الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

أسماء العلماء الذين تعرضوا لابن تيمية من المعاصرين له ومن المتأخرين


  1. القاضي محمد بن ابراهيم بن جماعة الشافعي
  2. القاضي محمد بن الحريري الأنصاري الحنفي.
  3. القاضي محمد بن أبي بكر المالكي
  4. القاضي أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي.
  5. وقد حُبس بفتوى موقعة منهم سنة 726 هجرية، انظر عيون التاريخ للكتبي ونجم المهتدي لابن المعلم.
  6. الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي المتوفى سنة 756 هجرية. الإعتبار ببقاء الجنة والنار. الدرة المضية في الرد على ابن تيمية، وغيرها.
  7. ناظره الفقيه محمد بن عمر بن مكي المعروف بابن المرحّل المتوفى سنة 716 هجرية.
  8. قدحه الحافظ صلاح الدين العلائي المتوفى سنة 733 هجرية.
  9. رد عليه القاضي المفسر بدر الدين بن جماعة المتوفى سنة 733 هجرية.
  10. معاصره الشيخ أحمد بن يحيى الكلابي الحلبي المعروف بابن جهبل المتوفى سنة 733 هجرية.
  11. قدحه الحافظ بن دقيق العيد المتوفى سنة 702 هجرية.  
  12. القاضي كمال الدين بن الزملكاني المتوفى سنة 727 هجرية. ناظره ورد عليه برسالتين.
  13. ناظره القاضي صفي الدين الهندي المتوفى سنة 715 هجرية.
  14. الفقيه المحجدث علي بن محمد الباجي الشافعي المتوفى سنة 714 هجرية. ناظره في أربعة عشر موضعا وأفحمه.
  15. المؤرخ الفخر بن المعلم القرشي المتوفى سنة 725 هجرية. نجم المهتدى ورجم المعتدي.
  16. مرسوم السلطان ابن قلاوون المتوفى سنة 741 هجرية.
  17. معاصره الحافظ الذهبي المتوفى سنة 748 هجرية. بيان زغل العلم والطلب. النصيحة الذهبية.
  18. المفسر أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة 745 هجرية. تفسير النهر الماد من البحر المحيط.
  19. الفقيه الرحالة ابن بطوطة المتوفي سنة 779 هجرية. رحلة ابن بطوطة.
  20. الفقيه تاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 هجرية. طبقات الشافعية الكبرى.
  21. تلميذه المؤرخ ابن شاكر الكتبي المتوفى سنة 764 هجرية. عيون التواريخ.
  22. الشيخ عمر بن أبي أيمن اللحمي الفاكهي المالكي المتوفى سنة 734 هجرية. التحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة.
  23. القاضي محمد السعدي المصري الأخنائي المتوفى سنة 750 هجرية. المقالة المرضية في الرد على من ينكر الزيارو المحمدية.
  24. الشيخ عيسى أبو الروح الزواوي المتوفى سنة 742 هجرية. رسالة في مسألة الطلاق.
  25. الشيخ أحمد بن عثمان الجوزاني الحنفي المتوفى سنة 744 هجرية. الأبحاث الجلية في الرد على ابن تيمية.
  26. الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هجرية. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. لسان الميزان.
  27. الحافظ ولي الدين العراقي المتوفى سنة 826 هجرية. الأجوبة المرضية في الرد على الأسئلة المكية.
  28. الفقيه المؤرخ ابن قاضي شهبه الشافعي المتوفى سنة 851 هجرية. تاريخ ابن قاضي شبهه.
  29. الفقيه أبو بكر الحصني المتوفى سنة 892 هجرية. دفه شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد.
  30. رد عليه شيخ أفريقا أبو عبد الله بن عرفة التونسي المالكي المتوفى سنة 803 هجرية.
  31. العلامة علاء الدين البحاري الحنفي المتوفى سنة 841 هجرية. كفره وكفر من سماه شيخ الإسلام كما في براءة الأشعريين (لأبي حامد بن مرزوق محمد عربي التبان).
  32. رد عليه الشيخ حمد زروق الفاسي المالكي المتوفى سنة 899 هجرية.
  33. القاضي السخاوي المتوفى سنة 902 هجرية. الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ.
  34. القاضي البياضي الحنفي من علماء القرن الحادي عشر. إشارات المرام من عبارات الإمام.
  35. الشيخ أحمد بن محمد الوتري المتوفى سنة 980 هجرية. روضة الناظرين وخلاصة مناقب الصالحين.
  36. الشيخ ابن حجر الهيثمي المتوفى سنة 974 هجرية. الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم.
  37. الشيخ محمد بن علي بن عراق الدمشقي المتوفى سنة 933 هجرية.
  38. الشيخ جلال الدين الدواني المتوفى سنة 928 هجرية. شرح العضدية.
  39. القاضي أبو عبد الله المقري. نظم اللآلي في سلوك الأمالي.
  40. علي القاري الحنفي المتوفى سنة 1014 هجرية. شرح الشفا للقاضي عياض.
  41. المحدث محمد بن علي بن علان الصديقي المكي المتوفى سنة 1057هجرية. المبرد المبكي في رد الصارم المبكي.
  42. الشيخ عبد الرؤوف المناوي الشافعي المتوفى سنة 1029 هجرية. شرح الشمائل للترمذي.
  43. الشيخ أحمد الخفاجي المصري الحنفي المتوفى سنة 1069 هجرية. شرح الشفا للقاضي عياض.
  44. المؤرخ أحمد أبو العباس المقري المتوفى سنة 1041 هجرية. أزهار الرياض.
  45. الشيخ محمد الزرقاني المالكي المتوفى سنة 1122هجرية. شرح المواهب اللدنية.
  46. الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى سنة 1142هجرية. ذمّه في أكثر من كتاب.
  47. السيد محمد أبو الهدى الصيادي المتوفى سنة 1228هجرية. قلادة الجواهر.
  48. ذمّه الفقيه الصوفي محمد بن علي الصيادي الشهير بالرواس المتوفى سنة 1278هجرية.
  49. الشيخ سلامة العرامي الشافعي المتوفى سنة 1276هجرية. البراهين الساطعة في رد البدع الشائعة. مقالات في جريدة مسلم (المصرية).
  50. محمود حطاب السبكي المتوفى سنة 1352هجرية. الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق.
  51. وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية الشيخ محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة 1371 هجرية. كتاب مقالات الكوثري وغيره من كتبه.
  52. المفتي مصطفى بن محمد الشطي الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة 1348هجرية. النقول الشرعية.
  53. مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي المتوفى سنة 1354 هجرية. تطهير الفؤاد من دنث الإعتقاد.
  54. ابراهيم بن عثمان السنودي المصري من أهل هذا العصر. نصرة الإمام السبكي برد الصارم المكي.
  55. عالم مكة محمد العربي التبان المتوفى سنة 1390هجرية. براءة الأشعريين من عقائد المخالفين.
  56. الشيخ محمد يوسف البنوري الياكستاني. معارف السنن شرح سنن الترمذي.
  57. الشيخ منصور محمد عويس من أهل هذا العصر. ابن تيمية ليس سلفياً.
  58. الشيخ عبد الله الغماري المحدث المغربي من أهل هذا العصر. اتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة. الصبح السافر في تحقيق صلاة المسافر. الرسائل الغمارية وغيرها من الكتب.
  59. المسند أبو الأشبال سالم بن جندان الأندونيسي كان حيا سنة 1382هجرية. الخلاصة الكافية في الأسانيد العالية.
  60. حمد الله البرسري. سهارنبور. في كتابه البصائر.

ابتداع ابن تيمية وإحداثه في الأصول والفروع

قال الإمام العلامة الحافظ تقي الدين السبكي في الدرّة المضية:
"أما بعد، فإنه لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب و السُّنة، مظهرا أنه داع ٍ إلى الحقّ هاد ٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتّباع إلى الابتداع، وشذ ّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسميّة والتركيب في الذات المقدّس، وأن الافتقار إلى الجزء -أي افتقار الله إلى الجزء- ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأن القرآن مُحدَث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قِدَم العالم، والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادثٍ لا أول لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديما، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نِحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم هِمّة، وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما تَقِلَّ جملته بالنسبة لما أحدث في الفروع". اهـ.

وقال المحدث الحافظ الفقيه وليّ الدين العراقي ابن شيخ الحفّاظ زين الدين العراقي في كتابه الأجوبة المرضيّة على الأسئلة المكيّة:
"إنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ ستين مسألة بعضها في الأصول وبعضها في الفروع خالف فيها بعد انعقاد الإجماع عليها". اهـ

وقال المحدَّث الحافظ المؤرخ شمس الدين بن طولون في ذخائر القصر:
"ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول والفروع، فمنها ما خالف فيها الإجماع، ومنها ما خالف فيها الراجح من المذاهب، فمن ذلك: يمين الطلاق، قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة، ودام إفتاؤه بذلك زمانا طويلآ وعظم الخطب، ووقع في تقليده جمّ غفير من العوام وعمّ البلاء. وأنَّ طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته، وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين في هذه المسألة على خلاف ذلك وأنَّ من خالفه فقد كفر، ثم إنه أفتى بخلافه و أوقع خلقا كثيرا من الناس فيه. و أنَّ الحائض تطوف في البيت من غير كفارة وهو مباح لها. وأنَّ المكوس حلال لمن أقطعها، وإذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وان لم تكن باسم الزكاة ولا على رسمها. وأنَّ المائعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها فيها وأن الصلاة إذا تركت عمدا لا يشرع قضاؤها. وأنَّ الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد، وقد رأيت من يفعل ذلك ممن قلَّده فمنعته منه. وسئل عن رجل قدّم فراشا لأمير فتجنب بالليل في السفر، ويخاف إن اغتسل عند الفجر أن يتهمه أستاذه بغلمانه فأفتاه بصلاة الصبح بالتيمم وهو قادر على الغسل. وسئل عن شرط الواقف فقال: غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية وعلى الفقهاء يصرف إلى الصوفية وبالعكس، وكان يفعل هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام، ولا يحضر درسا على اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيه ميعادا يوم الثلاثاء ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس. وسئل عن جواز بيع أمهات الأولاد فرجحه وأفتى به.
ومن المسائل المنفرد بها في الأصول مسألة الحسن والقبح التي يقول بها المعتزلة، فقال بها ونصرها وصنف فيها وجعلها دين الله بل ألزم كل ما يبنى عليه كالموازنة في الأعمال.
وأما مقالاته في أصول الدين فمنها قوله: إنَّ الله سبحانه محل الحوادث، تعالى الله عما يقول علوا كبيرا. وانه مركب مفتقر إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء. وان القرءان مُحدَث في ذاته تعالى. و أنَّ العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائما، فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار، سبحانه ما أحلَمَه. ومنها قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مرد ود.
وصرَّح في بعض تصانيفه بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر، تعالى الله عن ذلك، وصنّفَ جزءا في أنَّ علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم أهل الجنة، وأنه لا يحيط بالمتناهي، وهي التي زلق فيها بعضهم، ومنها أنَّ الأنبياء غير معصومين، وأنَّ نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا، وصنف في ذلك عدة أوراق. وأنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه و سلم معصية لا يقصر فيها الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل بها أحد من المسلمين قبله. وأنَّ عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد حكاه بعض الفقهاء عن تصانيفه. ومن أفراده أيضا أنَّ التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلها، وله فيه مصنف، هذا ءاخر ما رأيت، وأستغفر الله من كتابة مثل هذا فضلآ عن اعتقاده ". ا.هـ.

وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (ص/116) ناقلا المسائل التي خالف فيها ابن تيمية إجماع المسلمين:
"وان العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوقا دائما فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار تعالى الله عن ذلك، وقوله بالجسمية، والجهة والانتقال، وانه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر، تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع القبيح والكفر البراح الصريح " اهـ.

وقال أيضا في الفتاوى الحديثية (ص/203): "وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك " اهـ.

وقال أيضا في حاشية الإيضاح (ص/443): "ولا يغتر بإنكار ابن تيمية لسنّ زيارته صلى الله عليه وسلم فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة، وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل، ووقوعه في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس بعجيب فإنه وقع في حق الله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فنسب إليه العظائم كقوله: إن لله تعالى جهة ويدا ورجلا وعينا وغير ذلك من القبائح الشنيعة" اهـ.

رؤى عجيبة

عن سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقصّ وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: وأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرًا، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة وإذا عنده نارٌ يحشها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أَرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق؛ فارتقيت فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففُتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأنَّ ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عَدْنٍ وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صُعُدًا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا فما هذا الذي رأيتُ؟ قال: قالا لي: أما إنّا سنخبرك؛ أما الرجل الأول الذي أَتيتَ عليه يُثْلَغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: «وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسنًا وشطر قبيحًا فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم» أخرجه أحمد والبخاري وقد رواه ابن شيبة وابن حبان في "صحيحه" بنحوه.

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح فقال: «إني رأيت رؤيا هي حق فاعقلوها، أتاني رجل فأخذ بيدي فاستتبعني حتى أتى بي جبلاً وعرًا طويلاً فقال لي: إرقه، فقلت: إني لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك، فجعلت كلما رقيت قدمي وضعتها على درجة حتى استوينا على سواء الجبل فانطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يقولون ما لا يعلمون. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مسمرة أعينهم وآذانهم فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذي يُرُوْنَ أعينهم ما لا يَرَوْن ويسمعون آذانهم ما لا يسمعون. ثم انطلقنا فإذا نحن بنساء معلقات بعراقيبهن مصوبة رءوسهن تنهش ثديانهن الحيات، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يمنعون أولادهن من ألبانهن. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء معلقات بعراقيبهن مصوبة رءوسهن يلحسن من ماء قليل وحمأ، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يصومون ويفطرون قبل تحلة صومهم، ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء منظرًا وأقبحه لبوسًا وأنتنه ريحًا كأنما ريحهم المراحيض، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزناة. ثم انطلقنا فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى الكفار. ثم انطلقنا وإذا نحن نرى دخانًا ونسمع عواء، قلت: ما هذا؟ قال: تحت ظلال الشجر، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا فإذا نحن بغلمان وجوار يعلبون بين نهرين، قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذرية المؤمنين. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال أحسن شيء وجهًا وأحسنه لبوسًا وأطيبه ريحًا كأن وجوههم القراطيس، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرًا لهم ويتغنون، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: ذلك زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فملت قبلهم فقالوا: قدنا لك قدنا لك، قال: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذاك أبوك إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينتظرونك صلى الله عليهم أجمعين».
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ ابن حجر: سنده جيد

عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا وكنا في صُفَّة المدينة فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشًا كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه وأرواه، ورأيت رجلاً من أمتي ورأيت النبيين جلوسًا حلقًا حلقًا كلما دنا إلى حلقة طُرد فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجّه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلاً من أمتي يتقي بيده وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه، ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلاً من أمتي جاثيًا على ركبتيه وبينه وبين الله عز وجل حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل، ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شماله فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلاً من أمتي خَفَّ ميزانه فجاءه أَفْراطه فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلاً من أمتي قائمًا على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكَّن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أيحانًا ويتعلق أحيانًا فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب «الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية» وقال: هذا حديث حسن جدًا.

قال ابن إسحاق: حدثني يزيد ابن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الله بن زرير الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طيبة، قال: قلت وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر برّة (1)، قال: فقلت: وما برّة، قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قال: فقلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.

روى الطبراني في "الكبير" عن عطاء الخراساني قال:
قدمت المدينة فسألت فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس فأرشدوني إلى ابنته فسألتها -فذكر الحديث عنها وفيه- فلما استنفر أبو بكر رضي الله عنه المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسلمة الكذاب سار ثابت بن قيس فيمن سار فلما لقوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قُتِلا، قالت: وأُري رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مَرَّ بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعًا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس يستنّ في طِوَله وقد أكفأ على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رَحْلاً وائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها فإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ فأعلمه أن علي من الدين كذا، ولي من المال كذا، وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول هذا حُلْم.
فتضيعه، قال: فأتى خالد بن الوليد فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر رضي الله عنه فأخبره فأنفذ أبو بكر رضي الله عنه وصيته بعد موته، فلا نعلم أن أحدًا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه. قال الهيثمي: وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية فإنها قالت سمعت أبي والله أعلم.
وروى الطبراني أيضًا من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه أن ثابت بن قيس رضي الله عنه جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر مما صنع هؤلاء فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

قال ابن إسحاق: فلما بيّن له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صُدِق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطي كبّر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًا فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم؟ قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر، قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعًا. قالوا: نِعْمَ ما أمرت به. فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا لَعَجْزٌ فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا فارتحلوا حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عَذْب فكبّر عبد المطلب وكبّر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلمَّ إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد والله قُضِي لك علينا يا عبد المطلب والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا. إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. قال ابن إسحاق: فهذا الذي بلغني من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم.
قلت: رجال إسناده كلهم ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فزال ما يخشى من تدليسه. وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن.

__________
(1) قال ابن الأثير: سماها بَرَّة لكثرة منافعها وسعة مائها. قال: والمضنونة التي يضن بها لنفاستها وعزتها.

قصة سيدنا ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه الذي استرد درعه بعد موته

روى الطبراني في "الكبير" عن عطاء الخراساني قال:
قدمت المدينة فسألت فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس فأرشدوني إلى ابنته فسألتها -فذكر الحديث عنها وفيه- فلما استنفر أبو بكر رضي الله عنه المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسلمة الكذاب سار ثابت بن قيس فيمن سار فلما لقوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قُتِلا، قالت: وأُري رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مَرَّ بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعًا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس يستنّ في طِوَله وقد أكفأ على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رَحْلاً وائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها فإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ فأعلمه أن علي من الدين كذا، ولي من المال كذا، وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول هذا حُلْم.
فتضيعه، قال: فأتى خالد بن الوليد فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر رضي الله عنه فأخبره فأنفذ أبو بكر رضي الله عنه وصيته بعد موته، فلا نعلم أن أحدًا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه. قال الهيثمي: وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية فإنها قالت سمعت أبي والله أعلم.
وروى الطبراني أيضًا من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه أن ثابت بن قيس رضي الله عنه جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر مما صنع هؤلاء فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

رؤيا عبد المطلب جد النبي ﷺ في حفر بئر زمزم

ومن الرؤيا الظاهرة ما أُمِر به عبد المطلب بن هاشم جد النبي - صلى الله عليه وسلم - من حفر زمزم بعدما اندرس موضعها وعفى أثرها. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد ابن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الله بن زرير الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طيبة، قال: قلت وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر برّة (1)، قال: فقلت: وما برّة، قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قال: فقلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.

قال ابن إسحاق: فلما بيّن له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صُدِق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطي كبّر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًا فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم؟ قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر، قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعًا. قالوا: نِعْمَ ما أمرت به. فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا لَعَجْزٌ فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا فارتحلوا حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عَذْب فكبّر عبد المطلب وكبّر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلمَّ إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد والله قُضِي لك علينا يا عبد المطلب والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا. إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. قال ابن إسحاق: فهذا الذي بلغني من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم.
قلت: رجال إسناده كلهم ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فزال ما يخشى من تدليسه. وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن.

__________
(1) قال ابن الأثير: سماها بَرَّة لكثرة منافعها وسعة مائها. قال: والمضنونة التي يضن بها لنفاستها وعزتها.

تبرك الإمام الشافعي بغسول الإمام أحمد بن حنبل

روى ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» بإسناده إلى الربيع بن سليمان قال: قال لي الشافعي: يا ربيع خذ كتابي وامض به وسلمه إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأتني بالجواب، قال الربيع: فدخلت بغداد ومعي الكتاب ولقيت أحمد بن حنبل صلاة الصبح فصليت معه الفجر فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر، فقال أحمد: نظرت فيه؟ قلت: لا، وكسر أحمد الخاتم وقرأ الكتاب فتغرغرت عيناه بالدموع، فقلت له: أي شيء فيه يا أبا عبد الله؟ فقال: يذكر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام وقل إنك ستُمتحن وتُدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم يرفع الله لك علمًا إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت: البشارة فخلع قميصه الذي يلي جلده فدفعه إلي فأخذته وخرجت إلى مصر وأخذت جواب الكتاب وسلمته إلى الشافعي فقال لي: يا ربيع أي شيء الذي دفع إليك؟ قلت: القميص الذي يلي جده.
فقال لي الشافعي: ليس نفجعك به ولكن بله وادفع إلينا الماء حتى أشركك فيه.

ورواه أيضًا من طريق آخر عن الربيع بن سليمان وقال فيه: إن الشافعي ذكر في كتابه أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومه وهو يقول له: يا ابن إدريس بشر هذا الفتى أبا عبد الله أحمد بن حنبل أنه سيُمتحن في دين الله ويُدعى إلى أن يقول القرآن مخلوق فلا يفعل وإنه سيُضرب بالسياط وإن الله عز وجل ينشر له بذلك علمًا لا ينطوي إلى يوم القيامة، وذكر بقية القصة بنحو ما تقدم.

محاولة النصارى سرقة جسد النبي ﷺ من قبره الشريف

قال نور الدين علي بن أحمد السمهودي في "الوفا بأخبار دار المصطفى":
أعلم أني وقفت على رسالة قد صنفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى، وسماها بعضهم بـ "الانتصارات الإسلامية" ورأيت عليها بخط تلميذه شيخ مشايخنا زين الدين المراغي ما صورته «نصيحة أولي الألباب، في منع استخدام النصارى كتّاب» لشيخنا العلامة جمال الدين الأسنوي، ولم يسمه فسميته بحضرته فأقرني عليه، انتهى.
فرأيته ذكر فيها ما لفظه: وقد دعتهم أنفسهم - يعني النصارى - في سلطنة الملك العادل نور الدين الشهيد إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]. وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجد يأتي به بالليل وأوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنجدني أنقذني من هذين، فاستيقظ فزعًا ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضًا مرة ثالثة، فاستيقظ وقال: لم يبق نوم وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي فأرسل خلفه ليلاً وحكى له جميع ما اتفق له فقال له: وما قعودك، اخرج الآن إلى المدينة النبوية واكتم ما رأيت، فتجهز في بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرًا وصحبته الوزير المذكور ومالٌ كثير فقدم المدينة في ستة عشر يومًا فاغتسل خارجها ودخل فصلى بالروضة وزار ثم جلس لا يدري ماذا يصنع. فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحضر معه أموالاً للصدقة فاكتبوا مَنْ عندكم فكتبوا أهل المدينة كلهم وأمر السلطان بحضورهم، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبي - صلى الله عليه وسلم - له فلا يجد تلك الصفة فيعطيه ويأمره بالانصراف إلى أن انقضى الناس، فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئًا من الصدقة، قالوا: لا، فقال: تفكروا وتأملوا، فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئًا وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج، فانشرح صدره وقال: عليّ بهما؛ فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهما بقوله «أنجدني أنقذني من هذين»، فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب جئنا حاجين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصدقاني، فصمما على ذلك، فقال: أين منزلهما فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة فأمسكهما وحضر إلى منزلهما فرأى فيه مالاً كثيرًا وختمتين وكتبًا في الرقائق ولم ير فيه شيئًا غير ذلك فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير وقالوا: إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة وزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيارة البقيع كل يوم بكرة وزيارة قباء كل سبت ولا يردان سائلاً قط بحيث سدَّا خلة أهل المدينة في هذا العام المجدب، فقال السلطان: سبحان الله، ولم يظهر شيئًا مما رآه، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه فرفع حصيرًا في البيت فرأى سردابًا محفورًا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة فارتاعت الناس لذلك، وقال السلطان عند ذلك: أصدقاني حالكما، وضربهما ضربًا شديدًا فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بأموال عظيمة وأمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيلته لهم أنفسهم وتوهموا أن يمكنهم الله منه وهو الوصول إلى الجناب الشريف ويفعلوا به ما زينه لهم إبليس في النقل وما يترتب عليه فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة وفعلا ما تقدم وصارا يحفران ليلاً ولكل منهما محفظة جلد على زي المغاربة، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته ويخرجان لإظهار زيارة البقيع فيلقيانه بين القبور وأقاما على ذلك مدة فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت وحصل رجيف عظيم بحيث خيّل انقلاع تلك الجبال فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة واتفق إمساكهما واعترافهما فلما اعترفا وظهر حالهما على يديه ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره بكى بكاءً شديدًا وأمر بضرب رقابهما فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة وهو مما يلي البقيع، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم وحفر خندقًا عظيمًا إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذيب ذلك الرصاص وملأ به الخندق فصار حول الحجرة الشريفة سورًا رصاصًا إلى الماء، ثم عاد إلى ملكه وأمر بإضعاف النصارى وأمر أن لا يستعمل كافر في عمل من الأعمال وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعها. انتهى.

توثيق فساد حال ابن تيمية وابن القيم بقلم المؤرخ ابن شاكر الكتبي تلميذ ابن تيمية


قال الكتبي في عيون التواريخ (ص/179)، مخطوط:
"وفي سادس شعبان قدم البريدي من الديار المصرية وعلى يده مرسوم سلطاني باعتقال الشيخ الإمام العلامة تقي الدين بن تيمية، فحضر ناصر الدين مشد الأوقاف والأمير بدر الدين ابن الخطيب الحاجب إلى عند الشيخ تقي الدين وأخبروه بصورة الحال، فقال في هذا خير كثير، وأحضروا له مركوبا، فركب معهم إلى قلعة دمشق فأخليت له دار يُجرى إليها الماء وكان من جملة المرسوم أن يكون معه ولد أو أخ أو خادم يخدمه وأن تُجرى عليهم كفايتهم، فاختار أخوه زين الدين عبد الرحمن المقام معه لخدمته. وكان السبب في ذلك أنه أفتى فتيا وذكر فيها: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد- الحديث المشهور -، وأن زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تشد إليها الرحال كقبر إبراهيم الخليل وقبر محمد النبي صلى الله عليه و سلم، واتّفق أن شمس الدين بن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف ورقي في الحرم على منبر وعظ، وفي أثناء وعظه ذكر هذه المسئلة وقال: ها أنا من ههنا أرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابلس وعمل له مجلس وعظ وذَكَرَ المسئلة بعينها حتى إنه قال: ولا يُزار قبر النبي صلى الله عليه و سلم إلا مسجده، فقاموا عليه الناس فحماه منهم والي البلد وكتبوا أهل القدس ونابلس إلى دمشق بصورة ما وقع من المذكور وما صدر منه، فطلبه القاضي المالكي فتودد وصعد إلى الصالحية إلى قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم، وتاب وأسلم على يده فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه، ولم يعزره لأجل الشيخ تقي الدين بن تيمية، فحينئذ قامت الفقهاء الشافعية والمالكية وكتبوا فتيا في الشيخ تقي الدين بن تيمية لكونه أول من تكلّم في هذه المسئلة فكتب عليها الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين نحو أربعين سطرا بأشياء كثيرة يقولها ويفتي بها، و ءاخر القول أفتي بتكفيره، ووافقه شهاب الدين ابن جهبل الشافعي وكتب تحت خطه كذلك الصدر المالكي وغيرهم، وحفلت الفتيا إلى نائب السلطنة فأراد أن يعقد لهم مجلسا ويجمع الفقهاء والعلماء فرأى أن الأمر يتسع الكلام فيه، ولا بد من إعلام السلطان فأخذ الفتيا وجعلها في المطالعة وسيّرها إلى السلطان فجمع لها القضاة ولم يحضر المالكي فإنه كان مريضا، فلما قرئت عليهم أخذها قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة فقال: القائل بهذه المقالة ضال مضل مبتدع ووافقه الحنفي والحنبلي، فقال السلطان لقاضي القضاة بدر الدين: ما ترى في أمره، فقال: يُحبس، وقال السلطان وكذا كان في نفسي أن أفعل به، وكتب الكتاب إلى دمشق بما يعتمده نائب السلطنة وقرءوه على السدة قرأه بدر الدين بن الأعزازي الموقع وبلّغه ابن النجيبي المؤذن، ومضمونه بعد البسملة أدام الله نعمته نوضح لعلمه الكريم وزود مكانته التي جهزها بسبب ابن تيمية فوقفنا عليها وعلمنا مضمونها من أمر المذكور وإقدامه على الفتوى بعد تكرار المراسيم الشريفة بمنعه حسب ما حكـم به القضاة وأكابر العلماء، وعقدنا لهذا السبب مجلسا بين أيدينا ورسمنا بقراءة الفتيا على القضاة والعلماء فذكروا جميعا أن الذي أفتى به ابن تيمية في ذلك خطأ ومردود عليه، وحكموا بزجره وحبسه وطول سجنه ومنعه من الفتيا مطلقا، وكتبوا خطوطهم بذلك بين أيدينا على ظاهر الفتيا المجهز بنسخة ما كتبه ابن تيمية، وقد جهزناه إلى الجناب العالي طي هذه المكاتبة ليقف على ما كتب فيه القضاة الأربعة ويتقدم باعتقال المذكور في قلعة دمشق المحروسة، ومنعه من الفتيا مطلقا، ومنع الناس من الاجتماع به والتردد إليه ويُرتب له كل يوم ما يقوم بكفايته وينزل عنده من يختار لخدمته مثل قرابة ولد أو أخ أو من يجري مجراهم فيحيط علمه بهذا الأمر ويكون اعتماده بحسب ما حكم به الأئمة العلماء في السجن المذكور وطول حبسه، فانه كل وقت يحدث للناس شيئا منكرا يشغل خواطرهم به ومنع ذلك وسد الذريعة منه أولى فليكن عمله على هذا الحكم ويتقدم أمره فيه، وإذا اعتمد الجناب العالي هذا الاعتماد الذي رسمنا به في أمر ابن تيمية فيتقدم بمنع من يسلك مسالكه ويفتي بهذه الفتاوي ويعمل بها في أمر الطلاق أو هذه الفتيا المستجدة. وإذا اطلع على أحد عمل بذلك أو أفتى به فيعتبر حاله، فإن كان من مشايخ العلماء فيُعزر تعزير مثله وان كان من الشباب المنتسبين الذين يقصدون الظهور أيضا كما يقصده ابن تيمية فيؤدبهم ويردعهم ويعتمد في أموره ما تحسم به مواد أمثالهم ليستقيم أحوال الناس ويمشي على السداد، ولا يعود أحد يتجاسر على الإفتاء بما يخالف الإجماع ويبتدع في دين الله تعالى من أنواع الاقتراح ما لم يسبقه إليه أحد، فالجناب العالي يراعي هذه الأمور التي عرفناها فإن بها تسد الذرائع فيها أولى من الرخصة فيه. وقد عجلنا لهذا الجواب وبقية فصوله مكاتبته الواردة صحبته تصل بعد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وكتب في سابع عشري رجب الفرد سنة ست وعشرين وسبعمائة صورة المنقول بخط القضاة الأربعة بالقاهرة المحروسة على ظهر الفتيا:

الحمد لله، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال من قوله إن زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، وما ذكره من نحو ذلك وانه لا يرخص في السفر لزيارة الأنبياء فهو باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء الكبار أن زيارة النبي صلى الله عليه و سلم فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه المقالة والفتاوي الغريبة ويُحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ليتحفظ الناس عن الاقتداء به، كتب محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي وكذلك يقول محمد بن الحريري الأنصاري الحنفي لكن يحبس الآن جزما مطلقا كتب المذكور، كذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي، كذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي إن ثبت عليه ذلك فيبالغ في زجره حسبما تندفع هذه المفسدة وغيرها من المفاسد.

ولمّا كان يوم الجمعة رابع عشري شعبان قعد قاضي القضاة جلال الدين بعد الصلاة بالمدرسة العادلية وأحضر جماعة من جماعة الشيخ تقي الدين بن تيمية كانوا معتقلين في حبس الشرع فادعي على عماد الدين بن كثير صهر المزي أنه قال إن التوراة والإنجيل ما بدّلت وإنها بحالها كما أنزلت وشهدوا عليه وثبت ذلك في وجهه فعزر بالدّرّة في المجلس وأخرج وطيف به ونودي عليه هذا جزاء من قال إن التوراة والإنجيل ما بُدّلت وبعد ذلك أطلقوه، وأحضر عبد الله الإسكندري وادعي عليه أنه قال عن مؤذني الجامع هؤلاء كفروا وانهم كفار بسبب أنهم يقولون في المنارة ألا يا رسول الله أنت وسيلتي وشئ ءاخر من هذا الجنس فذكر أنه أعترف بذلك وغيره عند قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم، وأسلم على يده وقبل توبته وحقن دمه وأبقى عليه جهاته وزوجته، فسيروا إلى الحنبلي يسألونه عن ذلك وأحضر بعد ذلك الصلاح الكتبي الداراني وادعي عليه أنه قال لا فرق بين حجارة طهارة جيرون وحجارة صخرة بيت المقدس فأنكر ذلك فقامت عليه البينة، وأحضر ابن قيم الجوزية الذي عمل الفتنة من أصلها وادعي عليه بما قال في المجلسين اللذين عملهما بالقدس الشريف ونابلس فأنكر ذلك وكان قد سافر جماعة من أهل دمشق كلهم فقهاء وعدول من جملتهم مُدَرّس الطرخانية وحضروا مجلس نابلس فشهدوا عليه بما قال وثبت ذلك فعزره قاضي القضاة عبد الله الإسكندري على حمار غير مقلوب ومعه صلاح الداراني وشخص ءاخر كان قد أساء الأدب عند دار الحديث وقال: كل من قال عن الشيخ تقي الدين شىء فهو كذب وأريد أن أضربه بمداتي فشهدوا عليه وضربوهم جميعا بالدرة في قفيهم، وبعد ذلك أعيدوا إلى الحبس فلما كان يوم الثلاثاء ءاخر النهار حضروا المالكية وأخذوا ابن قيم الجوزية إلى حبسهم وأحضروه يوم الأربعاء إلى قاضي القضاة شرف الدين المالكي وادعوا عليه فما كان له جواب إلا أن قال إن قاضي القضاة الحنبلي حكم بحقن دمي وتوبتي، فأعيد إلى الحبس وتركوه إلى حيث يحضر الحنبلي إلى البلد وسألوه كيف كان الحكم وسُيّر الحنبلي وغيره إلى قاضي القضاة جلال الدين يشفعون في المذكور أن لا يكون الحكم إلا عنده، فأحضره في سابع وعشري الشهر وعزروه عنده في العادلية بالدّرّة وأُركب حمارا وطيف به البلد وراحوا به إلى الصالحية، و ءاخر النهار ردوه إلى الحبس وأعلموا نائب السلطنة بما فعلوه فسيّر مشد الأوقاف تسلم المذكور من قاضي القضاة جلال الدين وصعد به إلى القلعة وحبسه بها مقيدا وأطلقوا الباقي وسكنت الفتنة". اهـ.

استتابة ابن تيمية (مكتوبة بخط يده)

استُتيب ابن تيمية مرات كثيرة وهو ينقض مواثيقه وعهوده في كل مرة حتى حُبِس بفتوى من القضاة الأربعة الذين أحدهم شافعي والآخر مالكي، والآخر حنفي والآخر حنبلي وحكموا عليه بأنه ضال يجب التحذير منه كما قال ابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ وهو من تلامذة ابن تيمية وسيأتي، وأصدر الملك محمد بن قلاوون منشورا ليقرأ على المنابر في مصر وفي الشام للتحذير منه ومن أتباعه.
وهذه صورة استتابته منقولة من نسخة بخط يده كما هي مسجلة في كتاب نجم المهتدي وعليها توقيع العلماء ونصها: 
"الحمد الله، الذي أعتقده أن في القرءان معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وليس هو حالا في مخلوق أصلا ولا ورق ولا حبر ولا غير ذلك، والذي أعتقده في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [سورة طه: 5] أنه على ما قال الجماعة الحاضرون وليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلم ذلك إلا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه لا أعرف كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله، وليس على حقيقته وظاهره كما قال الجماعة الحاضرون، وكل ما يخالف هذا الاعتقاد فهو باطل، وكل ما في خطي أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل، وكل ما في ذلك مما فيه إضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله إليه فأنا بريء منه فقد تبرأت منه وتائب إلى الله من كل ما يخالفه. كتبه أحمد بن تيمية، وذلك يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة.
وكل ما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار فى ذلك غير مكره. كتبه أحمد بن تيمية حسبنا الله ونعم الوكيل".
وبأعلى ذلك بخط قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ما صورته: اعترف عندي بكل ما كتبه بخطه في التاريخ المذكور. كتبه محمد بن إبراهيم الشافعي، وبحاشية الخط: اعترف بكل ما كتب بخطه، كتبه عبد الغني بن محمد الحنبلي.
وبآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات هذه صورتها:
كتب المذكور بخطه أعلاه بحضوري واعترف بمضمونه، كتبه أحمد بن الرفعة.
صورة خط ءاخر: أقرّ بذلك، كتبه عبد العزيز النمراوي.
صورة خط ءاخر: أقرّ بذلك كله بتاريخه، علي بن محمد بن خطاب الباجي الشافعي.
صورة خط ءاخر: جرى ذلك بحضوري في تاريخه، كتبه الحسن بن أحمد بن محمد الحسيني.
وبالحاشية أيضا ما مثاله: كتب المذكور أعلاه بخطه واعترف به، كتبه عبد الله بن جماعة.
مثال خط ءاخر: أقرّ بذلك وكتبه بحضوري محمد بن عثمان البوريجبي " اهـ.
وكل هؤلاء من كبار أهل العلم في ذلك العصر، وابن الرفعة وحده له "المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي " في أربعين مجلدا.

وقد ذكر هذه الاستتابة الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الدرر الكامنة" فقال:
"فأخرج في ربيع الأول في الثالث وعشرين منه وأحضر إلى القلعة ووقع البحث مع بعض الفقهاء فكتب عليه محضر بأنه قال أنا أشعري ثم وجد خطه بما نصه الذي اعتقد أن القرآن معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت وأن قوله {الرحمن على العرش استوى} ليس على ظاهره ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلمه إلا الله والقول في النزول كالقول في الاستواء وكتبه أحمد بن تيمية ثم أشهدوا عليه أنه تاب مما ينافي ذلك مختارا وذلك في خامس عشرى ربيع الأول سنة 707 وشهد عليه بذلك جمع جم من العلماء وغيرهم وسكن الحال"

شذوذ ابن تيمية في الأصول والفروع

أورد كثيرا من هذه المسائل الحافظ أبو سعيد العلائي شيخ الحافظ العراقي، نقل ذلك المحدَّث الحافظ المؤرخ شمس الدين بن طولون في ذخائر القصر، قال ما نصه: "ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول والفروع، فمنها ما خالف فيها الإجماع، ومنها ما خالف فيها الراجح من المذاهب، فمن ذلك: يمين الطلاق، قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة، ودام إفتاؤه بذلك زمانا طويلآ وعظم الخطب، ووقع في تقليده جمّ غفير من العوام وعمّ البلاء. وأنَّ طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته، وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين في هذه المسألة على خلاف ذلك وأنَّ من خالفه فقد كفر، ثم إنه أفتى بخلافه و أوقع خلقا كثيرا من الناس فيه. و أنَّ الحائض تطوف في البيت من غير كفارة وهو مباح لها. وأنَّ المكوس حلال لمن أقطعها، وإذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وان لم تكن باسم الزكاة ولا على رسمها. وأنَّ المائعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها فيها وأن الصلاة إذا تركت عمدا لا يشرع قضاؤها. وأنَّ الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد، وقد رأيت من يفعل ذلك ممن قلَّده فمنعته منه. وسئل عن رجل قدّم فراشا لأمير فتجنب بالليل في السفر، ويخاف إن اغتسل عند الفجر أن يتهمه أستاذه بغلمانه فأفتاه بصلاة الصبح بالتيمم وهو قادر على الغسل. وسئل عن شرط الواقف فقال: غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية وعلى الفقهاء يصرف إلى الصوفية وبالعكس، وكان يفعل هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام، ولا يحضر درسا على اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيه ميعادا يوم الثلاثاء ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس. وسئل عن جواز بيع أمهات الأولاد فرجحه وأفتى به.

ومن المسائل المنفرد بها في الأصول مسألة الحسن والقبح التي يقول بها المعتزلة، فقال بها ونصرها وصنف فيها وجعلها دين الله بل ألزم كل ما يبنى عليه كالموازنة في الأعمال.

وأما مقالاته في أصول الدين فمنها قوله: إنَّ الله سبحانه محل الحوادث، تعالى الله عما يقول علوا كبيرا. وانه مركب مفتقر إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء. وان القرءان مُحدَث في ذاته تعالى. و أنَّ العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائما، فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار، سبحانه ما أحلَمَه. ومنها قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مرد ود.

وصرَّح في بعض تصانيفه بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر، تعالى الله عن ذلك، وصنّفَ جزءا في أنَّ علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم أهل الجنة، وأنه لا يحيط بالمتناهي، وهي التي زلق فيها بعضهم، ومنها أنَّ الأنبياء غير معصومين، وأنَّ نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا، وصنف في ذلك عدة أوراق. وأنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه و سلم معصية لا يقصر فيها الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل بها أحد من المسلمين قبله. وأنَّ عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد حكاه بعض الفقهاء عن تصانيفه. ومن أفراده أيضا أنَّ التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلها، وله فيه مصنف، هذا ءاخر ما رأيت، وأستغفر الله من كتابة مثل هذا فضلآ عن اعتقاده ". ا.هـ.

مرسوم ابن قلاوون في ابن تيمية


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تنزّه عن الشبيه والنظير وتعالى عن المثل فقال عز وجل: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ءاية 11 [سورة الشورى]، أحمده على أن ألهمنا العمل بالسُّنة والكتاب، ورفع في أيامنا أصباب الشك والارتياب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير، وينزّه خالقة عن التحيز في جهة لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ءاية 4 [سورة الحديد]، وأشهد أنَّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نهج سبيل النجاة لمن سلك سبيل مرضاته، وأمر بالتفكّر في ءالاء الله ونهى عن التفكر في ذاته، صلى الله عليه وعلى ءاله وأصحابه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيّد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع.

وبعد، فان العقائد الشرعية وقواعد الإسلام المرعية وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية، هي الأساس الذي يبنى عليه [والمَوئِلُ]23 الذي يرجع كل أحد إليه، والطريق التي من سلكها فقد فاز فوزا عظيما، ومن حاد عنها فقد استوجب عذابا أليما، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها، وتُصان عقائد الملة عن الاختلاف، وتزان قواعد الأئمة بالائتلاف، وتخمد ثوائر البدع، ويفرّق من فِرَقِها ما اجتمع.

وكان ابن تيمية في هذه المدة قد بسط لسان قلمه، ومدَّ [بجهله] عنان كلمه، وتحدث في مسائل الذات والصفات، ونصَّ في كلامه [الفاسد] على أمور منكرات، وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما اجتنبه الأئمة الأعلام الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، وانعقد على خلافه إجماع العلماء والحكام، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام، وخالف في ذلك فقهاء عصره، وعلماء شامه ومصره، وبعث برسانله إلى كل مكان، وسمى فتاويه بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان.

ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه المريدون له من هذه المسالك الخبيثة وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه، حتى قيل إنهم صرحوا في حق الله سبحانه بالحرف والصوت [والتشبيه] و التجسيم قمنا في الله تعالى مشفقين من هذا النبا العظيم، وأنكرنا هذه البدعة، وعز علينا أن تشيع عمّن تضمه ممالكنا هذه السمعة. وكرهنا ما فاه به المبطلون، وتلونا قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ءاية 91 [سورة المؤمنون]، فإنه [سبحانه وتعالى] تنزه في ذاته وصفاته عن العديل والنظير: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ءاية 103 [سورة الأنعام]، فتقدمت مراسيمنا باستدعاء [ابن تيمية] المذكور إلى أبوابنا العالية عندما سارت فتاويه [الباطلة] في شامنا ومصرنا، وصرح فيها بألفاظ ما سمعها ذو لبّ إلا وتلا قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ﴾ ءاية 74 [سورة الكهف].

ولما وصل إلينا تقدمنا إلى أولي العقد والحل، وذوي التحقيق والنقل، وحضر قضاة الإسلام، وحكام الأنام، وعلماء الدين، وفقهاء المسلمين، وعقد له مجلس شرعي في ملأ وجمع من الأئمة، [ومن له دراية في مجال النظر ودفع] فثبت عندهم جميع ما نسب إليه، [بقول من يعتمد وبعول عليه]، وبمقتضى خط قلمه الدال على منكر معتقده، وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته الخبيثة منكرون، وءاخذوه بما شهد به قلمه تالين: ﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ ءاية 19 [سورة الزخرف]، ونقل إلينا انه كان استتيب مرارا فيما تقدم، وأخره الشرع الشريف لما تعرّض لذلك وأقدم، ثم عاد بعد منعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه.

وصح ذلك في مجلس الحاكم العزيز المالكي حكم الشرع الشريف أن يسجن هذا المذكور وأن يمنع من التصرف والظهور، ويكتب مرسومنا هذا بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن [التشبيه في] اعتقاد مثل ذلك، أو يعود له في هذا القول متبعا، أو لهذه الألفاظ مستمعا، أو يسري في التشبيه مسراه، أو أن يفوه بجهة العلو بما فاه، أو أن يتحدث أحد بحرف أو صوت، أو يفوه بذلك إلى الموت، أو يتفوه بتجسيم، أو ينطق بلفظ في ذلك غير مستقيم، أو خرج عن رأي الأئمة، أو ينفرد به عن علماء الأمة، أو يُحَيَّز الله سبحانه وتعالى في جهة أو يتعرّض إلى حيث وكيف، فليس لمعتقد هذا إلا السيف.

فليقف كل واحد عند هذا الحد، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وليلزم كل من الحنابلة بالرجوع عن هذه العقيدة، والخروج عن الشبهات الزائغة الشديدة، ولزوم ما أمر الله تعالى به من التمسك بمذاهب أهل الإيمان الحميدة، فانَّه من خرج عن أمر الله فقد ضلّ سواء السبيل، ومثل هذا ليس له إلا التنكيل، والسجن الطويل مستقره ومقيله وبئس المقيل.

[وقد رسمنا بأن ينادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية، وتلك الجهات الدانية و القاصية بالنهي الشديد والتخويف والتهديد لمن اتبع ابن تيمية في هذا الأمر الذي أوضحناه، ومن تابعه تركناه في مثل مكانه وأحللناه، ووضعناه من عيون الأمة كما وضعناه] ومن أصرَّ على الامتناع وأبى إلا الدفاع، أمرنا بإسقاطهم من [مدارسهم] ومناصبهم، ووضعهم من مراتبهم مع إهانتهم، وأن لا يكون لهم في بلادنا قضاء ولا حكم ولا ولاية ولا تدريس ولا شهادة ولا إمامة بل ولا مرتبة ولا إقامة، فإنَّا أزلنا دعوة هذا الرجل من البلاد، وأبطلنا هذه العقيدة التي أضل بها كثيرا من العباد أو كاد [بل كم أضل بها من خلق وعاثوا بها في الأرض الفساد، ولتثبت المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك وتسير المحاضر بعد إثباتها على قضاة المالكية]، وقد أعذرنا وحذرنا وأنصفنا حيث أنذرنا، وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أبلغ واعظ وزاجر، وأعدل ناه وءامر إن شاء الله تعالى. والحمد لله وحده وصلواته على نبينا محمد وءاله وصحبه وسلم. والاعتماد على الخط الشريف أعلاه. وكتب ثامن عشري شهر رمضان سنة خمس و سبعمائة. ا هـ.

هل الله تعالى في السماء بذاته العلية سبحانه؟

كل ما علاك فهو سماء، لذلك فإن مكان السحاب سماء: (وأنزل من السماء ماءً)، (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يرسل السماء عليكم مدرارا)، والسماء الدنيا سماء: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح)، وفوله: (وفي السماء رزقكم ما توعدون).
هذا كل محمول على المجاز لأن المجاز هو أن تصرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى معنى آخر لقرينة مانعة. فعندما تقول محمد أسد، فإنه ليس بأسد لكنك تقصد أنه شجاع. والقرينة المانعة في أن ذات الله تبارك وتعالى ليست في السماء:
1. الزمان والمكان مخلوقة، والله منزه عن الزمان والمكان. فأين كان قبل أن يخلق الزمان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شىءٌ غيره) رواه البخاري والبيهقي.
قال الحافظ في فتح الباري: (فمعتقد سلف الأئمة وعلماء السُّنّة من الـخَلَف، أنّ اللهَ منزّهٌ عن الحركة والتحوّل والحلول، ليس كمثله شىءٌ)
2. لتعارض ذلك مع قوله تبارك وتعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) أتطوى سماء فيها ذات الله تبارك وتعالى؟
3. ولتعارض ذلك مع قوله: (والسموات مطويات بيمينه) فكيف يكون فيها وهي مطويات بيمينه؟
4. ولتعارض ذلك مع قوله تعالى: (وهو الله في السموات وفي الأرض) كيف يكون في السموات ويكون في الأرض بذاته؟
5. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) كيف يكون في السماء إله بذاته وفي الأرض إله بذاته؟
6. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والاصال) وقوله: (تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفورا) وقوله: (سبح لله ما في السماوات وما في الارض) فهل فهل يسجد الله لله يسبح الله لله، لا نقول يسبح الله ذاته، بل يسبح لله الله؟
7. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) فالله الذي برزوا له تنزه عن السموات والأرض.
8. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (ان كل من في السماوات والارض الا اتي الرحمن عبدا) فهل يأتِ الله عبدًا لله؟
9. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا).
10. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الارض الا من شاء الله وكل اتوه داخرين) أيفزع الرحمن؟
11. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) أيشفقن منها وفيها الحق سبحانه؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
12. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون) أيصعق الله تبارك وتعالى؟
13. لتعارض ذلك مع قوله تعالى: (فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) وقوله: (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) وقوله: (يوم تكون السماء كالمهل)، وقوله: (واذا السماء كشطت) وقوله: (اذا السماء انفطرت) وقوله: (اذا السماء انشقت).
14. لتعارض ذلك صراحة مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شىءٌ، وأنت الباطن فليس دونَك شىءٌ) رواه مسلم.

مما تقدم نفهم أن العلو والقرب والمعية في حق الله تبارك وتعالى هي معان مجازية للتفهيم، وليست معانٍ حقيقية للذات العلية. والسبب في ذلك أن البشر لا يستغنون عن الجهة فهم ليسوا منزهون عن المكان، بل خلقوا داخل المكان. هل الإنسان يستغني عن الطعام؟ هل يستغني عن الشراب؟ هل يستغني عن التنفس؟ لا، كذلك فإنه لا يستغني عن الجهة لأنه جبل على ذلك وخلق على ذلك. نحن الآن نصلي على الكعبة هل نعبدها من دون الله؟ لا ولكنها قبلة نتوجه بها إلى الله لكن الله تبارك وتعالى ليس في الكعبة. كذلك السموات والعرش والملأ الأعلى، قبلة للأعمال والدعاء وجهة نتوجه إليها عندما نريد أن نسأل الله تبارك وتعالى، ومنها تأتينا رحمة الله تبارك وتعالى، لكن الله ليس هناك بدليل كل ما تقدم من قرائن.

وعلى هذا النحو نفهم كل النصوص التي تتناول السماء والعلو والإرتفاع، والتي تتناول القرب أيضًا كقول الحق سبحانه: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) فليس ذلك قرب مكاني، وإلا لقلنا إن الله في الأرض، لكنه قرب قهر وملك وقدرة. وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. من يفهم هذا الحديث بالظاهر يفهم أن الله في الأرض لأننا نسجد على الأرض، لكن المعنى يؤول عن الظاهر إلى معنى آخر لأنه مجاز.

قال الشوكاني:
(من ربه) أي من رحمة ربه وفضله.

(ثم استوى على العرش) قال الطبرى في تفسيره: (علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال)
(وهو العلي العظيم) قال الطبري: (والعلي: ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته.)
وفي مسألة النزول قال ابن حجر: (أي ينزل أمره ورحمته أو ملائكته وهذا تأويل الإمام مالك وغيره ويدل له الحديث الصحيح: "أن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا ينادي فيقول هل من داع فيستجاب له")

لذلك فإنه من الخلل الكبير أن حمل نصوص القرءان الكريم ونصوص السنة المطهرة منفردة وعلى ظاهرها، لأن ذلك يكون تناقضًا تعالى كتاب الله وسنته عن ذلك: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيها اختلافًا كثيرًا)


ومنها قوله تعالى: (ورافعك إلي) فيها وجوه، منها أنه رفعه إلى السماء الثانية. ومنها أنه أضافه إليه إضافة تعظيم وتبجيل كقوله تبارك وتعالى: بيت الله، وناقة الله، ليس إلى مكان حيث يوجد سبحانه وتعالى، لأن الله تبارك وتعالى لا يوصف بالمكان. والأصل في هذا: أن الخاص إذا أضيف إلى اللَّه فإنما يراد به تعظيم ذلك الخاص، وهي من جنس قوله تبارك وتعالى: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ). 

هل يعلم رسول الله ﷺ الغيب؟

هل يعلم رسول الله ﷺ الغيب؟

الغيب غيبان:
1/ غيب مطلق لا يعلمه إلا الله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [النمل: 65]
فالله عز وجل هو عالم الغيب والشهادة، العليم الحكيم، وحده لا شريك له.

2/ غيب مقيد، وهو الغيب الذي يطلع الله تبارك وتعالى عليه من شاء من عباده كالآجال لملك الموت، والغيث لميكائيل، والأرزاق وكون الجنين شقي وسعيد لملك الأرحام، وكثير من الأمور الغيبية التي يظهر الله تبارك وتعالى عليها الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين وحتى غير الصالحين.
قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة: 255]
وقال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [سورة الجن 26- 27]
وفي دعاء النبي ﷺ: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك" أخرجه أحمد وابن حبان وصححه

طرق معرفة الغيب:
1/ الوحي بواسطة الملائكة وزعيمهم جبريل عليهم السلام:
ويكون ذلك للأنبياء والرسل وللأولياء الله الصالحين.
أما بالنسبة للأنبياء والرسل فكما في قوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) [الشعراء: 193-194]
وأما بالنسبة للصالحين فكما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 43]

2/ وحي الإلهام، ويكون للأنبياء والرسل ولأولياء الله الصالحين.
أما للأنبياء والرسل فمعلوم، وأما لأولياء الله الصالحون فكما في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 7]

فأم موسى عليه السلام ليست نبياً ولا رسولًا، وإنما أحد أولياء الله الصالحين، فأوحى الله إليها وحي إلهام أن ولدها سيكون من المرسلين.

3/ الرؤيا الصالحة:
وتكون للأنبياء والرسل، ولأولياء الله الصالحين، ويجوز أن تقع لعامة الناس حتى من غير الصالحين.
أما في حق الأنبياء والرسل فكقوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) [الفتح: 28]
وقوله تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف: 4]

أما في حق أولياء الله الصالحين فكما في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "رأيت رؤيا لا أراها إلا لحضور أجلي، رأيت كأن ديكًا أحمر نقرني على مقعد إزاري ثلاث نقرات، فقصصتها على أسماء بنت عميس -زوجه- فقالت: يقتلك رجل من العجم" فخطب الناس يوم الجمعة وأصيب يوم الأربعاء.

وأما أنها يجوز أن تقع لعامة الناس حتى من غير الصالحين فكما في رؤيا عزيز مصر أنه رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فكان غيبًا لأربعة عشر سنة قادمة.

4/ بما شاء الله تبارك وتعالى من الطرق والوسائل، عند إشارة قوله تعالى: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق: 5] وقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: 282]

هل رسول الله ﷺ يعلم الغيب؟
معلوم أن كل نبي ما سمي نبيا إلا إنه ينبأ من الله تعالى بأمور غيبية، والنبوة ميزة غير مكتسبة فهي تأتي بالميلاد وهي بمحض الفضل من الله تعالى والاختصاص لا يُحصل عليها بالإجتهاد.

فلذلك من حيث المبدأ فإن كل نبي لابد وأن الله تعالى قد أظهره على غيب وعلمه من علوم الغيب، قال تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام:
(قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)
[يوسف: 37]


ورسول الله ﷺ هو سيد الأنبياء والرسل وإمامهم، كيف لا يكون قد أظهره الله تعالى على علم الغيب؟
قال تعالى:
(ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)
[آل عمران: 44]

وقال تعالى:
(ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)
[يوسف: 102]

وقال تعالى:
(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)
[هود: 49]

هذا من كتاب الله عز وجل، ثم لننظر في السنة المطهرة والتي هي بيان لكتاب الله تبارك وتعالى، من الذي اخبر الأمة بأهوال القيامة والحشر والحساب وأحوال أهل الجنة وأهل النار؟

وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: «أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة»
وفي صحيح مسلم أيضًا عنه رضي الله  قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه»
رواه البخاري في صحيحه من طريق سيدنا عمر رضي الله عنه قال: (قام فينا النبي ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه)

فهل ترك شيئا لم يخبر به ﷺ؟

ألم يخبر بالفتن إلى يوم القيامة؟ حتى فتنة الوهابية الخوارج التي بين أيدينا اليوم فقال عن نجد: "فيها الزلازل والفتن وفيها يخرج قرن الشيطان؟"

من الذي وصف حوض الكوثر ووصف وارديه ومطروديه من الخوارج؟

وأخرج أبو داود عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا؟ والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاث مئة فصاعدًا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته"

ألم يخبر الزهراء رضي الله عنها أنه مقبوض ومنتقل إلى الرفيق الأعلى فبكت وبشرها أنها رضي الله عنها أنها أول اللاحقين به فضحكت؟

عندما صعد جبل أحد فارتج، ألم يبشر سيدنا عثمان وسيدنا عمر رضي الله عنهما بأنهما شهيدان؟

ألم يقل لسيدنا عمار رضي الله عنه ستقتلك الفئة الباغية؟

ألم يقل للسيدة عائشة رضوان الله عليها أنها تنبحها كلاب الحوءب؟

ألم يقل لزوجاته رضوان الله عليهن: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا"، فكانت أمنا زينب بنت جحش رضي الله عنه أولهن لحوقًا به لطول يدها بالصدقة؟

ألم ينظر إلى ذراعي سراقة وقال: كأني بك قد لبست سواري كسرى؟ وكان أن حصل ذلك في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه؟

وغير هذا كثير، فكل سنته ﷺ نبوءات.

أما الاعتراض بأن الله تعالى قال:
(وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) [الأعراف: 188]

وبقوله ﷺ: (أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غد إلا الله)

فمردود بالكلية، لأن نصوص الكتاب والسنة لا تتضارب ولا تتناقض، وإنما يتوهم ذلك من ابتلي بسوء الفهم الناتج عن النظرة الجزئية للنصوص الدينية.

أما قوله تعالى على لسانه ﷺ: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)
فإنها شرط وجواب، أما الشرط فقوله تعالى: (لو كنت أعلم الغيب) وجوابه (لاستكثرت من الخير وما مسني السوء)، وتُفهم هذه الآية ومثيلاتها بالبحث في النتائج والنظر في تحقق الشرط، هل استكثر من الخير؟ وهل مسه السوء؟

وهي شبيهة بقوله تعالى:  (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) [الحاقة: 44-46]، أي لو افترى علينا لبطشنا به، فهل بطش الله بنبيه ﷺ؟ طبعًا لا، فدل ذلك على أنه لم يتقول ولم يفترِ، وكيف يتقوَّل وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وبنفس هذه القاعدة، قاعدة النظر في النتائج ننظر هل استكثر من الخير؟  وهل مسه السوء؟ فإذا ثبت أنه أستكثر من الخير وما مسه السوء كان ذلك دليلًا على أن الله تبارك وتعالى قد أطلعه على الغيب.

أما استكثاره من الخير، فعن أي خير نتحدث؟ عن خير الدنيا؟
فقد أوتي مفاتيح خزائن الأرض، روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ خرج يومًا، فصلى على أهل أُحُدٍ صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: «إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»

أم عن استكثار خير الآخرة؟
فيكفي أنه صاحب المقام المحمود ولواء الحمد والشفاعة الكبرى وأنه سيد ولد آدم وسيد الخلق أجمعين وحبيب رب العالمين.

ويغنيك عن كل هذا قوله تعالى:
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: 5]

وعصمة الله تعالى له وفضله العظيم عليه في قوله تعالى:
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء: 113]

أما أنه مسَّه السوء، فما هو السوء؟
السوء هو المنكر ومخالفة أوامر الله تعالى وما يترتب على ذلك من السخط والعذاب، قال تعالى:
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)
[النساء: 17]

وقال تعالى:(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123]

وإنما بعث الله تعالى الرسل وأمر الصالحين أن ينهوا عن عمل السوء فقال تعالى:

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)
[اﻷعراف: 165]

والأنبياء والرسل معصومون عن صغائر الذنوب فضلا عن السوء، قال تعالى:

(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
[يوسف: 24]

وقال تعالى:
(وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
[الزمر: 61]

فإذا كان الذين [اتقوا] ينجيهم الله تعالى ويحفظهم من أن يمسسهم السوء، فكيف بإمام المتقين وسيد الأولين والآخرين ﷺ؟

والسوء هو ليس البلاء أو الضراء أو الشدة، لأنها كلها خير، حيث قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له» أخرجه مسلم

وقال رسول الله ﷺ: «قاربوا، وسددوا، وأبشروا، فإن كل ما أصاب المسلم كفارة له حتى الشوكة يشاكها أو النكبة ينكبها» رواه مسلم

وقال رسول الله ﷺ: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» أخرجه أحمد والبخاري والنسائي

أما قوله ﷺ في الحديث: «أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غد إلا الله» أخرجه أبو داود وابن ماجة والطبراني في الصغير والأوسط

فإنه من باب التعليم والتربية، ولا تعارض بينه وبين ما تقدم من معنى، فإن عالم الغيب هو الله تعالى، ولا يعلم ما في غدٍ حقيقة إلا الله، وهو سبحانه يعلم من يشاء من عباده ويظهر على غيبه من يشاء كما تقدم.

والسنة المطهرة مليئة بشاكلة هذا الحديث الذي يجرد الحقائق لترسيخ معنى أصيل في الدين، وهو كحديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"

فإن النبي ﷺ كان يعلم الغلام حقيقة السؤال والاستعانة والنفع والضر وسائر الأقدار، لكنه لم يمنعه الأخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى، ولذلك فإن الحديث لا يعارض قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) [البقرة: 45] والصبر والصلاة مخلوقة، ولا يناقض كذلك قول النبي ﷺ لربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت آتي رسول الله ﷺ بوضوئه وبحاجته، فقال: «سلني»، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك»، قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» أخرجه أحمد ومسلم وأبوداود والنسائي

وهو أيضًا كحديث: (السيد هو الله) حيث كانت السيادة في مفهومهم هي سيادة الجاهلية التي تعظم الكبراء والزعماء والملوك وسادة القبائل، أما بعد أن نزل الوحي وفقهوا الإسلام ورسخت مفاهيمه صح عنه انه قال: (أنا سيد الناس) وقال: (أنا سيد ولد آدم) وقال: (قوموا إلى سيدكم) يعني سعدًا بن معاذ رضي الله عنه.
تم بحمد الله تعالى

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

رسالة النصيحة الذهبية للذهبي

بسم الله الرحمن الرحيم
في ثبوت الرسالة:
إن هذه الرسالة ثابتة عن الذهبي الذي كان تلميذًا لابن تيمية، ولا عبرة بقول من أنكر ثبوتها بحجة أنها مناقضة لعبارات أخرى وردت في كتب الذهبي في ترجمة ابن تيمية وفيها الثناء الكبير عليه، وبحجة أن النسخة الخطية من هذه الرسالة بخط ابن قاضي شهبة وهو خصم مُلِدٌّ لابن تيمية وشهادة الخصم على خصمه مردودة شرعًا، وأن الحافظ السخاوي شافعي المذهب وله كلام بخس في حق ابن تيمية.

 نقول: لا مانع أن يثنى على شخص معين في بادىء الأمر اعتمادًا على تحسين الظن ثم بعدما يتبين له حاله يقدحه ويذمه، وهذا أمر مشاهد ومعروف، ومن أراد فليراجع كتب التواريخ والطبقات.
 ومما يؤكد لنا من أن الذهبي أثنى عليه أول الأمر ثم لما انكشف له حاله أرسل له هذه الرسالة على وجه النصيحة كلام الذهبي نفسه في رسالته "بيان زغل العلم والطلب" فقد قال ما نصه: "فوالله ما رمقت عيني أوسع علمًا ولا أقوى ذكاء من رجل يقال له ابن تيمية مع الزهد في المأكل والملبس والنساء، ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن، وقد تعبت في وزنه وفتشه حتى مللت في سنين متطاولة، فما وجدت أَخَّرَهُ بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذبوه وكفَّروه إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار، فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور، نسأل الله المسامحة، فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم منه ولا أزهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وءاثام أصدقائهم، وما سلَّطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم بل بذنوبه، وما دفع الله عنه وعن أتباعه أكثر، وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقّون، فلا تكن في ريب من ذلك". اهـ.
يقول الحافظ السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ" ما نصه: "وقد رأيت له (أي للذهبي) عقيدة مجيدة ورسالة كتبها لابن تيمية هي لدفع نسبته لمزيد تعصبه مفيدة" اهـ، ثم ساق ما قدمناه.
 وقال الذهبي في موضع ءاخر من رسالته "بيان زغل العلم والطلب" ما نصّه: "فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وءاراء الأوائل ومحارات العقول، واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسُّنّة وأصول السلف، ولفقت بين العقل والنقل، فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيتَ ما ءال أمره إليه من الحطّ عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحقّ وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوَّرًا مضيئًا على مُحَيَّاه سِيْمَا السلف، ثم صار مظلمًا مكسوفًا عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجّالاً أفّاكًا كافرًا عند أعدائه، ومبتدعًا فاضلاً محقّقًا بارعًا عند طوائف من عقلاء الفضلاء". اهـ.
 فتبيّن أن الذهبي ذمّه لأنه خاض بالفلسفة والكلام المذموم أي كلام المبتدعة في العقيدة كالمعتزلة والمشبّهة، وهذا القدح في ابن تيمية من الذهبي يضعف الثناء الذي أثنى عليه في تذكرة الحفّاظ بقوله: "ما رأت عيناي مثله وكأن السُّنّة نصب عينيه".
 ومن جملة ما يقوله الذهبي في حق ابن تيمية ما نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنةعنه ونصه: "وأنا (أي الذهبي) لا أعتقد فيه عصمة بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية" اهـ.
 وكان في جملة المثنين عليه التاج الفزاري المعروف بالفركاح وابنه البرهان والجلال القزويني والكمال الزملكاني ومحمَّد بن الحريري الأنصاري والعلاء القونوي وغيرهم، لكن ثناء هؤلاء غرّ ابن تيمية ولم ينتبه إلى الباعث على ثنائهم، فبدأ يذيع بدعًا بين حين وءاخر، وأهل العلم يتسامحون معه في الأوائل باعتبار أن تلك الكلمات ربما تكون فلتات لا ينطوي هو عليها، لكن خاب ظنهم وعلموا أنه فاتن بالمعنى الصحيح، فتخلَّوا عنه واحدًا إثر واحد على توالي فتنه.
 أما الادعاء الثاني وهو أن النسخة الخطية من هذه الرسالة بخط ابن قاضي شهبة وهو خصم مُلِدٌّ لابن تيمية فهو كلام مردود فإن ابن قاضي شهبة لم يفتر على ابن تيمية ولم يلفق له أقوالا إنما طعن فيه لما ثبت له من زيغه وفساد عقيدته، ومن راجع كتب ابن تيمية وجد فيها ذلك.
 ثم إن ابن قاضي شهبة لم ينفرد بالطعن بابن تيمية فقد سبقه العديد من العلماء والفقهاء والمحدثين والحفاظ من المذاهب الأربعة المعاصرين له وتبعهم على ذلك خلق كثير، وأمره كما قال الحافظ الفقيه المجتهد تقي الدين السبكي :"وحبس بإجماع العلماء وولاة الأمور".
 أما الادعاء الثالث وهو أن الحافظ السخاوي شافعي المذهب وله كلام بخس في حق ابن تيمية، فلا يستغرب صدور مثل هذا الكلام الساقط ممن يدعو إلى نبذ المذاهب الأربعة، لكن من طمس الله عينيه بالتعصب الأعمى وأعمى قلبه بالجهل فلا هادي له.
إن هذه النسخة مصورة عن نسخة خطية محفوظة في دار الكتب المصرية  ـ القاهرة ـ تحت رقم /18823 ب، وهي مكتوبة بخط الفقيه ابن قاضي شهبة، نقلًا عن خط قاضي القضاة برهان الدين المعروف بابن جماعة، عن خط الحافظ أبي سعيد العلائي المنسوخ عن خط الذهبي نفسه.
هو الفقيه المؤرخ أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الدمشقي الشافعي المعروف بابن قاضي شهبة، ولد بدمشق سنة 779هـ، وأخذ عن جماعة كالسراج البلقيني وابن حجى والغزي وغيرهم، وتصدَّى للإفتاء والتدريس، وحدَّث ببلده وبيت المقدس وسمع منه الفضلاء، وناب في القضاء بدمشق، توفي بها سنة 851هـ.
 له من الآثار: طبقات الفقهاء الشافعية، ذيل على تاريخ الإسلام للذهبي، تفسير القرءان الكريم، طبقات النحاة واللغويين، شرح منهاج الطالبين للنووي في فروع الفقه الشافعي، وغيرها.
هو قاضي القضاة المفسر برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن سعد الله بن جماعة، ولد بمصر سنة 725هـ، وسمع على أبيه وعمه ومن شيوخ مصر كيحيى بن المصري ويوسف الدلاصي والميدومي ومن في طبقتهم، ورحل إلى الشام فلازم المزي والذهبي وأكثر عنهما، وانتهت إليه رئاسة العلماء في زمانه، تولى القضاء بمصر ثم تولى قضاء الشام فباشره إلى أن مات سنة 790هـ. وترجمه الذهبي في المعجم المختص فقال فيه: "الفقيه المحدث المفيد أحد من طلب وعني بتحصيل الأجزاء وقرأ وتميَّز"، جمع تفسيرًا في نحو عشر مجلدات. هوالحافظ الفقيه الأصولي أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي الشافعي، ولد بدمشق سنة 694هـ، أخذ عن خلق كثير بلغ عددهم بالسماع سبعمائة شيخ جمعهم في فهرس شيوخه، تولى تدريس الحديث بالمدرسة الناصرية ودار الحديث والمدرسة الأسدية وغيرها من المدارس في دمشق والقدس. سمع الحديث بالشام ومصر والحجاز وأفتى وجمع وصنف، توفي بالقدس سنة 761هـ. له الكثير من المصنفات تزيد على الثلاثين في الحديث وغيره.
 فيتبين بهذا صحة نسبة هذه الرسالة عن طريق العلماء الثقات للذهبي.
 ونلفت النظر إلى أنه يوجد نسخة خطية أخرى من هذه الرسالة محفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم/1347.
ومما يؤكد أن الذهبي كان يحمل في نفسه على ابن تيمية ما سيأتي ذكره في النصيحة ما أورده الحافظ ابن حجر عنه في الدرر الكامنة قال:
"وأنا لا أعتقد فيه عصمة بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية فإنه كان مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشرا من البشر تعتريه حدة في البحث وغضب وشظف للخصم تزرع له عداوة في النفوس وإلا لو لاطف خصومه لكان كلمة إجماع فإن كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بشنوفه مقرون بندور خطائه"

وروى ابن حجر في الدرر الكامنة عن الطوفي قال: سمعته -يعني ابن تيمية- يقول: "من سألني مستفيدا حققت له ومن سألني متعنتا ناقضته فلا يلبث أن ينقطع فأكفي مؤنته" وهذا دليل على ميله للجدل.
ثم واصل قائلًا:
"وكان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس كأن هذه العلوم بين عينيه فأخذ منها ما يشاء ويذر ومن ثم نسب أصحابه إلى الغلو فيه واقتضى له ذلك العجب بنفسه حتى زها على أبناء جنسه واستشعر أنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم قويهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شيء فبلغ الشيخ إبراهيم الرقي فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر وقال في حق علي أخطأ في سبعة عشر شيئا ثم خالف فيها نص الكتاب منها اعتداد المتوفي عنها زوجها أطول الأجلين وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتى أنه سب الغزالي فقام عليه قوم كادوا يقتلونه ولما قدم غازان بجيوش التتر إلى الشام خرج إليه وكلمه بكلام قوي فهم بقتله ثم نجا واشتهر أمره من يومئذ"

نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله على ذلتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي، واحفظ عليَّ إيماني، واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات، ءاه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس.
 طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتَبًّا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"، بلى أعرفُ إنك تقول لي لتنصُرَ نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو جهاد، بلى والله عرفوا خيرًا مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئًا كثيرًا مما لا يعنيهم و: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
 يا رجل بالله عليك كفَّ عنَّا فإنك مِحجاجٌ عليم اللسان لا تقرّ ولا تنام، إياكم والأغلوطات في الدين، كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"، وكثرة الكلام بغير دليل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام فكيف إذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبشُ دقائق الكفريات الفلسفية لنردَّ عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعتَ سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يُدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن. واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر، وخشية بتذكر، وصمت بتفكر، واهًا لمجلس يُذكرُ فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، لا عند ذكر الصالحين يُذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخَيتَهما، بالله خلُّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسًا من الضلال قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفّر فهو أكفر من فرعون، وتعد النصارى مثلنا، والله في القلوب شكوك إن سَلِمَ لكَ إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد.
يا خيبة من اتبعك فإنه مُعَرَّضٌ للزندقة والانحلال، ولا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليًّا شهوانيًّا لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيدٌ مربوط خفيف العقل، أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل.
 يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصدقها وتزدري بالأبرار، إلى كم تعظمها وتصغر العباد، إلى متى تُخاللها وتمقت الزهاد، إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين، يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تُغيرُ عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار.
 أما ءان لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب، أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل. بلى والله ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تُصغي إلى وعظي بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول لكَ: والبتة سكتت.
 فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحبُّ الواد، فكيف يكون حالك عند أعدائك، وأعداؤك والله فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر.
 قد رضيتُ منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرًّا :"رحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي"، فإني كثير العيوب غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، ووافضيحتي من علاّم الغيوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى ءاله وصحبه أجمعين. انتهى.

كتاب زغل العلم والطلب للذهبي

والزغل هو: الشئ المغشوش أو المعيب، وتقول هذا الشيء خالٍ من الزغل، أي خال من الغش والعيب.
موضوع الكتاب: أبدى فيه الذهبي رأيه في علوم عصره ومن يزاولونها، وقدم لهم نصائح في ذلك.

نسخ الكتب:
مخطوطة بمكتبة الأحقاف للمخطوطات بتريم.

نسبة الكتاب إلى الذهبي:
لأنه أحد تلاميذ ابن تيمية وقد حط من قدره في هذا الكتاب وقال مثلاً:
" فوالله ما رمقت عيني أوسع علمًا ولا أقوى ذكاءً من رجل يقال له ابن تيمية مع الزهد في المأكل والملبس والنساء، ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن، وقد تعبتُ في وزنه وفتَّشتُه حتى مللتُ في سنين متطاولة، فما وجدت قد أخرَّه بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذَّبوه وكفَّروه، إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار. فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور، نسأل الله تعالى المسامحة فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه، ولا أعلم منه، ولا أزهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم، وما سلطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم بل بذنوبه، وما دفعه الله عنه وعن أتباعه أكثر وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون، فلا تكن في ريب من ذلك."

وأيضًا قال:
" فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومجازات العقول واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة وأصول السلف ولفقت بين العقل والنقل فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقربها، وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحطِّ عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورًا مضيئًا على محياه سيما السلف، ثم صار مظلما مكسوفًا، عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجالاً أفاكاً كافراً عند أعدائه، ومبتدعًا فاضلا محققًا بارعًا عند طوائف من عقلاء الفضلاء، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيي السنة عند عوام أصحابه هو ما أقول لك."
فقد شكك الوهابية في نسبة هذا الكتاب للذهبي، وهذا مردود لعدة وجوه:
1. المخطوطات المتوفرة، أكثر من سبعة مخطوطات كمخطوطة مكتبة الأحقاف بتريم.
2. ذكره الحافظ ابن حجر في [انباء الغمر - (ج 1 / ص 168-169 هندية)] في ترجمة [عبدالله بن خليل] فقال: " قد بالغ الذهبي في الثناء عليه في كتابه بيان زغل العلم"
3. ذكره السخاوي في [الإعلان والتوبيخ].
4. ذكره الزركلي في [الأعلام] من ضمن التصانيف عندما ترجم للذهبي.

وقد كتب الذهبي هذا الكتاب بعد أن سئم من ابن تيمية فقال:
(وقد تعبتُ في وزنه وفتَّشتُه حتى مللتُ في سنين متطاولة، فما وجدت قد أخرَّه بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذَّبوه وكفَّروه، إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار.)

إلى نص الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم 
وبه نستعين والحمد لله رب العالمين 
اعلم أن في كل طائفة من علماء هذه الأمة ما يذم ويعاب فتجنبه 

علم القراءة والتجويد:
فالقراء المجودة فيهم تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارئ يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف والتنطع في تجويدها بحيث يشغله ذلك عن تدبر معاني كتاب الله تعالى ويصرفه عن الخشوع في التلاوة لله ويخليه قوي النفس مزدريا بحفاظ كتاب الله تعالى فينظر إليهم بعين المقت وأن المسلمين يلحنون وبأن القراء لا يحفظون إلا شواذ القراءة.
فليت شعري أنت ماذا عرفت وما علمك؟ وأما عملك فغير صالح وأما تلاوتك فثقيلة عريّة عن الخشية والحزن والخوف، فالله يوفقك ويبصرك رشدك ويوقظك من رقدة الجهل والرياء. وضدهم قراء النغم والتمطيط وهؤلاء في الجملة من قرأ منهم بقلب وخوف قد ينتفع به في الجملة فقد رأيت من يقرأ صحيحاً ويطرب ويبكي، نعم ورأيت من إذا قرأ قسى القلوب وأبرم النفوس وبدل كلام الله تعالى. 
وأسوأهم حالاً الجنائزية والقراء بالروايات وبالجمع فأبعد شيء عن الخشوع وأقدم شيء على التلاوة بما يخرج عن القصد وشعارهم في تكثير وجوه حمزة وتغليظ تلك اللامات وترقيق الراءات، اقرأ يا رجل واعفنا من التغليظ والترقيق وفرط الإمالة والمدود ووقوف حمزة فإلى كم هذا؟
وآخر منهم إن حضر في ختمه أو تلا في محراب جعل ديدنه إحضار غرائب الوجوه والسكت والتهوع بالتسهيل وأتى بكل خلاف ونادى على نفسه أنا أبو فلان فاعرفوني فإني عارف بالسبع، إيش يُعمل بك لا صبحك الله بخير؟ إنك حجر منجنيق ورصاص على الأفئدة .

علم الحديث:

والمحدثون فغالبهم لا يفقهون، ولاهمة لهم في معرفة الحديث ولا في التدين به، بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة، إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الأجزاء والرواة، لا يتأدبون بآداب الحديث ولا يستفيقون من سكرة السماع، الآن يسمع الجزء ونفسه تحدثه متى يرويه أبعد الخمسين سنة؟ ويحك ما أطول أملك وأسوأ عملك، معذور سفيان الثوري إذ يقول فيما رواه أحمد بن يوسف التغلبي ثنا خالد بن خداش ثنا حماد بن زيد قال: قال سفيان الثوري رحمه الله: (لو كان الحديث خيرًا لذهب كما ذهب الخير) 
صدق والله وأي خير في حديث مخلوط صحيحه بواهيه، وأنت لا تفلِّيه ولا تبحث عن ناقليه ولا تدين الله به. أما اليوم في زماننا فما يفيد المحدث الطلب والسماع، مقصود الحديث من التدين به، بل فائدة السماع ليروي فهذا والله لغير الله. خطابي معك يا محدث لا مع من يسمع ولا يعقل ولا يحافظ على الصلوات ولا يجتنب الفواحش ولا قرش الحشائش ولا يحسن أن يصدق فيها، فيا هذا لا تكن محرومًا مثلي فأنا نحس أبغض المناحيس.
وطالب الحديث اليوم ينبغي له أن ينسخ أولا (الجمع بين الصحيحين) و(أحكام عبد الحق) و(الضياء) ويدمن النظر فيهم، ويكثر من تحصيل تواليف البيهقي فإنها نافعة، ولا أقل من مختصر كـ(الإلمام) ودرسه. فإيش السماع على جهلة المشيخة الذين ينامون، والصبيان يلعبون، والشبيبة يتحدثون ويمزحون، وكثير منهم ينعسون ويكابرون، والقارئ يصحِّف وإتقانه في تكثير أو كما قال، والرضع يتصاعقون؟ بالله خلونا فقد بقينا ضحكة لأولي المعقولات يطنزون بنا هؤلاء هم أهل الحديث؟
نعم ماذا يضر ولو لم يبق إلا تكرار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لكان خيرًا من تلك الأقاويل التي تضاد الدين وتطرد الإيمان واليقين وتردي في أسفل السافلين. لكنك معذور فما شممت للإسلام رائحة ولا رأيت أهل الحديث، فأوائلهم كان لهم شيخ عالي الإسناد بينه وبين الله واحد معصوم عن معصوم سيد البشر عن جبريل عن الله عز وجل. فطلبه مثل أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي هريرة الحافظ وابن عباس وسادة الناس الذين طالت أعمارهم وعلا سندهم وانتصبوا للرواية الرفيعة، فحمل عنهم مثل مسروق وابن المسيب والحسن البصري والشعبي وعروة وأشباهم من أصحاب الحديث وأرباب الرواية والدراية والصدق والعبادة والإتقان والزهادة. الذين من طلبتهم مثل الزهري وقتادة والأعمش وابن جحادة وأيوب وابن عون، وأولئك السادة الذين أخذ عنهم الأوزاعي والثوري ومعمر والحمادان وزائدة ومالك والليث وخلق سواهم من اشياخ ابن المبارك ويحيى القطان وابن مهدي ويحيى بن آدم والشافعي والقعنبي، وعدة من أعلام الحديث الذين خلفهم مثل أحمد بن حنبل وإسحاق وابن المديني ويحيى بن معين وأبي خثيمة وابن نمير وأبي كريب وبندار، وما يليهم من مشيخة البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن نصر وصالح جزرة وابن خزيمة، وخلائق ممن كان في الزمن الواحد منهم ألوف من الحفاظ ونقلة العلم الشريف.
ثم تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثة ولم يزل ينقص إلى اليوم، فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدثين على قلتهم نظير صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم، وكم من رجل مشهور بالفقه والرأي في الزمن القديم أفضل في الحديث من المتأخرين، وكم من رجل من متكلمي القدماء أعرف بالأثر من سنية زماننا، فما أدركنا من أصحاب الحديث إلا طائفة كقاضي ديار مصر وعالمها تقي الدين بن دقيق العيد والحافظ الحجة شرف الدين الدمياطي والحافظ جمال الدين بن الظاهري والشيخ شهاب الدين بن فرح ونحوهم، وأدركنا من عكر الطلبة شهاب الدين ابن الدقوقي ونجم الدين ابن الخباز والشيخ عبد الحافظ. ونحمد الله في الوقت أناس يفهمون هذا الشأن ويعتنون بالأثر كالمزي وابن تيمية والبرزالي وابن سيد الناس وقطب الدين الحلبي وتقي الدين السبكي والقاضي شمس الدين الحنبلي وابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وصلاح الدين العلائي وفخر الدين بن الفخر وأمين الدين بن الواني وابن إمام الصالح ومحب الدين المقدسي وسيدي عبد الله بن خليل، وجماعة سواهم فيهم العكر والغثاء الله يستر، والمرء مع من أحب، والسعيد من نهض وأهب وعلى الطاعة أكب والله الموفق والهادي .

المالكية:
الفقهاء المالكية على خير واتباع وفضل إن سلم قضاتهم ومفتوهم من التسرع في الدماء والتكفير، فإن الحاكم والمفتي يتعين عليه أن يراقب الله تعالى ويتأنى في الحكم بالتقليد ولا سيما في إراقة الدماء، فالله ما أوجب عليهم تقليد إمامهم فلهم أن يأخذوا منه ويتركوا، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر).

فيا هذا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك لم أبحت دم فلان فما حجتك؟ إن قلت قلدت إمامي يقول لك فأنا أوجبت عليك تقليد إمامك؟ ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول ما يقضى بين الناس في الدماء) وفي الحديث: (لايزال المرء في فسحة من دينه ما لم يتند بدم حرام). نعم من رأيته زنديقًا عدوًا لله فاتق الله وأرق دمه ابتغاء وجه الله بعد أن تستفتي قلبك وتستخير الله فيه.

الحنفية:
الفقهاء الحنفية أولو التدقيق والرأي والذكاء والخير من مثلهم إن سلموا من التحيل والحيل على الربا وإبطال الزكاة ونقر الصلاة والعمل بالمسائل التي يسمعون النصوص النبوية بخلافها، فيا رجل دع ما يريبك إلى ما لا يريبك واحتط لدينك ولا يكن همك الحكم بمذهبك، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، فإذا عملت بمذهبك في المياه والطهارة والوتر والأضحية فأنت أنت، وإن كانت همتك في طلب الفقه الجدال والمراء والإنتصار لمذهبك على كل حال وتحصيل المدارس والعلو فماذا فقهًا أخروياً، بل ذا فقه الدنيا، فما ظنك تقول غدًا بين يدي الله تعالى؟ تعلمت العلم لوجهك وعلمته فيك؟ فاحذر أن تغلط وتقولها فيقول لك: كذبت إنما تعلمت ليقال عالم وقد قيل، ثم يؤمر بك مسحوبًا إلى النار كما رواه مسلم في الصحيح.
فلا تعتقد أن مذهبك أفضل المذاهب وأحبها إلى الله تعالى، فإنك لا دليل لك على ذلك، ولا لمخالفك أيضا بل الأئمة رضي الله عنهم على خير كثير ولهم في صوابهم أجران على كل مسألة وفي خطئهم أجر على كل مسألة.

الشافعية:
الفقهاء الشافعية أكيس الناس وأعلم من غيرهم بالدين، فأُسُّ مذهبهم مبني على اتباع الأحاديث المتصلة، وإمامهم من رؤوس أصحاب الحديث ومناقبه جمة، فإن حصلت يا فلان مذهبه لتدين الله به وتدفع عن نفسك الجهل فأنت بخير، وإن كانت همتك كهمة إخوانك من الفقهاء البطَّالين الذين قصدهم المناصب والمدارس والدنيا والرفاهية والثياب الفاخرة فماذا بركة العلم؟ ولا هذه نية خالصة بل ذا بيع للعلم بحسن عبارة وتعجل للأجر وتحمل للوزر وغفلة عن الله. 
فلو كنت ذا صنعة لكنت بخير، تأكل من كسب يمينك وعرق جبينك وتزدري نفسك ولا تتكبر بالعلم، أو كنت ذا تجارة لكنت تشبه علماء السلف الذين ما أبصروا المدارس ولا سمعوا بالجهات، وهربوا لما للقضاء طلبوا، وتعبدوا بعلمهم وبذلوه للناس، ورضوا بثوب خام وبكسرة كما كان من قريب الإمام أبو إسحاق صاحب (التنبيه)، وكما كان بالأمس الشيخ محيي الدين صاحب (المنهاج)، وكما ترى اليوم سيدي عبد الله بن خليل. وعلى كل تقدير احذر المراء في البحث وإن كنت محقاً، ولا تنازع في مسألة لا تعتقدها، واحذر التكبر والعجب بعملك، فيا سعادتك إن نجوت منه كفافًا لا عليك ولا لك، فوالله ما رمقت عيني أوسع علمًا ولا أقوى ذكاءً من رجل يقال له ابن تيمية مع الزهد في المأكل والملبس والنساء، ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن، وقد تعبتُ في وزنه وفتَّشتُه حتى مللتُ في سنين متطاولة، فما وجدت قد أخرَّه بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذَّبوه وكفَّروه، إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار. فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور، نسأل الله تعالى المسامحة فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه، ولا أعلم منه، ولا أزهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم، وما سلطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم بل بذنوبه، وما دفعه الله عنه وعن أتباعه أكثر وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون، فلا تكن في ريب من ذلك.

الحنابلة:
وأما الحنابلة فعندهم علوم نافعة وفيهم دين في الجملة ولهم قلة حظ في الدنيا، والجهال يتكلمون في عقيدتهم ويرمونهم بالتجسيم وبأنه يلزمهم وهم بريئون من ذلك إلا ا لنادر والله يغفر لهم.

علم النحو:
النحويون لا بأس بهم، وعلمهم حسن محتاج إليه لكن النحوي إذا أمعن في العربية وعري عن علم الكتاب والسنة بقي فارغًا بطالاً لعاباً، ولا يسأله الله والحالة هذه عن علمه في الآخرة بل هو كصنعة من الصنائع، كالطب والحساب والهندسة لا يثاب عليها ولا يعاقب إذا لم يتكبر على الناس ولا يتحامق عليهم واتقى الله تعالى وتواضع وصان نفسه.

علم اللغة:
اللغويون قد عدموا في زماننا، فتجد الفقيه لا يدري لغة الفقه والمقرئ لا يدري لغة القرآن والمحدث لا يعتني بلغة الحديث، فهذا تفريط وجهل وينبغي الاعتناء بلغة الكتاب والسنة ليفهم الخطاب.

علم التفسير:
المفسرون: قل من يعتني اليوم بالتفسير، بل يطالع المدرسون تفسير الفخر الرازي وفيه إشكالات وتشكيكات لا ينبغي سماعها، فإنها تحير وتمرض وتردي ولا تشفي عليلاً نسأل الله العافية، وأقوال السلف في التفسير مليحة لكنها ثلاثة أقوال وأربعة أقوال فصاعدًا، فيضيع الحق بين ذلك فإن الحق لا يكون في جهتين وربما احتمل اللفظ معنيين.

علم أصول الفقه:
الأصوليون: أصول الفقه لا حاجة لك به يا مقلد ويا من يزعم أن الاجتهاد قد انقطع وما بقي مجتهد ولا فائدة في أصول الفقه إلا أن يصير محصله مجتهداً به، فإذا عرفه ولم يفك تقليد إمامه لم يصنع شيئًا، بل أتعب نفسه وركب على نفسه الحجة في مسائل، وإن كان يقرأ لتحصيل الوظائف وليقال فهذا من الوبال وهو ضرب من الخبال.

علم أصول الدين:
أصول الدين هو اسم عظيم وهو منطبق على حفظ الكتاب والسنة فهما أصول دين الاسلام ليس إلا، وأما العرف في هذا الاسم فهو مختلف باختلاف النِّحَل، فأصول دين السلف الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته وبصفاته وبالقدر وبأن القرآن المنزل كلام الله تعالى غير مخلوق والترضي عن كل الصحابة إلى غير ذلك من أصول السنة. وأصول دين الخلف هو ما صنفوا فيه وبنوه على العقل، والمنطق فما كان السلف يحطون على سالكه ويبدعونه، وبينهم اختلاف شديد في مسائل مزمنة تركها من حسن إسلام العبد فإنه يورث أمراضًا في القلوب، ومن لم يصدقني يجرب، فإن الأصولية بينهم السيف يكفر هذا هذا ويضلل هذا هذا، فالأصولي الواقف مع الظواهر والآثار عند خصومه يجعلونه مجسمًا وحشوياً ومبتدعًا، والأصولي الذي طرد التأويل عند الآخرين جهمياً ومعتزلياً وضالاً، والأصولي الذي أثبت بعض الصفات ونفى بعضها وتأوَّل في أماكن يقولون متناقضًا، والسلامة والعافية أولى بك. فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومجازات العقول واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة وأصول السلف ولفقت بين العقل والنقل فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقربها، وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحطِّ عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورًا مضيئًا على محياه سيما السلف، ثم صار مظلما مكسوفًا، عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجالاً أفاكاً كافراً عند أعدائه، ومبتدعًا فاضلا محققًا بارعًا عند طوائف من عقلاء الفضلاء، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيي السنة عند عوام أصحابه هو ما أقول لك.
علم المنطق:
والمنطق نفعه قليل وضرره وبيل، وما هو من علوم الاسلام، والحق منه فكامنٌ في النفوس الزكية بعبارات غريبة، والباطل فاهرب منه فإنك تنقطع مع خصمك وتعرف أنك المحق، وتقطع خصمك وتعرف أنك على الخطأ، فهي عبارات دهَّاشة ومقدمات دكَّاكة نسأل الله السلامة. وإن قرأته للفرجة لا للحجة، وللدنيا لا للآخرة فقد عذبت الحيوان وضيعت الزمان والله المستعان، وأما الثواب فأيِّس منه ولا تأمن العقاب إلا بمثاب.
علم الحكمة:
والحكمة الفلسفية الإلهية ما ينظر فيها من يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوح نجاحه، فإن هذا العلم في شق وما جاءت به الرسل في شق ولكن ضلال من لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة شر ممن يدري، واغوثاه بالله إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا ولحقتهم كسفة، فما الظن بالمردود عليهم وما دواء هذه العلوم وعلمائها والعاملين بها علمًا وعقدًا إلا الحريق والإعدام من الوجود، إذ الدين ما زال كاملا حتى عُرِّبت هذه الكتب ونظر فيها المسلمون فلو أُعدِمت لكان فتحًا مبينًا. 
والحكمة الرياضية فيها حق من طبائع هندسية وحساب ونحو ذلك، وفيها أباطيل وتنجيم وما أشبه، فباطلها يؤذي المرء في دينه ويضلله، وحقها صنعة وإتقان وتحرير مما لا أجر فيه ولا وزر، والحكمة الطبيعية لا بأس بها لكنها ليست من علوم الدين ولا مما يتقرب به إلى الله، ولا من زاد المعاد بل هي صنعة بلا ثواب ولا عقاب إذا كان صاحبها سليم الاعتقاد عادلا خيراً كما رأينا جماعة منهم وقد يثاب الرجل على تعليمها بالنية إن شاء الله تعالى.

علم الفرائض:
الفرضيون داخلون في الفقهاء، إذ هو كتاب من كتب الفقه وهو علم مليح والإمعان فيه يفوِّت الوقت والتوسط في ذلك جيد، فكم من مسألة في الفرائض ما وقعت ولا تقع أبدًا.

علم الإنشاء:
الإنشاء فن أبناء الدنيا ليس من علم الآخرة في شيء، والكامل فيه محتاج إلى مشاركة قوية في العلوم الإسلامية ويريد عقلاً تاماً ورزانة، وسرعة منهم وقوة تخيل، وبصراً باللغة والنحو وخبرة بالمعاني والبيان والسير وأيام الناس وفنون الأدب وحسن كتابة، ولكن ليكن رأس مال المنشىء تقوى الله ومراقبته فربما وضع لفظة تعجبه يهوي بها إلى النار وهو لا يدري، وربما أبدع في سطر ترتب عليه خراب مصر وربما أعان على تعلمه على سفك الدماء الحرام.
فانظر أين أنت يا بليغ، قد ذم نبيك البلاغة فقال: (إن من البيان لسحرا) وقال العي من الإيمان، فكمل براعة البلاغة بإرضاء ربك الأعلى وبنصح رب الأمر فهنا كمال البلاغة إن كنت من المتقين، وإن تعذر ذلك فدينك مامنه عِوَض، فمن اتقى الله كفاه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله سلط الله عليه من أرضاه وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.
علم الشعر:
الشعر هو من فنون المنشىء وهو كلام فحسنه حسن وهو قليل، وقبيحه قبيح وهو الأغلب، وبيت ماله الكذب والإسراف في المدح والهجو والتشبيه والنعوت والحماسة وأملحه أكذبه، فإن كان الشاعر بليغًا مفوَّهًا مقدامًا على الكذب في لهجته مصرَّاً على الاكتساب بالشعر، رقيق الدين فقد قرأ مقت الشعراء في سورة الشعراء. 
ويندر على الشعراء المجوِّدين من يتصون من الهجو، وربما أدى الأمر بالشاعر إلى التجاوز إلى الكفر نسأل الله العفو، والشاعر المحسن كحسَّان والمقتصد كابن المبارك والظالم كالمتنبي والسفيه الفاجر كابن الحجاج والكافر كذوي الإتحاد فاختر لنفسك أي وادٍ تسلك.

علم الحساب:
الحساب وشرع الديوان هذا من علوم القبط والفرس ليس من علوم الإسلام، وهو صنعة ومعيشة ينال بها الرجل السعادة والدنيا، وكلما كان أمهر كان أسرق، ومن اتقى الله فيها وكتب لقضاة العدل وباشر الأيتام والصدقات ومال الأوقاف والمدارس ولزم الأمانة واتقى فيه فهذا محمود ومأجور بنيته، فقد رأينا جماعة يسيرة على نحو ذلك، نعم ورأينا ذئابًا عليهم الثياب، وفاسق الكتبة إليه المنتهى في السرق وعاقبة أمرهم وبيلة من الضرب والمصادرة والفقر.

علم الشروط:
الشروط علم حسن شرعي من برع فيه ولزم العدالة والورع عاش حميدًا ومات فقيدًا، ومن عاش فيه بالحِيَل والمكر والدهاء فلا بد له من خزي في الدنيا ومقت في الأخرى وإن تسوَّد هذا (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) [النساء: 77]

علم الوعظ:
الوعظ فن بذاته يحتاج إلى مشاركة جيدة في العلم، ويستدعي معرفة حسنة بالتفسير وإكثارًا من حكايات الفقراء والزهاد، وعدته التقوى والزهادة، فإذا رأيت الواعظ راغبًا في الدنيا قليل الدين فاعلم أن وعظه لا يتجاوز الأسماع، وكم من واعظ مفوَّهٍ قد أبكى وأثر في الحاضرين تلك الساعة ثم قاموا كما قعدوا، ومتى كان الواعظ مثل الحسين والشيخ عبد القادر الجيلاني رحمهما الله تعالى انتفع به الناس.