الأربعاء، 15 أغسطس 2018

نحو مفهوم للأمية يليق بالمصطفى صلى الله عليه وسلم

أولًا: كلمة أمي ليس لها معنى واحدًا، بل اختلف في معناها:
قال النحّاس: نَسَب إلى مكة أم القرى.
قال الطبري: "الأمي" عند العرب: هو الذي لا يكتب.
روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن إبراهيم قال: "الأمي الذي يقرأ ولا يكتب"
وقال الزجاج: الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة ولم يتعلم.
وقال العز بن عبد السلام: " {الأُمِّىَّ} لأنه لا يكتب، أو لأنه من أم القرى -مكة- أو لأنه من أمة أمية هي العرب"

والأمي هو على معنى الذي لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلم القراءة والكتابة كما قال الزجّاج لا يلزمه أن يكون أميًّا مدى الدهر لأن الأمية حالة قابلة للمحو.

ثانيًا: لا خلاف في أن النبي ﷺ نشأ في أمة أمية، لم تشتهر بالكتابة ولا الحساب، على أن ذلك لا يقتضي أنهم كلهم لم يكونوا يكتبون أو يقرأون أو يعرفون الحساب، ففيهم بعض الكتاب والقراء والحاسبين فهم أهل تجارة. وعليه فإن قوله ﷺ: (نما نحن أمة أمية لا تحسب ولا تكتب) من العام المخصوص.
ثالثًا: لا خلاف في أن النبي ﷺ لم يتعلم القراءة والكتابة والحساب من أحد من البشر، فلم تكن هناك مدارس أو مجالس لتعليم القراءة والكتابة والحساب في قريش، فلم يعرف عنه ﷺ أنه كان كاتبا وقارئًا وحاسبا.
رابعًا: لا خلاف في أن الله تعالى نفى عن نبيه ﷺ أنه كان يتلو كتابا من قبل ليقص عليهم من قصص أهل الكتاب وبيان أحوالهم وتاريخهم، أو كان يخط بيده ليكتب كتابا يدعي أنه من عند الله قبل أن يهبط عليه الوحي، فلو كان وقع هذا لشك المشركون في أن دعوة النبي ﷺ إنما تلقاها عن غيره من أهل الكتاب، لذلك قال تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) لكنه مع ذلك أثبت له التلاوة والعلم والحكمة بعد أن هبط عليه الوحي: (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً)، (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) في دلالة صريحة على أن مصدر العلم والحكمة للنبي ﷺ هو الوحي الإلهي وليس البشر.
قال الإمام القشيري في تفسيره: 
"«النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ» أي أنه لم يكن شىء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه من قِبل نفسه، أو من تعلّمه وتكلّفه، أو من اجتهاده وتصرّفه.. بل ظهر عليه كلّ ما ظهر من قِبله -سبحانه- فقد كان هو أمّيا غير قارئ للكتب، ولا متتبّع للسّير."
وقال الإمام الماتريدي في تفسيره: 
"ليبين لأهل الكتاب والمشركين أن النبي الأمي العربي لم يعلم ما في الكتب الأعجمية إلا من عند اللَّه؛ ليكون ذلك أوضح لهم في الحجة. وكان رسول اللَّه ﷺ قبل الرسالة معروفًا عند الفريقين أنه لم يتل كتابًا، ولا خطَّه بيمينه، ولا كان عندهم من شعرائهم، ولا المعروف بأنسابهم وعلم أنبيائهم؛"
خامسًا: زعم المشركون أن صبيا روميا أو صبيان روميان من أهل الكتاب كان يتعلم منهم النبي ﷺ دعوته التي خرج عليهم بها، فأبطل الله تعالى ذلك بقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) فنفى عنه تلقيه العلم من بشر، فلم يبق مصدر للعلم المحمدي إلا العليم الحكيم.
سادسًا: ثبت أنه ﷺ عندما بعث لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكن بشر يعلمه، وهذا كاف لإثبات أن ما جاء به هو وحي من عند الله.
سابعًا: هل يلزم الأمي أن يبقى أميًّا مدى الدهر؟ هل يستحيل عليه أن يتعلم الكتابة والقراءة؟
لا يلزم من عدة وجوه:
▪ تُمحى الأمية متى ما توفر العلم بالقراءة والكتابة.
▪ ليس هناك دليل على استحالة تعلم النبي ﷺ القراءة والكتابة بعد أن أقيمت الحجة على المشركين، وهبط الوحي عليه بالعلم والحكمة. قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن عمر: "المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها."
▪ قول الملك له في أول نزول الوحي: (إقرأ) وقوله ﷺ: (ما أنا بقاريء) فيه دليل صريح على أن محو الأمية المجازية للنبي ﷺ بدأ منذ أول يوم لنزول الوحي، قال الحافظ في الفتح: "قوله ما أنا بقارئ ثلاثا ما نافية إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء وإن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ والباء زائدة لتأكيد النفي أي ما أحسن القراءة فلما قال ذلك ثلاثا قيل له أقرأ بأسم ربك أي لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك لكن بحول ربك وإعانته فهو يعلمك كما خلقك .. ذكره السهيلي" 
▪ أثبت الله تعالى لنبيه ﷺ التلاوة بعد البعثة فقال تعالى: (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً)، وقال تعالى: (رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، بعد أن نفاها قبل البعثة بقوله تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ). وكذا يمكن أن يخط بيمينه بعد البعثة.
▪ ثبت أن الله عز وجل علم نبيه ﷺ كل شيء، فقال تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ)، وهذه نكرة في سياق النفي تفيد العموم والإطلاق، وليست القراءة والكتاب استثناءً، وكذا قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)، (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي تثبت سعة علم النبي ﷺ.
▪ ذكر الله عز وجل معنى الدراسة والتلقي والتعلم في قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، قال النحَّاس: "وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى [نصرف الآيات] نأتي بها آية بعد آية ليقولوا درست علينا، فيذكرون الأول بالآخر."
▪ كونه ﷺ كتب وقرأ بعد البعثة لا ينفي عنه صفة الأمي، كما أن وصف النبوة لا ينتفي بعد البعثة. لذلك يظل ﷺ وسلم في عرف الناس أمي لأنه لم يرتد معلما من البشر يعلمه القراءة ولا الكتابة.
▪ أثبت الله تعالى لنبيه ﷺ تعليمه للأمة الأمية ومحوه لأميتها وجهلها بعد نزول الوحي عليه، مع بقاء وصف الأممين عليها، حيث قال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)
▪ إن الله تعالى على كل شيء قدير، وقد ثبت أن الأمي وغير الأمي يقرأ عبارة "كافر" المكتوبة بين عيني الدجال، قال ﷺ: (يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب)، وخاتم الأنبياء والمرسلين من باب أولى.
▪ تعلم النبي ﷺ الحروف والهجاء من الوحي، كما في الحروف المقطعة في أوائل السور:
"الم: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة
المص: الأعراف
الر: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر"
المر: الرعد
كهيعص: مريم
طه: طه
طسم: الشعراء، القصص
طس: النمل
يس: يس
ص: ص
حم: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف
حم عسق: الشورى
ق: ق
ن: ن"
التي تقرأ بالهجاء.
وكما في قوله ﷺ في ذكر فضل القرءان الكريم وقراءته قال: (لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) وفي رواية ابن أبي شيبة والطبراني: (من قرأ حرفا من القرآن كتب له به حسنة، لا أقول الم ذلك الكتاب، ولكن الألف واللام والميم والذال واللام والكاف، وفي رواية للبيهقي: لا أقول بسم الله ولكن باء وسين وميم ولا أقول الم، ولكن الألف واللام والميم، وهذا التهجي لا يتيسر لجاهل بالخط، قال الزمخشري في تفسيره:
"وذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام: الأميون منهم وأهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامى الحروف، فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، وكان مستغرباً مستبعداً من الأمى التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، كما قال عز وجل: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) . فكان حكم  مع اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئا من أهله▪ حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش ومن دان بدينها في شيء من الإحاطة بها، في أن ذلك حاصل له من جهة الوحى، وشاهد بصحة نبوته، وبمنزلة أن يتكلم بالرطانة من غير أن يسمعها من أحد.".
▪ الجهل بالقراءة والكتابة يفتح باب الطعن في صحة ما كتبه كتاب الوحي بين يدي النبي ﷺ.
▪ الشواهد التي سنذكرها لاحقا التي تلقيه معرفة القراءة والكتابة عن ربه عز وجل.
ثامنًا: الشواهد التي تدل على أن الله عز وجل علم نبيه ﷺ القراءة والكتابة:
▪ أن الله عز وجل بعثه في الأميين ليعلمهم الكتاب، والكتاب له جانبان أساسيان: القراءة والكتابة، ويستحيل أن ينجز ذلك من يجهل القراءة والكتابة، قال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، فمحا الله تبارك وتعالى أمية قومه وجهلهم بهذا الدين، لذلك روي عنه ﷺ وقوله لسيدنا معاوية رضي الله عنه: (ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم). وقوله ﷺ: (لا تمد بسم الله) وهذه لا تكون من جاهل بالقراءة.
▪ أخرج البخاري  في صحيحه (2699) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة صلح الحديبية:
ثم قال لعلي: «امح رسول الله»، قال: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، «فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله»
▪ وأخرجه مسلم أيضًا في صحيحه (1783):
قال لعلي: «اكتب الشرط بيننا، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فأمر عليا أن يمحاها، فقال علي: لا والله، لا أمحاها، فقال رسول الله ﷺ: «أرني مكانها»، فأراه مكانها فمحاها، وكتب ابن عبد الله.
قال القرطبي في التفسير: «وقع في صحيح مسلم من حديث البراء في صلح الحديبية أن النبي ﷺ قال لعلي:" اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك -وفي رواية بايعناك- ولكن اكتب محمد بن عبد الله فأمر عليا أن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحها. فقال رسول الله ﷺ:"أرني مكانها" فأراه فمحاها وكتب ابن عبد الله. قال علماؤنا رضي الله عنهم: وظاهر هذا أنه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله ﷺ بيده، وكتب مكانها ابن عبد الله. وقد رواه البخاري بأظهر من هذا. فقال: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب. وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب.  فقال جماعة: بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده، منهم السمناني وأبو ذر -الهروي- والباجي، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميًّا، ولا معارض بقوله: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) ولا بقوله: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارا على صدقه وصحة رسالته وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابة، ولا تعاط لأسبابها وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها ابن عبد الله لمن قرأها، فكان ذلك خارقا للعادة، كما أنه عليه السلام علم علم الأولين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله. لا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يحسن أن يكتب. فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كتب.»
وذكر الحافظ في الفتح أن الذين شنعوا على الإمام الباجي في ما ذهب إليه ناظرهم وانتصر عليهم، قال: "فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة وأن الذي قاله مخالف القرآن حتى قال قائلهم برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة"
وقال الحافظ في الفتح أيضًا: "وذكر بن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية وغيرها"
ورد شيخ القرطبي أبو العباس أحمد بن عمر على من استنكر على الإمام الباجي ما ذهب إليه بقوله: "وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا، لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح، لا سيما رمي من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة، على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها."
▪ أخرج البخاري ومسلم أنه ﷺ في مرضه الأخير قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده»، وفي رواية لمسلم قال: «ائتوني بالكتف والدواة» والمراد بالكتف عظم الكتف لأنهم كانوا يكتبون، وفي رواية للإمام أحمد قال سيدنا علي رضي الله عنه: «أمرني النبي ﷺ أن آتيه بطبق أي كتف يكتب ما لا تضل أمته من بعده» وفيه دليل على أنه أراد أن يكتب لهم بنفسه.
▪ أخرج الإمام مسلم في صحيحه أنه ﷺ قال في أوائل مرضه وهو عند السيدة عائشة رضي الله عنها: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» وفيه دليل على أنه أراد أن يكتب لهم بنفسه.
▪ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه كافر ثم تهجاها ك ا ف ر يقرؤه كل مسلم» رواه مسلم وفي رواية للإمام أحمد: (يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب) والأمي المستمر على أميته لا يتهجأ الكلمات ولا يعرف أسماء الحروف.
▪ عن عون بن عبد الله قال: «ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ» [أخرجه ابن أبي شيبة، وابن شبة]، قال مجاهد: فذكرته للشعبي فقال: صدق.
▪ وعن سهل بن الحنظلية أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة الْمُتَلَمِّسِ؟ فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال: «قد كتب لك بما أُمِرَ لك» 
قال يونس فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعد ما أنزل عليه.

الخلاصة:
أنه ﷺ نشأ أميا على عرف الناس، لا يحسن القراءة ولا الكتابة حتى هبط عليه الوحي فعرف كل شيء، وليست القراءة والكتابة بأشق من الرسالة نفسها، وإنما الأمية كانت مشروطة ببداية الوحي بدليل قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله). ولم يزل ﷺ على وصفه أميًّا لكون لا يعرف له معلم من البشر، ولا يناقض ذلك ما جاء في القراءن ولا السنة المطهرة، قال الإمام الباجي: «هذا لا ينافي القرآن بل يؤخذ من مفهوم القرآن لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى» [فتح الباري]
وعلى ذلك من أهل العلم عون بن عبد الله، والشعبي ويونس بن ميسرة، والقاضي عياض، وأبو الوليد الباجي، وابن دحية الكلبي، وأبو ذر الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وأبو جعفر السمناني، وابن الجوزي، وأبو العباس أحمد بن عمر، وغيرهم من أهل العلم.

الأربعاء، 21 مارس 2018

💞💕 نحن أولى بالأم من كل الأمم


عيد الأم كما تعلمون هو تظاهرة عالمية تلفت النظر إلى مكانة الأم وفضلها وقيمتها من منظور إنساني ووجداني، فهل نقف منها موقف المعارض؟! أم نؤيد الحق إذا وافق ونتأسى بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في عاشوراء؟ ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة وجد اليهود يحتفلون بعاشوراء فسألهم عن ذلك، فقالوا له: (ذلك يوم نجى الله فيه موسى من فرعون)، فقال صلى الله عليه وسلم: (نحن أولى بموسى منكم)، فصام ذلك اليوم وأمر بصيامه، فلم يوافقهم فقط، بل جعلنا نحن الأمة المحمدية أولى بموسى عليه السلام من أمته في ذلك، لما في شريعتنا من استحباب تعظيم شعائر الله عز وجل والشكر على النعم.
🌹🌹🌹
نحن أولى في دين الله عز وجل من كل أمة أخرى بالأم وإكرامها والعناية والحفاوة بها لما دلت عليه وحضَّت الشريعة الغراء بما لا يحصى ولا يعد من النصوص، ففي الصحيحين جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أبوك)، وعن معاوية بن جاهمة رضي الله عنه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: "هل لك أم؟" قال: نعم، قال: "فالزمها فإن الجنة تحت رجليها"، وغير ذلك من التعاليم الإسلامية الراقية في حق الأم. ولئن حصل وغفل بعض المسملين عن حقها وانشغلوا عنها في فترات -لاختلاف الناس في درجة بر الوالدين- فالأحرى أن ننتبه إذا ذُكِّرنا ونؤوب إذا أخطأنا، وأن نتجاوز مظهر أن المناسبة من مبادرات الآخرين إلى جوهر أنها تصب في معنى البر والإكرام، فإن الحق إذا وافق فنحن أولى به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم لم يخالف اليهود في الفرح بذكرى إنجاء الله موسى وبني إسرائيل من فرعون. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
💐💐💐
وشاهد آخر في حلف الفضول الذي كان بعد شهر من حرب الفجار وشهده النبي صلى الله عليه وسلم وعمره عندئذ عشرون عامًا، وكان الحلف لنصرة المظلوم وردع الظالم، وأنشد فيه شاعرهم:
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ** ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا ** فالجار والمعتر فيهم سالم
فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة وقال فيه:
«لقد شهدت مع عمومتي حِلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت»
ولئن كانت المناسبة باسم الأم إلا أن موضوعها عندنا نحن المسلمين فعن الوالدين معًا لمكانتهما العظيمة في الإسلام، فقد قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف)، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (من أدرك أبويه عند الكبر: أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة)، وفي الصحيحين أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد. إنها مناسبة تنبه الغافل وتذكره بفضل والديه، أحياءً كانوا أو أمواتًا، فلعله يدرك بعض ما فاته من بر.
أفلا يحسن أن تكون هذه المناسبة يومًا نوسع فيه على الأهل وندخل عليهم السرور؟! ونشعر أمهاتنا وآبائنا بالحب والإمتنان ونشكرهم على ما قدموا ويقدموا؟! ونجدد العهد مع ربنا عز وجل في أن نعمل بوصيته التي وصانا ونسعى في حقهم ونعتني بهم ونكرمهم كما أمرنا الشرع الحنيف؟ ونضرب أمثلة عملية للنشء كيف نحتفل بذوي الفضل؟!
هناك من يقول إن الأم تستحق كل لحظة رعاية واهتمام ليس يومًا واحدًا في السنة، لكن هل هذا حقيقة أم مجرد إدعاء؟! هل تجد أمهاتنا حقيقية الرعاية والإهتمام كل لحظة؟! هل هذا هو الواقع؟! فمن كان هذا حاله وواقعه فإن في غنى عن مناسبة تذكره بفضل أمه، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فمن الناس من لا ينتبه لفضل أمه إلا في مثل هذه المناسبات، ومن سماحة هذا الدين أنه لا يتعارض مع المناسبات التي تدعو للقيم السمحاء بل يؤيدها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق).

🌿☘☘🌷☘☘🌿

السبت، 10 مارس 2018

هل كان ابن نوح عليه السلام الكافر من صلبه أم بالتبني؟!

‼هل كان ابن نوح عليه السلام الكافر من صلبه أم بالتبني؟!
▪الحمد لله الذي برأ  ذرية الأنبياء من الكفر تصديقًا لقوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)، قال قتادة: «بعضها من بعض في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له»، وقال المفسرون: «في التناصر في الدين»، وقالوا أيضًا: «ذرية دينها على دين بعض»[تفسير البغوي]
▪كان لنوح عليه السلام أربعة أبناء، ثلاثة مؤمنون وهم "سام" و"حام" و"يافث"، وواحد كافر وهو "يام"، أما "يام" الكافر فلم يكن من صلبه كما قد يتبادر، بل كان ربيبه أي تبناه ورباه كما جاء عن جماعة من أهل التفسير منهم سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وأبي جعفر بن علي، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، ومجاهد، وعبيد بن عمير، وابن جريج، والشعبي والضحاك وغيرهم، فقد أخرج ابن جريج وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه في وقوله (ونادى نوح ابنَهَ) قال: «هي بلغة طيئ، لم يكن ابنه وكان ابن امرأته»، واخرج ابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن سيدنا علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه أنه قرأ: (ونادى نوح ابنها)، وعن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: «لم يكن ابنه، وإنما كان ابنَ امرأتِه»[غرائب التفسير للكرماني]، وهذا صريح من أمير المؤمنين وباب مدينة العلم سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه أنه ابن امرأته، وقال الحسن البصري: «كان ابن امرأته» وكان يحلف بالله أنه ليس ولده من صلبه. قال قتادة سألت الحسن عنه -يعني ابن نوح عليه السلام- فقال: «والله ما كان ابنه» فقلت: «إن الله حكى عنه أنه قال: (إن ابني من أهلي) وأنت تقول: ما كان ابنا له»، فقال: «لم يقل: إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي»[أخرجه عبد الرزاق]، فإذا كان معنى (أهلي) الزوجة فالمعنى واضح كما ذكر الحسن، وإن معناه الأسرة فكيف يقال هو من أسرتي إن كان ولده من صلبه؟! هذا بعيد عن المراد لأن الولد بداهة هو من الأسرة. 
▪ كما أن كلمة (ابن) لا تقتضي دائما الولد، فقد تطلق مجازُا على الحفيد وابن الأخ وابن الأخت كما قال رسول الله ﷺ عن حفيده سيدنا الحسن رضي الله عنه: «إن ابني هذا سيِّد»[رواه البخاري]، وقد تطلق أيضًا على الربيب بالتبني كما كان يقال لسيدنا زيد رضي الله عنه (زيد بن محمد) قبل نزول قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ)، لذلك في المواريث جاء التصريح بالولد (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ولم يقل: (في أبنائكم)، لكنه في غير هذا السياق جاء (وأبناؤكم) كما قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ).
▪ويؤيده أيضًا قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ)
أي أن الله لم يغرق ذرية نوح عليه السلام، والذرية في اللغة هم الآباء والأولاد من الصلب، فدل على أن الذين أغرقوا ومنهم ابنه بالكافر لم يكنوا من ذريته، بل كان ابنًا مجازًا لأنه تبناه ورباه، وهذا صريح في نفي أن المغرق كان من ذرية سيدنا نوح عليه السلام. 
▪ويؤيده ايضًا تصريح النبي ﷺ بأسماء أولاد نوح عليه السلام، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث أبو الروم»[أخرجه الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي]، فلم يذكر بينهم ابنه الكافر "يام".
▪ويؤيده أيضًا جزم سيدنا نوح عليه السلام بأن الكفار لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، فدل كفر الولد على كفر الوالدين، وأيمان سيدنا نوح عليه السلام على إيمان أولاده من صلبه، قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)
▪ويؤيده أيضًا أن الله تبارك وتعالى ذكر في الكتاب العزيز أنه سبحانه نجى نوحًا وأهله من الكرب العظيم (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)، فدل على أن من غرق لم يكن من أهله، كان ابنه بالتبني وزوجته التي سبق عليها القول: (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) لأنها كانت كافرة وكانت تسخر منه مع قومها عندما كان يصنع السفينة.
▪ويؤيده أيضًا قوله تعالى: (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
فعندما قال عليه السلام: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) دل على أنه ربيبه لأن الإبن من الأهل بداهةً فلا تحتاج أن تقول "إن ابني من أسرتي وعائلتي" لأن هذا معلوم اللهم إلا إذا كنت تريد أن تنسبه إليك نسبًا وتتبناه، وقد طمع سيدنا نوح عليه السلام في رحمة الله وأراد أن يشفع له بهذا الانتساب، فعاتبه الله تبارك وتعالى في ذلك عتاب تشريع لأن المشفوع له كافر والكافر لا يستحق الشفاعة.
ونفى الحق سبحانه عن ابنه صراحةً أنه من أهله (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)، فهو إذا ليس ولده والأهل هنا بمعنى الأسرة والرحم وليس من أهل دينه أيضًا، فعن الضحاك: (إنه ليس من أهلك) يقول: «ليس من أهلك ولا ابنك ولا بدينك ولا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك»[تفسير ابن أبي حاتم].

الاثنين، 2 أكتوبر 2017

المختصر المفيد في بيان فساد تقسيم التوحيد

1. العلة ليست في شكلية التقسيم بل في جوهره، لأن مفاهيم كالإلهية أو الألوهية والربوبية والرازقية والحاكمية وغيرها من الصفات الإلهية هي مفاهيم قديمة عند العلماء كان الهدف الشرح وبيان المعنى فقط، أما جعل كل واحد منها (توحيدًا) قائمًا بذاته فهنا يكمن الخلل، لأن التوحيد لا يكون توحيدًا إلا باعتقاد أن الله هو المنفرد بهذه الصفات الإلهية جميعها!
كيف يكون الشخص موحدًا بالله عز وجل وهو يعتقد أن لله شريك في صفة من صفاته التي لا ينفرد بها إلا هو؟! هذا مشرك وليس موحدًا لأن الشرك نقيض التوحيد.
2. القسم هو الجزء من الشيء، فالأسماء الحسنى ليست أقسامًا من المسمى لأن المسمى واحد عز وجل، لا يتجزأ ولا يقبل التقسيم، لذا فإن الاستدلال بكثرة الأسماء على جواز تجزئة التوحيد باطل لا تقوم به حجة.
3. الصفات هي في جوهرها صفة واحدة اشتملت على معاني صفات كمالية لا تليق بالله عز وجل إلا مجتمعة، فالله إله وفي خلقه آلهة باطلة، وهو رب وفي خلقه أرباب، وهو رحيم وفي خلقه رحماء، وهو ملك وفي خلقه ملوك، وهو مؤمن وفي خلقه مؤمنون، وهو لم يلد وكل عقيم لم تلد، ولم يولد والملائكة لم تولد .. إلخ فلا يليق بالله إلا أن يكون إلهًا وربًّا واحدًا أحدًا فردًا صمدًا رحمانًا رحيمًا ملكًا وقدوسًا سلامًا مؤمنًا مهيمنًا .. إلى آخره، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤءًا أحد كلها مجتمعة، لا تليق بالله عز وجل إلا كلها مجتمعة، ولذلك فإن تقسيم الصفات وجعل كل قسم منها صفة قائمة بذاتها باطل ولا يليق بالله عز وجل. وهذا مثال حي على التقسيم الفاسد الذي جرت على مجراه بدعة تقسيم التوحيد.
4. قياس تقسيم ما يقبل التقسيم على ما لا يقبله قياس فاسد، فجوهر التوحيد واحد لا يتعدد إما توحيد أو شرك، وجوهر الإيمان واحد لا يتعدد إما إيمان أو كفر (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، الشيء وضده ليس هناك منطقة وسطى. وبذا يظهر فساد جعل توحيد الله عز وجل ثلاثة أقسام.
5. رسالة فصيلة الشيخ عبد الرحيم الركيني في بيان الخلل في هذا التقسيم الفاسد المبتدع واضحة في تقرير أنه يليق بالله إلا أن يكون ربًّا وإلهًا في ذات الوقت، فلا ربوبية بدون ألوهية ولا ألوهية بدون ربوبية بدليل أن دخول الدين يكون بشهادة الألوهية التي تقتضي الربوبية ايضًا، فلا نطالب بشهادة أخرى مثل: (لا رب إلا الله محمد رسول الله) فالأولى تكفي. وفي سؤال القبر عندما نخرج من الدنيا نسأل عن: (من ربك) وهي تقتضي من إلهك أيضًا، لأنه لا يستحق العبادة إلا رب بدليل قوله تعالى: ( قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدًا) والدعاء هو مخ العبادة كما قال المعصوم صلى الله عليه وسلم وفي رواية (الدعاء هو العبادة).
6. الواجب الشرعي في بيان فساد تقسيم توحيد الله عز وجل وأنه بدعة ضلالة هو:
🔹الانتصار لأهمية فهم أصول الدين على مذاهب السلف الصالح ونبذ البدع والضلال والتحذير من تحريف مفهوم التوحيد في الإسلام.
🔹الذود عن حياض التوحيد الخالص.
🔹الانتصار للإسلام والتنفير من الشرك فلا يمكن أن يكون المشرك الجاهلي أفضل من المسلم  بأي حال من الأحوال كما قال تعالى: (افنجعل المسلمين كالمجرمين؟ مالكم كيف تحكمون؟!).
🔹التأكيد على حرمة المسلم بكلمة التوحيد.
🔹تصحيح المفاهيم الدينية الخاطئة.
🔹محاربة الفكر التكفيري المتطرف الذي يكرس جهده لإخراج المسلمين من الملة بالتوسع في التكفير اعتمادا على هذه المفاهيم الفاسدة.
🔹بيان خطأ ابن تيمية الذي يُنسب إليه هذا التقسيم الفاسد، فكثير من المتطرفين يقتدون بهذا الرجل كثير الشذوذ، فمع كونه من المتأخرين، توفي سنة 728 هجرية، وغير معصوم، وقليل الشيوخ، ومستتاب شرعيًّا في مسائل عقدية سنة 707 هجرية فتاب مختارًا وكتب توبته بيده وتبرأ مما كان يقول ويعتقد في الإستواء والنزول ومعاني القرءان الكريم، اثبت ذلك الحافظ في الدرر الكامنة، وابن المعلم في نجم المهتدي، والحافظ ابن شاكر في عيون التاريخ، والحافظ البرزالي في تاريخه، وغيرهم. مع كل ذلك فهناك من يتعصبون لرأيه ويضربون بفهم السلف وجمهور أهل العلم المعتبرين عرض الحائط لأجل رأي رجل واحد مثير للجدل، بينما يد الله مع الجماعة، والأمة لا تجتمع على ضلال، والشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد كما قال المعصوم صلى الله عليه وسلم.
🔹ضرب مثال من الواقع على البدعة الضلالة التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7. إن الدين الصحيح يفهم على ضوء فهم سلف الأمة كالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة التي تلقتها الأمة بالقبول وعلى فهم جماهير أهل العلم، ويحذر من فهم الشواذ. ولو كان في هذا التقسيم الفاسد خيرًا لسبقنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم، أو خلفاؤه الأربع أو السلف الصالح لهذه الأمة.

هل كل تقسيم يكون منطقيًّا ومقبولًا؟

تقسيم المسائل بغرض الشرح والبيان في حد ذاته شيء شائع عند العلماء ومألوف، لكن هل كل تقسيم مقبول؟
لا، ليس كل تقسيم يكون مقبولًا، فمثلًا تقسيم الدين إلى عادات وعبادات في تقديري تقسيم فاسد، فإن سئلت عن الطعام أو الشراب، هل هما عادة أم عبادة؟ فلن تستطيع الإجابة لأنهما ليسا عبادة بالمطلق ولا عادة بالمطلق، إن قلت عبادة بالمطلق كان الكفار والدواب وكل ما يأكل ويشرب عابدًا لله تعالى به، وإن قلت عادة فجاز لك أن تأكل الخنزير والميتة وتشرب الخمر وكل مسكر، وهكذا لا يقوله به عاقل.
لأجل هذا فإن تقسيم أهل العلم الشريعة للأحكام الخمسة (الحلال والمستحب والحرام والمكروه والمباح ) هو أصلح، فهو تستوعب بشمول الأحكام، فمن الطعام ما هو حلال كالأنعام، وما هو مستحب كالتمر والزيتون وكل ما رود في القرءان الكريم والسنة المطهرة، ووما هو حرام كلحم الخنزير والميتة، وما هو مكروه كالبصل والثوم والكراث، ما هو ومباح كسائر الطعام الذي لم يرد فيه نهي أو تحريم. كما أن الأكل والشراب فيهما آداب شرعية تدخل من باب الإستحباب كالبسملة واستدراك ما فات من البسملة، والأكل والشرب باليمين، والشرب جالسًأ، والأكل مما يليك، ولعق الأصابع وإحسان الإناء، وأن تحمد الله على ما رزقك، وغيرها من الآداب، ومنها ما يدخل من باب التحريم أو الكراهة كالإسراف في الطعام، والأكل والشرب بالشمال، وإعابة الطعام، والتبذير، وغير ذلك الأمور الشرعية التي تكتنف مسألة الأكل والشرب، وهناك أمور تكون من باب العادات الصرفة مثل نوع الطعام المباح ومذاقه وطريقة طهيه، وطريقة رص المائدة، ونوعية الآنية المستخدمة في المائدة، وطريقة الجلوس للأكل، .. إلخ.
العبادة بالمداومة قد تصير عادة، فمثلًا لو تعودت أن تصلي أربع ركات بعد شروق الشمس فهذه عبادة اعتدت عليها، والعادة قد تصبح عبادة، فمثلًا لو اعتدت أن تزيح أي عائق في الطريق صادفك، فإن ابتغيت وجه الله بهذا العمل ولم تعمله رياءًا ولا سمعة، كانت هذه العادة عبادة لله عز وجل، لأجل ذلك جعلت الشريعة كثيرًا من الأمور التي تعمل عادة صدقات يجزي الله عليها، مثل إماطة الأذى عن الطريق، والتبسم، والكلمة الطيبة، .. إلخ.

حجة وأحدية التوحيد على بدعة تقسيم التوحيد لسماحة العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحيم الركيني

(حجة وأحدية التوحيد على بدعة تقسيم التوحيد)
منقول من كتاب (وحدة التوحيد)
لمؤلفه: سماحة العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحيم الركيني، المندوب العام للطريقة الركينية

بسم الله الرحمن الرحيم
(بدعة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة بدعة محدثة)
هذه هي المادة موضوع النزع والنزاع.
تقسيم التوحيد إلى ثلاثة بدعة سيئة، لأنه ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قالها أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة ينافي مقصد (لا إله إلا الله)، ويخالف صريح الكتاب والسنة، فهذا هو تقسيم التوحيد المبتدع، ويليه الرد عليه:
١. توحيد الربوبية وهو كون الشخص يعرف أن الله هو الرب، أي إفراده بالخلق والملك والتدبير.
وهذا معروف حتى عند اليهود، والنصارى ومشركي الجاهلية.
٢. توحيد الألوهية وهو أفراد الله تعالى بالعبادة فلا تدعو غيره أو تعبد سواه.
٣. توحيد الأسماء و الصفات أي الإيمان بأسماء الله وصفاته التي ذُكرت بالأدلة الشرعية من غير تحريف أوتمثيل أوتشبيه أوتعطيل أوتكييف.
وهذا هو الرد على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة:
أولًا/ عقلًا توحيد الواحد الأحد لن يكون ثلاثة.
ثانيا/ نقلًا لم يرد هذا التقسيم بهذا الفهم في كتاب الله تعالى، ولم يرد نصًّا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد في أقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
ثالثًا/ هذا التقسيم بدعة مُحدثة.
والبدعة المحدثة هي كل ما خالف صريح الكتاب والسنة، مخالفة لا تقبل التأويل بوجه من الوجوه.
رابعًا/ أن أساس هذا التقسيم باطل.
وهو قولهم أن جميع الكفار حتى عباد الأصنام  موحِّدون توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر والمسيطر، فتعالوا معي أيها المسلمون إلى كتاب الله تعالى، هل هذا الفهم صحيح؟
نجد في آيات القرآن العظيم عدة أنواع من  الكفار ولكلٍّ سبب كفره.
أ/ اليهود أهل كتاب وهو التوراة.
ب/ النصارى أهل كتاب وهو الإنجيل.
ج/ عباد الأصنام ليس عندهم كتاب.
فاليهود والنصارى لأنهم أهل كتاب فلقد عرفوا من تعاليم التوراة والإنجيل أن الله هو الخالق والرازق والمدبر والمسيطر. ولذا كل آيات الإقرار تتعلق بأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ولا صلة لآيات الإقرار بعُبَّاد الأصنام.
ومن آيات الإقرار قوله تعالى:
§       (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)
§       (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)
§       (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
§       (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)، (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)
§        (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ)
   ثم بين الله تعالى في الآيات التي تليها، أن هذا الإقرار يخص أهل الكتاب ولا يخص عُبَّاد الأصنام.
قال الله تعالى:
§       (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
§       (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)
   ولكن عندما حرَّفوا التوراة والإنجيل تغير هذا الإقرار الذي اعتمد عليه أصحاب التقسيم في تقسيم التوحيد. ومما يجب الإنتباه إليه هو أنه بعد التحريف تعددت أقوال اليهود والنصارى على الوجوه الآتية:
1/ منهم من أنكر أحدية الله تعالى، قال الله تعالى:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)
فهؤلاء عندهم ربّان، بمعنى الله رب والإبن رب، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
2/ منهم من يعتقد أن الله هو نبي الله عيسى عليه السلام، قال الله تعالى:
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
وهذا ينفي الإقرار بربوبية الله تعالى ويهدم بدعة تقسيم التوحيد.
3/ ومنهم من أنكر إحاطة علم الله تعالى، قال الله تعالى:
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
وقال تعالى ردًّا عليهم:
(أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)
4/ ومنهم من أنكر أنَّ الرازق هو الله تعالى، قال الله تعالى:
§       (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ )
§       (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)
وهذا يهدم فهم تعميم الإقرار على جميع الكفار.
ويتبين لك أيها المسلم  أن الإقرار قد تغير وكل ذلك بدليل من كتاب الله عز وجل.
  وأما عُبَّاد الأصنام  فليس عندهم كتاب، وبالتالى فهم لا يعرفون الله تعالى، ولا يعرفون أن الله هو الخالق أو الرازق أو المدبِّر، وهذه بعض التفاصيل.
1/ عباد الأصنام لا يعرفون الله تعالى، قال الله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۩)
إنتبه! عُبَّاد الأصنام لا يعرفون الرحمن، والرحمن هو الله الخالق.
2/ عباد الأصنام في سبب نزول سورة الإخلاص قالوا: "يا محمد صف لنا ربك، هل هو من فضة أم من ذهب؟"
فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص ردًّا على سؤالهم وجهلهم بالله العلي الكبير، قال الله تعالى:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
إنتبه! قالوا: "صف لنا ربك" وبرواية: "انسب لنا ربك"  وما قالوا: "صف لنا إلهك".
3/ بعد أن ثبت جهل عُبَّاد الأصنام بأنهم لا يعرفون  الله الرحمن، فهذا يثبت أنهم لا يعرفون الله تعالى خالقًا ورازقًا ومميتًا وباعثًا.
4/ عُبَّاد الأصنام لا يعرفون الله تعالى رازقًا، قال الله تعالى:
(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)
والذين يقتلون أولادهم هم عُبَّاد الأصنام.
5/ عُبَّاد الأصنام ينكرون الله وأنه المميت وأنه المحي، قال الله تعالى:
(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)
6/ عُبَّاد الأصنام ينكرون الله تعالى وأنه القادر على إحياء الموتى، قال الله تعالى:
§       (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ)
§       (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)
§       (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)
§       (ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)
§       (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)
§       (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)
§       (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)
فرد عليهم الله عز وجل قائلًا:
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَٰلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
هؤلاء هم عُبَّاد الأصنام الذين لا يعرفون الله تعالى، ولا يعرفون أنه الخالق والرازق والمدبر والمسيطر.
7/ عُبَّاد الأصنام ينكرون الله والعذاب، قال الله تعالى:
((وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)
فيرد عليهم الله تعالى قائلًا:
(ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)
8/ قال تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
إنتبه! كفروا بربهم، بمعنى لا يقرون  بتوحيد الربوبية أحد أقسام التوحيد الثلاثة،
وهذا يهدم بدعة تقسيم التوحيد.
9/ عُبَّاد الأصنام يسبون الله تعالى من أجل أصنامهم، قال الله تعالى:
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وهذا ينافي الإقرار بربوبية الله تعالى.
  تنبيه هام!!!!!
وبعد هذا التوضيح فإن الذين قالوا كما جاء في الآية ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٌٰ)، هؤلاء ليسوا عُبَّاد الأصنام، إنما هؤلاء أهل الكتاب، فاليهود يعبدون عزيرًا عليه السلام، والنصارى يعبدون عيسى عليه السلام ليقربهم الابن إلى الأب بحسب عقيدتهم الباطلة، فهم لا يتوسلون بهم إنما (يعبدونهم) بدلًا عن الله تعالى.
وإذا أكملت الآية الكريمة والآية التي بعدها تبين لك أن المقصود بذلك هم  أهل الكتاب، وهذه هي الآية المقصودة:
(أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)
وهذه هي الآية التي تليها مباشرة:
(لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وأما عُبَّاد الأصنام فهم قوم يسبون الله من أجل أصنامهم لأنهم لا يعرفونه جل شأنه:
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
ويتضح لك جليًّا أن أصحاب تقسيم التوحيد إلى ثلاثة  حملوا  آيات الإقرار على عُبَّاد الأصنام وهذا تحريف لفهم آيات التوحيد، ووضع للقرآن في غير موضعه،
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أتخوف على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه)
وعلى أساس الرد على القسم الأول بطلت بدعة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة، وهي بدعة محدثة.
القسم الثاني في بدعة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة:  توحيد الألوهية
وأما قولهم إن توحيد الألوهية هو غير توحيد الربوبية، حتى إنهم يعتقدون أن فرعون إدعي الألوهية ولكنه موحِّد توحيد الربوبية، فالقرآن الكريم يكذب هذا الفهم، قال الله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)
وما قال فرعون وما إله العالمين. فجاء رد سيدنا موسى عليه السلام في الآية تليها:
(قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)
وما قال إله السموات والأرض.
وجاء رد فرعون في الآيتين بعدها.
§       (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ)
§       (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)
وما قال إلهكم.
ثم يعلن فرعون إنكاره لربوبية الله عز وجل:
(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)
ثم يرد عليه سيدنا موسى عليه السلام:
(قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)
ثم يوجه فرعون الكلام لموسى عليه السلام، وقد جاء في الآية التي  بعدها:
(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).
أيها المسلم، هذه الآيات تبين أنه لا فرق في التوحيد بين ربوبية وألوهية.  وتدبر هذه الآيات كذلك، قال الله تعالى:
§       (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ)
§       (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)
§       (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)
فإن فرعون كافر بالتوحيد والتوحيد واحد.
ويعتقدون أن أبا لهب وأبا جهل موحِّدون توحيد الربوبية، ولكنهم كفروا بتوحيد الألوهية، والقرآن العظيم يكذِّب هذا الفهم بدليل الآيات التي بينت أنَّ عبَّاد الأصنام لا يعرفون الله تعالى و يسبُّون الله من أجل أصنامهم.
أيها المسلمون إنَّ فهم تقسيم التوحيد فهم  باطل بدليل الكتاب والسنة، نجد في آيات القرآن العظيم أنه لا يوجد فرق بين الربوبية والألوهية في التوحيد لما ورد في الآيات السابقة وآيات وآيات، قال الله تعالى:
§       (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)
§       (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
§       (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).. (أَرْبَابًا)
§       (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).. (أَرْبَابًا)
§       (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).. (أَرْبَابًا)
§       (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).
ودخول الإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصيغة السؤال في القبر يقول الملَك: (من ربك) ولا يقول: (من إلهك).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا رسولًا ذاق حلاوة الإيمان)
والخلاصة؛ فمن رضي بالله ربًّا فقد رضي به إلها، ومن رضي بالله إلهًا فقد رضي به ربًّا، لأن معنى الإله هو الذي تألهه الخلائق لعبادته ولقضاء حوائجها، بمعني تقصده الخلائق. ومعنى الرب هو الذي ترُبُّه الخلائق لعبادته ولقضاء حوائجها، بمعنى تقصده الخلائق ((فالرَّب هو الإله والإله هو الرَّب)) وهذا لا ينافيه الأخذ بالأسباب، مع التوكل على ربِّ الأسباب لا على الأسباب.
إذًا فأصحاب بدعة تقسيم التوحيد -إن علموا بذلك أو جهلوا- فهو منهج لتغيير مفهوم التوحيد في الإسلام، وبالتالى فهو ذريعة لتكفير المسلمين الذين رضوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا رسولًا.
والقسم الثالث في بدعة تقسيم التوحيد هو ما سموه بتوحيد الأسماء والصفات، ولكن حقيقة التوحيد هو أنَّ من رضي بالله ربًّا فقد رضي به إلهًا، ومن رضي بالله إلهًا فقد رضي به ربًّا، ومن رضي بالله ربًّا لن يكون ذلك بمعزل عن أسماء الله تعالى وصفاته، ولا يكون بمعزل عن كمال التنزيه لله تعالى. فلا يوجد دليل عقلًا أو نقلًا يفصل صفات الله تعالى وأسمائه عن ذاته العلية في التوحيد، فالرب من أسمائه تعالى، والإله من أسمائه تعال، والله من أسمائه تعالى.
وأما أصحاب بدعة تقسيم التوحيد فهم لا يعرفون كمال التنزيه لله تعالى، فقد اتخذوا القسم الثالث في بدعة تقسيم التوحيد من أجل الأخذ بظاهر الصفات، بمفهوم الجوارح، فهم حينًا يجسِّمون الله تعالى، وحينًا يشبِّهونه بوضع النصوص في غير  موضع فهمها، وأكبر دليل على ذلك كتابهم (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن)، ففي هذا الكتاب أخذوا بمعنى اليد الجارحة وتركوا المعنى الذي يليق بالله تعالى في كل آيات اليد. وأخذوا من آيات الإستواء الإستقرار وتركوا كل ما يليق بالله تعالى في آيات الإستواء. وأخذوا في آيات  الوجه بالجارحة وتركوا المعنى الذي يليق بالله تعالى في آيات الوجه. وكذلك فعلوا في آيات العين وغيرها متجاهلين لفهم قول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
فكل فهم يؤدي إلى التجسيم والتشبيه فهو باطل، ولو أنهم لم يقسِّموا التوحيد
بهذه الكيفية المبتدعة لما وجدوا مدخلًا لتكفير المسلمين، فكل من لم يعتقد عقيدتهم هذه فهو عندهم كافر، مباح دمه وماله.
 إنتبهوا لهذا الكتاب جيدًا فإنه يشبه الله تعالى بصورة البشر تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
(إستراحة)
إعلم أنه لا يوجد نصٌّ في الكتاب أو السنة يقول: (من طاف بغير الله فقد أشرك)
لأن الطواف لا يكون بالله عز وجل، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، إنما الطواف يكون حول وبين حرمات الله وشعائر الله تعالى، قال الله تعالى:
(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)
والبيت العتيق هو الكعبة المشرفة، وهو مخلوق.
وقال تعالى:
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)
والصفا والمروة مخلوقان، يطوف المسلم تعظيمًا لها، ومن ثَمَّ التقرب بتعظيمها إلى الله تعالى، قال الله تعالى:
(ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)
وقال تعالى:
(ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)
ولكن لا أحد يطوف بالله تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ولا يوجد نصٌّ في الكتاب أو السنة يقول: (من تمسَّح بغير الله فقد أشرك) لأن التمسُّح لا يكون بالله الخالق، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فلا أحد يلمس الله تعالى، إنما التمسُّح يكون بالمخلوقات المباركة، قال الله تعالى:
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ).
وأجساد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام مباركة، قال الله تعالى:
(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).
وجسد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مبارك، وكان الصحابة رضوان الله عليهم، الفرقة الناجية، يتمسحون بعرق ونخامة وتفل وفضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبًا للبركة، ولكن لا أحد يتمسَّح بالله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ولا يوجد نصٌّ في الكتاب أو السنة يقول: (من قبّل غير الله فقد أشرك) لأن التقبيل لا يكون لذات الله عز وجل، فلا أحد يقوم بتقبيل الله في الدنيا، ولا أحد له  تقبيل الله في الآخرة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. إنما التقبيل يكون لحرمات الله تعالى، والتقبيل يكون لشعائر الله تعالى، والتقبيل يكون لأماكن البركة، فقد قبَّل المصطفى صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود. والصحابة، الفرقة الناجية، رضي الله عنهم كانوا يقبِّلون يد ورِجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبِّلون أيادي بعضهم.
ولا يوجد نصٌّ يقول: (من إنحنى لغير الله فقد كفر)، ولكن يوجد نصٌّ يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى). فننحني راكعين وساجدين لله ولكن إتجاه الكعبة وليس إتجاه الله، لأن الله تعالى عن الجهات، قال الله تعالى:
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهَُ).
وننحني راكعين وساجدين لله ولكن إتجاه مقام إبراهيم عليه السلام، وليس بإتجاه الله تعالى، لأن الله تعالى عن الجهات، قال الله تعالى:
(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّىِ)
وانحنى سيدنا يعقوب عليه السلام وأبناؤه لسيدنا يوسف عليه السلام وكانت نيتهم إنحناء تعظيم لا إنحناء عبادة، وسماه الله تعالى سجودًا في رؤيا يوسف عليه السلام  وفي تحقيقها في الواقع، ولكنه كان إنحناء تعظيم بحسب نيَّتهم، قال الله تعالى:
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا )
وانحنى الصحابة، الفرقة الناجية، رضوان الله عليهم لتقبيل (يد) بل و(رِجل) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت نيتهم التعظيم وطلب البركة لا العبادة. وانحنى الصحابة، الفرقة الناجية، رضي الله عنهم لتقبيل أيادي بعضهم وما كان قصدهم العبادة. ولا يحق تشبيه المتوسِّلين والمتبركين بعُبَّاد الأصنام لما علمت من أدلة سابقة، وأن التوسُّل والتبرُّك هو من أفعال الفرقة الناجية وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم.

وعندما أصحاب بدعة تقسيم التوحيد إتهموا حكومة السودان بأنهم فعلوا ذلك من أجل إرضاء الصوفية فالرد على ذلك أن الحكومة من حقها أن تتخذ كل الإصلاحات التي تؤدي إلى أمن السودان وتماسك نسيجه الإجتماعي وتعايشه في سلام حالًا ومستقبلًا، ولكن قرار حذف مادة بدعة تقسيم التوحيد ليس هي من أجل الصوفية فقط، أنما هذا القرار إنتصار لكلمة التوحيد بصونها من بدعة التقسيم المحدثة،  وبالتالى هو إرضاء لكل أهل لا إله إلا الله، وحفظ للسودان بعيدًا بعيدًا عن التكفير والتهجير الدواعشي.