‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفكر الإسلامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفكر الإسلامي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 نوفمبر 2018

مفاهيم شرعية مهمة

العام المراد به العام: كقوله تعالى: (إن الله بكل شيء عليم)، (إن الله لا يظلم الناس شيئًا)، (وما ربك بظلام للعبيد)، (وما من دابة إلا على الله رزقها)، (وجعلنا من الماء كل شيء حي).
العام المراد به الخاص أو العام المخصوص: كقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) كلية منخرقة لأن لله تعالى أسماءً اختص بها نفسه عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك). وأيضًا كقوله تعالى: (تدمر كل شيء بأمر ربها) كلية منخرقة لأنها ما دمرت السموات ولا الأرضين ولا الجنة ولا النار وكلها أشياء. وكقوله تعالى: (ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) بنفس المعنى السابق، وكقوله: (وأوتيت من كل شيء) بنفس المعنى السابق، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) كلية منخرقة لأن هناك بدع حسنات، كقول سيدنا عمر رضي الله عنه: (نِعم البدعة هذه).
الخاص المراد به العام: كقوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) على قاعدة: إياك أخاطب وغيرك أعني، فالمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة لأنه نبي معصوم لا ينسى إلا إنساءً رحمانيًّا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما أُنَسَّى لِأَسُنَّ» بينما إنساء عامة الناس شيطاني. وكذلك قيل قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود كل من يملك الطلاق من أمته.
والخاص المراد به الخاص: كقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وقوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى).

إلى من يدعون إلى القرءان ويتجاهلون السنة

على من نزل الكتاب العزيز؟ علينا أم على النبي صلى الله عليه وسلم؟ طبعا على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المؤهل لتحمله وبيانه وأداء رسالته، لأنه صلى الله عليه وسلم نبي قبل أن يكون رسولا، ويوحى إليه بأشكال الوحي كلها منها وحي الإلهام ووحي المنام ووحي جبريل عليه السلام. فهو الأعلم بالكتاب العزيز ومعانيه تفسيره وشروحه وهو المكلف ببيانه وبلاغه وتعليمه كما قال تعالى: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقال تعالى؛ (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فهو المعلم للمؤمنين إلى يوم الدين لذلك لا يؤخذ علم القرآن الكريم أساسا إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الأعلم به. هذا مهم جدا لنعلم قدر السنة وأنها بيان للتنزيل من رسول معصوم هو المرجع الأول في الدين، ليس فينا من كلمه الله ولا من سمع الله ولا من رأى الله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كل ذلك وزيادة. لأجل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم تلقوا عنه معرفة القرءان والشرائع ثم نقلوها لمن بعدهم إلى أن وصلتنا.
فمن يريد أن يفهم القرءان بمعزل عن من أنزل عليه القرءان وأمر ببيانه وتعليمه فهو ضال لا محالة.
كيف وصلنا القرءان الكريم؟ كيف وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)؟ وحي عن طريق جبريل عليه السلام إلينا؟ قطعا لا، بل عن طريق ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، ثم بعد ذلك بعلم الإسناد إلينا، فمن طعن في طريقة تدوين السنة النبوية يلزمه أن يطعن في طريقة وصول القرءان الكريم لأنهما نقلا بنفس الطريقة. نعم هناك تفاوت في درجات في ثبوت الأخبار لكن ذلك ينطبق على الكل، ويراعى.

وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم لا يقول إلا الحق كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)، وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: (حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) وهذا شأن كل الرسل، فإذا ثبت ذلك فإن كلامه لا يمكن أن يناقض كلام الله تعالى، لذلك أمرنا الله بطاعته فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وعليه يجب أن نأخذ الدين عنه والتفسير كما فسره علمنا كنهه أو لم نعلم، فكم من شيء مستنكر في زمان عرفت حقيقته في زمان آخر، والضابط هو أن النص إذا ثبت وجب الإيمان والتصديق، عقلنا أم لم نعقل، فلا نشترط فهم كيف عاشوا 309 سنة بلا أكل ولا شرب ولا قضاء حاجة لنؤمن بكرامة أهل الكهف مثلا. لذلك إذا ظهر لك تناقض بين الكتاب العزيز وما يحتج به من السنة فينبغي أولا أن تتهم نفسك بالجهل إن لم تكن من العلماء وهذا بدهي جدا، لأن الفهم الصحيح للكتاب أو السنة يتطلب علوما أساسية دقيقة يجب الإحاطة بها فيمن يريد الغوص في بحر الدين. وينبغي ثانيا أن تتهم قصور فهمك وتراجع من هو أفهم منك ففوق كل ذي علم عليم، هذه مراحل التوفيق، وإذا تعذر كل ذلك جاز للعلماء الترجيح فيقدم القرءان على ما سواه. والآفة أكثرها تأتي من تطفل الجهلاء على الكتاب والسنة، وتأتي من ادعاء البعض كمال الفهم، والفهم فيه جانب روحي باطني مهم مرتبط بصدق النية والتقوى والصلاح كما قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، فيلهم الله من شاء من عباده الصواب كقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
لذلك فالعلماء من الفقهاء والمفسرين وشراح السنة وعلماء اللغة وغيرهم يفسرون ويشرحون، وفي الأمر سعة للمفكرين في كل عصر لكن بضوابط علمية وليس فوضى.

وكذلك ينبغي الانتباه إلى أن الحياة ليست فقط مادية كما يظهر لنا، هناك أمور خفية لا تحصى ولا تعد.

عن أهل الكتاب في هذا العصر

طبعا الذين عبدوا عزيرا وعيسى والذين نسبوا لله الولد وتطاولوا على الله هؤلاء كفار ومشركون باتفاق، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)
وقال تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)
وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم).
وقال تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)
وغير ذلك من الآيات التي تصف حال أهل الكتاب في العهد النبوي. وهؤلاء الكفار هم غالبية أهل الكتاب اليوم مع الأسف إن لم يكونوا كلهم، أما الذين مدحهم الله في كتابه العزيز فهم قليل بدليل الاستثناء بالتبعيض بعد الذم في قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)
ثم استثنى بعضهم فقال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)، وهذا الاستثناء يدل على أن الممدوحين هم السابقون وليس المعاصرون، ويؤيده نعتهم بالذين (كفروا من أهل الكتاب) في سورة الحشر وهي مدنية، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، ويؤيده أيضا كثير من آي التنزيل منها قوله تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الخطاب لأمة النبي صلى الله عليه وسلم ووصف فيه أهل الكتاب أنهم يكفرون بآيات الله.
ومن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم من الصالحين منهم أسلم، كسيدنا عبد الله بن سلام، وسيدنا سلمان الرومي وكعب الأحبار وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، كما قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)، وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
لذلك لا يوجد صالح من أهل الكتاب يأبى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله بشرهم بها وأمرهم باتباعها، بل كانوا يستفتحون بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته ويستتصرون به كما قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).
لذلك إن كانوا مؤمنين بالله فيلزمهم الإيمان برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه رسول ربهم بشرهم به الله تعالى في كتبهم كلها وأخبرهم عنه وعن أوصافه كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ولأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كما قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
فوجب عليهم الإيمان به واتباعه عملا بما جاء في كتبهم السماوية، فمن اتبعه أفلح ونجا ومن أبى خاب وخسر وناله عذاب لعصيانه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار) أخرجه مسلم

ولا يعفيهم ادعاؤهم أنهم يؤمنون بالله ويحبونه أن يتهربوا من الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

بل إن الأنبياء السابقين لو أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب عليهم الإيمان به وأتباعه كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) رواه أحمد والبيهقي.
فلو وجدنا اليوم من أهل الكتاب موحدا ولم يسلم فإنه عاص تجب عليه النار.

الأربعاء، 21 مارس 2018

💞💕 نحن أولى بالأم من كل الأمم


عيد الأم كما تعلمون هو تظاهرة عالمية تلفت النظر إلى مكانة الأم وفضلها وقيمتها من منظور إنساني ووجداني، فهل نقف منها موقف المعارض؟! أم نؤيد الحق إذا وافق ونتأسى بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في عاشوراء؟ ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة وجد اليهود يحتفلون بعاشوراء فسألهم عن ذلك، فقالوا له: (ذلك يوم نجى الله فيه موسى من فرعون)، فقال صلى الله عليه وسلم: (نحن أولى بموسى منكم)، فصام ذلك اليوم وأمر بصيامه، فلم يوافقهم فقط، بل جعلنا نحن الأمة المحمدية أولى بموسى عليه السلام من أمته في ذلك، لما في شريعتنا من استحباب تعظيم شعائر الله عز وجل والشكر على النعم.
🌹🌹🌹
نحن أولى في دين الله عز وجل من كل أمة أخرى بالأم وإكرامها والعناية والحفاوة بها لما دلت عليه وحضَّت الشريعة الغراء بما لا يحصى ولا يعد من النصوص، ففي الصحيحين جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أبوك)، وعن معاوية بن جاهمة رضي الله عنه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: "هل لك أم؟" قال: نعم، قال: "فالزمها فإن الجنة تحت رجليها"، وغير ذلك من التعاليم الإسلامية الراقية في حق الأم. ولئن حصل وغفل بعض المسملين عن حقها وانشغلوا عنها في فترات -لاختلاف الناس في درجة بر الوالدين- فالأحرى أن ننتبه إذا ذُكِّرنا ونؤوب إذا أخطأنا، وأن نتجاوز مظهر أن المناسبة من مبادرات الآخرين إلى جوهر أنها تصب في معنى البر والإكرام، فإن الحق إذا وافق فنحن أولى به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم لم يخالف اليهود في الفرح بذكرى إنجاء الله موسى وبني إسرائيل من فرعون. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
💐💐💐
وشاهد آخر في حلف الفضول الذي كان بعد شهر من حرب الفجار وشهده النبي صلى الله عليه وسلم وعمره عندئذ عشرون عامًا، وكان الحلف لنصرة المظلوم وردع الظالم، وأنشد فيه شاعرهم:
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ** ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا ** فالجار والمعتر فيهم سالم
فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة وقال فيه:
«لقد شهدت مع عمومتي حِلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت»
ولئن كانت المناسبة باسم الأم إلا أن موضوعها عندنا نحن المسلمين فعن الوالدين معًا لمكانتهما العظيمة في الإسلام، فقد قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف)، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (من أدرك أبويه عند الكبر: أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة)، وفي الصحيحين أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد. إنها مناسبة تنبه الغافل وتذكره بفضل والديه، أحياءً كانوا أو أمواتًا، فلعله يدرك بعض ما فاته من بر.
أفلا يحسن أن تكون هذه المناسبة يومًا نوسع فيه على الأهل وندخل عليهم السرور؟! ونشعر أمهاتنا وآبائنا بالحب والإمتنان ونشكرهم على ما قدموا ويقدموا؟! ونجدد العهد مع ربنا عز وجل في أن نعمل بوصيته التي وصانا ونسعى في حقهم ونعتني بهم ونكرمهم كما أمرنا الشرع الحنيف؟ ونضرب أمثلة عملية للنشء كيف نحتفل بذوي الفضل؟!
هناك من يقول إن الأم تستحق كل لحظة رعاية واهتمام ليس يومًا واحدًا في السنة، لكن هل هذا حقيقة أم مجرد إدعاء؟! هل تجد أمهاتنا حقيقية الرعاية والإهتمام كل لحظة؟! هل هذا هو الواقع؟! فمن كان هذا حاله وواقعه فإن في غنى عن مناسبة تذكره بفضل أمه، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فمن الناس من لا ينتبه لفضل أمه إلا في مثل هذه المناسبات، ومن سماحة هذا الدين أنه لا يتعارض مع المناسبات التي تدعو للقيم السمحاء بل يؤيدها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق).

🌿☘☘🌷☘☘🌿

الاثنين، 2 أكتوبر 2017

هل كل تقسيم يكون منطقيًّا ومقبولًا؟

تقسيم المسائل بغرض الشرح والبيان في حد ذاته شيء شائع عند العلماء ومألوف، لكن هل كل تقسيم مقبول؟
لا، ليس كل تقسيم يكون مقبولًا، فمثلًا تقسيم الدين إلى عادات وعبادات في تقديري تقسيم فاسد، فإن سئلت عن الطعام أو الشراب، هل هما عادة أم عبادة؟ فلن تستطيع الإجابة لأنهما ليسا عبادة بالمطلق ولا عادة بالمطلق، إن قلت عبادة بالمطلق كان الكفار والدواب وكل ما يأكل ويشرب عابدًا لله تعالى به، وإن قلت عادة فجاز لك أن تأكل الخنزير والميتة وتشرب الخمر وكل مسكر، وهكذا لا يقوله به عاقل.
لأجل هذا فإن تقسيم أهل العلم الشريعة للأحكام الخمسة (الحلال والمستحب والحرام والمكروه والمباح ) هو أصلح، فهو تستوعب بشمول الأحكام، فمن الطعام ما هو حلال كالأنعام، وما هو مستحب كالتمر والزيتون وكل ما رود في القرءان الكريم والسنة المطهرة، ووما هو حرام كلحم الخنزير والميتة، وما هو مكروه كالبصل والثوم والكراث، ما هو ومباح كسائر الطعام الذي لم يرد فيه نهي أو تحريم. كما أن الأكل والشراب فيهما آداب شرعية تدخل من باب الإستحباب كالبسملة واستدراك ما فات من البسملة، والأكل والشرب باليمين، والشرب جالسًأ، والأكل مما يليك، ولعق الأصابع وإحسان الإناء، وأن تحمد الله على ما رزقك، وغيرها من الآداب، ومنها ما يدخل من باب التحريم أو الكراهة كالإسراف في الطعام، والأكل والشرب بالشمال، وإعابة الطعام، والتبذير، وغير ذلك الأمور الشرعية التي تكتنف مسألة الأكل والشرب، وهناك أمور تكون من باب العادات الصرفة مثل نوع الطعام المباح ومذاقه وطريقة طهيه، وطريقة رص المائدة، ونوعية الآنية المستخدمة في المائدة، وطريقة الجلوس للأكل، .. إلخ.
العبادة بالمداومة قد تصير عادة، فمثلًا لو تعودت أن تصلي أربع ركات بعد شروق الشمس فهذه عبادة اعتدت عليها، والعادة قد تصبح عبادة، فمثلًا لو اعتدت أن تزيح أي عائق في الطريق صادفك، فإن ابتغيت وجه الله بهذا العمل ولم تعمله رياءًا ولا سمعة، كانت هذه العادة عبادة لله عز وجل، لأجل ذلك جعلت الشريعة كثيرًا من الأمور التي تعمل عادة صدقات يجزي الله عليها، مثل إماطة الأذى عن الطريق، والتبسم، والكلمة الطيبة، .. إلخ.

الأحد، 16 يوليو 2017

نظرية المؤامرة

عبارة "نظرية المؤامرة" هي في نفسها جزء من المؤامرة لأنها تعرِّض بمن يتقصى نشاط العدو، وتظهره كأنه شخص موهوم بشيء لا وجود له إلا في ذهنه!
عجبًا، هل كل الناس أخيار ليس فيهم شرير؟ بل إن أكثرهم ليس على هدى، كما قال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)

أليس هنالك مصالح وموارد وثروات ومكانة تصطرع عليها الدول والمجتمعات والأفراد؟
هل نعيش في الجنة؟ أو في المدينة الفاضلة؟

إذا فما هي المؤامرة؟ هي المكر السيء، وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع، كما قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وقال تعالى: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، وقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
فهذه الآيات تثبت المؤامرة وإن كان الأمر أهون من أن يدلل عليه بالقرءان الكريم، فإنه مما يفهم بداهة.

فائدة:
المكر بمعنى الاحتيال والخداع لا يليق برب العزة عز وجل كما في قوله تعالى: (ويمكر الله والله خير الماكرين)، وقوله تعالى: (ومكر الله والله خير الماكرين)، وهو مجاز، فمكر الله هو أن يعاملهم بعدله لا برحمته وعفوه، لكن الكلام جرى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، قال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم،  فسمي الجزاء باسم الابتداء، والعقوبة باسم الذنب، فهي من باب المجازاة وإتباع لفظ لفظا، وإن اختلف معنياهما وهذا كثير في كلام العرب، كما قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ××× فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يُفتخر به، وإنما قاله ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان مع المخالفة بينهما في المعنى. وهذا كثير في كلام الله عز وجل كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فالجزاء لا يكون سيئة، وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والقصاص لا يكون اعتداءًا لأنه حق وجب، وكذا قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا)، وقوله تعالى: (إنما نحن مستهزئون)، وقوله تعالى: (الله يستهزئ بهم)، وليس منه سبحانه هزء ولا كيد، إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم، وكذلك قوله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم)، وقوله تعالى: (فيسخرون منهم سخر الله منهم)، وقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)، وقوله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا)، كله مجاز فالله تبارك وتعالى منزه عن الخداع والسخرية والنسيان والملل والسأم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

الخميس، 22 يونيو 2017

ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر على التحقيق


26 رمضان، ليلة القدر، الموافق ليلة السابع والعشرين من رمضان فلا تفوتك:
ليلة القدر ليلة عظيمة وكنز من كنوز هذه الأمة المكرومة، أنزل فيها القرءان جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، ثم نزل بعد ذلك مفرقًا على النبي ﷺ بعد البعثة. وهي ليلة مباركة من تعرَّض لها تعرَّض لبركات الله فيها، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)، ومن بركتها أن من قامها غُفر الله له ما تقدم من ذنبه، فيخرج من رمضان كيوم ولدته أمه، فقد قال رسول الله ﷺ: "من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر لله ما تقدم من ذنبه" [رواه البخاري]، ومن بركتها أن العمل الصالح في هذه الليلة الواحدة أفضل من العمل الصالح في ألف شهر، أي ما يعادل أكثر من 83 سنة، فقد قال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر).

وقد كانت خافية على الصحابة رضوان الله عليهم قبل الهجرة، لا يدرون أي ليلة هي ليلة القدر، فكانوا يتحرونها في كل ليالي السنة، وهذا كان تربية ودربة لهم على قيام الليل. وقضت حكمة العليم الحكيم عز وجل أن تتدرج الشريعة في كشف حقيقتها رويدًا رويدًا، فبعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، كشف الله للصحابة جزءًا من حقيقتها أنها في شهر رمضان، فقال تعالى في سورة البقرة وهي سورة مدينة: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان)، فكانوا يقومون الليل كل السنة لكن يزدادون حرصًا على تحريها في ليالي شهر رمضان. ثم أراد الله أن يكشف لهم مزيدًا من حقيقتها فقال لهم النبي ﷺ: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري ومسلم]، ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري]، ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (إلتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) [رواه البخاري ومسلم]، وفي رواية: (إلتمسوها في السبع الأواخر) [رواه البخاري ومسلم].

ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر على التحقيق:
ثم حدد النبي ﷺ لهم أنها ليلة السابع والعشرين، وذلك من باب التيسير على الأمة فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير عليل، يشق علي القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لِلَيْلَةِ القدر. قال: "عليك بالسابعة" [رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط البخاري]، وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي في ليلة القدر قال: "ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" [رواه أبو داود في وابن عبد البر وصححه]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ، فقال: (أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة؟" وشق جفنة: أي نصف قصعة، أي ليلة سبع وعشرين لأن القمر يطلع فيها بتلك الصفة. وعن سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: (والله إني لأعلمها، وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) [رواه مسلم]، وقال رضي الله عنه: (هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها) [رواه مسلم]، وعن زر بن حبيش، يقول: سألت أبي بن كعب رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر؟ فقال رحمه الله: "أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين"، ثم حلف لا يستثني، أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: "بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟"، قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها" [رواه مسلم، والترمذي وقال حسن صحيح]، وعن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرًا عن ليلة القدر، فقال: "كان عمر، وحذيفة، وناس من أصحاب رسول الله ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين تبقى ثلاث" [رواه ابن أبي شيبة]

من علم الإشارة:
وهي ليلة السابع والعشرين أيضًا من خلال علم الإشارة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ ويقول لي: "لا تتكلم حتى يتكلموا"، قال: فدعاهم وسألهم عن ليلة القدر، قال: "أرأيتم قول رسول الله ﷺ: (التمسوها في العشر الأواخر، أي ليلة ترونها؟) قال: فقال بعضهم ليلة إحدى، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال آخر: خمس، وأنا ساكت فقال: "ما لك لا تتكلم؟" فقلت: "إن أذنت لي يا أمير المؤمنين تكلمت"، قال: فقال: "ما أرسلت إليك إلا لتتكلم"، قال: فقلت: "أحدثكم برأيي؟" قال: "عن ذلك نسألك"، قال: فقلت: "السبع، رأيت الله ذكر سبع سماوات، ومن الأرضين سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وبرز نبت الأرض من سبع"، قال: فقال: "هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم ما قولك نبت الأرض من سبع؟" قال: فقلت: إن الله يقول: {شققنا الأرض شقا} [عبس: 26] إلى قوله {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] والأب نبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس، قال: فقال عمر: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم يجتمع شئون رأسه بعد؟ إني والله ما أرى القول إلا كما قلت"، قال: وقال: "قد كنت أمرتك أن لا تتكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم" [رواه اسحاق بن راهويه، والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم]
وتعجب بعضهم كيف يخصص العدد 7 وينسى العشرين؟ فأجيب عليه بأن العشرين هي الأيام التي مضت من الشهر، والسبع هي التي بقيت منه إلى الليلة.

ومن علم الإشارة أيضًا أن كلمة "ليلة القدر" مكونة من تسعة أحرف وقد وردت في سورة القدر ثلاث مرات، فحاصل الضرب 9×3 يساوي 27. ومن علم الإشارة أيضًا أن سورة القدر مكونة من 30 كلمة بعدد أجزاء القرءان الكريم، والكلمة السابعة والعشرين هي إسم الإشارة "هي" فدلت كذلك على أنها ليلة السابع والعشرين. ومن علم الإشارة أيضًا أن كلمة "القدر" وردت ثلاث مرات، في الموضع 5، و10، و12 ومجموعها يساوي 27.

هل تتنقل ليلة القدر من ليلة إلى ليلة؟
لا يمكن أن تتنقل الليلة بين الليالي لأنها هي ليلة واحدة ومحددة نزل فيها القرءان الكريم، في السابع والعشرين من رمضان، وهو تاريخ محدد، تمامًا مثل تاريخ غزوة بدر الكبرى، فنحن اليوم نتدارس ذكرى غزوة بدر الكبرى يوم السابع عشر من رمضان لأن الغزوة حدثت في ذلك اليوم، فهل يمكن أن نتعرض لهذه الذكرى في يوم آخر؟ مرة 17 ومرة 16 ومرة 18 وهكذا؟ قطعًا لا. ويجب الانتباه إلى أن التقويم الإسلامي في كتاب الله عز وجل هو التوقيت القمري بالشهور العربية، ولا علاقة له بالتقويم الشمسي. أما ما يروى من تحريها في ليالٍ متعددة في العشر الأواخر فتلك كانت مراحل تدرج الكشف عن حقيقتها حتى لا يتكل الناس.

الواجب تجاهها:
الحرص على قيامها والتعرض لنفحاتها وتذكير الناس بها، فقد كان يقول النبي ﷺ عند دخول رمضان: "إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم" [صحيح أخرجه ابن ماجة]. وأيضًا الدعاء لك ولأهلك وأقربائك وزملائك وسائر المسلمين بخير الدنيا والآخرة مع التركيز على خير الآخرة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا نبي الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: "تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" [رواه الإمام أحمد]

الخميس، 8 يونيو 2017

الصلة بين الأحياء والأموات

الموت ليس نهاية الحياة، بل هو انتقال من حياة إلى حياة، وقد تكون الحياة الجديدة أفضل، أو قد تكون أسوأ حسب العمل، وبالنسبة للكفار فإن الموت هو نهاية الحياة لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ولا يؤمنون بنعيم القبر أو عذابه، ولا يؤمنون بقدرة الله عز وجل على كل شيء ومن ذلك إحياء الموتى. لذلك تجد علاقة الكافر بالشخص تنقطع بموته كما قال تعالى: (قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور)، أما المؤمن فيعلم أن الموت انتقال إلى حياة أخرى، فلئن مات الجسد فإن الأرواح لا تموت، بل تتواصل وهذا عزاء طيب بأننا لا نفقد موتانا تمامًا والحمد لله، قال الإمام مالك بن أنس: "بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت". والمؤمن يعلم أن الميت حسب درجة صلاحه وقدره عند الله تكون كرامة الله له، في الموت وبعد الموت، أما في الموت فإن الرجل الصالح يختم على بخاتمة صالحة، أما بعد الموت بكرامات كثيرة حسب درجة صلاحه، فيحرم جسده على الأرض كالأنبياء فلا يتحلل جسده، ويحيا في البرزخ حياة كريمة فالأنبياء أحياء في قبورهم يصلون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون كما قال الحق سبحانه وتعالى، بل ونهانا عن أن نقول لهم أموات: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون)، وهنالك تواصل عجيب بين الأحياء والصالحين من الاموات، فيما يلي نعرض طرفًا من النصوص الدالة على ذلك:

الزيارة والسلام:
عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة". رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله كيف أقول لهم - يعني أهل القبور- قال: قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون") رواه مسلم
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" رواه مسلم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ » صحيح أخرجه الإمام أحمد وأبوداود وصححه النووي في رياض الصالحين والحافظ في الفتح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" أخرجه ابن عبد البر وصححه، وابن المبارك وصححه، والإشبيلي وصححه، والعراقي وصححه، والزبيدي وصححه وغيرهم.
وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ رد السلام، ثم قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل وإسرافيل سلموا علينا فردي عليهم السلام، وقد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أو أربع، فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثا وسبعين بين رمية وطعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت، فقالت: أسماء هينئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكن أخاف أن لا يصدق الناس فاصعد المنبر أخبر به، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن جعفر مع جبريل وميكائيل، له جناحان عوضه الله من يديه سلم علي، ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين، فاستبان للناس بعد اليوم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جعفر لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة". 
أخرجه الحاكم في المستدرك وسكت عنه الذهبي في التلخيص
وعن الفضل بن موفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبى جزعت عليه جزعًا شديدا فكنت آتى قبره في كل يوم ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إنى أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتنى عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبى قد انفرج وكأنه قاعد في قبره متوشحًا أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت لما رأيته، قال: يا بُني ما أبطأ بك عني؟! قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟! قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فآنس بك وأُسَرُّ بك ويُسَرُّ من حولي بدعائك. قال: فكنت آتية بعد ذلك كثيرًا. أخرجه بن القيم في الروح
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة كل جمعة. أخرجه عبد الرزاق في المصنف
وعن أبي التياح قال: كان مطرف يغدو -أي يذهب في الصباح- فإذا كان يوم الجمعة أدلج -ذهب الليل- قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينوَّر له في سوطه -أي أن صوته يضيء له- فأقبل ليلة حتى إذا كان عند مقابر القوم وهو على فرسه فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسًا على قبره فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة، قلت: وتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقول الطير، قلت: وما يقولون؟ قالوا يقولون: سلام سلام. أخرجه ابن أبي الدنيا
وعن حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتى الجبان فنقف على القبور فنسلم عليهم وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين؟!ّ قال: بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبلها ويومًا بعدها. أخرجه ابن القيم في الروح
وعن بشر بن منصور قال لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن مسيئكم وقبل حسناتكم لا يزيد على هؤلاء الكلمات قال فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلى ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو قال فبينا أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى فقلت ما أنتم وما حاجتكم قالوا نحن أهل المقابر قلت ما حاجتكم قالوا إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك فقلت وما هى قالوا الدعوات التي كنت تدعو بها قال قلت فإنى أعود لذلك قال فما تركتها بعد

السماع والإحساس:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ» أخرجه البخاري ومسلم
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» أخرجه البخاري ومسلم
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال في وصيته عند موته:«فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي » رواه مسلم
وعن ابن وهب قال حدثني عطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي يقال لها تهلل بنت العطاف، وكانت من العوابد، وكانت كثيرًا ما تركب إلى الشهداء، قالت: «ركبت إليهم يوما فصليت عند قبر حمزة بن عبد المطلب ما شاء الله أن أصلي، حتى إذا فرغت فقمت، فقلت هكذا بيدي، السلام عليكم، قالت: فسمعت أذناي السلام يخرج إلي من تحت الأرض، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني، وكما أعرف الليل من النهار، وما في الوادي داع، ولا مجيب يتحرك إلا غلامي نائما أخذ برأس دابتي، فاقشعرت كل شعرة مني، فدعوت الغلام: يا بني هلم دابتي، فأدنى دابتي فركبت » أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وابن عبد البر في الإستذكار
وعن عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْقَنَّادُ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: تُوُفِّيَ أَخِي عُمَيْرُ بْنُ طَرِيفٍ عَامَ الْجَمَاجِمِ، فَلَمَّا دُفِنَ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرِهِ، فَإِنَّ أُذُنِي الْيُسْرَى عَلَى الْقَبْرِ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَخِي، أَعْرِفُ صَوْتًا ضَعِيفًا، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُ . فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: فَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ. أخرجه الطبري في تهذيب الآثار

عرض الأعمال على الأموات:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حياتي خير لكم تُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيتُ من خيرٍ حمدتُّ الله عليه، وما رأيتُ من شرٍ استغفرتُ الله لكم).
رواه البزار في مسنده، وقال الحافظ العراقي في طرح التثريب: إسناده جيد، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح.
وعن أوس بن أوس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي) فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْت (قال: يقول بَلِيْتَ) قال: (إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إنّ أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم، فإن رأوا خيرا فرحوا به، وإن رأوا شرًا كرهوه، وإنهم يستخبرون الميت إذا أتاهم، من مات بعدهم؟ حتى إن الرجل يسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟ وحتى إن الرجل يسأل عن الرجل، فإذا قيل: قد مات قال: هيهات، ذهب ذاك، فإن لم يحسوه عندهم، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئس المربية» أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وصححه الحافظ في الفتح
وعن سيدنا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا» حديث حسن رواه الإمام أحمد
وعن سيدنا أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قبضت نفس العبد تلقاه أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه ليسألوه، فيقول بعضهم لبعض: أنظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله و إنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم و بئست المربية. قال: فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسنا فرحوا و استبشروا و قالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها، و إن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع بعبدك" حديث حسن أخرجه ابن المبارك في الزهد، والطبراني في الكبير، والإمام أحمد في المسند
وعن أبي الدرداء رضي لله عنه قال: "ألا إن أعمالكم تعرض على عشائركم، فَمُسَاؤُون ومسررون، فأعوذ بالله أن أعمل عملا يخزى به عبد الله بن رواحة" وعبد الله بن رواحة خاله. صحيح أخرجه ابن المبارك في الزهد وأبو داود في الزهد وابن أبي الدنيا في المنامات.
وعن عبد الغفور بن عبد العزيز عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى، وتعرض على الأنبياء وعلي الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضًا وإشراقًا، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم" رواه الحكيم الترمذي في النوادر من حديث.

الضرر يلحق بالأموات من أفعال الأحياء:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) رواه البخاري ومسلم، فإن نواح أهل الميت يبلغه فيؤذيه، وعن قيلة بنت مخرمة قالت: (قلت: يا رسول الله، قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة، ثم أصابته الحمى فمات، ونزل عليَّ البكاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحِبَه في الدنيا معروفًا، وإذا مات استرجع؟ فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي فيستَعبِر إليه صويحبه -أي يحزن وتسيل دمعته- فيا عباد الله، لا تعذبوا موتاكم") قال الحافظ في الفتح: "حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة، وابن أبي شيبة، والطبراني"
كما روى الإمام أحمد من حديث أبي موسى مرفوعا: (الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسياه، جُبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟) ورواه ابن ماجه بلفظ: (يتعتع به ويقال: أنت كذلك؟)، ورواه الترمذي بلفظ: (ما من ميت يموت فتقوم نادبته فتقول: واجبلاه واسنداه، أو شبه ذلك من القول، إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟) وشاهده ما رواه البخاري في المغازي من حديث النعمان بن بشير قال: (أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه واكذا واكذا، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟) وهذا التعريض والتوبيخ يؤذي الميت في دار الحق والسؤال.

الأموات ينفعون الأحياء بإذن الله:
النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر للمؤمنين عندما تعرض عليه أعمالهم، كما في حديث البزار المتقدم، ويزورهم في المنام كما قال في الصحيح: (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)، وأي نفع أعظم من رؤية سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.
وانتفع الأحياء بتخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس بأجر الخمسين وذلك بمراجعة سيدنا موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج، فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي) رواه البخاري ومسلم.
واستسقى الصحابة في عام الرمادة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار -وكان خازن سيدنا عمر رضي الله عنه على الطعام- قال: (أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا" فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مُسْقَوْنَ، وقل له: "عليك الْكَيْسَ الْكَيْسَ". فأتى الرجل عمر، فأخبره، فبكى عمر ثم قال: "يا رب ما آلو إلا ما عَجَزْتُ عنه" أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في دلائل النبوة وصححه الحافظ في الفتح، وقال الحافظ في الفتح: (وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة)
واستطعم زوار الحبيب صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم عندما فتك بهم الجوع، فقد قال الحافظ أبو بكر ابن المقرئ مسند أصبهان: (كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فضاق بنا الوقت فوصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء أتيت إلى القبر الشريف وقلت: "يارسول الله الجوع" فقال لي الطبراني:"اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت!" فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له فإذا معه غلامان بزنبيلين بهما شيء كثير فقال:" ياقوم، شكيتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم.") رواها ابن الجوزي في الوفاء والسخاوي في القول البديع، والسمهودي في وفاء الوفاء. وابن المقريء والطبراني وأبو الشيخ كلهم من كبار الحفاظ الأثبات
والصالحون من المؤمنين عندما تعرض عليهم أعمال ذويهم يسألون الله لهم الهدى والصلاح إذا رأوا ما يسوؤهم، كما في الحديث: (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا) حديث حسن رواه الإمام أحمد، والحديث: (و إن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع بعبدك) حديث حسن أخرجه ابن المبارك في الزهد، والطبراني في الكبير، والإمام أحمد في المسند
والميراث، ميراث العلم والمال، فكل العلماء الأحياء عالة على العلماء الأموات بدءًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلماء الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وبقية علماء الأمة.

التماس البركة في قبور الصالحين، فإنها أماكن إجابة دعاء:
قال الإمام الحافظ ابن حبان في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين من كتابه "الثقات" (8 /456): "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين" انتهى
وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال الحاكم (صاحب المستدرك) في تاريخ نيسابور:"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ماتحيرنا."
وعن الحافظ إبراهيم الحربي أنه قال: قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب. أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء
وعن أبي الحسين محمد بن أحمد بن جميع قال: سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: (أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه). أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
وعن أبي الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول: (قبر معروف الكرخي مجرب لقضاءالحوائج ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته).
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
وقال ابن خلكان: وكان بكَّار تاليًا للقرآن، بكاءً صالحًا دينًا، وقبره مشهور قد عرف باستجابة الدعاء عنده. 

ثواب الأعمال الموهوبة:
أول ما ينتفع به الميت يكون بعد سماع الناس خبر وفاته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه وكبَّر أربع تكبيرات، وقال: "استغفروا لأخيكم" أخرجه البخاري ومسلم، وعن أم سَلَمةَ رضي الله عنها قالت: (لما مات أبو سَلَمَةَ أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنَّ أبا سلمة قد مات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولي اللهم اغفر له) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، 
ثم ينتفع بصلاة الجنازة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من صلى عليه أربعون وفي رواية مائة شفعوا فيه، وينتفع بدعاء المصلين له في صلاة الجنازة، وينتفع باستغفار المسلمين والدعاء له بعد الفراغ من الدفن، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت يقول: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيتَ فإنه الآنَ يُسأل) أخرجه أبو داود والحاكم، 
وينتفع بقضاء الدَّين عنه والنذور، قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دَين) [النساء: 12] وعن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذرٍ كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقضه عنها" متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، فقال: "أكنت قاضيةً عنها دَينًا لو كان على أمك؟". قالت: نعم. قال: "فصومي عنها" أخرجه مسلم، 
وينتفع من هبات صالح الأعمال كالصلاة والصيام والحج والعمرة والصدقات، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" متفق عليه، وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها" أخرجه الترمذي وصححه، وعن بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبرُمة، قال من شُبرُمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. أخرجه أبو داود غيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن سعدًا بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، وفي رواية: "قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها. أخرجه البخاري، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات ولم يوصِ، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: "نعم"أخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم" متفق عليه، والصدقات اسم جامع لكل أعمال البر والخير وهي كثيرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإنَّ لكم بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، والأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة) أخرجه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه

الأربعاء، 8 يونيو 2016

هل نعبد لله طمعًا في جنته وخوفًا من ناره؟

هل نعبد الله لدخول الجنة والنجاة من النار، أم نعبده في ذاته كما روي عن رابعة العدوية، المرأة الصالحة الزاهدة التي عاشت في القرون المفضلة؟

إن لم يكن لله جنة ولا نار ألم يكن يستحق أن يعبد؟ بلى والله، لذلك فإن أعظم لذة لأهل الجنة هي شهود الحق سبحانه ولذة النظر إليه. وأبلغ عذاب الآخرة هو الحجب عن النظر لله عز وجل. ما الجنة عن أهل التحقيق إلا مظهر رضاه وما النار إلا مظهر سخطه جل وعلا.
وفي الصحيح أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أنك تقوم حتى تتورم قدماك وقد غفر لك الله ما تقدم وما تأخر؟
أي أنك لا تحتاج لكل هذا العناء في قيام الليل، والجنة لك مضمونة، فماذا كان رده صلى الله عليه وسلم؟
قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟‼
إذًا هي عبادة لذاته تبارك وتعالى، تلذذًا بالوقوف بين يديه، وليست الغاية دخول الجنة، فهو صلى عليه وسلم مفتاح الجنة، وأول من يدخلها، ومع ذلك تتورم أقدامه في القيام بين يدي ربه جل وعلا.
إن الذين يعشقون الجنة لنعيمها ليس كالذين يعشقونها لأنها منزل رضا الله، والذين يفرون من النار لعذابها ليس كالذين يفرون منها لأنها متزل سخط الله. فأهل التحقيق مشغولون بالله جل وعلا عمن سواه من خلقه إلا ما اتصل برضاه سبحانه، لأنه عنئذٍ متعلق بالله، لا ينشغلون بغير الله لعينه.
 بل إن الصحابة عليهم رضوان الله علمونا أن الجنة بدون رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيخة، لا طعم لها مع كل ما فيها من نعيم  فهي في ذاتها لا تجتذب إلا الذين يتلذذون كما يتلذذ البهائم.
لذلك كان ثوبان رضي الله عنه، مولى رسول الله ﷺ، كان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يُعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله ﷺ: «يا ثوبان ما غير لونك؟» فقال: «يا رسول الله ما بي من ضُر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف أن لا أراك هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أرك أبداً».
الله الله على المحبة!

وأيضًا كما روي في الصحيح عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت آتي رسول الله ﷺ بوضوئه وبحاجته، فقال: «سلني»، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك»، قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».

فلم يكتف الصحابة عليهم رضوان الله بالرغبة في الجنة في ذاتها، لأنها بدون رسول الله لا تسوى شيئًا، ولا طعم لها مع كل ما فيها من نعيم، فكيف بها بدون لذة النظر إلى الله جل وعلا؟
وكيف بقساوة الحجب عن الله جل وعلا في الآخرة والخلود في النار.

هذه الدرجة من محبة الله عز وجل درجة ذوقية، لا يصل إليها كل عابد، فهناك من يعبد الله عبادة التجار للأجر والثواب، هذا أقصى ما فهمته عقولهم، فيتنعمون فيها بها وبملذاتها كما تتنعم البهائم، وهناك من يعبد الله لذاته العلية، لكماله وجماله وجلاله، (والذين ءامنوا أشد حبًّا لله)، فينتظرون لحظات الشهود، ويرون في نعيم الجنة مظهر لرضاه سبحانه، وعظمة قدرته، فيتلذذون بها أكثر من غيرهم لأن قلوبهم تعلقت به سبحانه وحده.

مقتنيات الأنبياء والصالحين ووجوب المحافظة عليها والعناية بها والإنتفاع ببركتها

في قوله تعالى:
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
[سورة البقرة: 248]

إشارة إلى بركة مقتنيات الأنبياء والصالحين، وأن الهدي الرباني فيها هو العناية بها والمحافظة عليها والإنتفاع ببركتها. ولم يكن ذلك ذريعة إلى الشرك مطلقًا، بل كان من أسباب اليقين في الله عز وجل وقدرته.

قال أهل التفسير إن التابوت أنزله الله تعالى على آدم عليه السلام وفيه صورة الأنبياء عليهم السلام، وكان من عود الشمشاذ نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم عليه السلام إلى أن مات، ثم بعد ذلك عند شيث عليه السلام، ثم توارثها أولاد آدم عليه السلام إلى أن بلغ إبراهيم عليه السلام ثم كان عند إسماعيل عليه السلام لأنه كان أكبر ولده، ثم عند يعقوب عليه السلام، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام فكان موسى عليه السلام يضع فيه التوراة ومتاع،ا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات موسى عليه السلام، ثم تداولته أنبياء بني إسرائيل إلى وقت إشمويل وكان فيه ذكر الله تعالى. فانظر إلى عظمة هذا التابوت وإلى العناية الفائقة به، وكان فيه سكينة من ربكم، قيل السكينة هي روح تكلمهم إذا اختلفوا وتبين لهم ما اختلفوا فيه، وقيل هي مخلوق له رأسان، وذكروا فيها وفي التابوت عجائب، فكان يستنصر به بنو إسرائيل، وكانوا ينصرون إلى أن عصوا، فعلبوا عليه وسلبوه. وقيل إنه وعصا موسى الآن في بحيرة طبرية، وأنهما سيخرجان قبل يوم القيامة.

أما بقية ما ترك آل موسى وآل هارون فكان لوحين من التوراة، ورضاض الألواح التي تكسرت، وكان فيه عصا موسى، ونعلاه، وعمامة هارون، وعصاه، وقفيز من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل.
فكان التابوت وما حوى من مقتنيات نبوية آية لملك طالوت، أتت تحمله الملائكة بين السماء والأرض كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.

هذا مقتنيات آدم وموسى وهارون عليهم السلام، يعتنى بها هذه العناية، ويتبرك بها هذه البركة، فكيف بمقتنيات سيد آدم، وسيد موسى وسيد هارون، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟‼ أعظم خلق الله أجمعين، إمام المتقين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وختامهم‼
لا شك الأولى العناية بمقتنياته هو صلى الله عليه وسلم.

وكان هذه هديه صلى الله عليه وسلم، فقد ربى الصحابة على تلك المعاني. فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة، ثم رجع إلى المنزلة بمنى، فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن، فحلقه، فجعل يقسمه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: «ههنا أبو طلحة؟» فدفعه إلى أبي طلحة.
رواه البخاري ومسلم

وعن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن خالد بن الوليد قد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال: «اطلبوها»، فلم يجدوها فقال: «اطلبوها»، فوجدوها فإذا هي قلنسوة خلقة -أي ليست بجديدة- فقال خالد: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالًا وهي معي إلا رزقت النصر» المطالب العالية للحافظ.
                                                                                                                                 
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: «رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه، يقبِّلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه ويغمسها في الماء البارد ويشربه، ويستشفي به» مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة حتى قُبضت، فلما قُبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها» رواه مسلم.

عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال لي: «إنطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصلي في مسجده».
أخرجه البخاري

🎯هذه رسالة لمن يطمسون الآثار النبوية ويحرمون الأمة من بركتها، ويحاربون المتاحف التي تحتفظ بالمقتنيات النبوية. اتقوا الله ربكم!

وإذا كان القرءان العظيم، المهيمن على التوراة والإنجيل والزبور وكل الكتب السماوية، إذا كان عند بعضنا ممتهن، وغير مقدس، ومهجور، وعليه الغبار، ونحمله بدون وضوء وطهاره، فإنه قد كان في التابوت لوحان من ألواح موسى، أيهما أولى بالعناية؟ الألواح أم المصحف الشريف؟‼

🎯هذه رسالة لمن نسوا تقديس المصحف الشريف وكتاب الله المهيمن.

الأربعاء، 1 يونيو 2016

تناقضات السلفية

قال ابن القيم كما في مدارج السالكين (1/447): (ومن تجريبات السالكين، التي جربوها فألفوها صحيحة: أن من أدمن يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت أورثه ذلك حياة القلب والعقل.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - شديد اللهج بها جدا.
وقال لي يوما: لهذين الاسمين - وهما الحي القيوم - تأثير عظيم في حياة القلب. وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم. وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب، ولم يمت قلبه). اهـ
فائدة: قول ابن القيم: (ومن تجريبات السالكين) يستفاد منه أن السالك إلى الله تعالى إذا جرب نوعا من الأذكار، وإن لم يكن هذا الذكر مأثورا بلفظه، أو مأثورا بلفظه ولكنه غير مأثور بذلك العدد، أو تلك الهيئة، ووجد بعد التجربة نفعا لذلك الذكر، كصلاح قلبه، وإقباله على الطاعة، وتوبته من معاصي كان يقارفها، فلا حرج عليه في المداومة على ذلك، بل ولا حرج عليه في أن يدل طلابه وأحبابه على ذلك الخير الذي فتح الله به عليه، كما فعل ابن تيمية رحمه الله تعالى مع ابن القيم.
فلاحظ أخي أن ابن تيمية:
1- قيد هذا الذكر بعدد،
2- وقيده بزمن،
3- وأثبت له ثمرة،
4- وحث على المواظبة عليه بقوله (من واظب عليه).


منقول للفائدة

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

نصوص محكمة في الدعاء بعد الصلوات ورفع اليدين به

أدلة محكمة في الدعاء بعد الصلوات ورفع اليدين به:
لا ريب في ثبوت الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا. وقد بوب البخاري في صحيحه باب "الدعاء بعد الصلاة"، فعلق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على ذلك في فتح الباري فقال: «قوله باب الدعاء بعد الصلاة أي المكتوبة وفي هذه الترجمة رد على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع» 

عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. 

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «قيل لرسول الله صلى الله عليه سلم: أي الدعاء أسمع»، قال: «جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات» رواه الترمذي وحسنه

قال الحافظ في الفتح: «فإن قيل المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعا فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه» أهـ

والنصوص الدالة على أن دبر الصلاة المقصود في ظاهر النصوص الشرعية هو بعد السلام فأكثر من أن تحصى منها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبح في [دبر كل صلاة] ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». أخرجه البخاري ومسلم.

وكتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أخرجه البخاري

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: «يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم» قال: «كيف ذلك؟» قالوا: «صلوا كما صلينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم، وليس لنا مال»، فقال: «ألا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله؟ تسبحون في [دبر كل صلاة] عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا» رواه البخاري

وعن أبي الزبير، قال: «كان ابن الزبير، يقول: في [دبر كل صلاة] حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» وقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة» أخرجه مسلم
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة» أخرجه النسائي في الكبرى وابن خزيمة في صحيحه
وعن علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي [دبر كل صلاة مكتوبة] ركعتين إلا العصر والصبح» أخرجه النسائي
وكان سعد رضي الله عنه يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المكتب الغلمان ويقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن في دبر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر» أخرجه النسائي في الكبرى

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» رواه النسائي في الكبرى، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم.
فكل هذه الأخبار المعتد بها تشير إلى أن دبر الصلوات في النصوص ذات العلاقة بالصلاة يراد بها ما بعد التسليمة. 

السنة الفعلية في دعائه صلى الله عليه وسلم بعد الصلوات:
عن أبي أيوب رضي الله عنه قال:ما صليت خلف نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعته يقول حين ينصرف: «اللهم اغفر خطاياي، وذنوبي كلها، اللهم وأنعشني، واجبرني، واهدني بصالح الأعمال والأخلاق، لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت». رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده جيد.

وعن أم سلمة رضي الله عنه قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد صلاة الفجر: «اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا، وعلمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا». رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات.

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء، فتوضأ وصلى، وقال: «اللهم أصلح لي ديني، ووسع لي في ذاتي، وبارك لي في رزقي».
رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح غير عباد بن عباد المازني، وهو ثقة، وكذلك رواه الطبراني.

وعن الحارث بن مسلم التميمي رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم: (اللهم أجرني من النار) سبع مرات، فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارًا من النار، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: (اللهم أجرني من النار) سبع مرات، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار». أخرجه ابن حبان في صحيحه.

رفع الصوت بالذكر دبر الصلوات المكتوبات سنة قولية وفعلية:
فعن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم». أخرجه البخاري ومسلم.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» أخرجه مسلم
وعنه رضي الله عنه: «كنت أعرف انقضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير». أخرجه البخاري

وعن سيدنا ثوبان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم استغفر ثلاثا؛ قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» أخرجه مسلم
ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع به صوته لما سمعه سيدنا ثوبان رضي الله عنه.

وكتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أخرجه البخاري ومسلم
ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع به صوته لما سمعه سيدنا المغيرة رضي الله عنه.

والدعاء ذكر لله تعالى بلا شك، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت السلام ومنك السلام»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم» دعاء، أي «يا الله» كما قال أهل اللغة.

جواز أن يرفع الإمام يديه بالدعاء ويؤمن خلفه المصلون:
عن جابر بن يزيد بن الأسود العامري، عن أبيه، قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا»
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وسنده جيد.

وعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك، يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلًا ببطونهما وجهك، وتقول يا رب يا رب، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا»، وفي رواية: «فهو خداج». رواه الترمذي وصححه، وأحمد والطبراني والنسائي وغيرهم.

عن محمد بن أبي يحيى قال: رأيت عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ورأى رجلًا رافعًا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته». رواه الطبراني ورجاله ثقات.

ورفع اليدين في الدعاء أمر مستحب على الإطلاق:
وعن أبي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: «دَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَاء فَتَوَضَّأ بِهِ ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لِعبيد أبي عَامر وَرَأَيْت بَيَاض ابطيه» رواه البخاري

وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قدم الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: «يَا رَسُول الله ان دوسًا قد عَصَتْ وأبت فَادع الله عَلَيْهَا»، فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ فَظن النَّاس أَنه يَدْعُو عَلَيْهِم فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهد دوسًا وأئت بهم» رواه البخاري

عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ وكرَّم الله وجهه قَالَ: رفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْك بالوليد». رواه البخاري.

وعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «ذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرجل يُطِيل السّفر أَشْعَث أغبر يمد يَده الى السَّمَاء يَا رب يَا رب». رواه البخاري

وعن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: «نظر نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم ألف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجَالًا فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَمد يَدَيْهِ وَجعل يَهْتِف بربه اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ ان تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الاسلام لَا تعبد فِي الأَرْض». رواه مسلم

عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: «رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَافعا يَدَيْهِ حَتَّى بدا ضبعيه يَدْعُو». رواه البخاري

وعن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اذا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء لم يحطهما حَتَّى يمسح بهما وَجهه». أخرجه الترمذي وحسنه السيوطي

وعن سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا» رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وجود إسناده الحافظ.

وعَن سلمَان رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «مَا رفع قوم أكفهم الى الله عز وَجل يسألونه شَيْء الا كَانَ حَقًا على الله أَن يضع فِي أَيْديهم الَّذِي يسألونه» رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي في المجمع: رِجَاله رجال الصَّحِيح

مشروعية الدعاء الجماعي:
ذكر الله تعالى الدعاء الجماعي على لسان الأنبياء والرسل والصالحين، فقال تعالى: 
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [سورة البقرة: 127-128]
وقال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: 286]
وقال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: 250]
وقال تعالى: (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 147] 
وقال تعالى: (قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة يونس: 89]
وقال تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) [سورة الكهف: 10]
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [سورة الكهف: 28]
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [سورة الحشر: 10]
وغيرها من الآيات
وعن ثابت، عن أنس، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا وما هو إلا أنا، وأمي، وأم حرام خالتي، فقال: «قوموا فلأصلي بكم في غير وقت صلاة»، فصلى بنا، فقال رجل لثابت: أين جعل أنسا منه؟ قال: «جعله على يمينه، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة»، فقالت أمي: يا رسول الله خويدمك ادع الله له، قال: «فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به» أن قال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه»
أخرجه مسلم والطيالسي والبيهقي وغيرهم

وعن ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:«دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: أَعِيدُوا تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ وَسَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَلِأَهْلِهَا بِخَيْرٍ» أخرجه أحمد. 
وعن حبيب بن مسلمة الفهري رضي الله عنه -وكان مستجابًا- أنه أُمِّرَ على جيش فَدَرِبَ الدُّرُوبِ، فلما لقي العدو قال للناس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجتمع ملأ فيدعو بعضُهم ويُؤمِّنُ بعضُهم إلا أجابهم الله» 
ثم إنه حمد الله، وأثنى عليه، وقال: «اللهم احقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء»، فبينا هم على ذلك، إذ نزل الْهَنْبَاطُ -أمير العدو- فدخل على حبيب سرادقه. أخرجه الطبراني وحسنه الهيثمي في المجمع، والحاكم وصححه وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
الْهَنْبَاطُ بالرومية: صاحب الجيش.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» رواه الترمذي وحسنه

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ... »رواه البخاري ومسلم
#الدعاء #الدعاء_بعد_الصلوات #الدعاءـالجماعي

أخبار وآثار في القبور وزيارتها والتبرك والتوسل بأصحابها

عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلاً واضعًا وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: جئتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحَجَرَ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا تبكوا على الدين إذا وليه أهلُهُ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله"
أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير والحاكم في المستدرك (8571) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي
حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران ثنا تميم بن محمد ثنا أبو مصعب الزهري حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قال الحاكم: "هذا الحديث رواته عن أخرهم ثقات وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريا للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين". ورواه البيهقي في الكبرى وسكت عنه الحافظ في التلخيص.
ملاحظة: البيهقي أعل طريقًا أخرى بالإنقاطاع لم يذكر فيها: عن علي بن الحسين عن أبيه.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن بلالا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزينًا، فركب إِلَى المدينة، فأتى قبر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ارتجت المدينة، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، زادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدًا رَسُول اللَّهِ، خرج النساء من خدورهن، فما رئي يَوْم أكثر باكيًا، وباكية من ذلك اليوم.
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد، وابن الأثير في أسد الغابة والسبكي في شفاء السقام والسمهودي في وفاء الوفاء
قال وهب بن جرير: حدثنا أبي، قال: سمعت ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة، رافعا عقيرته يتغنى، ورأيته يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به مروان فقال: أتصلي عند قبر! وقال له قولا قبيحا ثم أدبر، فانصرف أسامة ثم قال: يا مروان إنك فاحش متفحش، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يبغض الفاحش المتفحش".
أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، والخطيب في تاريخ بغداد من طريق عثمان بن حكيم، عن محمد بن أفلح مولى أبي أيوب، عن أسامة.
قال الذهبي: إسناده حسن، محمد بن إسحاق صدوق، وقد صرَّح بالتحديث، فأَمِنَّا شر تدليسه.
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «رأيت أسامة بن زيد عند حجرة عائشة يدعو، فجاء مروان فأسمعه كلامًا، فقال أسامة: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء".
رواه الطبراني قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات.
قال الحافظ أبو بكر ابن المقرئ مسند أصبهان:
(كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فضاق بنا الوقت فوصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء أتيت إلى القبر الشريف وقلت: "يارسول الله الجوع" فقال لي الطبراني:"اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت!"
فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له فإذا معه غلامان بزنبيلين بهما شيء كثير فقال:" ياقوم، شكيتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم.")
رواها ابن الجوزي في الوفاء والسخاوي في القول البديع، والسمهودي في وفاء الوفاء.
وابن المقريء والطبراني وأبو الشيخ كلهم من كبار الحفاظ الأثبات.
ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (11/261)، وكذا الذهبي في "تاريخ الإسلام" (16 /463) عن الحاكم النيسابوري قال: "سمعت الحافظ أبا علي النيسابوري يقول: " كنت في غم شديد ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، كأنه يقول لي: صر إلى قبر يحيى بن يحيى واستغفر، وسل الله حاجتك، قال: فأصبحت ففعلت ما أمرني به، فقضيت حاجتي".
قال الذهبي: وهذا من فعل أبي علي النيسابوري –وهو من ثقات المسلمين وحفاظهم– وليس من فعل الحاكم أبي عبد الله.
وقال ابن حبان في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين من كتابه "الثقات" (8 /456) : "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين" انتهى
عن الحافظ إبراهيم الحربي أنه قال: (قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب)
علق الذهبي على الخبر في السير فقال:
"إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السحر مرجو، ودبر المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق، اللهم إني مضطر إلى العفو، فاعف عني" أهـ.
أخبرنا منصور قال أنبأنا أحمد بن علي قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع قال سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: (أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه).
أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
نبأنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قالا أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال حدثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول: (قبر معروف الكرخي مجرب لقضاءالحوائج ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته).
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال الحاكم (صاحب المستدرك) في تاريخ نيسابور:"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ماتحيرنا."
عن علي بن ميمون قال: (سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرّكُ بأبي حنيفة و أجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرًاـ فإذا عرضت لي حاجةٌ صلّيتُ ركعتين و جئتُ إلى قبره و سألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقضَى)
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد
يقول الذهبي في كتابة (معجم الشيوخ الكبير):
"عن نافع عن ابن عمر: (أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم)
قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب، وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا وتملوا به وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه، وولده والناس أجمعين، ومن أمواله، ومن الجنة وحورها، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر، وعمر أكثر من حب أنفسهم." أهـ
قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
" باب ماجاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حديث استئذان سيدنا عمر أمنا عائشة رضي الله عنها في الدفن بالحجرة النبوية: وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعًا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير."
وفي عمدة القاري بشرح صحيح البخاري للعيني مانصه:
"وقال(يعني شيخه زين الدين) وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل من جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل منبره فقال لابأس بذلك، قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية، فصار يتعجب من ذلك ويقول: عجبت! أحمد عندي جليل يقوله؟! وهذا استفهام إنكاري، أي أيقوله؟ وقال زين الدين: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصًا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، إلى أن قال المحب الطبري: يمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل مافي تقبيله تعظيم الله تعالى."
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء :"أين المتنطع المنكر على أحمد وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي ويمس الحجرة النبوية فقال: "لاأرى بذلك بأسًا." وختم الذهبي كلامه بقوله:"أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع."
.
وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى:"{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...} الآية روى عن علي قال:"قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه فقال:"قلت يارسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {ولو أنهم ظلموا أنفسهم .....}الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر: "أنه قد غفر لك!"
وقال ابن الحاج المالكي في المدخل:"وينبغي لولي الميت أن يختار له الدفن عند العلماء والأولياء والصالحين للتبرك بهم لما ورد هم القوم لايشقى بهم جليسهم. والتبرك عمل لايخدش في التوحيد لامن قريب ولامن بعيد، إذ التبرك بالآثار والمقامات مما أجازه الشرع الحنيف، فما أجازه الشرع فلا خوف علينا منه، فالتبرك بالأشخاص مثلا فلاعتقاد تقواها وصلاح عملها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع الجزم بأن لامؤثر إلا الله قال تعالى: {كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هناك دعا زكرياء ربه}. و أما الآثار فلأنها أجزاء منسوبة إلى تلك الأشخاص قال تعالى: {اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا}. فهي في حكم أصحابها. وأما الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة وإنما من أجل ساكنها قال تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. ولما يعمل فيها من خير وبر، إذ تتنزل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتغشاها السكينة فتتحقق عندها البركة التي تطلب من الله عندها."
وقال اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة :" فحياتهم للخلق منبهة ومسيرهم إلى مصيرهم لمن بعدهم عبرة وقبورهم مزارة." إلى أن قال:" يزارون في قبورهم كأنهم أحياء في بيوتهم لينشر الله لهم بعد موتهم الأعلام." واللالكائي عند أصحابه بمكانة عظيمة حتى قال فيه ابن القيم في نونيته:
أعني الفقيه الشافعي اللالكائي * المسدد ناصـــــر الإيمان.