عن فُضالة بن عُبَيْد رضي الله عنه أن النبي ﷺ سمع رجلًا يدعو في صلاته فلم يصلِّ على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «عَجِل هذا»، ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ، ثم ليدْعُ بَعْدُ بما شاء» [رواه ابو داود والنسائي والترمذي وصححه].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ”كنت أصلَّي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلستُ بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ: «سَلْ تُعْطَه، سَلْ تُعْطَه»“[أخرجه الترمذي وصححه]
وأخرج أحمد والبراز وأبو يعلى والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة وغيرهم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوني كَقَدَحِ الرَّاكب، فإن الرَّاكب يملأ قَدَحه ثم يضعه ويرفع متاعه، فإن احتاج إلى شرابه شربه، أو الوضوء توضأ به، وإلا أَهْراقه -أي أراقه- ولكن اجعلوني في أول الدعاءِ وأوسطه وآخره» وفي رواية لرُزَين بن معاوية وابن الأثير عن سيدنا عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعدُ حتى يُصلَّى عليَّ، فلا تجعلوني كَغُمَرِ الراكب -قِداحه الصغيرة- صلوا عليَّ أول الدعاء وأوسطه وآخره»
وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء كله محجوب حتى يكون أوله ثناء على الله عز، وجل، وصلاة على النبي ﷺ، ثم يدعو، يستجاب لدعائه»[رواه النسائي]
وعن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: «إن الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلِّي على نبيك ﷺ» [رواه الترمذي، وقال ابن كثير: إسناده جيد]
والحق كما قال النبي ﷺ يجري على لسان سيدنا عمر وقلبه، وهو وإن كان موقوفًا على سيدنا عمر رضي الله عنه إلا إن له حكم المرفوع، قال الحافظ العراقي:
«وهو وإن كان موقوفًا عليه فمثله لا يُقال من قِبَل الرأي، وإنما هو أمر توقيفي فحكمه حكم المرفوع». وقال القاضي أبو بكر بن العربي: «ومثل هذا إذا قاله عمر لا يكون إلا توقيفًا لأنه لا يُدْرَكُ بنظر»
وروى الطبراني في الأوسط والبيهقي في شُعَب الإيمان عن سيدنا علي رضي الله عنه وكرَّم وجهه قال: «كل دعاء محجوبٌ حتى يُصلَّى على النبي ﷺ وآله»، وفي رواية:
«ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى يُصلَّى على محمد ﷺ وعلى آل محمد ﷺ، فإذا صلي على النبي ﷺ انخرق الحجاب، واستجيب الدعاء، وإذا لم يصل على النبي ﷺ، لم يستجب الدعاء»، ورواه بقي بن مخلد عن سيدنا علي رضي الله عنه وكرَّم وجهه، والديلمي في مسند الفردوس عن سيدنا أنس رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
وعن سيدنا عبد الله مسعود رضي الله عنه قال: «إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئًا فليبدأ بمدحه و الثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلِّي على النبي ﷺ ثم ليسأل فإنه أجدر أن ينجح»[رواه الطبراني]
وروي عن النبي ﷺ قوله: «الدعاء بين الصلاتين عليَّ لا يُرَدُّ»[أورده القاضي عياض في الشفاء، والقسطلاني في مسالك الحنفا]
وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: «من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ، وليسأل حاجته، وليختم بالصلاة على النبي ﷺ، فإن الصلاة على النبي مقبولة، والله أكرم أن يرد ما بينهما»[رواه النميري والقسطلاني في مسالك الحنفا]
قوله ﷺ: «الدعاء بين الصلاتين عليَّ لا يُرَدُّ»
قال السخاوي: «لم اقف على تخريحه»،
قال الركينية: يشهد له ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وصححه وابن حبان عنه ﷺ: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرَدُّ» وذلك لاشتمالهما على ذكر النبي ﷺ في الشهادتين.
وهو مما تم تصحيحه بطرق الكشف، قال الإمام الحافظ القسطلاني في [مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على المصطفى]: (حكاه الفكهاني عن بعضهم أنه قال: "رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم فقلت: يا رسول الله أنت قلت: «ما مِن عبدين متحابَّين في الله تعالى يلتقيان فيُصافحُ أحدُهما صاحبه» فقال النبي ﷺ: «إلا لم يفترقا حتى يُغفرَ لهما ذنوبُهما ما تقدم منها وما تأخر، والدعاء بين الصلاتين عليَّ لا يُرد»") اهـ
وهذا مثال على تصحيح الأحاديث بطرق الكشف وهي عزيزة على غير المتصلين بالحضرة المحمدية لذلك قد ينكرونها.
قال الإمام الحافظ النووي رحمه الله في [الأذكار]: «أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ، وكذلك تختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة مرفوعة»
وقال ابن عطاء البغدادي: «للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح، فأركانه حضورُ القلب والرِّقة والإستكانة والخشوع وتعلقُ القلب بالله وقَطْعُه الأسباب، وأجنحته الصِّدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على -سيدنا- محمد ﷺ»
ابن عطاء: هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدمي البغدادي توفي ٣٠٩هـ
وذكر ابن القيم في [جلاء الافهام] أن الصلاة على النبي ﷺ لها ثلاث مراتب:
«إحداها: أن يُصلى عليه قبل الدعاء، وبعد حمد الله تعالى لقول النبي ﷺ: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليُصلِّ على النبي ﷺ ثم ليدع بعد بما شاء"
والمرتبة الثانية: أن يُصلى عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره.
والمرتبة الثالثة: أن يصلى عليه في أوله وآخره، ويجعل حاجته متوسطة بينهما"
الرد على المعترضين:
اعترض البعض على القول بوجوب الصلاة على النبي ﷺ لقبول الدعاء رغم الأخبار الصحيحة والصريحة في ذلك، ورغم عمل السلف الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم بذلك، وادعوا أن الدليل على صحة زعمهم أن النبي ﷺ لم يلتزم بذلك في كل دعائه، فيجاب عليهم من وجوه:
1.النبي ﷺ هو من أمر بذلك، وهذا تشريع صريح ومقدم على الفعل الضمني، ويؤيده عمل الصحابة رضوان عليهم والحث عليه وعمل السلف الصالح.
2.هذه خصوصية، فالنبي ﷺ لا يحتاج أن يصلي على نفسه لأن الأمر بالصلاة عليه موجه إلينا نحن الذي ينبغي أن لا نغفل عن رسول الله ﷺ.
3.دعاء الأنبياء أصلا مجاب دعك من دعاء سيد الأنبياء والرسل عليهم السلام وإمامهم ﷺ.
4.الأخبار صحيحة وصريحة في أن من لا يصلي على النبي ﷺ في دعائه يظل الدعاء معلقا بين السماء والأرض وما كان هذا شأنه من الدعاء في ينجز، فيجب الصلاة على النبي ﷺ لنيل المبتغى.
▪️وادعوا أيضًا بقوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡیَسۡتَجِیبُوا۟ لِی وَلۡیُؤۡمِنُوا۟ بِی لَعَلَّهُمۡ یَرۡشُدُونَ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٨٦] وأجيب عنه بأنه من العام المخصوص فممن لا يستجاب دعاؤهم من كان مأكله حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، وكذا من دعا بإثم أو قطيعة رحم وهكذا. ويقول العارفون: الكاف في (سألك) هي كاف الصلة بمعنى من سأل الله تعالى من بابك فكنت حاضرا في قلبه.
▪️وادعوا أيضا بقوله ﷺ: «واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»[متفق عليه] ويجاب عليه بأن الحجاب المراد هو حجاب الغفلة الذي يزول بالظلم الواقع على الإنسان فيحصل حضور القلب والخشوع في الدعاء وإلا فإن لإجابة الدعاء شروطًا منها مثلا ألا يكون في إثم أو حرام، وأن يدعو الداعي وهو موقن بالإجابة وغير ذلك مما قد يفسد دعاء المظلوم، ويؤيده ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده»، وخص هذه الثلاثة للتمثيل والمقصود بالاستجابة حضور القلب والخشوع هو من أسباب القبول المهمة التي تتحقق في حالة الظلم والسفر وحنان الوالد لولده، ولا يقتضي ذلك مطلق الاستجابة لما تقدم من الموانع التي قد تفسد الدعاء. وعليه فإن الصلاة على النبي ﷺ لا يستغني عنها المظلوم أو المسافر أو الوالد لولده.
▪️وادعوا أيضًا بأن الله قد يجيب دعاء اليهود والنصارى مع أنهم لا يصلون على النبي ﷺ ويجاب عليه أن المسألة المذكورة إنما في ديننا وشريعتنا وليس في شريعة اليهود أو النصارى.