السبت، 7 مارس 2026

نعم يجوز إخراج زكاة الفطر نقدًا

هي من مسائل العصر التي يستحب فيها التجديد والمواكبة تحقيقًا لمقاصد الشريعة في كل زمان وكل مكان، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:
🔹القول الأول: أنه لا يجوز إخراجها نقدًا، 
واستدلوا بظاهر الأحاديث التي أمرت بإخراج زكاة الفطر من التمر والشعير وحصرتها في الطعام. 
🔹القول الثاني: أنه يجوز إخراجها نقدًا، وبه قال أئمة السلف كالحسن البصري وسفيان الثوري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، وهو الراجح الأقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة في هذا العصر.
🌿🌿🌳🌿🌿
وقد احتج كل فريق لرأيه:
🔹أما من رأى عدم جواز إخراج زكاة الفطر نقدًا فقد تمسك بظاهر الأحاديث التي ذكرت إخراج زكاة الفطر من التمر والشعير والطعام، وقيدها بالطعام في هذا نظر للآتي:
▪الظاهر من اختيار الطعام لإخراج زكاة الفطر ليس الحصر أو التقييد وإنما التيسير ومراعاة الواقع، فالطعام كان حاجة الفقراء والمساكين الأساسية آنذاك، كما أن صنوف الطعام المتوفرة آنذاك كالتمر والشعير هي في نفسها سلع يمكن للمحتاج أن يقايضها بسلع أخرى إن رغب، فالبيع آنذاك كان يقوم على المقايضة أكثر من النقود لأن النقود لم تكن متوفرة وأساسية كما هو الحال في هذه العصور المتأخرة. 
▪الأحاديث التي نصت على أصناف معينة من الطعام لا تقتضي تحريم ما عداها، بل تعددت الأصناف المذكورة في أحاديث النبي ﷺ، فروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنها تخرج من (التمر والشعير)، ورويا أيضًا عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنها تخرج من (من الطعام أو الأقط أو الشعير أو التمر أو الزبيب)، وروى أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنها تُخرج (صاعا من سلت)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (من أدى زبيبًا قُبل منه، ومن أدى تمرًا قبل منه، ومن أدى شعيرًا قبل منه، ومن أدى سلتَا قُبل منه)، وسئل الحسن عن الأعراب يؤدون زكاة الفطر؟ قال: "صاع من لبن"، وغير ذلك، وهذا يشير إلى أن في الأمر سعة وأن ما ذكره النبي ﷺ لم يكن للحصر.
▪زكاة الفطر كانت تُخرج في شكل حبوب تطحن في البيوت ويصنع منها الطعام، بينما اليوم لا تتوفر في غالب البيوت مطاحن ولا أفران لصنع الخبز، فغالب الناس يشترون الخبز جاهزًا، فعلى ذلك إن أخرجت زكاة الفطر كمحاصيل وحبوب فإن كثيرًا من الناس لن يستطيع أن يستفيد منها لعدم معرفته بصناعة الخبز وعدم توفر أدواته عنده في البيت.
▪الإسلام دين عالمي صالح لكل زمان ومكان، ولا شك أن الأصناف المذكورة في الأحاديث النبوية الشريفة لا يقتات عليها كثير من المسلمين حول العالم. فالأرز مثلًا هو طعام غالب المسلمين في شرق آسيا وليس القمح ولم يرد ذكره في حديث من الأحاديث، فهل يتوجب على المسلمين هناك أن يغيروا طعامهم المعتاد إلى ما هو منصوص عليه في الأحاديث النبوية الشريفة؟! قطعًا لا
 فدل ذلك على أن الطعام وأصنافه المذكورة في الأحاديث ليست للحصر أو التقييد وإنما للتيسير وموافقة للواقع آنذاك، وأن الذين يقولون اليوم بجواز أن تخرج زكاة الفطر من غالب طعام أهل البلد أيًّا كان لم يستندوا في ذلك على نص صريح وإنما فهموه واستنبطوه من ذات النصوص تحقيقًا لمقاصد الشريعة، وإخراجها نقدًا يكون من باب أولى.

🔹وأما من قالوا بجواز إخراج زكاة الفطر نقدًا فقد استدلوا بأمور منها:
▪لم يثبت عن النبي ﷺ تحريمٌ لدفع القيمة، بل إنه ﷺ قضى بالقيمة في الزكاة، فقال ﷺ: (ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين) [أخرجه البخاري]
▪أخرج البخاري أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال لأهل اليمن حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم: (ائتوني بعرض الثياب قميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير، والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة) في إشارة إلى جواز البدل للتيسير وتعظيم المنفعة، وسيدنا معاذ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام.
▪إخراج زكاة الفطر بالقيمة قد شاع في قرون السلف حتى قال أبو إسحاق السبيعي أحد أئمة التابعين: (أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام)، [أخرجه عبد الرزاق في المصنف]، وأخرج أيضًا عن الحسن البصري قال: (لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر)، وأخرج أيضًا أن الخليفة عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله في البصرة: (يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم، عن كل إنسان نصف درهم)، وذكر ابن المنذر في كتابه [الأوسط]: إن الصحابة أجازوا إخراج نصف صاع من القمح ؛ لأنهم رأوه معادلاً في القيمة للصاع من التمر، أو الشعير.
▪إذا ثبت جواز أخذ القيمة في الزَّكَاة المفروضة في الأعيان، فجوازها في الزَّكَاة المفروضة على الرّقاب أولى ولأنها زكاة مثلها، أخرج الدارقطني عن أبي عمرو بن جماس عن أبيه قال: كنت أبيع الأدم والجعاب فمر بي عمر بن الخطاب فقال لي: (أدِّ صدقة مالك)
فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو في الأدم؟ قال: (قوِّمه ثم أخرج صدقته).
▪بما أن اختلاف الزمان والمكان يؤثر على الأحكام ذات العلاقة بالمعاش وحياة الناس فينبغي مراجعة الأحكام الشرعية متى ما اختلف الزمان والمكان اختلافًا مؤثرًا، فعلى سبيل المثال قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) ليس بالضرورة يقيد إعداد القوة بالخيول في هذا العصر لأن طريقة الحروب اليوم قد تغيرت واختلفت كثيرًا عما كان عليه الأمر قديمًا. 
▪الغاية الأساسية من إخراج زكاة الفطر للمساكين والمحتاجين هي الإغناء وسد الحاجة كما روي عنه ﷺ: (أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم) يعني يوم الفطر. والإغناء وسد الحاجة بلا شك تختلف حسب الزمان والمكان، وفي هذا العصر قد تكون الحاجة إلى العلاج، أو التأمين الصحي، أو السكن، أو الماء والكهرباء، أو الغاز، أو التدفئة في البلدان الباردة، .. إلخ أكبر من الحاجة إلى الطعام، لذلك فإن إخراج زكاة الفطر نقدًا هو أنفع في هذا العصر بلاشك لأنه يعطي الفقير حرية اختيار ما يلزمه ويسد حاجته بما في ذلك حاجته للطعام، فتكون منفعته قد شلمت الطعام وغيره.
▪أجاز مجمع الفقه الإسلامي بالسودان إخراج زكاة الفطر والفدية نقدًا وحدد قيمتها، وهذا معتبر شرعًا للسودانيين لكون المجمع يمثل جهة شرعية معتبرة في السودان.
وخلاصة فتوى الأئمة الأربعة في ظل هذه السعة كما يلي:
▪المالكية: فتواهم بغالب قوت أهل البلد خروج عن الحصر اللفظي في النصوص، وتمهيد لقبول البدل، وعلى هذه القاعدة التمهيدية أفتى علماء الخلف من المالكية بجواز البدل المادي. 
▪الشافعية: أفتى سلفهم بغالب قوت أهل البلد، وكذلك استند عليها خلفهم لجواز البديل المادي. 
▪الحنابلة: وكذلك هم في هذه المسأله كالمالكية والشافعية، على مرحلتين فى الفتوى حسب متطلبات المرحلة الزمانية بما يتوافق مع جلب المصلحة ودفع الضرر 
▪الأحناف: أفتوا بالجواز لأن الغاية هي جلب المصالح ودفع الضرر.

السبت، 3 يناير 2026

الرد على من يحرم التهنئة بيوم الجمعة

مما لا شك فيه أن يوم الجمعة يوم مبارك عند المسلمين، وفيه من المناقب والبركات ما لا يخفى، وهو عيد أسبوعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل» [رواه ابن ماجه].
والأعياد يشرع فيها التهنئة، وإظهار الاحتفاء بهذا اليوم وتهنئة المسلمين على نعمته لهو من تعظيم الشعائر، وهو أمر مندوب لقوله تعالى:
{وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
كما أن التهنئة على نعمة من النعم إشعار وتنبيه على شكرها، وهو أيضًا مما يدخل السرور على المسلم، وشكر النعم مطلوب، كما قال تعالى:
{وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَىِٕن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ وَلَىِٕن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِی لَشَدِیدࣱ} [إبراهيم: 7].والله 
والسنة ندبت إدخال السرور على الناس، فقد أخرج الطبراني وغيره بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا».
ولو لم نعتبر بكل ما تقدم مع وضوح مقاصد الشريعة فيه، فإن قولنا: (جمعة مباركة) أو (جمعة طيبة) ونحوها، فهو إما تقرير لأمر مقرر وصحيح لأن يوم الجمعة مبارك وطيب وعيد، وإما دعاء، تقديره: «اللهم بارك لفلان في جمعته»، و**«الدعاء هو العبادة»** [أخرجه الترمذي].
ولا يُقال إن هذه التهنئة بدعة، لأن البدعة على قول جمهور أهل العلم، سلفًا وخلفًا، تنقسم إلى: محمودة ومذمومة، والمذمومة هي ما لم يكن له أصل شرعي يدل عليه بطريق خاص أو عام. ومن الأدلة العامة ما ذكرناه آنفًا، وزد عليه قوله تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
وإن تعظيم يوم الجمعة، وإظهاره كعيد، وإشاعة الفرح به والسرور، لهو من أظهر البر والتقوى، والتعاون عليه مستحب ومطلوب بما لا يخفى، ويحقق مقاصد الشريعة في تعظيم شعائر الله، وإدخال السرور على المسلمين، وإشاعة روح المحبة بينهم.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

الحديث شديد الضعف بين الرد والقبول، دراسة منهجية على ضوء الاستدلال والمعنى وعمل السلف

المقدمة:

يمثل الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وقد اعتنى العلماء بنقد أسانيده ورواياته عناية عظيمة بغية الاستيثاق من الأخبار المنسوبة للنبي . غير أن مسألة الحديث شديد الضعف شهدت في عصور متأخرة (من القرن السابع الهجري وما بعده) تقعيدًا صارمًا يقضي بردّه مطلقًا، وهو تقعيد يحتاج إلى مراجعة منهجية في ضوء النصوص الصحيحة، وعمل السلف، وقواعد الاستدلال الشرعي. ويهدف هذا البحث إلى بيان أن رد الحديث شديد الضعف على الإطلاق ليس مسلكًا منضبطًا، وأن النظر في المعنى والمقصد أصل معتبر في المنهج الإسلامي ينبغي التعويل عليه في التعامل مع الحديث النبوي الشريف.


المبحث الأول: تعريف الحديث شديد الضعف عند المتأخرين

عرف المتأخرون من المحدثين بعد القرن السادس الهجري الحديث شديد الضعف بأنه الحديث الذي فسد أصله، وظهرت فيه علة قوية تجعل صدقه مستبعدًا، بحيث لا يحتمل العمل به مطلقًا ومن أبرز سماته:

  1. ظهور علامات الوضع أو التحريف في السند أو المتن.
  2. ثبوت كذب أو وهم شديد على الراوي.
  3. تفرد راوٍ متروك عند أئمة النقد.
  4. اختلال المتن بشكل يجعل نسبته للنبي غير محتملة.

وهذا التعريف يركّز على السند أكثر من المتن، ويغلب عليه الحكم الاصطلاحي للراوي والأسانيد دون النظر الشامل للمتن أو المعنى.


المبحث الثاني: نقد مفهوم الحديث شديد الضعف

التركيز على السند أكثر من المتن في نقد الروايات والتعامل معها بشكل حرفي يقود إلى تضييق مفرط، وإسقاط لأحاديث يمكن الاستئناس بها لمعانيها الصحيحة، فتعريف المتأخرين للحديث شديد الضعف لم يأخذ في الحسبان الفرق بين التضعيف القطعي والاحتمالي، فمن أمثلة التضعيف القطعي ثبوت الكذب في رواية من الروايات، كالحديث الموضوع  مثلًا الذي ثبت وضعه أو اعترف واضعه، وبين الحديث المشكوك في وضعه لما عليه من النكارة والغرابة وآثار الوضع. فالأول قطعي لأن الكذب والاختلاق ثبت، أم الثاني فاحتمالي لأن النكارة والغرابة وما يوصف بأنه آثار للوضع ليس بالضرورة إثباتًا، فكثير من أمور الدين فيها غرابة وعجائب، وليس أدل على ذلك مما نزل به الوحي في قصة أهل الكهف وغيرها من عجائب القرآن الكريم. وكون أن الراوي كذابًا فقد لا يكون ذلك كافيًا لرد كل رواياته، فقد يصدق في بعضها، فبلا شك أن الكذاب لا يقتضي واقع الحال أنه يكذب في كل كلامه، ولا كثير الوهم مثلًا يقتضي الواقع أنه يهم في كل شيء، وقد صح عن النبي أنه قال عن الشيطان: ”صدقك وهو كذوب“[رواه البخاري]، ففرق في الكذب بين حال الراوي وبين حال الرواية، وهذا باب مهم جدًا يجب الانتباه إليه عند نقد الروايات، فيحب تحري النظر في الرواية كمتن أكثر من كسند.

وكذلك ضعف السند الشديد ليس كافيًا لرد الرواية، بل ولا ينبغي ردها إن كان لها ما يشهد لها بالصحة أو القبول، ويدل على ذلك أن النبي أباح التحديث عن بني إسرائيل بدون النظر إلى الإسناد لانعدامه، ولو كان موجودا لكان تالفًا بل وأشد تلفًا من أي إسناد يمكن أن يوصف بأنه شديد الضعف، قال : «بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»[أخرجه البخاري]، فالتعويل هنا على المتن لا السند، فمتى ما كان المعنى أو المتن محتملًا أو مقبولًا أو متوافقًا مع ديننا وما صح وثبت فإنه يجوز التحديث به، وما يتعارف عليه بشديد الضعف أولى بما لا يخفى. وفي هذا الحديث الشريف إشارة أيضًا إلى إباحة الإرسال على غير ما ذهب إليه بعض العلماء رد الأحاديث المرسلة مطلقًا واعتبارها من قسم الحديث الضعيف، فقول النبي : ”بلغوا عني ولو آيةفيه إشارة إلى أهمية تبليغ المتن بغض النظر عن ذكر السند أو عدمه، فما بلغ المسلم الواعي عن النبي هو مأمور بتبليغه بإسناد أو بغير إسناد، وتبليغه بغير إسناد لا يقتضي الضعف بالضرورة، وإن كان على العلماء تحري صحته قدر المستطاع، ليس فقط من ناحية السند وإنما من المتن أيضًا وما يشهد له بالصحة.



المبحث الثالث: الفرق بين ضعف السند وصحة المعنى

ضعف الحديثمهما بلغهو وصف اصطلاحي، لا يلزم منه فساد المعنى، فقد يكون المتن موافقًا لنصوص صحيحة قرآنية أو سنية، أو مندرجًا تحت أصل شرعي عام، أو معمولًا به عند السلف. وعليه، فإن إسقاط المعنى لمجرد ضعف السند الشديد هو خلطٌ بين مجال نقد السند ونقد المتن، وهو خلط لا تقره القواعد الأصولية.


المبحث الرابع: لا عصمة في أئمة الجرح والتعديل

أحكام أئمة الجرح والتعديل على الرواة اجتهادية غير معصومة، خصوصًا اذا انفردوا بالحكم ولم يفسروه أو يثبتوه، فقد تضعَّف مثلا رواية راوٍ عن شيخه لغلبة الظن أنه لم يلق شيخه هذا، لكن احتمال أنه لقي شيخه قد يكون قائمًا متى ما تعاصرا وأمكن أن يلتقيا. ومن الأمثلة الواقعية على ذلك ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي الأزهر، قال: ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ”نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي فقال: "يا علي، أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعديقال الحاكم: ”صحيح على شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا تفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح.“

ثم قال: ”سمعت أبا عبد الله القرشي يقول: سمعت أحمد بن يحيى الحلواني يقول: لما ورد أبو الأزهر من صنعاء وذاكر أهل بغداد بهذا الحديث أنكره يحيى بن معين، فلما كان يوم مجلسه، قال في آخر المجلس: أين هذا الكذاب النيسابوري الذي يذكر عن عبد الرزاق هذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر، فقال: هو ذا أنا، فضحك يحيى بن معين من قوله وقيامه في المجلس فقربه وأدناه، ثم قال له: كيف حدثك عبد الرزاق بهذا، ولم يحدث به غيرك؟ فقال: اعلم يا أبا زكريا، أني قدمت صنعاء وعبد الرزاق غائب في قرية له بعيدة فخرجت إليه، وأنا عليل، فلما وصلت إليه سألني عن أمر خراسان، فحدثته بها وكتبت عنه، وانصرفت معه إلى صنعاء، فلما ودعته، قال لي: قد وجب علي حقك، فأنا أحدثك بحديث لم يسمعه مني غيرك، فحدثني والله بهذا الحديث لفظًا، فصدقه يحيى بن معين واعتذر إليه.“

ومثال واقعي آخر من حديث عقيقة الكبير الذي أخرجه عبد الرزاق عن عبد الله بن المحرر، عن قتادة عن أنس، فتكلم أئمة الجرح والتعديل كالبزار والذهبي وابن عَدي، في عبد الله بن المحرر بسبب هذا الحديث، وقالوا إنه تفرد به، وإنه من بلاياه، فضعفوه وشنّعوا عليه وتركوه، لكن ثبت أنه لم يتفرد بالحديث وأنه صح براويات أخرى منها ما أخرجه أبو داود والطبراني وأبو الشيخ وغيرهم عن الهيثم بن جميل، عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة، عن أنس به، ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل، وهو ثقة، قال الحافظ في الفتح عن رواية أبي الشيخ الثانية: "من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل.. والهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري. فالحديث قوي الإسناد، فقد اتهم عبد الله بن المحرر بما ليس فيه، وبسبب ذلك تركوه وضعفوا أحاديثه.


المبحث الخامس: العمل بالحديث شديد الضعف في الفضائل

الفضائل والترغيب والترهيب ليست كالأحكام ولا العقائد، فإذا كان معنى الحديث صحيحًا فليس هناك مبرر لمنع العمل به لمجرد شدة ضعفه، ما دام داخلًا في عموم الخير والطاعة، ولا يعتبر العمل به بدعة وتشريع لعبادة جديدة، فإن العبادة فيها ما هو مقيد بأحكام محددة كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، وفيها ما هو عمل صالح قصد به وجه الله عز وجل، وهذا باب واسع، يجوز فيه التخصيص طالما أنه عمل صالح حضت عليه الشريعة بنصوص صحيحة وثابتة، ومن أمثلة ذلك إقرار النبي سيدنا بلالًا في تخصيصه للوضوء وصلاة ركعتين كلما أحدث أو أراد أن يؤذن، فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال لبلال: «يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة».

فقال بلال: «ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين»[متفق عليه]، فإقرار النبي لهذا الفعل يدل على أن تخصيص العبادة بعد وضوء أو زمن معين ليس محظورًا شرعًا، حتى لو لم يرد نص عام على ذلك.

ومثال آخر من الصحابي الذي كان يخصص صلاته بقراءة سورة الإخلاص في كل ركعة، فاشتكاه أصحابه للنبي فقال له: «ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟»

فقال: «إني أحبها». فقال له النبي : «حبّك إيّاها أدخلك الجنة»[رواه البخاري]، فإقرار النبي التخصيص في العمل الصالح ثابت في الأعمال الصالحة النفلية.


المبحث السابع: نقد تقعيد المنع المطلق

هذا التقعيد الذي جاء من المحدثين المتأخرين في القرن السابع والثامن الهجري وما تلاه، مخالف لهدي النبي ولعمل السلف الصالح، وهو مغالاة غير موضوعية.


الخلاصة:

يخلص هذا البحث إلى أن الحديث شديد الضعف لا يُرد مطلقًا، بل يُنظر فيه من حيث:

1. صحة المعنى.

2. موافقته للأصول الشرعية.

3. مجاله: هل هو من الفضائل أو من الأحكام؟


فرد الحديث شديد الضعف لمجرد شدة ضعف السند غير مبرر إذا كان معناه صالحًا، خصوصًا في الأعمال الصالحة والفضائل، والمنهج الأقرب للصواب هو اعتبار المعنى مع سلامة الأصل، لا الاقتصار على درجة السند وحدها.