة والأمكنة المباركة والتي ما بوركت إلا بسبب إنسان صالح فمن باب أولى حصوله بذوات الصالحين الذين هم مصدر هذه البركات. فالقبر النبوي الشريف، والروضة النبوية الشريفة، والمسجد النبوي الشريف، يوم الميلاد، ويوم الإسراء والمعراج، على سبيل المثال بوركت بذات النبي ﷺ، والمقام بورك بذات سيدنا إبراهيم عليه السلام، والصفا والمروة بوركت بذات أمنا السيدة هاجر عليها السلام وهكذا، وهذا يثبت أيضًا مشروعية التوسل بالذوات الصالحة.

السبت، 26 ديسمبر 2020

لماذا نسميهم وهابية بدلا عن الأوصاف الزائفة التي يدعونها كالسلفية أو الأثرية أو أنصار السنة.. إلخ؟

 الإجابة:

أولا لأن هذا هو الإسم الذي عرفوا به منذ نشأتهم كما ذكره الإمام الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين، وقد عاصر فتنتهم. قال الشيخ أحمد بن محمد الصاوي الذي عاصر الحركة الوهابية والمتوفى سنة 1241 هـ في تفسير قول الله تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ} (فاطر الآية 6): «وقيل هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرّفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم كما هو مُشَاهَدٌ الآن في نَظَائِرهم وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم الوهابية يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم» [الجزء الخامس من حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان]. 

ثانيًا إنصافًا للسلف ولأصحاب الأثر وللسنة المشرفة، فالوهابية باستتارهم خلف هذه المسميات الطيبة يدنسونها ويشوهونها

ثالثًا لأن السلف الصالح هم أصحاب القرون الثلاث الأولى، والسلفي حقًّا هو من سار على نهجهم واقتفى أثرهم، والسلفيون الحقيقيون اليوم هم أتباع الأئمة الأربعة الأعلام، فقد عاش الأئمة الأربعة الأعلام كلهم في القرون الثلاث الأولى، وتلقتهم الأمة بالقبول، وشهدت لهم بالعلم والإمامة والجلالة. أما الوهابية فهم على أثر محمد بن عبد الوهاب الذي توفي سنة ١٢٠٦ هجرية، أي في القرن الثالث عشر الهجري، قبل نحو ٢٣٦ سنة من اليوم فما علاقتهم بقرون السلف الصالح؟!! زعم محمد بن عبد الوهاب أنه حنبلي مع جهله بالمذهب، ومخالفته في دعوته للإمام أحمد بن حنبل، وتكفيره لأهل زمانه من الحنابلة بمن فيهم العدد القليل من شيوخ قريته الذين درس عليهم أبجديات العلم الشرعي، وأسس دعوته كأنه نبي معصوم هبط عليه جبريل بالوحي، فهو مُنبتَّ، وجاهل بالعلم الشرعي لأنه لا يعرف له أشياخ ثقات سمع منهم التصانيف الشرعية أو أخذ عنهم العلم الشرعي، وقد رد عليه أهل زمانه من العلماء من كل المذاهب وأثبتوا جهله بمن فيهم شيوخ زمانه من الحنابلة.

رابعًا حتى يعرف الناس حقيقة تسميتهم، وتاريخ نشأنهم التي تزامنت من جهود بريطانيا آنذاك لتمزيق دولة الخلافة الإسلامية في تركيا وخلق الفتن والقلاقل والثورات في الجزيرة العربية للإنقلاب على دولة الخلافة والسيطرة على ثروات المسلمين في ما كان يعرف بالوطن العربي. 


لماذا صيد الوهابية الثمين أغلبه من البسطاء والسذج وذوي العقد النفسية؟

السبب بسيط جدًا وهو: استغلال الجهل والبراءة وحسن الظن، واستغلال الطمع في الحصول على مكانة اجتماعية مرموقة.

نحن نطيع الطبيب في توجيهاته لأنه متخصص ونحن عوام، ونلبي طلبات المهندس المقاول لأن هذا مجاله، ونحترم المعلم، والبناء، والنجار، والسباك،.. إلخ كل في تخصصه، الأمر كذلك بالنسبة للدين والعلوم الشرعية. 

طبعًا الأصل أن الشخص العامي غير المتخصص في الدين لا يسعه الا تقليد العلماء الثقات، وفي تعريف الشخص العامي يدخل الأمي الذي لا يحسن القراءة ولا الكتابة، والشخص الذي ترك المدرسة إما لبلادة أو لظروف قاهرة، والشخص الذي يعاني من تخلف ذهني أو مرض نفسي، والموظف أو العامل أو التاجر الذي يخرج الصباح ويعود المساء، وغير ذلك من صنوف الناس الذين لا تسمح لهم قدراتهم الذهنية ولا ظروفهم بالتخصص في العلم الشرعي، فهؤلاء لا يسعهم إلا تقليد العلماء الثقات المأمونون، طبعًا هناك علماء لهم غرض دنيوي ويتقاضون أجورًا من الداخل والخارج لنشر فكر ديني دخيل يجب ألا نقلدهم. 


العلم الشرعي تخصص دقيق يحتاج إلى معرفة بالقرآن الكريم وعلومه من تجويد وقراءات وأسباب نزول وتفسير وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وإعراب،.. إلخ، ومعرفة بالسنة المطهرة وعلومها كمصطلح الحديث والجرح والتعديل والشروح.. إلخ، ومعرفة بالنحو والصرف والبلاغة وعلوم اللغة، ومعرفة بالفقه وأصوله ومذاهبه، وبالمنطق والاستدلال والاستنباط وغيرها من أبواب العلم الشرعي التي يعرفها المتخصصون ويجهلها العوام.

ما يحدث من فوضى دينية اليوم سببه أن الوهابية في دعوتهم سواء أكانت في الأسواق أو في الداخليات، أو الراديو والتلفزيون أو في اليوتيوب ووسائل التواصل الإجتماعي الأخرى  يستغلون جهل العوام بالدين ويستغلون حسن ظنهم بكل من يقف ويتكلم عن: «قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فيقحمون العامي غير المؤهل والجاهل بالعلم الشرعي في مسائل علمية بحتة تحتاج إلى متخصص، يقحمونه مثلًا في طلب الدليل، وترجيح الدليل، وتفسير الآيات، وشرح الأحاديث، وتقرير الأحكام الشرعية والفتاوى، والرد على الخصوم وتفسير كلامهم والتنفير منهم،.. إلخ.. فمع جهل العامي بالعلم الشرعي وحسن ظنه بالداعية لابد أن يستسلم ويقتنع، وهذه خيانة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم. 

مثل هذه النقاشات يجب أن تكون مع الأقران من العلماء المتخصصين، وإن كان لابد فمناظرات علمية حقيقة جمهورها علماء وطلبة علم وليس عوامًا ورجرجة ودهماءً. وللمناظرة الشرعية شروطًا وآدابًا أهمها إخلاص النية، والإستعداد للرجوع للحق متى ما تبين، وأن تكون هناك لجنة تحكيم من العلماء محايدة تنصف كل طرف وتلزمه بحجة الطرف الآخر. أما ما نشاهده اليوم من مناظرات فعبارة عن هرجلة ومهاترات تفتقر إلى أبسط المقومات، والهم الأول فيها الانتصار هو على الخصم ولو بالباطل والكذب ونشر ذلك على اليوتيوب. 

الاثنين، 4 مايو 2020

ابن تيمية يستدل بأثر ملفق

والحاصل أن أثر ابن عباس باللفظ الذي أورده ابن تيمية وأتباعه " هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم..." لا وجود له في البخاري ولا في غيره، وإنما هو لفظ موجود فقط في كتب ابن تيمية ـ وأتباعه من بعده ـ فهو من عمل يديه حتى يثبت العكس، وإنما ذكره البخاري من غير ذِكْر للقبور فيه، وهذا بعد بحثي الشديد في آلاف الكتب عبر الحاسوب. ثم إن في إسناده كلاما، فضلا عن أنه موقوف ويحتمل أنه مما رواه ابن عباس عن أهل الكتاب، ثم إنه لا حجة فيه لأنه بلفظ البخاري يتكلم عن الأنصاب والتماثيل ولا ذِكر فيه للقبور، حتى باللفظ الذي أورد ابن تيمية فإنه يفيد أن العكوف على القبور ليس عبادة لها كما سبق وهو خلاف مذهبكم من أن نفس العكوف عليها عبادة لها.
(2) ابن تيمية يستشهد بأثر ملفّق على مسائل القبور[1]
الوجه الثاني: إن أثر ابن عباس[2]الذي بلفظ البخاري فيه انقطاع، وهو من جملة ما انتقده الحفاظ على البخاري، لأنه رواه عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس؛ وعطاء هذا هو الخراساني وهو لا لقي ابنَ عباس، ولا سمع منه ابنُ جريج التفسير، قال ابن رجب: قد ذكر الإسماعيلي : أن عطاء هذا هو الخرساني ، والخرساني لم يسمع من ابن عباس[3].اهـ
وقال الحافظ: (قوله: "عن ابن عباس" قيل هذا منقطعلأن عطاء المذكور هو الخراساني ولم يلق ابن عباس، فقد أخرج عبد الرزاق هذا الحديث في تفسيره عن ابن جريج فقال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس. وقال أبو مسعود: ثبت هذا الحديث في تفسير ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، وإنما أخذه من ابنه عثمان بن عطاء فنظر فيه. وذكر صالح بن أحمد بن حنبل في "العلل" عن علي بن المديني قال: سألت يحيى القطان عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني فقال: ضعيف. فقلت: إنه يقول أخبرنا. قال: لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه.انتهى. وكان ابن جريج يستجيز إطلاق أخبرنا في المناولة والمكاتبة. وقال الإسماعيلي أخبرت عن علي بن المديني أنه ذكر عن "تفسير ابن جريج" كلاما معناه أنه كان يقول عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، فطال على الوراق أن يكتب "الخراساني" كلَّ حديث فتركه، فرواه من روى على أنه عطاء بن أبي رباح انتهى... إلى أن يقول الحافظ[4]: وهذا مما استُعظم على البخاري أن يخفي عليه، لكن الذي قوي عندي أن هذا الحديث بخصوصه عند ابن جريج عن عطاء الخراساني وعن عطاء ابن أبي رباح جميعا؛ ولا يلزم من امتناع عطاء بن أبي رباح من التحديث بالتفسير أن لا يحدث بهذا الحديث في باب آخر من الأبواب أو في المذاكرة، وإلا فكيف يخفي على البخاري ذلك مع تشدده ما شرط الاتصال واعتماده غالبا في العلل على علي بن المديني شيخه وهو الذي نبه على هذه القصة. ومما يؤيد ذلك أنه لم يكثر من تخريج هذه النسخة وإنما ذكر بهذا الإسناد موضعين هذا وآخر في النكاح، ولو كان خفي عليه لاستكثر من إخراجها لأن ظاهرها أنها على شرطه)[5].
فكما ترى أن كثير من النقاد جعلوا هذا الأثر منقطعا وإن رجح الحافظ ابن حجر احتمال أن يكون قد أخذ ابنُ جريج هذا الأثر عن عطاء الخراساني وعن عطاء بن أبي رباح معا، وذلك تحسينا للظن بالبخاري واستعظاما أن يكون يخفى عليه هكذا علة مع تشدده، وهذا هو منهج ابن حجر في الفتح ولا سيما في مقدمته إرشاد الساري حيث دافع عن البخاري ضد كل انتقاد وُجّه لصحيحه.
فإذن أثر ابن عباس في البخاري فضلا عن أنه لا ذكر للقبور فيه: فيه كلام في صحته أصلا كما سبق، ثم إن صح فهو موقوف على ابن عباس، وقول الألباني في تخريجه على شرح الطحاوية لابن أبي العز: صحيح وهو موقوف بحكم المرفوع([6]).اهـ فالجواب أولا: إن أثر ابن عباس ليس بصحيح ولا موجود أصلا باللفظ الذي ذكره ابن أبي العز وهو " هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم "[7]وقد عزاه ابن أبي العز للبخاري، وهذا تقليد منه لابن تيمية، وقد قلنا في المنشور السابق أن الأثر ليس في البخاري، والألباني يعلم أنه ليس في البخاري ولكنه كتم ذلك ولم ينبه عليه، بل قال: " صحيح وهو موقوف بحكم المرفوع"، كل هذا لأن كلا من المؤلف التيمي وهو ابن أبي العز، والأثر أيضا كلاهما على هوى الألباني كما سيأتي، ولو أن المؤلف أو الأثر ليس على هواه لانبرى الألباني بالرد عليه ورميه بالجهل والتدليس والكذب على البخاري!!
ثانيا: أنه حتى إن كان مقصود الألباني بقوله "موقوف بحكم المرفوع" أصلَ أثرِ ابن عباس الذي بلفظ البخاري وهو " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب ..."، فهذا أيضا غير مسلم أن بحكم المرفوع، وإنما غاية ما يقال هنا فهو أنه مما لا يقال بالرأي، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاحتمال أنه مما رواه عن أهل الكتاب.
تماما كما قال الألباني في أثر البيهقي عن ابن عباس موقوفا :" إن لله عز وجل ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله يرحمكم الله تعالى"[8]، ورواه البزار عن ابن عباس مرفوعا[9]. فقال الألباني : "والأرجح أنه موقوف ، وليس هو من الأحاديث التي يمكن القطع بأنها في حكم المرفوع ، لاحتمال أن يكون ابن عباس تلقاها من مسلمة أهل الكتاب"[10].اهـ
ولكن الألباني لم يقل ذلك في أثر ابن عباس السابق وهو "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب ..."، ولماذا لم يقل الألباني ذلك هنا، مع أنه قاله هناك؟! لأن من مصلحة الألباني هنا في أثر "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب ..." أن يقول أنه مرفوع لينصر مذهبه في حظر التبرك بالقبور ونحو ذلك، وأما في أثر هناك في أثر "يا عباد الله أعينوني" فقد أبدى فيه احتمال أن يكون مرويا عن أهل الكتاب لأنه يخالف مشربه في الاستغاثة!!!
فالألباني ـ رحمه الله ـ يدور مع مشربه، وحسب ما يتطلب مذهبه!!! ولذلك قال عن حديث لابن مسعود "يا عباد الله احبسوا" بعد أن ضعفه: " تمسك به بعضهم في جواز الاستغاثة بالموتى عند الشدائد وهو شرك خالص"[11]، وأما حديث ابن عباس "يا عباد الله أعينوا"  فأتى به الألباني ليستدل به على أن المراد بهذه الأحاديث كحديث ابن غزوان " يا عباد الله أغيثوني " وحديث ابن مسعود "يا عباد الله احبسوا" أن المراد بالعباد هنا ليسوا الموتى وإنما الملائكة، ولذلك قال (( فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين ، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ " عباد الله " فيهما خلق من غير البشر .. وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن ، لأنهم الذين لا نراهم عادة ، وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة))[12].
ولكن يبدو أن الألباني سرعان ما تذكر أن دعاء الملائكة أيضا شرك في مذهب ابن تيمية الذي يقلده الألباني حيث قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى1/160: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين.اهـ ولذلك رجع الألباني فقال عن حديث ابن عباس ـ بعد أن لم يجد ما يضعفه لاسيما بعد أن أقر بأن ابن حجر حسنه وكذا السخاوي، والهيثمي قال عنه: "رجاله ثقات"، وأقر بأن الإمام أحمد عمل به وقواه ـ : بأنه موقوف على ابن عباس، ثم يذهب الألباني خطوة أخرى وهو أن يكون مما رواه عن أهل الكتاب!!
الوجه الثالث: على التسليم تنزلا بأن أثر ابن عباس " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح .." أثر صحيح ومرفوع أيضا: فلا حجة فيه لابن تيمية لأنه يحتج به على مسائل القبور حيث قال أن أورد الأثر عازيا إياه إلى البخاري : " وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان"([13]).
بيد أن أثر ابن عباس عند البخاري لا ذِكر للقبور فيها أصلا كما سبق بسطه مطولا، وإنما فيه "فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت " فهي تتحدث عن أنهم نصبوا أنصابا في مجالسهم ثم عبدوها، فالقضية لا علاقة لها بالقبور لا من قريب ولا من بعديد، وإنما تتكلم عن الأنصاب ونصب التماثيل، ومعلوم أن هذا محرم بغض النظر عن أثر ابن عباس صح أو لم يصح مرفوعا كان أو موقوفا لأن ذلك ورد النهي عنه صريحا في القرآن قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، هذا فضلا عن عشرات الآيات التي تنهى عن عبادة غيره تعالى كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
وقد تكلم الشراح عن أثر ابن عباس فقالوا: "(الأنصاب) جمع النصب وهو ما ينصب لغرض كالعبادة"[14]، و"أن سبب إحداث الأصنام: أنه كان إذا مات رجل صالح اتخذوا له مثالًا يتبركون به، ثم لما طال العهد سول لهم الشيطان أن يعبدوها، فإن آبائهم كانوا يعبدونها"[15]. "فجاءهم الشيطان، فقال لهم: صوروا على صورهم أمثلة تنفرجون بالنظر إليها، ففعلوا، فلما ماتوا، قال لأبنائهم: إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها"[16]. "وأخرج الفاكهي من طريق عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجل منهم فجزع عليه فجعل لا يصبر عنه؛ فاتخذ مثالا على صورته فكلما اشتاق إليه نظره ثم مات ففعل به كما فعل حتى تتابعوا على ذلك فمات الآباء، فقال الأبناء. ما أتخذ آباؤنا هذه إلا أنها كانت آلهتهم، فعبدوها"[17].
فهذه قصة أصنام قوم نوح كما هي في أثر البخاري، وهذه أقوال الشرّاح لها قد سردناها، فهل في ذلك كله حديث عن القبور قط حتى في كلام الشرّاح؟!! طبعا لا ذِكر للقبور قط، ولذلك رأينا كيف أن ابن تيمية غيّر لفظَ الأثر فصار عنده بلفظ: " كانت هذه أسماء قوم صالحين؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهمثم صوروا تماثيلهم وعبدوها، ثم صارت هذه الأوثان في قبائل العرب"، ثم راح ينسبه إلى البخاري وإلى ابن عباس والسلف مرارا وتكرار، فتارة يقول عنه "قال السلف كابن عباس وغيره "([18])وتارة يقول: "قال غير واحد من الصحابة والتابعين"([19])، ومرة قال بعد أن نسبه لابن عباس: "وهذا مشهور في كتب التفسير والحديث وغيرها كالبخاري وغيره"([20]). ومرة قال: "وقد ذكر البخاري في صحيحه هذا عن ابن عباس"([21]). ومرة قال "قال طائفة من السلف([22])" ومرة قال : "وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه وبسطه وبينه في أول كتابه في قصص الأنبياء وغيرها([23]).
إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي أوردها فيه([24])؛ مع أن ابن تيمية نفسه يعلم أنه ليس في البخاري بهذا اللفظ بدليل أن ابن تيمية نفسه قال بعد أورده في أحد المواضع: وقد ذكر هذا المعنى البخاري في صحيحه، عن ابن عباس[25].اهـ والطريف أني وجدت بعض من يحقق كتبه يعزو الأثر إلى كتاب التفسير من صحيح البخاري ثم يذكر الجزء والصفحة كما فعل ناصر العقل محقق اقتضاء الصراط المستقيم[26]، ليخدع القارئ ويوهمه بأنه فعلا موجود في البخاري بهذا اللفظ!!! وقد قلنا سابقا إن هذا الأثر ليس في البخاري ولا في أي من كتب الحديث بلفظ القبور، وقد أشار إلى ذلك محقق كتاب منهاج السنة لابن تيمية زاعما أن "الأثر مروي بمعناه عن ابن عباس في البخاري 6/16 (كتاب التفسير، سورة (إنا أرسلنا)"[27].اهـ قال وليد ـ وفقه الله وإياكم ـ: سبق أن فندنا أن هذا اللفظ الذي يأتي به ابن تيمية ليس بمعنى لفظ البخاري، لأن ما في البخاري ليس فيه لفظ "عكفوا على قبورهم"أي ليس فيه لفظ القبور الذي هو محل النزاع، وإنما فيه قضية الأنصاب والتماثيل وهذا لا نزاع في حرمته، بل لا نزاع في كفر من يعبدها.
حتى على اللفظ الذي اخترعه ابن تيمية وهو " فلما ماتوا عكفوا على قبورهمثم صوروا تماثيلهم وعبدوها" فغاية ما فيه أنهم عكفوا على قبورهم أي أقاموا عليها ولازموها ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها بعد ذلك، وهذا حجة على ابن تيمية وأتباعه لا لهم؛ لأنهم يقولون بأن نفس العكوف على القبر عبادة له وشرك، وفي ذلك يقول أحدهم "العكوف على القبور ظاهرة من ظواهر الوثنية"([28])، ولكن الأثر فيه أنهم عكفوا على القبور ثم صوروا التماثيل وعبدوها، وهذا دليل على أن العكوف على القبر غير العبادة، فظهر أن الأثر على ما فيه من العلل السابقة وأنه غير موجود أصلا: هو حجة على ابن تيمية؛ فتأمل كيف لم يوفق ابن تيمية حتى في اختيار لفظ مناسب لأثر ابن عباس الذي حوّره ليحتج به؟!
والحاصل أن أثر ابن عباس باللفظ الذي أورده ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وأتباعه لا وجود له في البخاري ولا في غيره، وإنما هو لفظ لا وجود له إلا في كتب ابن تيمية فهو مما عملت يداه حتى يثبت العكس، وإنما ذكره البخاري من غير ذِكْر للقبور فيه، وهذا بعد بحثي الشديد في آلاف الكتب عبر الحاسوب.
ثم إن في إسناده كلاما كما سبق، فضلا عن أنه موقوف ويحتمل أنه مما رواه ابن عباس عن أهل الكتاب، ثم إنه لا حجة فيه لأنه بلفظ البخاري يتكلم عن الأنصاب والتماثيل ولا ذِكر فيه للقبور، حتى باللفظ الذي أورد ابن تيمية فإنه يفيد أن العكوف على القبور ليس عبادة لها كما سبق وهو خلاف مذهبكم من أن نفس العكوف عليها عبادة لها. والحمد لله رب العالمين.
هذا وكنت قد نشرت قديما تسجيلات مرئية على قناتي على اليوتيوب حول هذا المنشور لعل فيها مزيد توثيق وشرح والله الموفق.
وهذه روابطها ويسعدني اشتراككم في قناتي.
https://www.youtube.com/watch?v=yL8SaSBpCWc&list=PLUamjyDJOb5LGkO778rkQOUWfrEwIYr_k&index=5
https://www.youtube.com/watch?v=pK2d4O-Mang&lc=UgzbgyD1GCR6gE2ysYB4AaABAg
------------------------------------------------
[1] انظر السابق:
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/415143831932978/
[2] وهو قوله: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد أما ود كانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع كانت لهذيل وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. صحيح البخاري بتحقيق البغا (4/ 1873)
[3]فتح الباري - ابن رجب (3/ 203)
[4] وتتمة كلام الحافظ السابق: وأشار بهذا إلى القصة التي ذكرها صالح بن أحمد عن علي بن المديني ونبه عليها أبو على الجياني في "تقييد المهمل" قال ابن المديني سمعت هشام بن يوسف يقول قال لي ابن جريج سألت عطاء عن التفسير من البقرة وآل عمران ثم قال: اعفني من هذا. قال قال هشام فكان بعد إذا قال قال عطاء عن ابن عباس قال عطاء الخراساني. قال هشام: فكتبنا ثم مللنا، يعني كتبنا الخراساني. قال ابن المديني وإنما بينت هذا لأن محمد بن ثور كان يجعلها - يعني في روايته عن ابن جريج - عن عطاء عن ابن عباس فيظن أنه عطاء بن أبي رباح. وقد أخرج الفاكهي الحديث المذكور من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ولم يقل الخراساني، وأخرجه عبد الرزاق كما تقدم فقال الخراساني. انظر: فتح الباري لابن حجر (8/ 667)
[5]فتح الباري لابن حجر (8/ 667)
([6]) تخريج الألباني لشرح الطحاوية ص20، دار الفكر العربي بالقاهرة.
[7] شرح الطحاوية - ط الأوقاف السعودية (ص: 31)
[8] شعب الإيمان (1/ 325)
[9] قال في مجمع الزوائد 10/ 188: رواه البزار ورجاله ثقات. وحسنه الحافظ ابن حجر وتلميذه السخاوي كما أقر بذلك الألباني وأقر أيضا بأن الإمام أحمد نفسه كان يعمل بهذا الأثر فقال ((ويبدو أن حديث ابن عباس الذي حسنه الحافظ كان الإمام أحمد يقويه ، لأنه قد عمل به ، فقال ابنه عبد الله في " المسائل " ( 217 ) : " سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج منها ثنتين [ راكبا ] وثلاثة ماشيا ، أو ثنتين ماشيا وثلاثة راكبا ، فضللت الطريق في حجة وكنت ماشيا ، فجعلت أقول : ( يا عباد الله دلونا على الطريق ! ) فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق)). انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/ 111)
[10]سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/ 112)
[11] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/ 109)
[12] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/ 110)
([13])مجموع الفتاوى - (27 / 79)
[14]الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للكرماني (18/ 166)، عمدة القاري (19/ 378)
[15]الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (8/ 329)
[16]مصابيح الجامع لابن الدماميني على صحيح البخاري (8/ 472)
[17]فتح الباري لابن حجر (8/ 669)
([18]) الفتاوى الكبرى (2 / 432).
([19]) الفتاوى الكبرى (3 / 35)
([20])مجموع الفتاوى (1 / 151)
([21]) مجموع الفتاوى (1 / 321)
([22]) مجموع الفتاوى (3 / 399)
([23]) مجموع الفتاوى (4 / 518)، ولم أجده في كتاب قصص الأنبياء من صحيح البخاري، وإنما هو في كتاب التفسير منه باللفظ المزبور أعلاه.
([24])انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (1 / 357)، و(5 / 75)، لابن تيمية، ط1/ دار العاصمة – الرياض.
[25] الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 291)
[26] قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 300): ذكر ابن عباس وغيره من السلف: " أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " قد ذكر هذا البخاري في صحيحه . فقال ناصر العقل في الحاشية مخرجا الحديث: انظر: صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، باب (1) ، الأثر رقم (4920) (8 / 667) من فتح الباري.اهـ
[27] منهاج السنة النبوية بتحقيق محمد رشاد سالم (1/ 477)
([28]) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية - (2 / 631)، وانظر: (2 / 659).

الاثنين، 2 مارس 2020

الإيمان بالغيب ومتعة العجائب في الدين

الدين روحه الإيمان بالغيب (الذين يؤمنون بالغيب)، ومتعته العجائب (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبًا)!
أما علم الغيب وعلم الحقيقة فلأهل الإيمان والتصديق العالي، أولي الألباب، وأما علم الشهادة وعلم الشريعة فلعامة الناس بمختلف مستويات عقولهم. الدين لا يلغي العقل، لكن لكل درجة إيمانية عقلها، فعقل الذي رأى الملائكة ليس كعقل من لم يرها. وفي حياتنا العامة تجد الرجل الخبير مثلًا يؤمن بأشياء لا يؤمن بها عامة الناس من غير ذوي الخبرة، وذلك لأن تجاربه وخبرته ارتقت بعقله فصار يتعامل مع أمور غيبية كأنها شهادة، فيتنبأ بأمور وتصدق نبوءته.
والحمد لله رب العالمين أن ديننا فيه من العجائب والدهشة ما يجعل الحياة في رحابه رحلة شيقةً.. ممتعةً.. مليئةً بالغرائب.. ومفعمة بالإيمان بقدرة الله عز وجل الخارقة، وإن الذين يصورون الدين على أنه أمور مادية بسيطة وعادية فإنهم يقدمون للناس دينًا آخر غير دين الله عز وجل الذي أنزل.

😳 فلنستعرض جانبًا يسيرًا جدًا من هذه العجائب..

أعظمها رحلة الإسراء والمعراج، التي سافر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر الزمن إلى المستقبل، بسرعة فائقة تفوق سرعة الضوء، سرى فيها إلى بيت المقدس، ولقي الأنبياء وصلى بهم، ثم عرج إلى السموات العلا، ورأى العجائب، ورقى إلى شهود ربه جلا وعلا، ورآه من غير توصيف ولا تكييف، قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
[سورة اﻹسراء: 1]

ومن العجائب إنشقاق القمر علامة على نبوته محمد صلى الله عليه وسلم وعلى عظمة شأنه وأن الكون كله رهن إشارته، قال تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) [سورة القمر: 1]

ومن العجائب أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم عليه الحجر والشجر، وكانت تكلمه البهائم والطيور وتشتكي له، وكان ينبع الماء من بين يديه، وكان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وكان يرى في الظلام كما يرى في النور، وكان يسمع صوت كل شيء حتى أطيط السماء، ولم يكن له ظل، وإذا كان بين شخصين كان أطولهما، وغير ذلك الخصائص المحمدية العجيبة، عليه أفضل الصلوات وأتم التساليم.

وإذا كان سر الموت عجيب، وأن كل نفس ذائقة الموت، فإن سر الإحياء أعجب، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [سورة البقرة: 260]

ومن العجائب أن الله تعالى أمات قومًا من بني إسرائيل وبعثهم، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [سورة البقرة: 55 - 56]

ومن العجائب أن الله مسخ قومًا من بني إسرائيل قردة وخنازير، قال تعالى:
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [سورة البقرة: 65]
وقال تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) [سورة المائدة: 60]

ومن العجائب أن الله تعالى أحيا قتيلًا ليخبر عن قاتله بضربه فخذ بقرة رجل صالح ذبحوها لهذا الغرض، قال تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [سورة البقرة: 72 - 73]

ومن عجائب قدرة الله تعالى على الإحياء والنشر هذه القصة، قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة البقرة: 259]

ومن العجائب أن جبل الطور العظيم رُفع فوق قومٍ من بني إسرائيل تهديدًا، قال تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [سورة اﻷعراف: 171]

ومن العجائب نجاة سيدنا إبراهيم من الحرق المحقق، قال تعالى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ)
[سورة اﻷنبياء: 68 - 69]

ومن العجائب عصاة سيدنا موسى عليه السلام التي كانت تتشكل في هيئة حية كبرى، قال تعالى: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ) [سورة طه: 20]

وكانت لها خصائص عجيبة، قال تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
[سورة البقرة: 60]

وقال تعالى عنها: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) [سورة الشعراء: 63]

ومن العجائب أن أثر حافر فرس جبريل عليه السلام فيه سر إحياء عجيب، قبض السامري من ذلك الأثر قبضة فنبذها في العجل الذي صنعه بعض بني إسرائيل من حليهم، فصار عجلًا جسدًا له خوار، قال تعالى: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) [سورة طه: 95 - 96]

ومن العجائب إن مريم الصديقة عليها السلام كانت تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [سورة آل عمران: 37]

ومن العجائب أنها عليها السلام أنجبت سيدنا عيسى عليه السلام من غير أب، قال تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [سورة آل عمران: 47]

وأن عيسى عليه السلام كان يكلم الناس في المهد وهو رضيع، قال تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [سورة آل عمران: 46]

وكانت لديه أسرار وعجائب، قال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [سورة آل عمران: 49]

ومن العجائب الكبرى قصة أهل الكهف، الذين مكثوا في كهفهم 309 سنة، بدون أكل، ولا شراب، ولا قضاء للحاجات الطبيعية، قال تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) [سورة الكهف: 25]

ومن العجائب أن حوت سيدنا موسى كان مطبوخًا ومملحًا لكنه نزل البحر ومضى، قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) [سورة الكهف 61]

ومن العجائب ما حصل بين الخضر عليه السلام وموسى عليه السلام، من خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار، قال تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) [سورة الكهف: 79 - 82]

ومن العجائب أن الإنس قدرتهم أعجب من قدرات الجن، فيأتي الرجل الصالح صاحب سيدنا سليمان عليه السلام، بعرش بلقيس من اليمن، وكان العرش قد وضع في سبع توابيت من حديد، يأتي به إلى بيت المقدس في طرفة عين، قال تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [سورة النمل: 38 - 40]

ومن العجائب كلام سيدنا سليمان عليه السلام مع الطير، قال تعالى: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)
[سورة النمل: 16]

ومن العجائب سماع سيدنا سليمان عليه السلام حديث الحشرات كالنمل، قال تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [سورة النمل: 18 - 19]

ومن العجائب أن الدواب تتكلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السَّبْعِ يوم ليس لها راع غيري. وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث"، قال الناس: سبحان الله! قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب"
رواه البخاري

ومن العجائب أن للمؤمن خصائص عجيبة كأن ينير الظلام، روي أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما كانا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، خرجا وبيد كل واحد منهما عصا فأضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، حتى إِذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله.
أخرجه البخاري

ومن العجائب رؤية الملائكة وسماع كلامهم، كما قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) [سورة آل عمران: 45]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: (اسق حديقة فلان) فتنحّى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّرَاجِ قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبّع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بِمِسْحَاتِهِ، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قُلْتَ هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه) أخرجه مسلم

ومن العجائب تعامل المؤمن مع النار، فعن معاوية بن حرمل قال: قدمت المدينة فذهب بي تميم الداري إلى طعامه، فأكلت أكلًا شديدًا وما شبعت من شدة الجوع، فقد كنت أقمت في المسجد ثلاثًا لا أطعم شيئًا، فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نارٌ بالحرة فجاء عمر رضي الله عنه إلى تميم فقال: "قم إلى هذه النار" فقال: "يا أمير المؤمنين من أنا وما أنا؟" فلم يزل به حتى قام معه قال: وتبعتهما فانطلقا إلى النار، قال: فجعل يحوشها بيده هكذا حتى دخلت الشِّعَب ودخل تميم خلفها وجعل عمر رضي الله عنه يقول: "ليس من رأى كمن لم يرَ". حسن أخرجه أبو داود في الزهد، والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل.

هذه مجرد أمثلة ليست للحصر، فديننا كله عجائب.. وإن المؤمن لأحق الناس بكرامات الله عز وجل ما كان مستقيمًا على أمر الله..
فلا تفرغوا الدين من محتواه، فيصير دينًا ماديًا أجوفًا لا حياة فيه ولا طعم له..
اشحنوا قلوبكم بالإيمان بعظيم قدرة الله تبارك وتعالى تروا العجائب..

💕اللهم صلِّ وسلم على الذات المحمدية وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد