الأحد، 16 يوليو 2017

نظرية المؤامرة

عبارة "نظرية المؤامرة" هي في نفسها جزء من المؤامرة لأنها تعرِّض بمن يتقصى نشاط العدو، وتظهره كأنه شخص موهوم بشيء لا وجود له إلا في ذهنه!
عجبًا، هل كل الناس أخيار ليس فيهم شرير؟ بل إن أكثرهم ليس على هدى، كما قال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)

أليس هنالك مصالح وموارد وثروات ومكانة تصطرع عليها الدول والمجتمعات والأفراد؟
هل نعيش في الجنة؟ أو في المدينة الفاضلة؟

إذا فما هي المؤامرة؟ هي المكر السيء، وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع، كما قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وقال تعالى: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، وقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
فهذه الآيات تثبت المؤامرة وإن كان الأمر أهون من أن يدلل عليه بالقرءان الكريم، فإنه مما يفهم بداهة.

فائدة:
المكر بمعنى الاحتيال والخداع لا يليق برب العزة عز وجل كما في قوله تعالى: (ويمكر الله والله خير الماكرين)، وقوله تعالى: (ومكر الله والله خير الماكرين)، وهو مجاز، فمكر الله هو أن يعاملهم بعدله لا برحمته وعفوه، لكن الكلام جرى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، قال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم،  فسمي الجزاء باسم الابتداء، والعقوبة باسم الذنب، فهي من باب المجازاة وإتباع لفظ لفظا، وإن اختلف معنياهما وهذا كثير في كلام العرب، كما قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ××× فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يُفتخر به، وإنما قاله ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان مع المخالفة بينهما في المعنى. وهذا كثير في كلام الله عز وجل كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فالجزاء لا يكون سيئة، وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والقصاص لا يكون اعتداءًا لأنه حق وجب، وكذا قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا)، وقوله تعالى: (إنما نحن مستهزئون)، وقوله تعالى: (الله يستهزئ بهم)، وليس منه سبحانه هزء ولا كيد، إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم، وكذلك قوله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم)، وقوله تعالى: (فيسخرون منهم سخر الله منهم)، وقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)، وقوله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا)، كله مجاز فالله تبارك وتعالى منزه عن الخداع والسخرية والنسيان والملل والسأم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

الاثنين، 26 يونيو 2017

البدعة الحسنة سنة نبوية

الذي اجتمع عليه جمهور أهل العلم في الأمة أن البدعة بدعتان: بدعة هدى وهي ما وافقت تعاليم الإسلام وروحه ومقاصد شريعته، وبدعة ضلال وهي ما خالفت تعاليم الإسلام وروحه ومقاصد شريعته، وروي ذلك عن أكابر الفقهاء وحفاظ الحديث وشراح السنة وأهل القرءان من السلف والخلف، كالإمام الفقيه الشافعي، والإمام الحافظ الخطابي الشافعي، والإمام الحافظ ابن عبد البر المالكي، والإمام الحافظ ابن حزم الظاهري، والإمام الفقيه ابن عربي المالكي، والإمام الفقيه أبي حامد الغزالي الشافعي، والإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي، والإمام الحافظ ابن الأثير الشافعي، والإمام الفقيه العز بن عبد السلام الشافعي، والإمام الحافظ أبي شامة المقدسي الشافعي، والإمام الفقيه القرافي المالكي، والإمام الحافظ القرطبي المالكي، والإمام الحافظ النووي، والإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي، والإمام العلامة التفتزاني الحنفي، والإمام الحافظ البدر العيني الحنفي، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم خلق كثير بما في ذلك ابن تيمية الحراني في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"، لم يشذ عن ذلك الإجتماع سوى أبي اسحاق الشاطبي المالكي الأشعري المتوفى في أواخر القرن الثامن الهجري سنة 790 هجرية، ولا شك أن مخالفته للسلف ولهؤلاء الجهابذة من نقلة الشريعة وأعمدة العلم في الأمة وشذوذه عليهم يجعل رأيه غير ملتفت إليه.

والتحقيق أن البدعة الحسنة أو بدعة الهدى هي سنة نبوية وذلك من عدة وجوه:
1. السنة التقريرية، وهي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على أمور لم يفعلها أو يأمر بها، كتقبيل يده صلى الله عليه وسلم ورجله، والتبرك بماء وضوئه ونخامته الشريفة، والتمسح ببطنه الشريف، والرقية بالفاتحة من لدغة الحية والعقرب، ومداومة الصلاة بسورة الإخلاص.. إلخ. بل وكان يثني على بعضها ولا يكتفي صلى الله عليه وسلم بالإقرار، كثنائه على من قال في الصلاة: "حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" بعد قول "سمع الله لمن حمده". فلو كان كل أمر ديني جديد هو بدعة ضلالة لما أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على ما عملوه بدون سابق أمر منه لأنه لا يقر على ضلال أو باطل، والشاهد على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يقرهم على الشفاعة في أمر المخزومية التي سرقت، ولا في قتل المشرك الذي شهد الشهادتين، ولا في قبول عامل الخراج للهدية، وغير ذلك من الأمثلة. ولذا فإن ابتداع أمر يوافق أصول الإسلام هو في الحقيقة سنة أصَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته التقريرية.
2. قوله صلى الله عليه وسلم: (من سنَّ في [الإسلام] سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم سيء) [رواه مسلم]، والسنة هي ابتداع شيء لم يكن فيعمل به الناس ويسيرون عليه ويقتدون فيه بفاعله. وفي هذا الحديث الشريف بشر النبي صلى الله عليه وسلم فاعل البدعة الحسنة في الدين وأشار إليها بقوله (في الإسلام)، والتي يتابعه عليها الناس بالأجر والثواب الدائم، وسماها (سنة). ولذا فإن البدعة الحسنة هي إمتثال لتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في هذا الحديث وحضه على سن أمور طيبة يدعو إليها الإسلام ويؤصِّل لها.
3. قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) [أخرجه الترمذي وقال وصححه]، فجعل للخلفاء الراشدين سنة مستقلة تنسب إليهم، ولا شك أنها مما لم يفعله او يقله أو يقرره النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لكان ذلك سنته هو صلى الله عليه وسلم وليس سنة خلفائه رضي الله عنهم، فجعل صلى الله عليه وسلم إحداث خلفائه لأمور جديدة في الدين على الأصول الشرعية سنة.
4. سنة صلاة التراويح حيث جمع سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه الصحابة خلف إمام واحد طيلة أيام شهر رمضان، وهي سنة تنسب له رضي الله عنه وأرضاه ومع ذلك سماها بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الحق يجري على لسان عمر وقلبه.
5. الإجتهاد في الدين، فمن حكم وأصاب فله أجران، ومن حكم وأخطأ فله أجر واحد كما روي عن النبي صلى الله، ولا شك أنه لا اجتهاد مع نص، فدل ذلك على أن الاجتهاد هو ابتداع حكم شرعي غير مسبوق قياسًا على الأصول الشرعية، والاجتهاد في الدين سنة بلا شك فدل ذلك على أن البدعة الحسنة سنة.

وللبدع الحسنة أو بالمسمى الصحيح السنن الحسنة دواعٍ شرعية منها:
1. مرونة الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان لأنه الدين الختام. وبهذه السنن تتم الاستجابة للتحديات المعاصرة بالقياس على أصول الشريعة ومقاصدها، وكان من ذلك تصنيف العلوم الشرعية، وجمع القرءان، وتنقيط المصحف وتشكيله وبيان علامات التجويد فيه، وبناء المآذن في المساجد، وإحياء ذكرى المناسبات الإسلامية العظيمة كالمولد وليلة القدر وليلة النصف من شعبان وليلة الإسراء والمعراج والهجرة النبوية وغزوة بدر الكبرى، وإقامة المؤتمرات الإسلامية والأسابيع الدعوية، .. إلخ.
2. تشجيع أهل الهمم العالية على فتح أبواب الخير امتثالًا لقوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)

فإذا تبين أن البدعة الحسنة سنة فإن إطلاق لفظ بدعة بدون تقييد كما في بعض كتب السلف وأهل العلم فيقصد به البدعة الضلالة المخالفة للكتاب والسنة كالتبديع والتكفير ورمي المسلمين بالشرك وسفك دمائهم.

أما الاحتجاج بأن لفظة (كل بدعة ضلالة) لم تفرق بين الحسنة والمذمومة فمردود لأن جمهور أهل العلم أجابوا عن ذلك بشواهده بأنه من العام المخصوص. وأما الإحتجاج بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فمردود لأن البدعة الحسنة تكون على أصول الشريعة وبذلك فهي (منه) أي الإسلام ولا ينطبق عليها قوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه).

الخميس، 22 يونيو 2017

ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر على التحقيق


26 رمضان، ليلة القدر، الموافق ليلة السابع والعشرين من رمضان فلا تفوتك:
ليلة القدر ليلة عظيمة وكنز من كنوز هذه الأمة المكرومة، أنزل فيها القرءان جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، ثم نزل بعد ذلك مفرقًا على النبي ﷺ بعد البعثة. وهي ليلة مباركة من تعرَّض لها تعرَّض لبركات الله فيها، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)، ومن بركتها أن من قامها غُفر الله له ما تقدم من ذنبه، فيخرج من رمضان كيوم ولدته أمه، فقد قال رسول الله ﷺ: "من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر لله ما تقدم من ذنبه" [رواه البخاري]، ومن بركتها أن العمل الصالح في هذه الليلة الواحدة أفضل من العمل الصالح في ألف شهر، أي ما يعادل أكثر من 83 سنة، فقد قال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر).

وقد كانت خافية على الصحابة رضوان الله عليهم قبل الهجرة، لا يدرون أي ليلة هي ليلة القدر، فكانوا يتحرونها في كل ليالي السنة، وهذا كان تربية ودربة لهم على قيام الليل. وقضت حكمة العليم الحكيم عز وجل أن تتدرج الشريعة في كشف حقيقتها رويدًا رويدًا، فبعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، كشف الله للصحابة جزءًا من حقيقتها أنها في شهر رمضان، فقال تعالى في سورة البقرة وهي سورة مدينة: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان)، فكانوا يقومون الليل كل السنة لكن يزدادون حرصًا على تحريها في ليالي شهر رمضان. ثم أراد الله أن يكشف لهم مزيدًا من حقيقتها فقال لهم النبي ﷺ: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري ومسلم]، ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري]، ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (إلتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) [رواه البخاري ومسلم]، وفي رواية: (إلتمسوها في السبع الأواخر) [رواه البخاري ومسلم].

ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر على التحقيق:
ثم حدد النبي ﷺ لهم أنها ليلة السابع والعشرين، وذلك من باب التيسير على الأمة فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير عليل، يشق علي القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لِلَيْلَةِ القدر. قال: "عليك بالسابعة" [رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط البخاري]، وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي في ليلة القدر قال: "ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" [رواه أبو داود في وابن عبد البر وصححه]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ، فقال: (أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة؟" وشق جفنة: أي نصف قصعة، أي ليلة سبع وعشرين لأن القمر يطلع فيها بتلك الصفة. وعن سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: (والله إني لأعلمها، وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) [رواه مسلم]، وقال رضي الله عنه: (هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها) [رواه مسلم]، وعن زر بن حبيش، يقول: سألت أبي بن كعب رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر؟ فقال رحمه الله: "أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين"، ثم حلف لا يستثني، أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: "بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟"، قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها" [رواه مسلم، والترمذي وقال حسن صحيح]، وعن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرًا عن ليلة القدر، فقال: "كان عمر، وحذيفة، وناس من أصحاب رسول الله ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين تبقى ثلاث" [رواه ابن أبي شيبة]

من علم الإشارة:
وهي ليلة السابع والعشرين أيضًا من خلال علم الإشارة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ ويقول لي: "لا تتكلم حتى يتكلموا"، قال: فدعاهم وسألهم عن ليلة القدر، قال: "أرأيتم قول رسول الله ﷺ: (التمسوها في العشر الأواخر، أي ليلة ترونها؟) قال: فقال بعضهم ليلة إحدى، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال آخر: خمس، وأنا ساكت فقال: "ما لك لا تتكلم؟" فقلت: "إن أذنت لي يا أمير المؤمنين تكلمت"، قال: فقال: "ما أرسلت إليك إلا لتتكلم"، قال: فقلت: "أحدثكم برأيي؟" قال: "عن ذلك نسألك"، قال: فقلت: "السبع، رأيت الله ذكر سبع سماوات، ومن الأرضين سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وبرز نبت الأرض من سبع"، قال: فقال: "هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم ما قولك نبت الأرض من سبع؟" قال: فقلت: إن الله يقول: {شققنا الأرض شقا} [عبس: 26] إلى قوله {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] والأب نبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس، قال: فقال عمر: "أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم يجتمع شئون رأسه بعد؟ إني والله ما أرى القول إلا كما قلت"، قال: وقال: "قد كنت أمرتك أن لا تتكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم" [رواه اسحاق بن راهويه، والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم]
وتعجب بعضهم كيف يخصص العدد 7 وينسى العشرين؟ فأجيب عليه بأن العشرين هي الأيام التي مضت من الشهر، والسبع هي التي بقيت منه إلى الليلة.

ومن علم الإشارة أيضًا أن كلمة "ليلة القدر" مكونة من تسعة أحرف وقد وردت في سورة القدر ثلاث مرات، فحاصل الضرب 9×3 يساوي 27. ومن علم الإشارة أيضًا أن سورة القدر مكونة من 30 كلمة بعدد أجزاء القرءان الكريم، والكلمة السابعة والعشرين هي إسم الإشارة "هي" فدلت كذلك على أنها ليلة السابع والعشرين. ومن علم الإشارة أيضًا أن كلمة "القدر" وردت ثلاث مرات، في الموضع 5، و10، و12 ومجموعها يساوي 27.

هل تتنقل ليلة القدر من ليلة إلى ليلة؟
لا يمكن أن تتنقل الليلة بين الليالي لأنها هي ليلة واحدة ومحددة نزل فيها القرءان الكريم، في السابع والعشرين من رمضان، وهو تاريخ محدد، تمامًا مثل تاريخ غزوة بدر الكبرى، فنحن اليوم نتدارس ذكرى غزوة بدر الكبرى يوم السابع عشر من رمضان لأن الغزوة حدثت في ذلك اليوم، فهل يمكن أن نتعرض لهذه الذكرى في يوم آخر؟ مرة 17 ومرة 16 ومرة 18 وهكذا؟ قطعًا لا. ويجب الانتباه إلى أن التقويم الإسلامي في كتاب الله عز وجل هو التوقيت القمري بالشهور العربية، ولا علاقة له بالتقويم الشمسي. أما ما يروى من تحريها في ليالٍ متعددة في العشر الأواخر فتلك كانت مراحل تدرج الكشف عن حقيقتها حتى لا يتكل الناس.

الواجب تجاهها:
الحرص على قيامها والتعرض لنفحاتها وتذكير الناس بها، فقد كان يقول النبي ﷺ عند دخول رمضان: "إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم" [صحيح أخرجه ابن ماجة]. وأيضًا الدعاء لك ولأهلك وأقربائك وزملائك وسائر المسلمين بخير الدنيا والآخرة مع التركيز على خير الآخرة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا نبي الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: "تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" [رواه الإمام أحمد]

الخميس، 8 يونيو 2017

الصلة بين الأحياء والأموات

الموت ليس نهاية الحياة، بل هو انتقال من حياة إلى حياة، وقد تكون الحياة الجديدة أفضل، أو قد تكون أسوأ حسب العمل، وبالنسبة للكفار فإن الموت هو نهاية الحياة لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ولا يؤمنون بنعيم القبر أو عذابه، ولا يؤمنون بقدرة الله عز وجل على كل شيء ومن ذلك إحياء الموتى. لذلك تجد علاقة الكافر بالشخص تنقطع بموته كما قال تعالى: (قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور)، أما المؤمن فيعلم أن الموت انتقال إلى حياة أخرى، فلئن مات الجسد فإن الأرواح لا تموت، بل تتواصل وهذا عزاء طيب بأننا لا نفقد موتانا تمامًا والحمد لله، قال الإمام مالك بن أنس: "بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت". والمؤمن يعلم أن الميت حسب درجة صلاحه وقدره عند الله تكون كرامة الله له، في الموت وبعد الموت، أما في الموت فإن الرجل الصالح يختم على بخاتمة صالحة، أما بعد الموت بكرامات كثيرة حسب درجة صلاحه، فيحرم جسده على الأرض كالأنبياء فلا يتحلل جسده، ويحيا في البرزخ حياة كريمة فالأنبياء أحياء في قبورهم يصلون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون كما قال الحق سبحانه وتعالى، بل ونهانا عن أن نقول لهم أموات: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون)، وهنالك تواصل عجيب بين الأحياء والصالحين من الاموات، فيما يلي نعرض طرفًا من النصوص الدالة على ذلك:

الزيارة والسلام:
عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة". رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله كيف أقول لهم - يعني أهل القبور- قال: قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون") رواه مسلم
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" رواه مسلم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ » صحيح أخرجه الإمام أحمد وأبوداود وصححه النووي في رياض الصالحين والحافظ في الفتح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" أخرجه ابن عبد البر وصححه، وابن المبارك وصححه، والإشبيلي وصححه، والعراقي وصححه، والزبيدي وصححه وغيرهم.
وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ رد السلام، ثم قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل وإسرافيل سلموا علينا فردي عليهم السلام، وقد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أو أربع، فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثا وسبعين بين رمية وطعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت، فقالت: أسماء هينئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكن أخاف أن لا يصدق الناس فاصعد المنبر أخبر به، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن جعفر مع جبريل وميكائيل، له جناحان عوضه الله من يديه سلم علي، ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين، فاستبان للناس بعد اليوم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جعفر لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة". 
أخرجه الحاكم في المستدرك وسكت عنه الذهبي في التلخيص
وعن الفضل بن موفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبى جزعت عليه جزعًا شديدا فكنت آتى قبره في كل يوم ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إنى أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتنى عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبى قد انفرج وكأنه قاعد في قبره متوشحًا أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت لما رأيته، قال: يا بُني ما أبطأ بك عني؟! قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟! قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فآنس بك وأُسَرُّ بك ويُسَرُّ من حولي بدعائك. قال: فكنت آتية بعد ذلك كثيرًا. أخرجه بن القيم في الروح
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة كل جمعة. أخرجه عبد الرزاق في المصنف
وعن أبي التياح قال: كان مطرف يغدو -أي يذهب في الصباح- فإذا كان يوم الجمعة أدلج -ذهب الليل- قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينوَّر له في سوطه -أي أن صوته يضيء له- فأقبل ليلة حتى إذا كان عند مقابر القوم وهو على فرسه فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسًا على قبره فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة، قلت: وتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقول الطير، قلت: وما يقولون؟ قالوا يقولون: سلام سلام. أخرجه ابن أبي الدنيا
وعن حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتى الجبان فنقف على القبور فنسلم عليهم وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين؟!ّ قال: بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبلها ويومًا بعدها. أخرجه ابن القيم في الروح
وعن بشر بن منصور قال لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن مسيئكم وقبل حسناتكم لا يزيد على هؤلاء الكلمات قال فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلى ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو قال فبينا أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى فقلت ما أنتم وما حاجتكم قالوا نحن أهل المقابر قلت ما حاجتكم قالوا إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك فقلت وما هى قالوا الدعوات التي كنت تدعو بها قال قلت فإنى أعود لذلك قال فما تركتها بعد

السماع والإحساس:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ» أخرجه البخاري ومسلم
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» أخرجه البخاري ومسلم
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال في وصيته عند موته:«فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي » رواه مسلم
وعن ابن وهب قال حدثني عطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي يقال لها تهلل بنت العطاف، وكانت من العوابد، وكانت كثيرًا ما تركب إلى الشهداء، قالت: «ركبت إليهم يوما فصليت عند قبر حمزة بن عبد المطلب ما شاء الله أن أصلي، حتى إذا فرغت فقمت، فقلت هكذا بيدي، السلام عليكم، قالت: فسمعت أذناي السلام يخرج إلي من تحت الأرض، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني، وكما أعرف الليل من النهار، وما في الوادي داع، ولا مجيب يتحرك إلا غلامي نائما أخذ برأس دابتي، فاقشعرت كل شعرة مني، فدعوت الغلام: يا بني هلم دابتي، فأدنى دابتي فركبت » أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وابن عبد البر في الإستذكار
وعن عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْقَنَّادُ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: تُوُفِّيَ أَخِي عُمَيْرُ بْنُ طَرِيفٍ عَامَ الْجَمَاجِمِ، فَلَمَّا دُفِنَ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرِهِ، فَإِنَّ أُذُنِي الْيُسْرَى عَلَى الْقَبْرِ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَخِي، أَعْرِفُ صَوْتًا ضَعِيفًا، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُ . فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: فَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ. أخرجه الطبري في تهذيب الآثار

عرض الأعمال على الأموات:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حياتي خير لكم تُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيتُ من خيرٍ حمدتُّ الله عليه، وما رأيتُ من شرٍ استغفرتُ الله لكم).
رواه البزار في مسنده، وقال الحافظ العراقي في طرح التثريب: إسناده جيد، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح.
وعن أوس بن أوس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي) فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْت (قال: يقول بَلِيْتَ) قال: (إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إنّ أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم، فإن رأوا خيرا فرحوا به، وإن رأوا شرًا كرهوه، وإنهم يستخبرون الميت إذا أتاهم، من مات بعدهم؟ حتى إن الرجل يسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟ وحتى إن الرجل يسأل عن الرجل، فإذا قيل: قد مات قال: هيهات، ذهب ذاك، فإن لم يحسوه عندهم، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئس المربية» أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وصححه الحافظ في الفتح
وعن سيدنا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا» حديث حسن رواه الإمام أحمد
وعن سيدنا أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قبضت نفس العبد تلقاه أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه ليسألوه، فيقول بعضهم لبعض: أنظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله و إنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم و بئست المربية. قال: فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسنا فرحوا و استبشروا و قالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها، و إن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع بعبدك" حديث حسن أخرجه ابن المبارك في الزهد، والطبراني في الكبير، والإمام أحمد في المسند
وعن أبي الدرداء رضي لله عنه قال: "ألا إن أعمالكم تعرض على عشائركم، فَمُسَاؤُون ومسررون، فأعوذ بالله أن أعمل عملا يخزى به عبد الله بن رواحة" وعبد الله بن رواحة خاله. صحيح أخرجه ابن المبارك في الزهد وأبو داود في الزهد وابن أبي الدنيا في المنامات.
وعن عبد الغفور بن عبد العزيز عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى، وتعرض على الأنبياء وعلي الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضًا وإشراقًا، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم" رواه الحكيم الترمذي في النوادر من حديث.

الضرر يلحق بالأموات من أفعال الأحياء:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) رواه البخاري ومسلم، فإن نواح أهل الميت يبلغه فيؤذيه، وعن قيلة بنت مخرمة قالت: (قلت: يا رسول الله، قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة، ثم أصابته الحمى فمات، ونزل عليَّ البكاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحِبَه في الدنيا معروفًا، وإذا مات استرجع؟ فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي فيستَعبِر إليه صويحبه -أي يحزن وتسيل دمعته- فيا عباد الله، لا تعذبوا موتاكم") قال الحافظ في الفتح: "حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة، وابن أبي شيبة، والطبراني"
كما روى الإمام أحمد من حديث أبي موسى مرفوعا: (الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه واناصراه واكاسياه، جُبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟) ورواه ابن ماجه بلفظ: (يتعتع به ويقال: أنت كذلك؟)، ورواه الترمذي بلفظ: (ما من ميت يموت فتقوم نادبته فتقول: واجبلاه واسنداه، أو شبه ذلك من القول، إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟) وشاهده ما رواه البخاري في المغازي من حديث النعمان بن بشير قال: (أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه واكذا واكذا، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟) وهذا التعريض والتوبيخ يؤذي الميت في دار الحق والسؤال.

الأموات ينفعون الأحياء بإذن الله:
النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر للمؤمنين عندما تعرض عليه أعمالهم، كما في حديث البزار المتقدم، ويزورهم في المنام كما قال في الصحيح: (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)، وأي نفع أعظم من رؤية سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.
وانتفع الأحياء بتخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس بأجر الخمسين وذلك بمراجعة سيدنا موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج، فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي) رواه البخاري ومسلم.
واستسقى الصحابة في عام الرمادة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار -وكان خازن سيدنا عمر رضي الله عنه على الطعام- قال: (أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا" فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مُسْقَوْنَ، وقل له: "عليك الْكَيْسَ الْكَيْسَ". فأتى الرجل عمر، فأخبره، فبكى عمر ثم قال: "يا رب ما آلو إلا ما عَجَزْتُ عنه" أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في دلائل النبوة وصححه الحافظ في الفتح، وقال الحافظ في الفتح: (وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة)
واستطعم زوار الحبيب صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم عندما فتك بهم الجوع، فقد قال الحافظ أبو بكر ابن المقرئ مسند أصبهان: (كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فضاق بنا الوقت فوصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء أتيت إلى القبر الشريف وقلت: "يارسول الله الجوع" فقال لي الطبراني:"اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت!" فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له فإذا معه غلامان بزنبيلين بهما شيء كثير فقال:" ياقوم، شكيتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم.") رواها ابن الجوزي في الوفاء والسخاوي في القول البديع، والسمهودي في وفاء الوفاء. وابن المقريء والطبراني وأبو الشيخ كلهم من كبار الحفاظ الأثبات
والصالحون من المؤمنين عندما تعرض عليهم أعمال ذويهم يسألون الله لهم الهدى والصلاح إذا رأوا ما يسوؤهم، كما في الحديث: (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا) حديث حسن رواه الإمام أحمد، والحديث: (و إن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع بعبدك) حديث حسن أخرجه ابن المبارك في الزهد، والطبراني في الكبير، والإمام أحمد في المسند
والميراث، ميراث العلم والمال، فكل العلماء الأحياء عالة على العلماء الأموات بدءًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلماء الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وبقية علماء الأمة.

التماس البركة في قبور الصالحين، فإنها أماكن إجابة دعاء:
قال الإمام الحافظ ابن حبان في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين من كتابه "الثقات" (8 /456): "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين" انتهى
وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال الحاكم (صاحب المستدرك) في تاريخ نيسابور:"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ماتحيرنا."
وعن الحافظ إبراهيم الحربي أنه قال: قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب. أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء
وعن أبي الحسين محمد بن أحمد بن جميع قال: سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: (أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه). أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
وعن أبي الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول: (قبر معروف الكرخي مجرب لقضاءالحوائج ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته).
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
وقال ابن خلكان: وكان بكَّار تاليًا للقرآن، بكاءً صالحًا دينًا، وقبره مشهور قد عرف باستجابة الدعاء عنده. 

ثواب الأعمال الموهوبة:
أول ما ينتفع به الميت يكون بعد سماع الناس خبر وفاته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه وكبَّر أربع تكبيرات، وقال: "استغفروا لأخيكم" أخرجه البخاري ومسلم، وعن أم سَلَمةَ رضي الله عنها قالت: (لما مات أبو سَلَمَةَ أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنَّ أبا سلمة قد مات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولي اللهم اغفر له) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، 
ثم ينتفع بصلاة الجنازة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من صلى عليه أربعون وفي رواية مائة شفعوا فيه، وينتفع بدعاء المصلين له في صلاة الجنازة، وينتفع باستغفار المسلمين والدعاء له بعد الفراغ من الدفن، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت يقول: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيتَ فإنه الآنَ يُسأل) أخرجه أبو داود والحاكم، 
وينتفع بقضاء الدَّين عنه والنذور، قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دَين) [النساء: 12] وعن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذرٍ كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقضه عنها" متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، فقال: "أكنت قاضيةً عنها دَينًا لو كان على أمك؟". قالت: نعم. قال: "فصومي عنها" أخرجه مسلم، 
وينتفع من هبات صالح الأعمال كالصلاة والصيام والحج والعمرة والصدقات، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" متفق عليه، وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها" أخرجه الترمذي وصححه، وعن بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبرُمة، قال من شُبرُمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. أخرجه أبو داود غيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن سعدًا بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، وفي رواية: "قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها. أخرجه البخاري، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات ولم يوصِ، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: "نعم"أخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم" متفق عليه، والصدقات اسم جامع لكل أعمال البر والخير وهي كثيرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإنَّ لكم بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، والأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة) أخرجه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه

الجمعة، 12 مايو 2017

هل تارك الصلاة كافر؟‼

في البداية إن مهمل صلاته والمتهاون فيها والمتكاسل ما كان ينبغي بالأساس أن يسمى (تاركًا للصلاة) إلا اصطلاحًا، لأن عبارة (تَرَك فلان الشيء) تعني انصرف عنه أو صرف النظر عنه، وبمعنى خلاه أو تخلى عنه، وبمعنى فارقه، ومنه تركة الميت أي ميراثه الذي فارقه وخلاه إلى غير رجعة كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)، أي فارقه إلى غير رجعة، وهذا المعنى كثير في القرءان الكريم كما في قوله تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، وقوله تعالى: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا)، وقوله تعالى: (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ)، وغيره كثير. فالترك من معانيه الظاهرة المفارقة إلى غير رجعة، والراوي المتروك مثلًا لا يُرجع إلى الرواية عنه مطلقًا، ولذا فالترك لا يصف حال المهمل صلاته، الذي يضيعها بالتكاسل والتهاون، فيصلي حينًا ويتكاسل عنها حينًا، لكن الترك يناسب من يهجرها  جحودا وردة كالملاحدة أعاذنا الله تعالى. لذلك فقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن تركها) فمحمول على من فارقها إلى غير رجعة جحودا وإنكارًا، وهذا الذي يتسق مع  النصوص الشرعية الأخرى ذات العلاقة.
              🌺🌷🌷🌷🌺
وهذا التفصيل الشرعي مهم لمعرفة حال تارك الصلاة تمهيدًا لنصحه، فالدعوة إلى الله مشروطة بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال تعالى:
(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [سورة النحل: 125]
             🍃🌸🌸🌸🍃
إن التهاون في الصلاة إثم عظيم وكبيرة من الكبائر، فالصلاة هي الركن الأول بعد الشهادتين، وهي عماد هذا الدين، وهي من أحب الأعمال إلى الله تعالى وأعظمها، وأوثق  صلة فعلية بالله في اليوم والليلة، والتهاون فيها إثم عظيم ومغضبة لله تبارك وتعالى كما قال في كتابه الحكيم:
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [سورة مريم: 59]

ولحكم تاركها وجهان:
١/ جحودًا وإنكارًا فهذا كافر مرتد باتفاق العلماء، ويلحق بذلك الحكم من تركها في الصدر الأول والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، والصحابة والخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم متوافرون، وذلك لأن العصر النبوي والقرن الأول الهجري هو أفضل عصور الإسلام، فالدين في أشده والدعوة في أوجها، فمن تهاون في الصلاة في ذلك العصر فهو بلا شك منافق كافر. ولا يخفى أن تاركها في الصدر الأول ليس كالمتهاون فيها اليوم بعد 1400 عامًا، وقد ضعف بريق الرسالة، وقل الإلتزام، وتراجعت التربية الإسلامية.

٢/تهاونا، وتكاسلا وجهلًا فمذهب الجمهور أنه لا يكفر، وهذا مذهب الشافعية والحنفية ومالك، ورواية عن الإمام أحمد، وذكر الإمام النووي في المجموع أنه مذهب الأكثرين من السلف والخلف، أنه لا يكفر بترك الصلاة تهاونًا.
واستدلوا على ذلك بأدلة قوية:
▪الدليل الأول: حديث (إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) فعن عبادة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس صلوات افترضهن الله على العباد، من أداهن وصلاهن بركوعهن وخشوعهن ووضوئهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يفعله لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )، والحديث رواه أصحاب السنن، وقال النووي في المجموع: رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة، فهو حديث صحيح، وفيه قوله: (ومن لم يفعل لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)، والكافر لا يغفر الله له.

▪الدليل الثاني: عموم أحاديث الرجاء كقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة)، ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، فلم يشترط لدخول الجنة شيئًا آخر غير الشهادتين، فقالوا: إنه لم يشترط لذلك الصلاة ولا غيرها، فدل على أن تارك الصلاة تهاونًا لا يكفر وأنه استحق دخول الجنة بالشهادتين.

▪الدليل الثالث: نجاة قائلي (لا إله إلا الله) مع عدم علمهم بالصلاة، فقد روى ابن ماجة وغيره عن حذيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى الشيخ والعجوز يقولون: لا إله إلا الله، أدركنا آباءنا يقولونها فنحن نقولها. فقال صلة بن زفر -أحد رواة الحديث- لـحذيفة: يا حذيفة! ما تنفعهم: لا إله إلا الله؟! فسكت، فأعادها عليه ثلاثًا فقال حذيفة رضي الله عنه: يا صلة! تنجيهم من النار)، والحديث رواه ابن ماجة، وقال الحافظ البوصيري: "إسناده صحيح رجاله ثقات"، وقوى إسناده الحافظ ابن حجر، فهو سند صحيح، وفيه قول حذيفة رضي الله عنه: (تنجيهم من النار)، يعني مع أنهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، فدل هذا على أن تارك الصلاة جاهلًا أو متهاونًاولا يكون بذلك كافرًا.

▪الدليل الرابع: حملوا ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وما شابهه من نصوص على الجحود والإنكار والنفاق لمعارضتها النصوص الثابتة أعلاه، ولأن الترك يعني المفارقة إلى غير رجعة وهذا لا يكون حال المتهاون أو الجاهل.

المفارقات العجيبة في الدعوة الوهابية

من المفارقات العجيبة في الدعوة الوهابية، الشكل المعاصر للخوارج، والتي كفر مؤسسها كل أهل الجزيرة العربية تقريبًا إلا من تبعه، تكفيرًا عامًا وتكفير لمعينين، وأدعى عليهم بالشرك وعبادة غير الله عز وجل، وقالتهم ونكل بهم. ويرى أنصاره اليوم أنه إمام مجدد وأنه كان محقًا في دعوته، معيدًا للتوحيد رايته وللإسلام مجده، وبعيدًا عن الخلفيات السياسية ذات العلاقة بتأسيس هذه الحركة، والصراع بين الإمبراطوريتين الإسلامية والبريطانية آنذاك، نجد أن هنالك استغفال عظيم وقفز رهيب على أمور أولية! خاصة عندما تقرأ تاريخ نجد لابن بشر أو ابن غنام، وأنهم كيف كانوا يعاملون المسلمين آنذاك معالمة المشركين الكفار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنهم كانوا يطلقون إسم (مسلمين) على أنفسهم فقط، أما غيرهم فمشركون يجوز قتلهم إذا لم يدخلوا في الدعوة الوهابية، ويجوز سبي نسائهم، وسلب ممتلكاتهم كغنائم، وتخريب زرعهم، والتنكيل بهم وما إلى ذلك.

المفارقة العجيبة الأولى في أن محمد بن عبد الوهاب هذا ليس نبيًا! وليس رسولًا! وليس معصومًا! وليس مؤيدًا بوحي من السماء كالنبي صلى الله عليه وسلم! فكيف له أن يتقمص شخصية النبي الرسول المعصوم المؤيد من السماء بالوحي ليحكم على الناس بالشرك والكفر ثم يستحل دمائهم وعروضهم وأموالهم، ويسمى قتالهم غزوات؟!!! من أين أعطى نفسه هذه القداسة والعصمة الرسالية؟! أليس وارد أنه كان على خطأ؟! وأن خصومه على صواب؟! هل هو معصوم؟! هل ينزل عليه جبريل عليه السلام بالوحي؟ هل يرى في منامه رؤيا الأنبياء؟! هو بشر عادي، وقدراته أكثر من عادية، بل وروي أن أهله كانوا يتوسمون فيه الزيغ والضلال والإنحراف في الرأي! بل ويعترف على نفسه بالبلادة والغباء عندما يقول: (لقد طلبت العلم واعتقد من عرفني أن لي معرفة وأنا ذلك الوقت لا أعرف معني لا إله إلا الله ولا أعرف دين الإسلام) يعني كالحمار يحمل أسفارًا، ثم يقول: (ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخبر الذي منَّ الله به) هل هبط بهذا الخبر جبريل عليه السلام؟! هل كلمك الله كفاحًا به؟! هو فهم لمسألة من مسائل الدين الخطأ فيها وارد جدًا، ثم يقول: (وكذلك مشايخي ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى لا إله إلا الله أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك فقد كذب وافترى) هل لأنهم لم يوافقوك الرأي فهذا يعني أنهم لا يعرفون معني لا إله إلا الله ومعنى الإسلام؟! ألا يجوز -بل هو الحق لأنك لا تدري وأنت تطلب العلم الصواب من الخطأ- أنك أنت الذي لم تزل لا تعرف معنى لا إله إلا الله؟! ما الذي يجعل فهمك صحيح وفهمهم خطأ؟! بل وأين فهمك أنت في فهم كل من سبقك من الأئمة والعلماء المعتبرين؟! هل هو فهم جديد لنج ليس له حضور في تصانيف الثقات من علماء الأمة على مر العصور بما فيها عصرك؟!

هنا تلاحظون أنه يتحدث كأنه معصوم عن الخطأ والزلل، وأن غيره على ضلال، في حين أنه بشر عادي يجوز عليه الخطأ، بل هو على خطأ لا محالة كما سيتبين لاحقًا.

المفارقة العجيبة الثانية هي أن الناس الذين استهدفهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته من أهل الجزيرة العربية ليسوا مشركين ولا كفارًا، بل مسلمون يشهدون الشهادتين، ويقيمون أركان الدين، ولا يختلفون كثيرًا عن غيرهم من المسلمين في أقطار المعمورة، في العراق وفي الشام وفي اليمن، وفي كل أرجاء الإمبراطورية الإسلامية! فكيف يجعلهم كالكفار الأوائل الذين ينكرون البعث والنشور وينكرون وجود الله عز وجل؟ أو يجعلهم كالمشركين الأوائل الذين لا يشهدون لله بالوحدانية أبدًا، ولهم آلهة، سواء أكانت أصنامًا أو أوثانًا، ومعترفووووووووووووووووووووون بأنهم يعبدون أصنامهم، أو يعبدون عيسى عليه السلام، أو عزيرًا عليه السلام، أو الملائكة، أو الجن، أو غير ذلك. ويعتقدون أن هذه آلهة مع الله عز وجل، وإعترافاتهم في ذلك وااااااضحة وصرررررريحة، يعني ما ناكرين ولا داسين المسألة، (قالوا [نعبد] أصنامًا فنظل لها عاكفين)، (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوًا قبل هذا أتنهانا أن [نعبد] ما يعبد آباؤنا)، (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما [يعبد] آباؤنا؟)، (ما [نعبدهم] إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، (واذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ان هذا إلا اساطير الأولين) وغيرها، وكلها إعترافات صريحة بالكفر والشرك وعبادة غير الله!!! فكيف تساويهم بمن يشهد لله عز وجل بالوحدانية، ويصلي ويصوم ويزكي ويحج بيت الله عز وجل وغير ذلك من الشعائر؟! إن من كان يظهر الإسلام من المنافقين ويضمر الكفر كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم نفاقهم لكنه تستر عليهم ولم يحاكمهم بالنفاق، فكيف وأنت لست بنبي، ولا برسول، ولا بمعصوم، ولا بمؤيد بالوحي؟ تخرجهم من الملة وتنكل بهم مع ما يظهرونه من إسلام؟!!! ما هذه الجسارة؟!

وتبرير خطأئه، زعم أنهم يشهدون الشهادتين لكنهم يفعلون أفعالًا شركية، كالطواف بالقبور، ودعاء الأولياء، والذيح لهم، ... إلى غير ذلك. ومن قرر لك أن هذه أفعال شركية؟! طبعًا هو يتبنى تقسم ابن تيمية [للتوحيد] إلى ثلاث أقسام، وهي بدعة من البدع لم يسبقه إليها عالم معتبر من علماء السلف، ومن بين هذه الأقسام المبتدعة ما يعرف بتوحيد وشرك الإلهية أو الألوهية، وفهمه له أن تصرف عبادة لغير الله، لكن المعلوم بداهة أن أي عمل لا يكون عبادة إلا إذا كان بنية التعبد، وهذا في غاية البداهة لأن الأعمال بالنيات، فحتى لو صلت صلاة كاملة لكن خوفًا من الحاكم أو رياءًا فإن هذه الصلاة لا يمكن أن تكون عبادة صحيحة لأن نيتها مشوبة. فكيف له أن يجعل الطواف بالقبور ودعاء الأولياء والذبح لهم وغيرها أفعالًا شركية بدون ملاحظة النية عند العمل؟ فهذه الأفعال التي يسميها شركية، إذا فعلها الشخص على سبيل التعبد فهنا يكون قد جعل لله ندًا وشريكًا وآلهة تعبد من دون الله، لكن المسلمين لا يفعلون ذلك على سبيل التعبد، وإنما على سبيل التبرك، والتوسل، والأخذ بالأسباب!! فأيَّا كان اتفاقه معهم أو اختلافه فإنهم لا يمكن أن يكونوا مشركين لأسباب بسيطة جدًا، وهي أنهم:
- لا يفعون ذلك بنية العبادة
- ولا ينظرون إلى الأنبياء والأولياء كآلهة، بل يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمعبودهم واحد، أما الإدعاء عليهم بقوله تعالى: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فهؤلاء أولًا معترفون بعبادة غير الله (ما نعبدهم)، ثانيأ أنهم مشركوا أهل الكتاب، يدل على ذلك سياق الآيات وطبيعة الحال، فهم عبدة مريم وموسى عليه السلام، يظنون أنهم آلهة مع الله عز وجل، وأن عبادتهم لها تقربهم من الإله الأكبر، وهذه هي عقيدة الثالوث والعياذ بالله تعالى.
- لهم أدلتهم الشرعية من الكتاب والسنة التي تجيز لهم ذلك التبرك والتوسل والإستعانة والإستغاثة بالأحياء والأموات، القريبين والبعيدين، وأن ذلك لا يقدح في عقيدتهم طالما أنهم يؤمنون بأن القادر هو الله عز وجل وأنه يجري قدرته على خلقه، تمامًا مثلمًا يجري الشفاء على يد الطبيب، وأنه أمام قدرة الله عز وجل ليس هنالك حدود، ينفع بالحي وكما ينفع بالميت، يغيث بالحي كما يغيث بالميت، ولهم أدلتهم الشرعية في ذلك، وهي أدلة صحيحة ومعتبرة شرعًا.
- ولا يعترفون بأنهم أشركوا بالله شيئًا، بل إن قلبهم عامر بالتوحيد واعتقاد أن الله عز وجل هو الذي أكرم هؤلاء الأنبياء والأولياء بالبركة والصلاح والجاه عنده عز وجل والقدرة على نفع الناس بإذن الله، لقربهم منه!

وأيًا كان اتفاقه معهم في أدلتهم الشرعية، أو اختلافه فهل هم كالذين يثبتون لله الشريك والند، ويعترفون بعبادة غير الله لينزل عليهم آيات المشركين والكفار الأوائل؟!
ومن أين أتت القداسة لفهمه هو لنصوص الكتاب والسنة؟ والعصمة ليعتبر أنه مصيب في رأيه وأن غيره مخطئ لا محالة مشرك مرتد حلال المال والدم؟! ألا يجوز أنه مخطيء في ما ذهب إليه؟ بل هو كذلك!
فبغض النظر عن إتفاقه معهم أو اختلافه فإنه ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي، المعصوم من الخطأ في الدين ليعتبر أنه محق وأنهم خطأ، لذلك فكان الأولى طالما أنهم استعصموا بأدلتهم الشرعية أن يتركهم وشأنهم وأمرهم إلى الله عز وجل.

المفارقة العجيبة الثالثة أن الإختلاف بين العلماء حاصل منذ قديم الزمان، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عهد الصحابة رضوان الله عليهم، في كل مسائل الدين بما في ذلك العقيدة، وكان جُلُّ اختلافهم ليس في النص نفسه وبقدر ما كان في فهم النص، لأن الفهوم تتباين، ومع ذلك لم يصر طرف على حمل الطرف الآخر على رأيه، أقصى ما يفعله هو أن يبدي رأيه فإن قبل فذا، وإلا عذره، فلماذا هو يصر على أن الحق معه بما يخول له قتل خصمه؟! أمعصوم هو؟

المفارقة العجيبة الرابعة، ما الذي يجعل الأمة بكثرة علمائها المعتبرين على مر العصور أن تختزل الصواب في شخص أو شخصين أو ثلاثة؟! في محمد بن عبد الوهاب، وفي ابن تيمية الذي أخذ عنه محمد بن عبد الوهاب معظم تنظيراته، وابن القيم الذي تتلمذ على ابن تيمية!؟! أليست هذه مجازفة كبرى أن نرهن الأمة برأي أشخاص ليسو بأنبياء ولا رسلًا ولا معصومين ولا مؤيدين بالوحي السماوي؟ بل شاذون ومتفردون على جماهير أهل العلم من السلف والخلف؟!

مفارقات عجيبة، لا يقبلها المنطق السليم

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

مختصر: تفنيد رسالة محمد سيد حاج في المولد

🚫❌ تفنيد رسالة محمد سيد حاج في المولد بالتفصيل ❌🚫
هنالك رسالة منتشرة هذه الأيام تنسب إلى محمد سيد حاج يذكر فيها كلامًا متهافتًا عن المولد وجب الرد عليه بالبيان الشرعي حتى يستبصر المسلمون بدينهم وبمن يعمل على إضعاف حضور النبي ﷺ في وجدانهم وحياتهم، فبالله التوفيق والسداد.

❌ قال: "درج بعض المسلمين في أنحاء من الدنيا الإحتفال بمولد المصطفى ﷺ وذلك في كل عام مرة من شهر ربيع الأول ودافعهم في الإحتفال ظنهم أن هذا من حبه وتعظيمه ﷺ."
الجواب:
⚪ هؤلاء ليسوا [بعض] المسلمين، بل هؤلاء أغلب أهل القبلة، ويؤيد فعلهم هذا جمهور أهل العلم.
⚪ قال رسول الله ﷺ: "عليكم بالجماعة"، "يد الله على الجماعة"، "الشيطان من الواحد وهو من الإثنين أبعد"، "من شذ شذ في النار".
⚪ الأمة لا تجتمع على ضلالة، فمن وجد اختلافًا فعليه بالسواد الأعظم.

❌ قال: "مما لاخلاف فيه أن المولد أحدث بعد القرون الثلاثة المشهود لها من الرسول ﷺ بالخيرية"
الجواب:
⚪ ليس فيه حجة لأن المحدثات نوعان: محمودة، ومذمومة، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه (توفي 204هـ): "المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة". رواه البيهقي في (مناقب الشافعي) (ج1/469)، وذكره الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): (13/267). 
⚪ قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي (ت 709 هـ) في كتابه "المطلع على أبواب المقنع" (ص334) من كتاب الطلاق: "والبدعة مما عُمل على غير مثال سابق، والبدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلالة، والبدعة منقسمة بانقسام أحكام التكليف الخمسة"اهـ.
⚪ جمهور العلماء على تقسيم البدعة إلى محمودة ومذمومة لم يشذ منهم إلا الشاطبي صاحب الإعتصام المتوفى سنة 790 هجرية ومن تبعه من المتأخرين. وما لا شك فيه أن المولد من أحسن الأمور المحمودة التي أثنى عليها أكابر العلماء.

❌ قال: "أورد محمد بن يوسف الصالحي من كتابه سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 1/ 439 عن ظهير الدين التزمنتي: (إن السلف في الصدر الأول لم يفعلوه مع تعظيمهم وحبهم للنبي ﷺ بل إعظامهم وحبهم لايبلغ حب جميعنا حب الواحد منهم)"
الجواب:
⚪ كان السلف يحتفلون بمولد النبي ﷺ بصيام يوم الأثنين من كل أسبوع، وهذا الذي يناسب زمانهم، حيث كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم. فهل يقرأون سيرته وهو بينهم؟ هل يذكِّرون بعضهم بعظمته وهم كلهم في مجلسه وحضرته ويشاهدون عظمته عيانا بيانًا؟ لكن عندما طال العهد بالأمة وكثرت الغفلات وتشاغل الناس عن النبي ﷺ  برزت الحاجة إلى التذكير والتنبيه وإظهار المحبة والتعظيم. أنظر كيف شرح الذهبي الفرق بين زمانه (القرن الثامن الهجري) وزمان الصحابة رضوان الله عليهم والإختلاف بين الزمانين، يقول الذهبي في كتابة (معجم الشيوخ الكبير): 
"عن نافع عن ابن عمر: (أنه كان يكره مس قبر النبي ﷺ)
قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب، وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيَّاً وتملوا به وقبَّلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله ﷺ.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي ﷺ، إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه، وولده والناس أجمعين، ومن أمواله، ومن الجنة وحورها، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر، وعمر أكثر من حب أنفسهم." أهـ
فكيف بنا ونحن في القرن الخامس عشر؟
⚪ إن الداعي الأكبر للسنن الحسنة هو الحاجة، ألا ترى أنه مع تعظيم الصدر الأول للقرءان الكريم إلا أنهم لم يجمعوه بين دفتي المصحف إلا عندما كثر القتل في القراء؟ ولم ينقطوه إلا عندما كثر دخول الأعاجم في الإسلام؟ ولم يشكِّلوه إلا عندما خشي عليه من اللحن والخطأ في القراءة؟
⚪ إن الإحتفال بذكرى المولد اليوم أضحت واجبة، لكثرة إنشغال الناس عن رسول الله ﷺ، خاصة الشباب الذي صار يقتدي بالمطربين، ولعيبة الكرة، والمصارعين، ويجهلون أبسط المعلومات عن القائد الأعظم ﷺ.

❌ قال: "هل هو واجب؟ أين دليل وجوبه؟ هل هو سنة أم مستحب؟ أين دليل سنتيه اوأستحبابه"
الجواب:
⚪ إن محبة النبي ﷺ أكثر من النفس والولد والوالد والناس أجمعين واجبة بنص الكتاب والسنة، ولا يتأتى ذلك بل ولا يمكن بلوغ درجة أن نحبه أكثر من النفس إلا بمنتهى العناية به ﷺ والمبالغة في الإهتمام به. وبالنظر إلى واقعنا المعاش وطبيعة الحياة العصرية التي نحياها في ظل الغزو الثقافي والإنفتاح على كل الثقافات المعادية فإن المولد من هذا المنظور واجب عملًا بالقاعدة الأصولية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) على ما أصَّله علماء الإسلام، كالإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام الحافظ السيوطي، والأئمة والحفاظ الذي صنفوا كتبًا في المولد الشريف كالحافظ ابن دحية، والحافظ ابن الجوزي، والحافظ العراقي، والحافظ ابن كثير الدمشقي، والمحدث العلامة ابن حجر الهيتمي، والمحدث العلامة علي ملا القاري، والمحدث العلامة المناوي، وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم.
⚪ أما سنيته فيكفي ما رواه الإمام مسلم عن أنه لما سئل عن صيام يوم الأثنين قال ﷺ: "فيه ولدتُّ"، وما رواه الإمام البيهقي من طريق ثمامة، من أنه عق عن نفسه بعد الرسالة. فهذه أصول على سنية الإحتفال بالمولد النبوي الشريف، زد عليها حديث عاشوراء في صحيح البخاري الذي استند عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تأصيل عمل المولد.
⚪ أما استحبابه فلما فيه من الذكر، والذكرى، والصدقات، والإطعام، وغير ذلك من صنوف الخير والبر والمعروف. قال الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي المتوفى سنة 665 هجرية في كتابه [الباعث على إنكار البدع والحوادث]: "وَمن أحسن مَا ابتدع فِي زَمَاننَا من هَذَا الْقَبِيل مَا كَانَ يفعل بِمَدِينَة اربل جبرها الله تَعَالَى كل عَام فِي الْيَوْم الْمُوَافق ليَوْم مولد النَّبِي ﷺ من الصَّدقَات وَالْمَعْرُوف واظهار الزِّينَة وَالسُّرُور، فان ذَلِك مَعَ مَا فِيهِ من الإحسان الى الْفُقَرَاء، مشْعر بمحبة النَّبِي ﷺ وتعظيمه وجلالته فِي قلب فَاعله، وشكرًا لله تَعَالَى على مَا من بِهِ من ايجاد رَسُوله الَّذِي أرْسلهُ رَحْمَة للْعَالمين ﷺ وعَلى جَمِيع الْمُرْسلين"

❌ قال: "ولا يكون المولد مباحاً لأنه لايفعل إلاعبادة وفيه إجتماع للعبادة وعليه فإن هذا المولد بدعة وليس بمطلوب شرعاً بل يؤمر بتركه"
الجواب:
⚪ تقدم بيان تقسيم البدعة إلى حسنة ومذمومة.
⚪ الأصل في الأشياء الإباحة، والمباح حلال، ومحرم الحلال كمحل الحرام كما قال النبي ﷺ.
⚪ كثير من المباحات إذا قصد بها وجه الله عز وجل تكون عبادات يثاب عليها المؤمن، قال ﷺ: (وفي بضع أحدكم صدقة)، لأن النية هي التي تجعل العادة عبادة.

❌ قال: "ثم ماليس بواجب ولامستحب ولاسنة إذا ظهرت معه مفاسد في الميادين ، وابتداع في الدين ، وأذكار غير شرعية ، وأقوال شركية ومدائح في تعظيم شيوخهم ، فالواجب تركه وإن كانت فيه مصلحه الطريقة والصفة الموجودة الأن من إجتماع النساء والرجال في مكان واحد مع الزحام الشديد والإختلاط المشين والتبرج المبين والإبتداع في الاذكار بالألحان والطبول والتمايل لاينبغي أن يختلف أثنان في أن هذا حرام لا يليق بنبيناﷺ."
الجواب:
⚪ "الإبتداع في الدين"، "والأذكار غير الشرعية"، "والأقوال الشركية"، "والمدائح في تعظيم الشيوخ" كلها أوهام في ذهن مؤلف الرسالة، فالبدعة عند الجمهور تنقسم إلى حسنة ومذمومة كما تقدم، والأذكار فيها المقيد وفيها المطلق، وليس هناك شرك في قول قائل إلا أن يكون قائله قاصدًا به صرف عبادة لغير الله، وصرف العبادة لغير الله يقتضي أن يعتقد القائل أن من قاله فيه هو إله يعبد، وهذا ليس له وجود على أرض الواقع بين المسلمين، لأن الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، من يشهد أن الله واحد ويعتقد في وجود إله آخر يكون متناقضًا ومجنونًا، والمجنون معذور. وهو نظير قول صاحب الضالة القائل: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، أخطأ من شدة الفرح، لا يقال عنه كافر لأن ظاهر مقالته الكفر. أما مدح عباد الله الصالحين وتعظيمهم فهو من روح الشريعة، قال الإمام مسلم في مدح شيخه الإمام البخاري: (دعني أقبل رِجلك يا أستاذ الأساتيذ، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث وعلله) أي تعظيم بعد تقبيل الرِجل؟  
⚪ التبرج والإختلاط وغيرها من المحظورات لو وقعت في الاجتماع لصلاة الجمعة أو لصلاة العيدين لوجب إنكارها بدون أن يعني ذلك إبطال صلاة الجمعة أو صلاة العيدين.
⚪ قوله "الإبتداع في الاذكار بالألحان والطبول والتمايل لاينبغي أن يختلف أثنان في أن هذا حرام لا يليق بنبيناﷺ." فمؤلف الرسالة لا يميز بين أنواع البدعة، وربما يجهل أن الصحابة مدحوا بالأناشيد والأهازيج كما في قصة غزوة الخندق وغيرها، والحبشة رقصوا وزفنوا بين يدي النبي ﷺ، وكانوا يمدحونه يقولون: "محمد رجل صالح" رواه الإمام أحمد بسند صحيح، والرقص لا يكون إلا بإيقاع، والدف ضرب في بيت رسول الله ﷺ. فليس في ما تقدم حرام إنما هي أوهام.

❌ قال: "أقوال بعض علماء المالكية في عمل المولد وبدعيته" وذكر كلامًا للفاكهاني [توفي 734هـ]، وأبي عبد الله الخفار المالكي [توفي 511 هـ] نقله عنه الونشريسي [توفي 914هـ]، ابن الحاج المالكي [توفي 737هـ]، وابن عليش [توفي 1299هـ]
الجواب:
⚪ يمكن تلخيص كلامهم في محورين:
الأول: أن عمل المولد بدعة. وذلك مردود لما تقدم، فالبدعة عند جمهور أهل العلم تنقسم إلى محمودة ومذمومة، ومما لا شك فيه أن تعظيم النبي ﷺ وتذكير الناس بقدره العظيم وسيرته العطرة لمن أحسن الأمور المحمودة.
الثاني: أنه تكتنفه بعض المحظورات كالإختلاط. لو وقعت هذه المحظورات في الاجتماع لصلاة الجمعة أو لصلاة العيدين لوجب إنكارها بدون أن يعني ذلك إبطال صلاة الجمعة أو صلاة العيدين.
⚪ تعقب الإمام الحافظ السيوطي في [الحاوي في الفتاوي] كل من الفاكهاني وابن الحاج في كلامهما عن المولد وأبطله. فعلى سبيل المثال، قال الفاكهاني: "(لا أعلم لهذا المولد أصل في كتاب ولاسنة ولاينقل عمله)، فتعقبه الإمام السيوطي: (فيقال عليه نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد إستخرج له إمام الحُفاظ أبو الفضل بن حجر أصلاً من السنة وأستخرجت له أنا أصلاً ثانياً)، قال الفاكهاني: (إذا كان مجرد إجتماع الرجل بأهل بيته لا يقترفون شيئاً من الآثام هذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروه وشناعة.. إلخ) فتعقبه الإمام السيوطي: (هذا القسم مما أحُدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي، وهو من الإحسان الذي لم يُعهد في العصر الأول فان إطعام الطعام الخالي عن إقتراف الآثام إحسان فهو من البدع المندوبة كما في عبارة إبن عبد السلام.)، وغير ذلك، إرجع إلى [الحاوي في الفتاوي]
⚪ الإمام الصوفي الأشعري المالكي ابن الحاج لم ينكر عمل المولد بالجملة بل أثنى عليه، قال في [المدخل]: "فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به وذلك بالاتباع له ﷺ في كونه عليه الصلاة والسلام كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات... فتعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرم عليه ويكره له؛ تعظيمًا لهذا الشهر الشريف" أهـ
⚪ كانت لابن الحاج تحفظات على بعض المسائل في عمل المولد وأظهر في كلامه تناقضات تعقبه فيها الحافظ السيوطي: (وحاصل ما ذكره أنه لم يذم المولد بل ذم ما يحتوي عليه من المُحرمات والمُنكرات) ثم فند كلامه عبارة عبارة.
⚪ ما نقله الونشريسي عن أبي عبد الله الخفار لا يثبت لأن السند منقطع بل معضل. وحتى لو اتصل لما كان فيه حجة لما تقدم من أن الحاجة هي الداعي إلى السنن الحسنة، والحاجة تتغير حسب الزمان والمكان.
⚪ ابن عليش من المتأخرين جدًا كما يظهر من تاريخ وفاته، وكلامه لا يزن شيئًا أمام الأئمة والعلماء المعتبرين وجمهور أهل العلم الذين أجازوا عمل المولد، ثم إن كلامه لا يخرج عن فهمه الخاطئ للبدعة، وعن أن المحظورات التي تقدم أنها تنكر دون أن يقتضي ذلك إبطال عمل المولد.
⚪ الملاحظ من تواريخ الوفاة أن الذين أنكروا عمل المولد هم ممن عاشوا في القرن الثامن الهجري وما تلاه فتأثروا بآراء ابن تيمية الشاذة والمتحاملة على تعظيم الأمة للنبي ﷺ.
⚪ جمهور أهل العلم وأكابر العلماء الذين حضروا قيام احتفالات المولد في ذلك الوقت استحسنوه، وصنفوا فيه التصانيف البديعة.
⚪ ثبت عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن)، وجمهور أهل القبلة يستحسنون المولد ويحتفلون بذكرى ميلاد النبي ﷺ، قال الإمام الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ في كتابه [بيان المولد النبوي]: "لا زال أهل الحرمين الشريفين ومصر واليمن والشام وسائر بلاد العرب من المشرق والمغرب يحتفلون بمجلس مولد النبي ﷺ، ويفرحون بقدوم هلال شهر ربيع الأول، ويهتمون إهتمامًا بليغًا على السماع والقراءة لمولد النبي ﷺ، وينالون بذالك أجرًا جزيلًا وفوزًا عظيمًا" أهـ
⚪ أجاز عمل المولد جمهور أهل العلم من الفقهاء والحفاظ والعلماء المعتبرين، أما الذين شذوا عليهم فغمورون لا يبلغون درجة المجيزين في سعة العلم، والجلالة. وممن أجاز الاحتفال بالمولد من أهل العلم الإمام الحافظ العلامة أبو شامة المقدسي شيخ الإمام الحافظ النووي، والإمام الحافظ  ابن حجر العسقلاني، الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، وممن أجازه وألف فيه كتبًا تقرأ في احتفالات المولد:
▪ الإمام الحافظ ابن الجوزي [ت 597هـ]: له مولد باسم "العروس"، وقد طبع في مصر.
▪الإمام الحافظ أبو الخطاب عمر بن علي بن محمد المعروف بابن دحية الكلبي [ت 633هـ]: له مولد باسم "التنوير في مولد البشير النذير".
▪الإمام الحافظ أبو العباس العَزَفي [ت 633هـ]: له مولد باسم "الدر المنظم في مولد النبي المعظم".
▪الإمام الحافظ ابن كثير صاحب التفسير [ت 774هـ]: له مولد طبع بتحقيق صلاح الدين المنجد.
▪الإمام الحافظ عبد الرحيم العراقي [ت 808هـ]: له مولد باسم "المورد الهني في المولد السني".
▪إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري [ت 833هـ]: له مولد باسم "عرف التعريف بالمولد الشريف".
▪الإمام الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي [ت 842هـ]: له مولد باسم "المورد الصاوي في مولد الهادي" وكذلك له "جامع الآثار في مولد المختار" و"اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق".
▪الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي [ت 902هـ]: له مولد باسم "الفخر العلوي في المولد النبوي".
▪الإمام الحافظ علي زين العابدين السمهودي [ت 911هـ]: له مولد اسمه "الموارد الهنية في مولد خير البرية".
▪الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي [ت 911هـ]: له مصنف باسم "حسن المقصد في عمل المولد".
▪الإمام الحافظ عبد الرحمن بن علي بن محمد الشيباني المعروف بابن الديبع [ت 944هـ].
▪الإمام المحدث الفقيه ابن حجر الهيتمي [ت 974هـ]: له مولد باسم "إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم".
▪الإمام المحدث الفقيه ملا علي قاري [ت 1014هـ]: له مولد باسم "المورد الروي في المولد النبوي".قالوا: حلوى المولد يحرم شراؤها وأكلها وكذلك طعام المولد.
▪الإمام المحدث المناوي [ت 1031هـ]: له مولد باسم مولد المناوي.

❌ قال: "الفرح بنبيناﷺ يكون بحبه وأتباعه وإحياء سنته ومجانبة الإبتداع إذا فهمنا من هذه الأيه أن الفرح بنبينا ﷺ هو الإحتفال بمولده فإنه يلزم من هذا الفهم أن الصحابة الكرام والقرون المفضلة لم يفرحوا به ، والصواب أن الصحابة والتابعين رحمهم الله فرحوا بنبينا ﷺ بالإسلام والقران ولم يقيموا مولداً ولم يخصوا يوم مولده الشريف ﷺ بشئ زائد. ولمزيد من الإيضاح نسأل سؤالا : هل وقف الصحابة الكرام رضي الله عنهم على هذه الأية وعملوا بها ؟ لاشك أنهم علموها وفهموها وعملوا بها فأين الإحتفال بالمولد عندهم رضي الله عنهم،  راجع الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي المجلد 3/71"
الجواب: 
⚪ في كتاب الله عز وجل العبرة تكون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والقرءان صالح لكل زمان ومكان.
⚪ تقدم بيان معنى البدعة على مذهب جمهور أهل العلم.
⚪ وتقدم بيان أن السنن الحسنة إنما تكون وليدة الحاجة.
⚪ تقدم بيان أن الصحابة رضي الله عنهم فرحوا بهذه النعمة العظيمة وعبروا عن شكرهم لله بصيام يوم الأثنين من كل أسبوع، وهذا الذي يناسب ظرفهم وزمانهم إذ النبي ﷺ كان بينهم، أما في العصور اللاحقة فقد قل الإحساس بهذه النعمة نفسها فكيف يصومون شكرًا لنعمة ضعف الإحساس بها أو لا يحسون بها أصلًا؟!

❌ قال: "يقول النبي ﷺ : (.... وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعة ٍ ضلالة ) أخرجه أبوداود والترمذي عن العربض بن سارية (كل) من ألفاظ العموم وهي مسبوقة بالتحذير (إياكم ) فهذا يفيد أنه لاتوجد بدعة حسنة وأنها كلها ضلالة يجب تركها ثم الأصل أن كل بدعة ضلالة فأين القرينة المخصة الناقلة عن هذا الأصل لتكون بدعة مخصوصة مستثناة من العموم وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما : ( كل بدعة ضلاله وإن رأها الناس حسنة ) ذكره ابن بطة في الإبانة عن شريعة الفرق الناجية 1/352 واللالكائي في شرح أصول أعتقاد أهل السنة 1/92"
الجواب:
⚪ تقدم بيان تقسيم جمهور أهل العلم البدعة إلى حسنة ومذمومة. 
⚪ قال أهل العلم: إن عبارة "كل" في الحديث "كل بدعة ضلالة" من العام المخصوص، قال الامام أبو سليمان الخطابي [توفي 388 هـ]رحمه الله تعالى في شرح سنن أبي داود "معالم السنن": "وقوله كل محدثة بدعة فإن هذا خاص في بعض الأمور دون بعض، وكل شيء أحدث على غير أصل من أصول الدين وعلى غير عياره وقياسه. وأما ما كان منها مبنياً على قواعد الأصول ومردود إليها فليس ببدعة ولا ضلالة"
وهو مثل قوله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) ومع ذلك لم تسع إبليس لعنه الله ولا الذين ماتوا وهم كفار، وقوله تعالى: (ملك يأخذ كل سفينة غصبًا) ولم يكن يأخذ إلا سفينة سليمة غير معابة وغير ذلك من الآيات، أما القرائن على هذا المعنى:
▪ كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون أمورًا لم يفعلها النبي ﷺ، ومع ذلك لم يكن ينهاهم مالم يكن فيها إثم ومخالفة، بل كان يقرهم على ذلك ويستحسن فعلهم، ومن هنا جاءت السنة التقريرية، فلو كان كل محدث يعتبر بدعة ضلالة لكان الأولى أن ينهاهم ولا يقرهم فضلًا عن أن يستحسن فعلهم، ولكان الصحابة أول من أحدث في الدين، ولا يقول بهذا مسلم.
▪ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لبلال بن الحارث رضي الله عنه: "ومَن ابتدعَ بدعةً ضلالة" رواه الترمذي وحسنة، فالبدعة لا تذم بالإطلاق، بل يجب أن تكون ضلالة.
▪ قول سيدنا عمر رضي الله عنه والذي يجري الحق على لسانه وقلبه عن صلاة التراويح: "نعم البدعة"، وقوله سنة.
▪ قول أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سُبحة الضحى، وإني لأسبحها" رواه البخاري
▪ عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة الضحى فقال: "بدعة ونعمت البدعة" رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح
▪ عن سالم عن أبيه عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها -يعنى صلاة الضحى- وما أحدث الناس شيئا أحبَّ إلى منها" رواه عبد الرزاق بسند صحيح
▪ قال الشعبي: سمعُت ابن عمر يقول: "ما ابتدع المسلمون أفضل صلاةِ من الضحى" زاد المعاد
▪ الإجتهاد في الدين يكون في مسألة ليس فيها نص، ولو كان كل شيء لم يعمل في الصدر الأول بدعة ضلالة لكان الإجتهاد هو عين البدعة الضلالة، لكن الثابت أن المجتهد مثاب، أخطأ أو أصاب.
⚪ عند إطلاق كلمة بدعة كان السلف يقصد بها البدعة الضلالة.  

❌ قال: "أما تربية الأبناء فالأولى تربيتهم على حب النبي ﷺ وأتباعه وتعليمهم سيرته العطره وذلك كل يوم كما إني مستغرب من هذا الكلام كأنه لا باب ولامجال لتعليم أبنائنا حب الرسول ﷺ إلابعمل المولد في العام مرة !!!ا ثم منذ متى والناس يقيمون المولد ؟ فهل لم يعلم الصحابة والتابعون لهم بإحسان أبناءهم حب رسول الله ﷺ؟ وهل الذين تعلموا حبه ﷺ تعلموه من المولد ؟"
الجواب:
⚪ مرة في العام خير من [لا مرة]، بل نحتاج إلى المزيد. اليوم تقام المؤتمرات الإسلامية، والأسابيع الدعوية، والمسابقات القرءانية وكل ذلك لإثراء النشاط الديني في الأمة، والمولد هو أحد أهم هذه النشاطات المهمة، نحتاج إلى نشاط أكثر لننتشل شبابانا الذين باتوا يقتدون بالمطربين، ولعيبة الكرة والمصارعين والممثلين الغربيين.
⚪ مقارنة عصر الصحابة والتابعين بعصرنا اليوم فيه مفارقة كبرى، فهل قدر النبي ﷺ اليوم كقدره آنذاك؟ كم نسبة المسلمين الذين يصومون يوم الأثنين اليوم مقارنة مع نسبة الصحابة والتابعين؟؟؟ الفرق كبير، والعمل المطلوب أكبر.

❌ قال: "الإستدلال بقصة أبي لهب الذي رؤي أنه يخفف عنه العذاب بعتقه لثويبة لما أخبرته بولادة النبي ﷺ: الجـــــــــواب :
أ‌- لأثر مرسل وضعيف مخالف لما عليه أهل السير أن أبا لهب أعتقها بعد أرضاعها للنبي ﷺ وليس يوم ولادته لأنها أرضعت النبي ﷺ وهي تحت أبي لهب. 
 ب‌-  ولو صح الخبر فلا حجة فيها لأنها رؤية منامية وتخالف ظاهر القرأن عن الكفار لقوله تعالى ( وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا ) الفرقان 23 راجع فتح الباري لإبن حجر العسقلاني 9/145. 
ت‌-  ثم من الذي رأى أبا لهب ؟ فالرائي مجهول والمرئي كافر !! فهل هذا حجة في شرعنا ؟؟"
الجواب:
⚪ المرسل حجة عند علماء معتبرين، وقد ذكر هنا للإستئناس والتعضيد لكن التأصيل المتين للمولد أقيم على أدلة صحيحة لا مرية فيها.
⚪ ذكر السهيلي أن الذي رأى أبا لهب هو العباس رضي الله عنه. [فتح الباري]
⚪ قال الإمام الحافظ البيهقي: "ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات" [فتح الباري]

❌ قال عن حديث صيام النبي ﷺ ليوم الأثنين: "أ‌- الحديث صحيح وفيه أن رسولنا الكريم ﷺ كان يصوم كل يوم أثنين على مدار العام ولم يصم يوم الاثنين التي في ربيع الأول فقط ثم إذا أحتفل النبي ﷺ بمولده صوماً هل يجوز لنا الزيادة على ذلك أم نكتفي بصوم يوم الأثنين من كل أسبوع أتباعا وأقتداء به ﷺ؟ ب‌-  ثم شتان بين المولد المقام الأن على ( الأكل والشرب والحلوى والعطلة ) وبين صوم النبي ﷺ. ت‌-  وفي هذا الحديث دليل على أن المولد ليس (عيداً) والدليل عليه هذا الصيام إذ لايجوز صيام الأعياد ومادام النبي ﷺ صامه فقد أخرجه من كونه عيدا."
الجواب:
⚪ البدعة الحسنة هي التي لها أصل من الدين يدل عليها كما ذكر العلماء، وهذا الحديث أصل لمن يريد أن يحتفل بميلاد النبي ﷺ، لأن الحكمة التشريعية من فعل النبي ﷺ وعمره الشريف ما يقارب الستين -لأن صيام الفريضة شرع في المدينة في سورة البقرة، أي وعمره الشريف آنذاك ما فوق الأربع والخمسين- هي التنبيه لنعمة ميلاده، والغفلة عن هذه النعمة تستوجب التذكير، ومن يأبى التذكير فإما أحمق أو غير مؤمن لأن الذكرى تنفع المؤمنين.
⚪ الزيادة في الدين إذا كانت تندرج تحت أصل شرعي ليس فيها بأس، والأصول الشرعية منها ما هو خاص وما هو عام كقوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)، قالت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سُبحة الضحى، وإني لأسبحها" [رواه البخاري]
⚪ تم التأصيل للمولد من حديث صيام يوم الأثنين وهو صريح، ومن حديث أنه ﷺ عق عن نفسه بعد الرسالة، ومن حديث صيام يوم عاشوراء.
⚪ الغاية التشريعية من صيام يوم الأثنين هي التنبيه إلى عظمة نعمة ميلاد النبي ﷺ بما يستوجب الشكر.
⚪ عق النبي ﷺ عن نفسه بعد النبوة وهو فوق الثلاث والخمسين سنة لتعزيز هذه الغاية التشريعية ولتشريع تعدد طرق الحفل بذكرى الميلاد.
⚪ ليس بمقدور الجميع الصيام (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، لكن من حق الجميع الفرح برسول الله ﷺ.
⚪ يصوم المسلمون كل أسبوع فرحًا بميلاد النبي ﷺ، وأيضًا يستفيدون من حديث صيام يوم الأثنين في تأصيل الحفل بذكرى المولد النبوي الشريف كل سنة وكل حين.
⚪ الإحتفال هو وسيلة دعوية النية فيه تعظيم النبي ﷺ، والأصل فيه موجود، والطريقة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهو بهذه النية عمل صالح يثاب فاعله.
⚪ قوله عن أن في هذا الحديث دليل على أن المولد ليس (عيدًا) مردود عليه لأن النبي ﷺ صام عاشوراء وأمر بصيامه، والمسلمون اليوم يواظبون على صيامه كل سنة.

إنتبه ⛔:
محمد سيد حاج هذا قال عنه الشيخ ماهر بن ظافر القحطاني في تسجيل متداول: "أنه مبتدع، ولا يجوز الحضور عنده، ولا نشر علمه، ولا يجوز أن تروج أشرطته، يجب أن تعدم وتحرق" أهـ، وهذه شهادة تستوجب الإنتباه لأن الرجلين ينتميان إلى تيار متطرف واحد. وكثير من علماء الوهابية حذروا من محمد سيد حاج وبدعوه، ومثله لا ينظر إليه إلا موهوم أو جاهل.

♻ من كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار.. أنشر جزاك الله خيرًا، فالدال على الخير كفاعله ♻

الخميس، 8 سبتمبر 2016

هل ممكن أن تذكر لنا بعض الأدلة في تنـزيه الله عن الجهة والمكان مع ذكر حكم المجسمة؟

الجواب : اعلم أخي المسلم  أن اعتقاد المسلمين سلفهم وخلفهم أن الله غنيّ عن العالمين، أي مستغن عن كل ما سواه أزلاً وأبدًا فلا يحتاج إلى مكان يقوم به أو شىء يحل به أو إلى جهة، ويكفي في تنـزيه الله عن المكان والحيز والجهة قوله تعالى:[لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] {الشُّورى:11} فلو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد طول وعرض وعمق ومن كان كذلك كان محدَثًا محتاجًا لمن حدَّه بهذا الطول وبهذا العرض وبهذا العمق، هذا الدليل من القرءان.

أما من الحديث فما رواه البخاري وابن الجارود والبيهقي بالإسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "‏ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىءٌ غَيْرُهُ " ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيره لا ماء ولا هواء ولا أرض ولا سماء ولا كرسيّ ولا عرش ولا إنس ولا جن ولا ملائكة ولا زمان ولا مكان، فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان، وهو الذى خلق المكان فليس بحاجة إليه؛ وهذا ما يستفاد من الحديث المذكور.

وقال الحافظ البيهقي المتوفى سنة 458 هـ في كتابه الأسماء والصفات:" استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم :" وأنتَ الظَّاهرُ فليسَ فوقكَ شىءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونَكَ شىءٌ " وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان" .انتهى

وهذا الحديث فيه الرد أيضًا على القائلين بالجهة في حقه تعالى.

وقال الإمام عليّ رضي الله عنه: "كان الله ولا مكان وهو الآنَ على ما عليه كان" رواه الإمام أبو منصور البغدادي.

وأما رفع الأيدي عند الدعاء إلى السماء فلا يدل على أن الله متحيز في جهة فوق كما أن حديث مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء " لا يدل على أن الله في جهة تحت، فلا حجة في هذا ولا في هذا لإثبات جهة فوق ولا جهة تحت لله تعالى بل الله تعالى منـزه عن الجهات كلها.

وقال الإمام السلفي أبو جعفر الطحاوى المولود سنة 227هـ فى عقيدته التى ذكر أنها عقيدة أهل السنّة والجماعة: " تعالى (يعني الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الستّ كسائر المبتدعات ".انتهى

وممن نقل إجماع المسلمين سلفهم وخلفهم على أن الله موجود بلا مكان الإمام النحرير أبو منصور البغدادى المتوفّى سنة 429  هـ الذي قال فى كتابه "الفَرْق بين الفِرَق" في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة، (ص256) ما نصّه :"وأجمعوا – أي أهل السنة والجماعة – على أنّه – تعالى- لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان" .انتهى بحروفه

وقال إمام الحرمين عبد الملك الجويني المولود سنة 419 هـ في كتابه الإرشاد: "مذهب أهل الحق قاطبة أن الله يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات" انتهى

وقال مفتي ولاية بيروت الشيخ عبد الباسط الفاخوري الشافعي المتوفى سنة 1323 هـ في كتابه " الكفاية لذوي العناية " عن الله مانصه : "ليس بجِرم يأخذ قدرا من الفراغ، فلا مكان له، وليس بعرض يقوم بالجرم، وليس في جهة من الجهات، ولا يوصف بالكِبَر ولا بالصغر، وكل ما قام ببالك فالله بخلاف ذلك " .انتهى

 وقال الشيخ حسين بن محمد الجسر الطرابلسي  المتوفى سنة 1327 هـ في كتابه "الحصون الحميدية للمحافظة على العقائد الإسلامية" ما نصه: "إنه تعالى ليس جوهرًا ولا جسمًا، فلا يحتاج إلى مكان يقوم فيه، لأن الاحتياج إلى المكان من خواص الجواهر والأجسام، وثبت هناك أنه تعالى ليس عرضًا فلا يحتاج إلى محل يحل فيه".انتهى

وقال شيخ الجامع الأزهر الشيخ سليم البشري المصري المتوفى سنة 1335 هـ ما نصه: "اعلم أيدك الله بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه، أن مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنيون أن الله تعالى منـزه عن مشابهة الحوادث مخالف لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنـزهه عن الجهة والمكان كما دلت على ذلك البراهين القطعية" ا.هـ نقلا عن كتاب "فرقان القرءان ".

فكما صح وجود الله تعالى بلا مكان وجهة قبل خلق الأماكن والجهات، فكذلك يصح وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان وجهة وهذا لا يكون نفيًا لوجوده تعالى.

هذا وقد وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه المتوفى سنة 150 هـ في كتابه "الوصية" :" ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق " اهـ.

وقال الإمام مالك رضي الله عنه المتوفى سنة 179 هـ :" الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع" اهـ. رواه البيهقي بإسناد جيد ، ولم يقل " والكيف مجهول ".

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه المتوفى سنة 204 هـ : "من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه ومن انتهى إلى العدم الصرف فهو معطل ومن انتهى إلى موجود واعترف بعجزه عن إدراكه فهو موحد" انتهى". رواه البيهقي وغيره .

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه  المتوفى سنة 241 هـ  "والله تعالى لا يلحقه تغير ولا تبدل ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش" ، وكان ينكر- الإمام أحمد – على من يقول" إن الله في كل مكان بذاته لأن الأمكنة كلها محدودة ". رواه الإمام أبو الفضل التميمي الحنبلي في كتاب " اعتقاد الإمام أحمد".



وقال الإمامان الجليلان أحمد بن حنبل وذو النون المصري المتوفى سنة 245هـ رضي الله عنهما :" مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك "انتهى . روى ذلك عن أحمد الإمام الفقيه أبو الفضل التميمي المتوفى سنة 410 هـ، وعن ذي النون الحافظ الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 هـ .

وهذا السلطان العادل العالم المجاهد صلاحُ الدين الأيوبي المتوفى سنة 589هـ رحمه الله أمر أن تذاع أصول العقيدة السنية على المنائر قبل أذان الفجر، وأن تُعلّم المنظومة التي ألّفها لهُ محمد بن هبة البرمكي المتوفى سنة 599 هـ للأطفال في الكتاتيب، ومما جاء فيها:            

 وصانع العالم لا يحويه                 قطر تعالى الله عن تشبيه

 قد كان موجودا ولا مكانا           وحكمه الآن على ما كانا

 سبحـانه جلَّ عن المكان                    وعزَّ  عن تغيـر الزمـان

 فقد غـلا وزاد في الغلو                     من خصـه  بجـهة العلو

وهذه العقيدة تدرس في جامعة الأزهر في مصر وفي جامعة الزيتونة في تونس بل وسائر المغرب العربي، وكذا في أندنوسيا وماليزيا وتركيا وسائر بلاد الشام والسودان واليمن والعراق والهند وباكستان وإفريقيا وبخارى والداغستان وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين .

هذا وقد نقل الإمام القرافي المتوفى سنة 684 هـ  والإمام السبكي المتوفى سنة 756هـ والحافظ العراقي المتوفى سنة 804هـ والشيخ ابن حجر الهيتمي المتوفى سنة 947 هـ وملا علي القاري الحنفي المتوفى سنة 1014هـ ومحمد زاهد الكوثري المتوفى سنة 1371هـ وغيرهم عن الأئمة الأربعة هداة الأمة الإمام أبي حنيفة والإمام مالك و الإمام الشافعي و الإمام أحمد رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم في حق الله.

ونص عبارة الشيخ ابن حجر الهيتمي في كتابه "المنهاج القويم" ص 224 :"واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك واحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بتكفير القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك " اهـ.

ونص عبارة الفقيه الحنفي ملاّ علي القاري في كتابه "شرح المشكاة" (ج3/300) :" قال جمع من السلف والخلف إن معتقِد الجهة (أي في حق الله) كافر كما صرح به العراقيّ وقال إنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني( المتوفى سنة 403 هـ)" انتهى.

وقَالَ الشَّيْخُ مَحْمُود مُحَمَّد خَطَّاب السُّبْكِيُّ المصري المتوفى سنة 1352 هـ : "وَقَدْ قالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ والخلف: إِنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللهَ في جِهَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ". ذَكَرَهُ في كِتابِهِ إِتْحافُ الكَائِنات ص 3-4

بل قالَ الإمامُ عَلِيُّ بْنُ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "سَيَرْجِعُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عِنْدَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ كُفَّارًا يُنْكِرُونَ خَالِقَهُم فَيَصِفُونَهُ بِالْجِسْمِ والأَعْضَاءِ". رَواهُ ابْنُ الْمُعَلِّمِ القُرَشِيُّ في كِتَابِهِ نَجْمُ الْمُهْتَدي وَرَجْمُ الْمُعْتَدي ص 588.

ونقل ابن المعلم القرشي المتوفى سنة 725 هـ في "نجم المهتدي"ص 551 عن "كفاية النبيه في شرح التنبيه" قوله :"وهذا ينظم من كفره مجمع عليه ومن كفرناه من أهل القبلة كالقائلين بخلق القرءان وبأنّه لا يعلم المعدومات قبل وجودها ومن لا يؤمن بالقَدَر. وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش كما حكاه القاضي حسين ( ت 462 هـ) هنا عن نص الشافعي رضي الله عنه". انتهى

وقال الإمام محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة 1083هـ في كتابه "مختصر الإفادات" ص 489 :" فمن اعتقد أو قال إنَّ الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر".

وقال في ص 490 :"ولا يشبه شيئًا ولا يشبهه شىء فمن شبهَهُ بشىء من خلقه فقد كفر كمن اعتقده جسمًا أو قال إنه جسم لا كالأجسام" انتهى.

منقول من المجلس الإسلامي الأعلى في استراليا

الأحد، 4 سبتمبر 2016

هذه رسالة للحذاق في التعرف على أسرار الخداع في الخطاب الديني لفرق التكفير والتطرف والغلو

كل من يحضر أو يستمع لأحد دعاة التكفير بمسمياتهم المختلفة، -وهابية، سلفية، سرورية، جامية، دواعش، تكفير وهجرة، .. إلخ- في أي منبر من المنابر، في حلقة، في الراديو، في التلفزيون، في مقاطع الفيديو، إلخ، يلاحظ أنهم يخدعون فريستهم من العامة والبسطاء بحيل ماكرة نلخص لكم بعضها في التالي:
1. الأسلوب الدرامي، فيوظفون قدراتهم الدرامية التمثيلية في إضفاء جو من الحماسة والإنبهار على الحاضرين، والتشدق والتفيقه لتصوير المتحدث على أنه متمكن ومستوثق مما يقول، فيذكر بعض الآيات مثلًا بالرقم ولا يحفظ إلا أرقام آيات معينة يوظفها دائمًا في كلامه، ويذكر أرقام صفحات معينة من كتاب برقم الصفحة ولا يحفظ شيئا عن بقية الصفحات من نفس الكتاب، وغيرها من الحيل الخبيثة ليوهم المتلقي البسيط أنه يحفظ الكتاب عن ظهر قلب. وقد يلعب دور الجرأة أو التحدي أو الوعيد لإيهام فريسته من الحضور أنه على حق وأن خصمه على باطل، وقد سبقهم الكفار والمنافقون إلى ذلك الأسلوب الخبيث لكن الله بينه في كتابه العزيز فقال جل وعلا: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [سورة اﻷنفال: 32]
ورغم هذا التحدي السافر فإن الله العلي، القدير، الجبار، المنتقم، القوي، العزيز، لم يمطر عليهم حجارة من السماء كما تحدوه، ليس لعجزه جل وعلا، لكن لحكمة يعلمها، صرح بها لأولي الألباب فقال في الآية التالية: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [سورة اﻷنفال: 33].

نعم يجيدون هذا التمثيل الدرامي ويوظفونه ببراعة في إضلال الناس. وقد اعترفوا مؤخرًا أنهم كانوا يزرعون  بعضهم في الحضور يتخللونهم في المحاضرات والدروس فيسألون أسئلة متفق عليها فيجيب المحاضر بأجوبة متفق عليها ويكون الضحية هم الحضور البسطاء.

بل ويأدون تمثيليات كاملة في بعض المساجد العامة، فيأتي اثنان منهم أحدهم متنكر كصوفي فيقدم درسًا ثم يقوم له زميله على أساس أنه وهابي فينقد كلام الأول، ثم يرجع الأول ويقر بأنه كان على باطل وأنه تائب من التصوف وغير ذلك من أنواع الدراما الرخيصة لكنها تنطلي على البسطاء الذين لا يتصورون ذلك.

2. تحريف معنى الكلام ليوافق مرادهم، سواء أكان ذلك في القرءان الكريم أو في السنة المطهرة أو في كلام الخصم. على سبيل المثال لا الحصر، معلوم أن عبارة (من دون الله) معناها (غير الله)، وقد وردت كثيرًا في القرءان الكريم لوصف الكفار والمشركين من عبدة الأصنام والأوثان والملائكة والجن البشر، كالنصارى الذين عبدوا المسيح عليه السلام وأمه. فلا يمكن أن تسحب الآيات التي وردت فيها هذه العبارة على من يؤمن بالله تعالى ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله!!! سبحانك هذا بهتان عظيم!

قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [سورة اﻷنعام: 108]
أي لا تسبوا الذين يدعون (غير الله) فيسبوا (الله) كرد فعل، فهل هناك مسلم يسب الله لتنزل عليه مثل هذه الآيات؟!
بل حتى مشركي أهل الكتاب ممن عبد عزيرًا وعيسى عليهما السلام لن يسبوا الله عز وجل لو سببت عزيرًا أو عيسى، فضلًا عن أن يسبه مسلم يؤمن بالله.
هذه نقطة دقيقة جدا، وهي أهم محور يستخدمونه في خداع الحاضرين لتسويغ تكفير الناس واتهامهم بالشرك.
لذلك تجد كل آياتهم التي يستدلون بها على تكفير المسلمين الموحدين تستند على هذه الحيلة الخبيثة، فعلى سبيل المثال قوله تعالى:
(وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) [سورة يونس: 106]
والدعاء بمعنى النداء، فهل لو ناداك والدك لتساعده في أمر ما ودعاك فقال لك: "يا فلان"، هل تنطبق عليه الآية السابقة؟ وأنه بموجبها قد أشركك بالله؟!
قطعًا لا، لأن معنى الآية: لا تدع إلها (غير الله) ترجو النفع منه ودفع الضر، فلا ضار ولا نافع في الحقيقة إلا الله، ولكن لا تعنى أن لا تنادي أحدا غير الله من الناس تنتفع به وتدفع به الضر بإذن الله ومشيئته.
فعبارة (من دون الله) هي للكفار والمشركين الذين يعبدون غير الله، أما المسلم فكل أمره (بإذن الله) وليس (من دون الله)، وشتان ما بين الإثنين، قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام:
(إنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ) [سورة آل عمران: 49]
كله بإذن الله وليس من دون الله لأن الله هو المحيي حقيقة وهو الشافي حقيقة.

أما كمثال على تحريف المعنى في السنة المطهرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيء) الحديث، والسنة هي أن تسن عملا لم يسبقك عليه أحد، فعندما كرهوا هذا المعنى الواضح لأنه حجة عليهم ويوافق مفهوم البدعة الحسنة عند جماهير أهل العلم، حرفوه فقالوا بل المعنى: (من أحيا سنة ميتة)، لكنهم نسوا أن تمامة الحديث (ومن سن في الإسلام سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء) فهل في الإسلام سنة سيئة يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحييها؟! فظهر تحريفهم للمعنى.

أما تحريفهم لمعنى كلام الخصم فأمثلته كثيرة جدا جدا، ومعلوم أن اللغة حمالة أوجه، والمجاز فيها واسع جدًا، وأن الكلام ينبغي أن يفهم على مراد المتكلم وليس على مراد السامع، لأن الغرض من الكلام أصلًا هو التعبير عن معنى أراده المتكلم، وعندما قال الشيخ البرعي رحمه الله تعالى: (أعبد إلهك يوت) زعموا أن للشيخ إلها واسمه (يوت)، والكل يعرف أن كلمة (يوت) كلمة عامية تعني (دائمًا) فيكون المعنى: (اعبد إلهك دائمًا).

الكل يعرف أن اللغة العربية غنية بالمجاز والاستخدامات الخفية لأغراض شتى منها تجنب الكذب، ومنها المزاح الصادق ومنها التعريض بغرض التنبيه والوعظ والتوبيخ، وغيرها. أما تجنب الكذب فكقوله صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء) فهل ماء اسم قبيلة؟! أم الماء المعروف: (وجعلنا من الماء كل شيء حي)؟!
وأما المزاح الصادق فكقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة عجوز) يعني أن الناس يعودون إلى الشباب في الآخرة فيدخلون الجنة شبابا. ومن ذلك أيضًا عبارات كثيرة نسبت للصوفية بعضها صحيح وبعضها مدسوس، ومن أمثلة ما اشتهر بين الناس قول أحدهم:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا *** وما الله إلا رهب في كنيسة

هذا نقد ساخر، يشبه الكاريكاتير في هذا العصر، وهو رسالة نقدية عميقة لمجتمع عصره يقصد منها أن التكالب على الدنيا والحرص عليها ورمز له بالكلب، وعلى ملذاتها ورمز له بالخنزير، هو إله الناس في عصره، أي شغلهم الشاغل. وأن الله بات عندهم كراهب في كنيسة، لا يُقصد إلا عند الكرب والشدائد.
ومنها أيضًا عبارة: (خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله)، فمعلوم أن الساحل هو الشاطئ البعيد كما قال تعالى: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) [سورة طه: 39] أي إقذفيه بشاطئ اليم يلقه اليم بالساحل أي بالشاطئ البعيد. إذًا فمعنى العبارة: (أن الأنبياء هناك والأولياء هنا وبينهما بحر)، لأن مقام الولاية لا يدرك مقام النبوة أبدًا، وغير ذلك من العبارات المشهورة.
والأولى إذا التبس معنى في عبارة نسبت لمسلم منتسب للدين والصلاح، أن نحملها على أحسن محمل ولا نسارع للفهم السيء كما وعظنا الله تعالى في حادثة الإفك فقال تبارك وتعالى:
(لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [سورة النور: 12]

وأن نسأل المتكلم عن مراده إذا أشكل علينا فهم معنى كلامه، بدل أن نفهمه كما نهوى ونريد فهذا بهتان، فإن كان المتكلم غائبًا أو ميتًا سألنا من يعرفه أو ينوب عنه.

وهذه الحيلة  هي من أوسع الأبواب التي يضللون بها البسطاء فكن على حذر من ذلك.

3. تصيد عثرات الخصم والطعن فيه والسخرية منه والاستهزاء به وسبه بأقذع السباب ليكون مهينا عند الحضور ومشوهًا في أذهانهم، وكلها أساليب إرهاب نفسية لا علاقة لها بالحجة والبرهان، ولا بهذا الدين السمح الذي يحرم البهتان والغيبة والسخرية من الناس والفحش والبذاءة والفجور في الخصومة.  فالمؤمن ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، ولا تحل له السخرية ولا الغيبة ولا تتبع عورات الناس وإحصاء عثراتهم وزلاتهم. فإن وقع خلاف بين مسلمَين فليس أفضل من إخلاص النية، والتناصح بالمعروف والجدال بالتي هي أحسن، فهكذا كان السلف الصالح.

4. تعمد تجاهل النية. معلوم أن الأعمال بالنيات، ولا قيمة لأي عمل إلا بنيته، لذلك نجد أن النية تكون أول شرط صحة في أي عبادة، فمن جاهد ليقال شجاع لم يكن جهاده مقبولًا عند الله تعالى لأن نيته لم تكن الجهاد في سبيل الله وإنما ثناء الناس. ومع محورية النية في عمل المسلم فإن فرق الخوارج تتعمد تجاهلها فتحكم على أعمال العباد بالظاهر، فتذكر للحضور مثلًا ظاهر الأعمال وتفسرها وتحكم عليها بمعزل عن اعتبار نية الفاعل، فيقع البسطاء فريسة لهذه الحيلة الخبيثة. وعندما أجاب سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما المشركين لطلبهم تحت وطأة التعذيب لم يكفر بذلك، بل قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عادوا فعد) لأنه قال ما قال مكرها ولم يكن يقصده، فأنزل الله في حقه قرءانًا يتلى، فقال تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). وعندما قال صاحب الضالة من شدة الفرح: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) لم يكفر، لأنه لم يكن يعني ظاهر ما قال.

5. الكذب، وهو منتشر جدا في أوساطهم، ويتهمون بعضهم البعض به كثيرا، ويثبتون كذب بعضهم بعض بالتسجيلات الصوتية والمرئية. لكنهم يوظفون الكذب في خطابهم الديني للنيل من الخصم ورميه بأمور باطلة تنفر الناس عنه كالتشيع أو التعامل بالسحر والكهانة، أو النصب والاحتيال .. إلخ بدون أن يكون عندهم دليل على افترائهم هذا.

6. التدليس على الناس وهو إخفاء الحق وهم يعلمون، فيذكرون مثلا قصصا غريبة وشاذة وردت في كتب طبقات ود ضيف الله مثلا أو في كتاب طبقات الشعراني وهم يعلمون أن ما في هذه الكتب لم يروَ بالإسناد للتحقق من وصحته، فلا يجوز الإحتجاج به، وأن هذه الكتب قد تواترت الأخبار أنه جرى عليها دس وتحريف، ومع ذلك يضللون العوام بما فيها من بواطيل وهم يعلمون.

كذلك هم يعلمون مثلًا أن الحركة الوهابية لا علاقة لها بعصر السلف لأنها ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري، وأن السلف هم أصحاب القرون المفضلة الثلاثة الأولى، لكنهم يدلسون على البسطاء في ذلك، ولا يبينون لهم تواريخ وفاة علمائهم حتى يظل البسطاء على ظنهم أن ابن باز وابن عثيمين والألباني ومحمد بن عبد الوهاب وابن القيم وابن تيمية من علماء السلف، وهم في الحقيقة من المتأخرين والمتأخرين جدًا ولا علاقة لهم بعصر السلف البتة، ومع ذلك تراهم ينسبون أنفسهم إلى السلف وهم أبعد الناس من أخلاق السلف وعلمهم وعملهم وأدبهم وخشيتهم.

ومن أمثلة التدليس أيضا المشهورة في خطابهم التضليلي إخفاء رأي الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم من السلف والخلف، وإظهار رأي مشائخهم وكأنه هو الرأي الوحيد في المسألة، وازدراء مخالفيهم من جمهور أهل العلم إن اعترض عليهم معترض بقول أحدهم، يزدرون به حتى لو كان صاحب الرأي المخالف من أجل علماء المسلمين الذين تلقتهم الأمة بالقبول.

7. يظهرون للناس من العامة والبسطاء أنهم أتباع الدليل، متى ما وجدوه فهم أهله وأحق الناس به، لكن هذا الزعم الكاذب يفتضح بجلاء في النصوص التي تخالف فهمهم، فتراهم يجتهدون وسعهم في تضعيفها أو تحريفها، أو يفسرونها بما يوافق رأيهم، ضاربين بعرض الحائط كلام المفسرين وشراح السنة. وعندما يقال لهم إن الإمام فلان قال كذا فيرد عليك: (أقول لك قال الله، أو قال رسول الله وتقول لي قال فلان؟!) وهم الحقيقة يقدمون فهمهم للنص على فهم الإمام الذي خالفهم لكن العامي البسيط لا ينتبه لذلك.

وبالجملة فإن هذه من الحيل الخبيثة التي تستخدمها الجماعات المتطرفة والتكفيرية في استقطاب البسطاء من العوام وخداعهم باسم الدين، ومن أشهر من يجيدون استخدام هذا الحيل:
👎 محمد سيد حاج
👎 محمد مصطفى عبد القادر
👎 شهاب عوض
👎 أبو بكر آداب
👎 مزمل فقيري
وغيرهم من دعاة الضلال.

              🌷🌷🌷

البسطاء الذين يستمعون لهؤلاء المرتزقة لا يدرون أنهم دعاة على أبواب جهنم، وأنهم يتاجرون بخداعهم هذا، فيقبضون الثمن من سفارات الدول الراعية لهذا الفكر الهدام على النشاط المحموم في استقطاب هؤلاء المساكين، إنه نشاط بالإنتاج، كلما تكلمت أكثر وأغويت أكثر كلما نلت مالًا أكثر. ولا أظنك تجد وهابيا فقيرًا إلا إن كان لا يحسن الخدمة، ولا عفيفًا نزيهًا إلا حديث عهد، ولا كريمًا، ولا خلوقًا، بل أغلب الظن تجده بذيئًا وحقودًا وحسودًا، يحب الشهوات من المال والنساء والطعام والنوم. تمعن فيمن تعرف، تجدهم كذلك.

📩 لا تدعها تقف عندك فالدال على، فالدال على الخير كفاعله

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

حديث عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه بعد الرسالة

أخرج الطبراني في الأوسط قال: حدثنا أحمد قال: نا الهيثم قال: نا عبد الله -بن المثنى- عن ثمامة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد ما بعث نبيا.

قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل، وهو ثقة.

فالسند صحيح رجاله رجال الصحيح، سوى الهيثم بن جميل وهو ثقة. 
عبد الله بن المثني أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجة ووثقه الدارقطني قال: عبد الله بن المثنى الأنصاري ثقة يحتج به، ووثقه ابن حبان وخرج له في صحيحه، وابن أبي حاتم، ويحي بن معين في رواية، وأبو زرعة والعجلي، وابن خلفون، قال الذهبي في المغني: صدوق لينه بعضهم.
وثمامة وثقه الإمام أحمد والنسائي وابن عدي.

إذًا فالسند لا غبار عليه.
لكن هناك من طعن في المتن لقوله: "بعد ما بعث نبيا" يرون أن الصواب بعد ما بعث رسولًا. لكن الصواب أن الرسول لا يبعث بل الذي يبعث هو النبي فيكون رسولًا بعد بعثته.
قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين)
ولم يقل فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين.
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ( كان الناس أمة واحدة )، قال: كانوا على الهدى جميعا، "فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين منذرين" فكان أول نبي بعث نوحا. وهكذا قال مجاهد. "أول نبي بعث نوحًأ".

وبذلك فإن الحديث صحيح سندًا ومتنًا.



بحث محكم في أن نجد الحجاز هي التي يخرج فيها قرن الشيطان


إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّه وخَلِيلُه، وخِيرَتُه مِنْ خَلْقِهِ وحَبِيبُه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، (آل عمران؛ 3: 102).
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، (النساء؛ 4: 1).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، (الأحزاب؛ 33: 70ــ 71).
«إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ْهَدْيِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَى آله وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ».
والصلاة والسلام والتبريكات التامة الدائمة على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المخلصين المجاهدين، وهو الأسوة الحسنة، نعم الأسوة، ونعم القدوة.
أَمَّا بَعْدُ: فقد كثر الجدل مؤخراً حول الحديث الصحيح، المتفق على صحته، حول (نجد): (هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)، وهل المقصود المنطقة المشهورة المعلومة المسماة: (نجد) في وسط الجزيرة العربية، أم أنها (نجد العراق)، كما يزعم البعض. وزاد الطين بلة أن الدوافع والأهواء المذهبية، والطائفية، بل والقبلية والجهوية، دخلت في الموضوع وأوشكت أن تفسده.
ولتحرير المسألة والخروج بها من الشبهات والظنون إلى مرتبة القطع واليقين لا بد:
أولاً: من معرفة الواقع الحسي للمناطق المسماة بذلك وعلاقتها الجغرافية بعضها ببعض، ونسبتها إلى موقع المدينة النبوية المنورة الشريفة جغرافياً؛
ثانياً: استجلاء المعني اللغوي والأصل التاريخي للتسمية بـ(نجد) وكذلك (العراق) بحيث لا تبقى في معانيها أي شبهة، ومدي انطباق لفظة (نجد) على (العراق)؛
ثالثاً: ولا بد من دراسة الحديث بكافة طرقه دراسة مشبعة للتعرف على اللفظ النبوي المعصوم، على أن يكون ذلك وفق القواعد التي أصلناها في البيان التأسيسي لحزب التجديد الإسلامي، (ملحق أصول الأحكام، وقواعد الاستنباط)، حيث قلنا:
[مـــادة (4): لا يحل الاستشهاد، ولا تقوم الحجة، بنص من مرويات السنة إلا إذا ثبتت صحته ونسبته إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إما ثبوتاً يقينياً قاطعاً بالتواتر، أو بأن يكون قد ثبت ثبوتاً يتجاوز كل شك معقول، أو مطعن مقبول، أو علة قادحة. كما لا يحل الاستشهاد بخبر ثابت صحيح إلا بعد استيعاب كل طرق روايته، وتحرير جميع ألفاظه، لتعيين اللفظ الثابت الصحيح، أو لاستنباط المعنى الثابت المشترك بين الطرق والروايات.
مـــادة (5): لا بد من اعتبار نصوص الكتاب والسنة جميعها نصاً واحداً متصلاً، على مرتبة واحدة من الحجية ومن وجوب الطاعة لها جميعها. فلا يجوز إعمال نص وإهمال آخر مطلقاً، ولا يحل تقديم نص على نص آخر أبداً، إلا ببرهان من النصوص نفسها، أو لضرورة حس أو عقل.
مـــادة (6): لا بد من إمضاء النصوص جميعها على عمومها وإطلاقها، فلا يحل تخصيص شئ منها أو تقييده إلا ببرهان منها، أو بضرورة حس أو عقل..... إلخ (راجع: البيان التأسيسي لتنظيم التجديد الإسلامي)].
فهذه القواعد تلزم باستقصاء الأحاديث الأخرى المتعلقة بالموضوع.
رابعاً: تحرير انطباق الأحاديث: هل هي لكل الأزمنة، أم لأزمنة مخصوصة فقط، وإن أمكن: على من تنطبق؟!
| فصل: المبحث الأول
بالنسبة للجزئية الأولى: نلاحظ أن الأحاديث الشريفة تتحدث عن اليمن، والشام، ونجد، والمشرق، وربما عن (العراق)، و(مصر). وكلها يزعم أنه قد تلفظ بها النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أبان إقامته في المدينة النبوية الشريفة المنورة (أو حولها)، فالمشرق إذاً ضرورة هو: بالنسبة للمدينة المنورة، وما حولها، ولا بد.
والمدينة النبوية الشريفة المنورة تقع تقريباً على خط عرض مدار السرطان. وإذا أردت الدقة المتناهية فإليك موقع المحراب الشريف (أو المنبر الشريف) الجغرافي بعينه:
(24°28‘02.78″N;039°36‘40.35″E) = (24°28.0463′N; 39°36.6725′E) = (24.4674389°N;39.6112083°E)
وموقع القبر الشريف (أو البيت الشريف) بعينه.
(24°28’3.21″N;39°36’41.18″E) = (24°28.0535′N; 39°36.6863′E) = (24.4675583°N; 39.6114389°E)
لذلك فإن الشمس تتعامد على المدينة المنورة في قمة الصيف (حوالي 23 من يونيو) فيكون مشرق الشمس، في رأي العين، شمال المشرق الجغرافي قليلاً. وإذا أردت الدقة فإليك الزاوية السمتية لشروق الشمس: 64 درجة. وكذلك يكون غروبها بزاوية سمتية مقدارها: 296 درجة. (الزاوية السمتية تقاس من الشمال الجغرافي، دوراناً مع عقارب الساعة نحو المشرق، من: صفر إلى 360 درجة). فمشرق الشمس في الصيف ليس هو المشرق الجغرافي (وزاويته السمتية: 90 درجة)، ولكنه منحرف نحو الشمال بنحو 26 درجة. أما في حضيض الشتاء (حوالي: 23 ديسمبر) فيكون مشرقها، في رأي العين، هو الجنوب الشرقي الجغرافي تقريباً. وإذا أردت الدقة فإليك الزاوية السمتية لشروق الشمس آنذاك: 116 درجة. وكذلك يكون غروبها بزاوية سمتية مقدارها: 244 درجة.
ولكن جمهور المخاطبين لا يتعاملون مع الخرائط الجغرافية والمساطر، لذلك نتوقع:
(1)- أن يطلق الإنسان العامي لفظة (المشرق) أيضاً على (الشرق) المنحرف بشمال خفيف، لذلك فإن الحزم والاحتياط يوجب السماح بالانحراف شمالاً (في اتجاه الشمال الشرقي) بزاوية معقولة. ولما كان الشمال الجغرافي المحض يبعد عن الشرق الصيفي المحض بأربع وستين درجة، فإنه من المستبعد أن يتساهل الناس فيدخلوا في مفهوم (الشرق) ما يجاوز ربع أو خمس هذه المسافة الزاوية أي نحو 14 درجة إضافية تجاه الشمال، أي بما مجموعه 40 من الشرق الجغرافي المحض، وإلا دخلنا منطقة الشمال الشرقي بلا شبهة؛
(2)- أنه نظراً لوقوع المدينة تقريباً على خط عرض مدار السرطان بحيث يبدوا مشرق الشمس منحرفاً إلى الجنوب في أكثر أيام السنة (بحيث تكون الشمس جنوبية شيئاً ما وقت الزوال)، ولقلة معلومات الناس الجغرافية، نتوقع أن يلتبس موقع العراق على كثير من الناس بالشمال الشرقي؛ وربما ظن بعضهم أن العراق في شرق المدينة؛
وبتأمل الخرائط والرسوم المرفقة يتضح أن الخط الحدِّي بزاوية سمتية مقدارها:52 درجة، وهو الخط الممتد من المدينة إلى الشرق بشمال بزاوية 38 درجة فقط، وهو شرق محتمل، ولعله أقصي ما يمكن أن يُسَمَّى شرقاً حتى من أقل العوام معرفة بالاتجاهات، وربما عده البعض شرقاً شمالياً ولا لوم عليهم في ذلك، لا يمر أصلاً في وسط العراق، وإنما يمر في الكويت (وهي من ولاية البصرة على التحقيق)، ماراً بأقصى جنوب منطقة البصرة، ثم يستمر نحو شمال شرق أيران، وهي الناحية المعروفة باسم: (خراسان)، ماراً ببلاد ما وراء النهر: تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وقرغيزيا، ماراً بشمال تركستان الشرقية التي تحتلها الصين، ثم يدخل الصين، ويعود فيغادرها، فمنغوليا، ثم يدخل الصين مرة أخرى، ويعود فيخرج منها، عابراً كوريا حتي يصل، تقريباً، إلى منتصف بلاد اليابان، لا يكاد يفلت منه شيء من ديار الشعوب التركية الطورانية.
وسوف يتبين قريباً، إن شاء الله تعالى، مسوغ تحديد هذه الزاوية السمتية (مقدارها: 52 درجة) بعينها، وذلك عند مناقشة طرق وألفاظ حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما. وحسبنا الآن أن نقول أنه الخط المنطلق من المحراب الشريف حيث كان النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقف خطيباً بعد الصلاة، أو يرتقي المنبر الشريف الملاصق لمصلاه، وموقعه مًعَلَّم بعلامات حسية أثرية محفوظة، معلوم علم يقين، ماراًبمسكن أم المؤمنين عائشة، رضوان الله وسلامه عليها. ومسكن أم المؤمنين عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، معلوم بيقين كذلك، فهو بيتها الذي يقع فيه القبر الشريف بعينه، (والقبر الشريف يقع حالياً تحت القبة الخضراء، التي يحتال آل سعود – أحفاد مسيلمة الكذاب أو لعلهم أحفاد اليهود – هذه الأيام لهدمها، وإزالتها من الوجود). وقد بالغنا في الاحتياط فاعتمدنا الخط المنطلق من المحراب الشريف ماراًبالطرف الشمالي لمسكن أم المؤمنين عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، حتى لا يحتج مكابر بأننا نحتال لإخراج العراق، أو غيره، من منطقة (المشرق) المذمومة؛
وإليك إحداثيات موقع الطرف الشمالي للقبة الخضراء، وهو في الحقيقة أبعد نحو الشمال من الطرف الشمالي لمسكن أم المؤمنين عائشة، حسما لأي جدل أو مماحكة:
(24°28’3.37“N;39°36’41.18″E) = (24°28.05616‘N; 39°36.6863′E) = (24.4676028°N; 39.6114389°E)
هذا التحديد الدقيق، من إنسان أُمِّي، لم يخرج من حدود جزير العرب إلا بفراسخ قليلة إلى بصرى الشام، في عصور ما قبل المساحة الجيوديسية والخرائط الجغرافية الدقيقة، أمر خارق للعادة عند المتأمل المنصف؛ وهو – بلا شك – آية له، وبرهان من براهين صدق نبوته، بأبي هو وأمي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

ملاحظات:
(1)ــ الشمال الجغرافي يقع إلى يمين الصفحة؛
(2)ــ يبدوا موقع المحراب، وكذلك القبر الشريف في صورة جوجل المأخوذة ببرنامج (Googleــ Earth) مباشرة، (أعلاه، إلي اليمين) كأنها في غير مواقها. هذا وهم نشأ من ميل الزاوية الأصلية عند التصوير. أما خريطة جوجل (أعلاه، إلي اليسار) فهي الدقيقة. هذه مأخوذة من برنامج الحساب المذكور في البحث، هو يستخدم خرائط، وصور، جوجل، بطريق غير مباشر؛
(3)ــ الصورة إلى اليسار مأخوذة من برنامج الحساب، وهو في الموقع المذكور أدناه. (لاحظ الإزاحة الوهمية):
وآخر الصور المدرجة أعلاه (الأسفل إلى اليمين) هي لامتداد الخط الحدِّي من المحراب الشريف إلى مشرق الشمس الشتوي، وهو أقصى المشارق إلى الجنوب، بزاوية سمتية قدرها: 116 درجة. فشرق المدينة النبوية الشريفة المنورة يضم معظم (نجد)، أي نجد جزيرة العرب المعروفة، في المسافات المباشرة القريبة: اليمامة والبحرين، وحتى عمان وظفار. ويضم الأهواز وأصفهان وخوزستان وكرمان ومكران وسجستان وخراسان (وبعض هذا يتداخل مع بعض أفغانستان)، وبلاد ما وراء النهر، وشمال غرب الصين، وبلاد الترك (ومنهم المغول والتتار) في المدى البعيد.
هذه هي الحقائق الحسية القاطعة، التي لا يجوز إغفالها وتجاوزها، ولا بحال من الأحوال. فالعراق المعروف هو قطعاُ ليس إلى الشرق من المدينة، ولكن ثلثه الشمالي (الموصل، وما حولها) يقع في شمال المدينة النبوية الشريفة المنورة (بزاوية سمتية قدرها: 15 درجات)، ووسطه (بغداد والكوفة والحلة – وهي: بابل قديماًــ والرمادي) في الشمال بشمال شرقي خفيف (بزاوية سمتية قدرها: 26 درجة)؛ وثلثه الجنوبي (البصرة وما حولها) يقع بالكاد في الشمال الشرقي الخالص (بزاوية سمتية قدرها: 45 درجات)، كما يظهر من الصور الآتية:
وحتى لو بالغنا فقلنا أن أهل المدينة على زمنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام،كانوا لا يعرفون إلا أن الأرض كلها إنما تنقسم فقط إلى شرق وغرب وشمال (أو شام)، وجنوب (أو يمن)، وأنهم كانوا لا يعرفون مفاهيم (الشمال الشرقي) أو (الشمال الغربي)، … إلخ، أصلاً، حتى لو تواقحنا وكابرنا وزعمنا ذلك، لوجب علينا أن نعتمد الخط بزاوية 45 بين الشمال والشرق مثلاً، فاصلاً بين ما يسمَّى شمالاً، وشرقا (ولا يتصور أو يعقل خيار غير هذا أصلاً)، لما دخل في مفهوم (الشرق) إلا البصرة وما حولها، وهو جزء ضئيل لا يبلغ عشر مساحة العراق الذي يتوجب اعتبار معظمه من (الشمال)، (شاماً):
وبهذا يظهر لك، على كل حال، ومهما تساهلنا في تحديد الاتجاهات، بطلان قول الإمام الخطابي: [نجد من جهة المشرق. ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة]، ثم قال بعدها فوراً: [وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة]، انتهى كلام الإمام الخطابي.
فنقول: جملة الإمام الخطابي الثانية: (وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور … إلخ)، صواب، وهي تنقض كلامه الأول، كما سيظهر قريباً، إن شاء الله.
وأما فقرته الأولى فخطأ محض، وهو برهان على ضحالة المعلومات الجغرافية أيام الخطابي، ولا يقول به، في أزماننا هذه، إلا كذاب أشر، مكابر وقح، أو صاحب بدعة وهوى، جمح به هواه حتى اختل عقله، وفسد دماغه: فلم يستطع تمييز يمينه من شماله، عياذاً بالله. ومن أمثلة هذا الهوى الجامح الذي يجعل الشمال غرباً ما قاله أحد مقلدة الألباني، المعظمين له إلى درجة التقديس، في كتاب [العراق في أحاديث وآثار الفتن (1/349)]: [قال شيخنا أسد السنة، ومحدث العصر الألباني - رحمه الله تعالى - بعد تخريجه حديث سعد بن أبي وقاص السابق، وبيان صحّته ما نصه: «واعلم أن المراد بأهل الغرب في هذا الحديث أهل الشام؛ لأنهم يقعون في الجهة الغربية الشمالية بالنسبة للمدينة المنورة التي فيها نطق – عليه الصلاة والسلام - بهذا الحديث الشريف، وبهذا فسر الحديث الإمام أحمد - رحمه الله، وأيده شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع من «الفتاوى» (7/446 و27/41، 507 و28/531، 552)، وقد أبعد النجعة من فسره من المعاصرين ببلاد (المغرب) المعروفة اليوم في شمال إفريقيا؛ لأنه مما لا سلف له؛ مع مخالفته لإمام السنة وشيخ الإسلام]، وقد نسفنا هذا القول نسفاً في صلب بحثنا المعنون: (بشائر النصر، بمناقب مصر) حيث حررنا معنى: (أهل الغرب)، و(الجند الغربي)، وألحقناه بكامله في ذبل يحثنا هذا، فليراجع.
وما أسلفنا يظهر لك أيضاً بطلان قول الشيخ حكيم محمد أشرف سندهو في رسالته المعنونة: (أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان)، حيث قال: (مقصود الأحاديث أن البلاد الواقعة في جهة المشرق من المدينة المنورة، هي مبدأ الفتنة والفساد، ومركز الكفر والإلحاد، ومصدر الابتداع والضلال، فانظروا في خريطة العرب بنظر الإمعان، يظهر لكم أن الأرض الواقعة في شرق المدينة إنما هي أرض العراق فقط موضع الكوفة والبصرة وبغداد)!!
ونحن نقول: ها هي الخرائط أمامنا، ولا تحتاج كبير نظر وإمعان للحكم على قوله بالسخف والتهافت والبطلان. فلعل الشيخ حكيم سندهو استخدم خريطة رسمها العور والعميان!
ولا صحة أيضاً لزعم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ أن (العراق) هو المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الحديث فقال: (إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: وأشار إلى العراق).
وهذان الشيخان: حكيم محمد أشرف سندهو وعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، إنما قالا ذلك في محاولةيائسة فاشلة للدفاع عن فرقتهم الوهابية الغالية المارقة الدموية، وزاد عليهما الألباني حيث اعترف بدوافعه صراحة في[سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (5/305)]: [وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح وذكر طرقه وبعض ألفاظه لأن بعضالمبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عنالتوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد (نجد) المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنما هي (العراق) كما دل عليه أكثر طرق الحديث، وبذلك قال العلماء قديما كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم]؛ ولكن يأبى الله إلا أن يظهر الحق بالأدلة الحسية المرئية في الآفاق: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}، (فصلت؛ 41: 53)، ولأدلة السمعية المحفوظة بحفظ الذكر: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، (الحجر؛ 15: 9).
| فصل: المبحث الثاني
وأما بالنسبة للجزئية الثانية: وهي استجلاء المعني اللغوي والأصل التاريخي للتسمية بـ(نجد) وكذلك (العراق)؛ فلعلنا نتأمل أولاً النصوص التالية، فأولها استقصاء الإمام الحافظ الحجة الكبير الخطيب البغدادي، لأصل التسمية بـ(العراق)كما هو:
* في (تاريخ بغداد، ج1، ص24): [أخبرنا علي بن أبي علي البصري قال: أنبأنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: بن الأعرابي: (إنما سمي العراق عراقا لأنهسفل عن نجد ودنا من البحر. أخذ من:عراق القربة، وهو الخرز الذي في أسفلها).
ــ وقال غيره: (العراق معناه في كلامهم الطير قالوا وهو جمع عرقة والعرقة ضرب من الطير. ويقال أيضا العراق جمع عرق).
ــ وقال قطرب: (إنما سمي العراق عراقا لأنه: دنا من البحر وفيه سباخ وشجر. يقال استعرقت ابلكم إذا أتت ذلك الموضع).
ــ أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال: نبأنا محمد بن العباس الخزاز قال: أنبأنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال: قال أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي: (العراق من بلد الى عبادان، وعرضه من العذيب الى جبل حلوان، وانما سميت العراق عراقا لأن كل استواء عند نهر أو عند بحر عراق، وإنما سمي السواد سوادا لأنهم قدموا يفتحون الكوفة فلما أبصروا سواد النخل قالوا ما هذا السواد!)].
وبغض النظر عن الأصل اللغوي الذي يحفه الغموض، فلا شك أن العراق المعروف بهذا الاسم: منخفض، مستوي، قريباً من سطح البحر، وهو قد سفل عن نجد، وهذه حقائق حسية، لا جدال فيها، كما هو ظاهر بيقين من الخرائط الطوبوغرافية التي ستأتي قريباً. ومن كان في شك من ذلك فليذهب بنفسه مصطحباً آلة قياس مناسبة، وليقس بنفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فالعراق أقرب أن يكون (غوراً)، وليس (نجداً) كما اعترف الإمام الخطابي، إذ قال: [وأصل (النجد) ما ارتفع من الأرض وهو خلاف (الغور) فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة].
وكذلك اعترف به الشيخ حكيم محمد أشرف سندهو في رسالته المشار إليها آنفاً، وهي المعنونة: (أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان)، حيث قال: (واتفقت كلمة شرّاح الحديث وأئمة اللغة ومهرة جغرافية العرب أن (النجد) ليس اسماً لبلد مخصوص، ولا اسماً لبلدة بعينها، بل يقال لكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها نجد، …)، مع كونه من أشد المدافعين عن القول بأن المقصود هو (العراق)، المعروف حالياً، أي (بلاد الرافدين)، وليس نجد جزيرة العرب.
ويؤيد هذا ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد نقله كلام الإمام الخطابي، آنف الذكر، إذ حكم بضعف كلام الداودي، كما هو في (فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج13، ص 47): [وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي: (ان نجدا من ناحية العراق)، فإنه توهم ان نجدا موضع مخصوص وليس كذلك بل: كل شيء ارتفع بالنسبة الى ما يليه يسمى المرتفع نجداً، والمنخفض غوراً].
والعراق، فضلاً، عن كونه ليس نجداً، أي ليس مرتفعاً من الأرض، فهو بالقطع خارج جزيرة العرب، الذي جاءت النصوص الشرعية بأحكام خاصة لها، من مثل: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، ونحو ذلك، فمن المحال أن يكون هو المقصود بلفظة (نجدنا)، والتي تشعر الإضافة فيها إلى المتكلمين أنها مكان معلوم مخصوص، وليس مجرد أي (مرتفع) من الأرض: فحتى لو كان العراق نجداً، وهو بالقطع ليس كذلك، لما جاز تجاوز (نجد) القريبة المعلومة، إلى نجد آخر بعيد إلا بموجب نص لآخر، أو بضرورة حس أو عقل. وإليك مجموعة من الخرائط الطبوغرافية التي توجب القطع بما قلناه آنفا:
| فصل: المبحث الثالث
وأما بالنسبة للجزئية الثالثة: فهي العمل الرئيسي ها هنا. وسنكتفي ها هنا بالتلخيص، مع ذكر كافة النصوص بطولها، وكامل أسانيدها، في الملحق إلا من استثناءات قليلة.
* الحديث الرئيس في هذه المسألة:
* كما هو في الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري، (ج1/ص351/ح990): [حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا حسين بن الحسن قال: حدثنا بن عون عن نافع عن بن عمر قال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال: قالوا وفي (نجدنا؟!)، قال: قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال: قالوا وفي (نجدنا؟!)، قال: قال: (هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)]
* وكما هو في الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري، (ج6/ص2598/ح6681): [حدثنا علي بن عبد الله حدثنا أزهر بن سعد عن بن عون عن نافع عن بن عمر قال: ذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، اللهم بارك لنا في شأمنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا يا رسول الله وفي نجدنا قال: اللهم بارك لنا في شأمنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال في الثالثة: (هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)]
وهو كذلك بنحو هذا اللفظ، بذكر (نجدنا)، برواية كل من: حسين بن الحسن، وأزهر بن سعد، كليهما عن بن عون عن نافع عن بن عمر، في عامة كتب الحديث: حيث أخرجه ابن حبان في صحيحه (ج16/ص292/ح7301)؛ والترمذي في سننه (ج5/ص734/ح3953)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث بن عون وقد روي هذا الحديث أيضا عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص118/ح5987)؛ والإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (ج2/ص904/ح1724)؛ وغيرهم كثير، فلا يكاد يخلو منه شيء من المسانيد والمعاجم والمصنفات والسنن.
* ولكن جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل، (ج2/ص90/ح5642): [حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا سعيد حدثنا عبد الرحمن بن عطاء عن نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا مرتين فقال رجل وفي (مشرقنا) يا رسول الله فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هنالك يطلع قرن الشيطان ولها تسعة أعشار الشر)]
* وأخرجه الطبراني بنحوه في معجمه الأوسط (ج2/ص250/ح1889): [حدثنا أحمد بن طاهر قال: حدثنا جدي حرملة بن يحيى قال: حدثنا بن وهب قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني عبدالرحمن بن عطاء عن نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا فقال رجل وفي مشرقنا يا رسول الله فقال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا فقال الرجل وفي (مشرقنا) يا رسول الله فقال اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا إن من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال)]، ثم قال الإمام الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عطاء إلا سعيد بن أبي أيوب تفرد به بن وهب).
قلت: ولكن عبد الرحمن بن عطاء بن كعب القرشي المدني، شيخ ليس بالقوي، وقال الحافظ: (صدوق فيه لين)، وذكره البخاري في كتاب الضعفاء فقال: (فيه نظر)، ولكن دافع عنه أبو حاتم حيث جاء في الجرح والتعديل (ج5/ص269/ت1269): [شيخ؛ قلت: (أدخله البخاري في كتاب الضعفاء)، فقال: (يحول من هناك)]؛ فلا يعارض به الأئمة الثقات الأثبات من أمثال عبد الله بن عون بن أرطبان (وعنه أبو بكر أزهر بن سعد السمان، وحسين بن الحسن). والظاهر أن أحاديث وآثار مختلفة تداخلت في ذهن عبد الرحمن بن عطاء فنشأ هذا المتن المنكر، ولعله هو الذي استبدل لفظة (نجدنا) بلفظة (مشرقنا)، وهو – على كل حالــ استبدال مقبول محتمل، لأن نجداً المعروفة تقع في مشرق المدينة النبوية قطعاً!
* وجاء أيضاً في (المعجم الكبير)، (ج12/ص384/ح13422): [حدثنا الحسن بن علي المعمري حدثنا إسماعيل بن مسعود حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عون عن أبيه عن نافع عن بن عمر ان النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك في يمننا فقالها مرارا فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا يا رسول الله وفي (عراقنا) قال: إن بها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان]
قلت: وهذا أيضاً لا شئ، لفظة شاذة: عبيد الله بن عبد الله بن عون ليس بذلك المشهور، وليس هو من أكابر أهل الحديث، ولم يخرج له الستة، ولا الإمام أحمد، وقال البخاري عنه في التاريخ الكبير: (معروف الحديث)، وقال أبو حاتم في (الجرح والتعديل): (صالح الحديث) فقط، فلا يعارض به الثقات الأثبات المشاهير من أمثال: أبي بكر أزهر بن سعد السمان، وحسين بن الحسن؛ ولا حتى عبد الرحمن بن عطاء بن كعب القرشي المدني، على عجره وبجره!
ولم يأت هذا عن سالم بن عبد الله عن أبيه إلا في روايتين، فيهما نظر:
* أولاهما كما هي في المعجم الأوسط (ج4/ص245/ح4098): [حدثنا علي بن سعيد قال: حدثنا حماد بن إسماعيل بن علية قال: حدثنا ابي قال: حدثنا زياد بن بيان قال: حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر عن ابيه قال: صلى النبي، صلى الله عليه وسلم، صلاة الفجر ثم انفتل فأقبل على القوم فقال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا فقال رجل: (والعراق) يا رسول الله فسكت ثم قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا ويمننا فقال رجل: (والعراق) يا رسول الله قال: (من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن)]
قلت: شيخ الطبراني علي بن سعيد بن بشير، أبو الحسن الرازي، حافظ مختلف فيه: تكلم فيه الدارقطني، وغيره. ولكن هذا لا تأثير له ها هنا لأن الإمام ابن عساكر أخرجه في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 131) بسنده إلى محمد بن عبدوس: حدثنا حماد بن إسماعيل بن علية به إلى منتهاه. كما أخرجه بإسناد آخر إلى سليمان بن عمر بن خالد الأقطع حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية به إلى منتهاه. ونسبه الألباني في (السلسلة الصحيحة، ج: 5 ص: 302)، عند دراسة الحديث رقم (2246) أيضاً إلى كل من: الربعي في (فضائل الشام ودمشق)؛ وأبي علي القشيري الحراني في (تاريخ الرقة) من طريق: العلاء بن إبراهيم حدثنا زياد بن بيان به.
وزياد بن بيان، وإن كان صدوقاً عابداً، كما نص عليه الحافظ، إلا أنه ليس من أهل الحديث المشاهير، وليس له من الحديث إلا هذا الحديث أعلاه، وحديث مرفوع آخر: (المهدي من ولد فاطمة)، وقد أنكر الإمام البخاري رفعه، وأثر في التسليم عن أبي بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، فلعلنا ندرس حاله في ملحق مستقل؛ فزياد بن بيان عن سالم ليس بالذي ينهض لمخالفة الإمام الثقة الثبت المشهور عبد الله بن عون عن نافع.
فالراجح أن الخطأ هنا إنما هو من زياد بن بيان، ولعله سمع كلام سالم لأهل العراق، أو علم به، فظن أن سالماً يعتقد انطباق الحديث على العراق أو أن (نجداً) المذكورة في الحديث تعني (العراق)، فتساهل في لفظ الحديث ورواه بالمعنى حسب فهمه. وقد يكون هذا التساهل اللفظي من سالم بن عبد الله بن عمر، كما سيتبين قريباً، إن شاء الله.
* وربما استند البعض، كما فعل الألباني، على ما جاء في مسند الشاميين، (ج2/ص247/ح1276): [حدثنا عبد الله بن العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي حدثني أبي أخبرني أبي حدثني عبد الله بن شوذب حدثني عبد الله بن القاسم ومطر الوراق وكثير أبو سهل عن توبة العنبري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك في مكتنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا اللهم بارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا فقال رجل يا رسول الله وعراقنا فأعرض عنه فرددها ثلاثا وكان ذلك الرجل يقول وعراقنا فيعرض عنه ثم قال: بها الزلازل والفتن وفيها يطلع قرن الشيطان]،
قلت: لم يبين عبد الله بن شوذب من أي الثلاثة (عبد الله بن القاسم ومطر بن طهمان الوراق وأبو سهل كثير بن زياد) أخذ اللفظ، لا سيما وأن مطر بن طهمان الوراق معروف بكثرة الخطأ. فيحتمل أن يكون هذا هو لفظه، أو تداخلت الألفاظ في بعضها البعض، وما كان هكذا فلا تقوم به حجة قاطعة، خصوصاً وأن مدار البحث يدور حول لفظة واحدة بعينها، فلا بد إذاً من المبالغة في تحرير الألفاظ، والتشدد في ذلك.
.* وجاء في (حلية الأولياء، ج: 6 ص: 133) ما يقوي مخاوفنا، إذ قال الإمام أبو نعيم الأصبهاني: [حدثنا عبدالله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبدالله حدثنا الحسن بن رافع الرملي حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن توبة العنبري عن سالم بن عبدالله عن أبيه أن عمر قال إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا،... إلخ)، فرددها ثلاث مرات، فقال الرجل: (يا رسول الله ولعراقنا)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان)].
وهذا إسناد منقطع مدلس، ثم قال الإمام أبو نعيم: (كذا رواه ضمرة عن ابن شوذب عن توبة ورواه الوليد بن مزيد عن ابن شوذب عن مطر عن توبة)، ثم ساقه: [حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر حدثنا عبدالله بن جامع الحلواني حدثنا عباس ابن الوليد بن مزيد حدثنا أبي حدثنا ابن شوذب حدثني عبدالله بن القاسم ومطر وكثير أبو سهل عن توبة عن سالم عن أبيه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مكتنا وبارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا وبارك لنا في صاعنا ومدنا فقال رجل يا رسول الله وفي عراقنا فأعرض عنه فقال فيها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان]
وقد أخرج الإمام ابن عساكر في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 130) إسناد بن شوذب المدلس، فقال: [أخبرنا أبو الفرج جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسي المكي بمدينة الرسول في مسجده بين قبره ومنبره، أنبأنا الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن فراس أنبأنا أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن عبد الله الديبلي حدثنا أبو عمير عيسى بن محمد بن النحاس حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن توبة العنبري عن سالم، أراه عن أبيه بنحوه]، ثم قال الإمام ابن عساكر: (كذا أخبرنا أبو جعفر، وكان أول كتابه قد ذهب، فكتب إسناده من لا يعرف فقال فيه: أخبرنا الديبلي؛ وإنما يرويه ابن فراس عن العباس بن محمد بن الحسن بن قتيبة عن أبي عمير؛ ورواه غير أبي عمير عن ضمرة بغير شك: أخبرناه أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر الزاغوني ببغداد أنبأنا محمد بن أحمد بن مسلمة حدثنا أبو طاهر المخلس). ثم أخرج إسنادين مختلفين إلى العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي بمثل حديث الطبراني في (مسند الشاميين).
ودرسه الألباني في (السلسلة الصحيحة، ج: 5 ص: 302)، الحديث رقم (2246)، فنسبه إلى ما ذكرنا أعلاه من المراجع باستثناء (مسند الشاميين) الذي فاته، كما نسبه أيضاً إلى كل من: الفسوي في (المعرفة، ج: 2 ص: 746)؛ والمخلص في (الفوائد المستقاة، ج: 7 ص: 2)؛ والجرجاني في (الفوائد، ج: 2 ص: 164). ثم قال الألباني: (من طرق عن توبة العنبري عن سالم عن أبيه أن النبي دعا، فقال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين).
فنقول: هذا في أحسن أحواله تدليس شنيع من الألباني، إن لم يكن خيانة صريحة: فكل الطرق تنتهي إلى عبد الله بن شوذب ثم تصعد مدلسة منقطعة، أو عن ثلاثة من الرواة لا يدرى لفظ من منهم هو، وبعضهم ليس بالمتقن: فكيف يكون هذا على شرط الشيخين؟؟!!
فهذه اللفظة: (عراقنا) في هذه الرواية إذاً في أحسن أحوالها شاذة، وإن كان الأرجح أنها منكرة، فهي لا تثبت أصلاً، ولا تجوز نسبتها إلى نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، ولا بحال من الأحوال.
غير أن ورود لفظة (عراقنا) من طريقين مستقلتين، وإن كان فيهما كلام، إلا أنهما ليستا بالساقطتين كلية عن الاعتبار، تشعر بأنها ربما كانت عن سالم بن عبد الله، ويكون سالم روى الحديث بالمعني لقناعته بأن (نجدنا) تعني العراق، حيث فهم ذلك، من الحديث الآخر، الذي سيأتي قريباً، وهو فهم خاطئ يقيناً، كما أسلفنا، وكما سيأتي. وعلى كل حال فإن سالم بن عبد الله، على وثاقته وجلالة قدره، لا يتقدم على نافع. وجمهور الأئمة على تقديم نافع على سالم في حالة الخلاف، لا سيما أن نافعاً أكثر تثبتاً في الألفاظ.
وشذَّت رواية عن نافع عن بن عمر لا يعتد بها، لا سنداً ولا متناً:
* كما هي في مسند الشاميين (ج2/ص270/ح1319): [حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي عن أبيه حدثني أبو رزين الفلسطيني عن أبي عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك عن نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وفي مكتنا وفي مدينتنا وفي شامنا وفي يمننا!)، فقال رجل: يا رسول الله: وفي العراق ومصر؟!)، فقال: (هناك يطلع قرن الشيطان؛ وثم الزلازل والفتن)]، وقد أخرجه الإمام ابن عساكر في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 135) من عدة طرق كلها إلى محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي هذا عن أبيه، وفيما أعلم لم يتابعهما أحد في العالم على هذا قط.
قلت: وهذا إسناد ساقط، بل هو ظلمات بعضها فوق بعض: يزيد بن سنان الرهاوي، وكذلك ابنه محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي ضعاف. وأبو رزين الفلسطيني مجهول، ومن المحتمل، وإن كان هذا مستبعداً، أن يكون مسرة بن معبد اللخمي الفلسطيني، وهو مختلف فيه: ذكره في الضعفاء وقال: (لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الاثبات)؛ ذكره بن حبان في الثقات، فقال: (كان ممن يخطى)؛ وذكره في مشاهير الأمصار، وقال: (وكان يغرب). والمتن أكثر سقوطاً: فما ورد في مصر ذم من هذا النوع إطلاقاً: هذا كلام متعصب كاذب أراد الثناء على الشام، وفي نفس الوقت مذمة مصر والعراق!
وشذَّ حديث عن ابن عباس، لا يعتد به، لا سنداً ولا متناً:
* كما هو في المعجم الكبير (ج12/ص84/ح12553): [حدثنا محمد بن علي المروزي حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن المنيب حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان عن أبيه عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: دعا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وبارك لنا في مكتنا ومدينتنا وبارك لنا في شامنا ويمننا!)، فقال رجل من القوم: (يا نبي الله، وعراقنا؟!) فقال: (إن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن. وإن الجفاء بالمشرق!)]، وقد أخرجه الإمام ابن عساكر في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 138) من طريق الطبراني هذه،
ولكن: عبد الله بن كيسان، هو أبو مجاهد عبد الله بن كيسان المروزي، وهو كثير الخطأ، لا تقوم به حجة. وابنه إسحاق بن عبد الله بن كيسان أضعف منه، وهو (منكر الحديث) كما قال الإمام البخاري، لا سيما إذا روى عن أبيه؛ وجاء في لسان الميزان (ج1/ص365/ت1134): [إسحاق بن عبد الله بن كيسان المروزي شيخ لعبد العزيز بن المنيب لينه أبو أحمد الحاكم انتهى. وقال البخاري في ترجمة عبد الله بن كيسان: (له ابن يسمى إسحاق منكر الحديث)؛ وقال بن حبان في الثقات: (يتقي حديثه من رواية ابنه عنه)؛ وأورد أيضا في مسند بن عباس من المختارة من رواية إسحاق هذا عن أبيه عن عكرمة عن بن عباس حديثا طويلا في نزول: {إذا جاء نصر الله والفتح}، فتعقبه الصدر الياسوفي فيما رأيت بخطه فقال: (هو من رواية إسحاق عن أبيه وفيهما الضعف الشديد)].
قلت: فظهر بذلك أن قول الهيثمي في (مجمع الزوائد) عند تعقيبه على هذا الحديث: [رجاله ثقات] وهم فاحش. وبذلك تكون لفظة (عراقنا) في الحديث لفظة منكرة (رواية)، أي من حيث الإسناد، لمخالفة الراوية الضعيف للثقات، وهي كذلك منكرة (دراية)، أي من حيث المتن، بقرينة لفظة (المشرق)، والعراق ليس بمشرق المدينة أصلاً، كما حررناه أعلاه، على فرض ثبوت أصل الحديث، أو بعض فقرات الحديث، عن ابن عباس أصلاً، وهو لا يثبت بمثل هذا الإسناد الساقط!!
ولا شك أنه من المحال الممتنع أن يكون العراق المعروف بعينه هو نجد جزيرة العرب المعروف بعينه، لأنهما مكانان معروفان مختلفان منفصلان، ومن المحال أيضاً أن يكون المقصود هو العراق، ويسميه نبي الله الخاتم: نجداً، فيكون قد لبس علينا، ولم يقم بما أوجب الله عليه من البيان الكافي، لا سيما أنه أن خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وقت لأهل نجد (قرن المنازل) يهلون منه، ووقت لأهل العراق (ذات عرق): فما باله هنا صرح وأبان، وهناك تكلم بالأحاجي والألغاز؟!
فلا بد إذاً من أن أحد ثلاث احتمالات:
(1) اللفظ النبوي هو (نجدنا) في أحاديث، و(مشرقنا) في أحاديث أخر: فلفظة (عراقنا) من أوهام الرواة، أو من روايتهم بالمعنى وفق ظنهم. وهذا هو ما ترشد إليه دراسة الأسانيد وفق أصول هذا الفن؛
(2) اللفظ النبوي هو (عراقنا). ولفظة (نجدنا) من أوهام الرواة، وهذا بعيد جداً، بل هو إلى المحال أقرب؛
(3) اللفظ النبوي هو (مشرقنا). ولفظتا: (نجدنا)، و(عراقنا) كلاهما من تصرفات أو أوهام الرواة، وهذا أيضاً بعيد جداً؛
والاحتمال الأول هو الحق المقطوع به، كما تشهد به الأحاديث التالية، التي تقطع الشك باليقين، وتبرهن أن لفظة (المشرق) قد وردت في أحاديث أخرى، فتداخل الأمر في أذهان بعض الرواة الضعاف أو المتساهلين في الرواية بالمعنى:
* حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: [رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشير إلى المشرق، ويقول: (ها: إن الفتنة ههنا، إن الفتنة ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان)]، كما رواه عنه النجوم الثواقب: مالك، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن جعفر.
وهو مروي بنحوه عن نافع عن عبد الله بن عمر، رواه عنه النجوم الثواقب: عبيد الله بن عمر، وهو في الطبقة العليا من الرواة عن نافع، والبعض يقدمه حتى على مالك وأيوب، وليث بن سعد، وأيوب بن موسى، وهما من أهل المراتب العالية في نافع، وإن كانا دون عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب.
وهو مروي بنحوه أيضاً عن سالم بن عبد الله عن أبيه، رواه عنه محمد بن شهاب الزهري، وحسبك به، وعكرمة بن عمار. وأبو خريم عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، وعمر بن محمد، وفضيل بن عزوان، وعلي بن زيد بن جدعان قولاً واحداً، واضطرب فيه راوية أو إثنان، كما سيأتي قريباً، إن شاء الله:
* كما هو في الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري، (ج3/ص1195/ح3105): [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشير إلى المشرق فقال: (ها إن الفتنة ها هنا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان)]، وتجد في الملحق كافة الأسانيد والطرق التي لخصناها أعلاه.
* وعقب الإمام أبو حاتم محمد بن حبان في (صحيح ابن حبان) بعد ذكر الحديث بنحوه قائلاً: [مشرق المدينة هو البحرين ومسيلمة منها وخروجه كان أول حادث حدث في الإسلام]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرطهما)؛ قول الإمام ابن حبان: (البحرين ومسيلمة منها) ليس بالدقيق، إلا إذا قلنا أنه قصد: جهة البحرين، فهذا صحيح: لأن مسيلمة من اليمامة، وهي من سافلة نجد، وبعدها صحراء الدهناء، ثم (البحرين) التي تسمَّى في أيامنا هذه: (الأحساء)، والناس، في عصرنا هذا، يقتصرون بلفظة (البحرين) على الجزيرة الصغيرة المعروفة.
* وفي (صحيح الإمام مسلم (ج4/ص2229/ح2905)) ذكر المكان الذي تكلم فيه النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بذلك: [وحدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثني (ح) وحدثنا عبيد الله بن سعيد كلهم عن يحيى القطان (قال القواريري: حدثني يحيى بن سعيد) عن عبيد الله بن عمر حدثني نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: (الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)، قالها مرتين أو ثلاثا]، وقال الإمام مسلم: (وقال عبيد الله بن سعيد في روايته قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند باب عائشة).
قلت: الصحيح هو ذكر (عائشة) كما يظهر من مجموع الروايات المتضافرة، وتجد طرفاً منها في الملحق.
* ولكن جاء في الجامع الصحيح المختصر (ج3/ص1130/ح2937): [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قام النبي، صلى الله عليه وسلم، خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان].
قلت: هذا اللفظ: (فأشار نحو مسكن عائشة) تفرد به جويرية عن نافع. وأكثر الرواة يقول: (كان قائما عند باب عائشة)، وجاء أيضاً: (خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بيت عائشة):
* كما هو في صحيح الإمام مسلم (ج4/ص2229/ح2905): [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن عكرمة بن عمار عن سالم عن بن عمر قال: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بيت عائشة فقال: (رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)، يعني المشرق]، وهو بنحوه في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج2/ص26/ح4802)، وغيرهما.
وبتأمل ألفاظ الحديث المختلفة وملابساتها، يظهر الآن – خلافاُ لما قلته في الإصدار القديم – أنه من المستبعد لأن يكون النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال ما قاله، أو قام خطيباُ عند باب عائشة. بل كانت عادته أن بصعد المنبر فيخطب، أو ينفتل من صلاته فيقف في محرابه ويتكلم. ولذلك نرجح أنه خطب (فأشار نحو مسكن عائشة): فإما أن يكون ذكر (باب عائشة) وهماً من بعض الرواة، التبست عليه جملة (أشار نحو مسكن عائشة) بجملة (خرج من مسكن عائشة)؛ أو، وهو الأولى: أن يكون حديث جويرية عن نافع هو الصحيح، ولكن فيه اختصار، والأصل هو: [خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، من باب عائشة، فصعد المنبر خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان]، أو نحواً من ذلك، فإن كان هذا صحيحاً فإنه يعني أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خرج من بيت عائشة متوجها إلى المنبر فمخاطباً الحضور فوراً، وهذا يدل على الاهتمام والاستعجال، فكأنه جاءه وحي بذلك تلك الساعة.
* وكذلك جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل، (ج2/ص143/ح6302): [حدثنا بن نمير حدثنا حنظلة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن بن عمر قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشير بيده يؤمالعراق ها ان الفتنة ههنا ها ان الفتنة ههنا ثلاث مرات من حيث يطلع قرن الشيطان]
قلت: هذه تفرد بها عبد الله بن نمير عن حنظلة، خالفه إسحاق بن سليمان العبدي الرازي، فرواه بلفظ (المشرق)، كما هو عند الإمام مسلم في الصحيح من طريق محمد بن عبد الله بن نمير عن إسحاق بن سليمان العبدي الرازي!
وكنا قد تعجلنا فحكمنا على لفظة (العراق) بالشذوذ وذلك لما يظهر من متابعة الروايات الأخرى عن سالم بن عبد الله بن عمر، رضوان الله عليهم، من غير طريق حنظلة، والصحاح منها تجمع كلها على لفظة: (المشرق) أو (من حيث يطلع قرن الشيطان)، وليس فيها لفظة (العراق) البتة، كما هو في رواية الإمام محمد بن شهاب الزهري (وهو أجل وأحفظ وأثبت من حنظلة)، وكل من: عكرمة بن عمار. وعقبة بن أبي الصهباء أبو خريم الباهلي، وعمر بن محمد، وفضيل بن غزوان، وكلهم ثقات مشاهير، وكذلك علي بن زيد بن جدعان (وليس هو بالقوي). وقلنا، أيضاً آنذاك: فهذه نصوص صريحة على صحة وثبوت لفظة: (المشرق) عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ونحن نستدرك الآن فنقول: الذي يظهر أن أصل حديث بن عمر هو: [خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، من باب عائشة، فصعد المنبر خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان]، أو نحواً من ذلك، ومسكن عائشة هو في الشمال الشرقي من المحراب أو المنبر: فذكره نافع عن عبد الله بن عمر هكذا صراحة في بعض المرات، وترجمه إلى: المشرق في أكثر المرات، وأما سالم فجعله نحو العراق، ولا لوم عليه في ذلك لأن جانب العراق الجنوبي هو إلى الشمال الشرقي من المدينة، ونصفه الشمالي يكاد أن يكون شمال المدينة خالصاً، ولا ننتظر من سالم، أو غيره من أهل ذلك العصر، أن يكون لهم علم بالمساحة الأرضية والجغرافيا أكثر من ذلك. ولذلك لا نستغرب أن تأتي بعض من الروايات عن سالم بلفظ: (العراق).
* وجاء إيضاح الإشكالات في صحيح الإمام مسلم (ج4/ص2229/ح2905): [حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان وواصل بن عبد الأعلى وأحمد بن عمر الوكيعي (واللفظ لابن أبان) قالوا: حدثنا ابن فضيل عن أبيه قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: (يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة: سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن الفتنة تجيء من هاهنا)، وأومأ بيده نحوالمشرق، (من حيث يطلع قرنا الشيطان!). وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض؛ وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل له: {وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا}]. وقال الإمام مسلم: (قال: أحمد بن عمر في روايته عن سالم لم يقل سمعت)، وهو بعينه في (مسند أبي يعلى) وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، قلت: نعم هو كذلك، وهو أيضاً على شرط مسلم!
قلت: أما توبيخ سالم بن عبد الله بن عمر لأهل العراق، كما جاء في الحديث الصحيح، آنف الذكر، فإنما هو رأي واجتهاد من سالم فقط، فليس هو إذاً حجة، وإنما الحجة في روايته، لا في رأيه؛ وهو قد روى صراحة: (وأومأ بيده نحو المشرق). فلعل سالماً توهم أن الحديث ينطبق على العراق لأنه ظنه، كما أسلفنا، شرق المدينة محضاً، وهو ليس كذلك يقيناً، والله أعلم.
وبهذا تتضح المسألة، وتنجلي الإشكالية، بأن لفظة (العراق) إنما هي في الأصل من سالم بن عبد الله بن عمر، الذي ضاق ذرعاً بتقاتل أهل العراق في عصره، فوبخهم على ذلك، وهو محق في هذاً التوبيخ، وظن أن الحديث ينطبق عليهم، فذكره لهم، وهو مخطئ في هذا التطبيق، لأن التقاتل موجود في كل أنحاء الدنيا، شرقاً وغرباً، شاماً ويمناً؛ وإنما تميزت نجد (مشرق المدينة)، والمشرق الأقصى بزيادة من ذلك فاحشة، تفوق ما يوجد في غيرها من الأقطار، كما سيأتي مزيد بيان له.
وربما كابر بعض الزاعمين بان المقصود هو: (العراق)، فاحتج بالحديث التالي:
* الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2541/ح6535): [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا الشيباني حدثنا يسير بن عمرو قال قلت لسهل بن حنيف هل سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول في الخوارج شيئا قال سمعته يقول، وأهوى بيده قبل (العراق)، يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية]؛
ــ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج6/ص91/ح5608): [حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب (ح) وحدثنا محمد بن حيان المازني حدثنا محمد بن عبيد بن حساب (ح) وحدثنا أبو حصين القاضي حدثنا يحيى الحماني قالوا حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا سليمان الشيباني حدثنا يسير بن عمرو قال قلت لسهل بن حنيف هل سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول في الخوارج شيئا قال سمعته يقول وأهوى بيده نحو (العراق) يخرج بينهم قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية]؛
فنقول: جملة: (أهوى بيده قبل (العراق) من كلام سهل بن حنيف، وفق فهمه لإشارة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فقد يكون مصيباً، وقد يكون مخطئاً في تقدير الاتجاهات، كما كان هو الحال بالنسبة لسالم بن عبد الله بن عمر. والصحيح أنه مخطئ بشهادة الحديث التالي:
* الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2749/ح7123): [حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (المَشْرِقِ)، وَيَقْرَؤونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لاَ يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، قِيلَ: (مَا سِيمَاهُمْ؟)، قَالَ: «سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ»، أَوْ قَالَ:«التَّسْبِيدُ»]؛ وهو بعينه فس شرح السنة للبغوي (10/234/2558): [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ به]، وعقَّب محي السنة قائلاً: (التَّسْبِيدُ: هُوَ الحَلْقُ وَاسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ، وَيُقَالُ: هُوَ تَرْكُ التَّدَهُّنِ وَغَسْلِ الرَّأْسِ. رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسَ قدِمَ مَكَّةَ مُسَبِّدًا رَأْسَهُ، وَأَرَادَ تَرْكَ التَّدَهُّنِ وَغَسْلِ الرَّأْسِ)؛
ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص64/ح11632) بلفظ: [حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَخْرُجُ أُنَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ» قِيلَ: (مَا سِيمَاهُمْ؟)، قَالَ: «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ وَالتَّسْبِيتُ»]
ــ وبنحوه أبو يعلى في مسنده (ج2/ص409/ح1193): [حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، بنحوه]؛
فنقول: أولاً: جملة: (يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (المَشْرِقِ)) فإنما هي من كلام المعصوم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وهذا قطعاُ أولى بالتقديم من فهم سهل بن حنيف لإشارته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛
وثانياً: لا يشك أحد في العالم أن أبا سعيد الخدري، رضي الله عنه، أحفظ وأثبت وأتقن وأوسع رواية من سهل ين حنيف، رضي الله عنه؛ وأبو سعيد معروف بالتشدد في الرواية باللفظ؛ وكذلك لا يشك أحد أن معبد بن سيرين أشهر وأوثق من يسير (أو: أسير) بن عمرو؛ والإمام محمد بن سيرين من رؤوس الحفظ والتثبت والإتقان؛ وهو أيضاً معروف بالتشدد في الرواية باللفظ، بل ورفض الرواية بالمعنى، ولا شك أنه فوق أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني؛ ومهدي بن ميمون ليس بدون عبد الواحد بن زياد، بل لعله فوقه؛ فهذا الإسناد إذاً أصح وأولى بالتقديم من إسناد حديث سهل بن حنيف؛
وثالثاً: إن كان أبو سعيد الخدري سمع من النبي ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في مناسبة أو جلسة غير التي سمع فيها سهل بن حنيف، فحيثه زيادة بيان وإيضاح لإشارة النبي ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التي ربما كانت نحو بيت عائشة، فأساء سهل بن حنيف فهمها. وأما إن كانا سمعا ذلك في نفس الجلسة فرواية أبي سعيد برهان على أن سهلاً لم يحفظ كما ينبغي: فهو لم يحفظ تمام اللفظ النبوي، ولعله لم يحفظ أو يفهم الإشارة على وجهها.
ويؤيد قولنا هذا:
* ما جاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/556/8558): [أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: خَرَجْتُ حَاجًّا، فَقَالَ لِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتَرٍ قَاضِي أَهْلِ مِصْرَ: أَبْلِغْ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَعْلِمْهُ أَنِّي قَدِ اسْتَغْفَرْتُ الْغَدَاةَ لَهُ وَلِأُمِّهِ، فَلَقِيتُهُ فَأَبْلَغْتُهُ، قَالَ: وَأَنَا قَدِ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ أُمَّ حَنْو، يَعْنِي مِصْرَ؟)، قَالَ: فَذَكَرْتُ لَهُ مِنْ رَفَاهِيَتِهَا وَعَيْشِهَا، قَالَ: (أَمَا إِنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْضِ خَرَابًا، ثُمَّ أَرْمِينِيَةُ، قُلْتُ: (سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم؟)، قَالَ: لَا؛ وَلَكِنْ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِنَّهَا تَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ، وَتُقَذِّرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ فَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ»؛ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (الْمَشْرِقِ) يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ، حَتَّى يَخْرُجَ فِي بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ»]، ثم قال الإمام الحاكم: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ؛ فَقَدِ اتَّفَقَا جَمِيعًا عَلَى أَحَادِيثِ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ)؛
قلت: إنما أخرج البخاري لموسى بن علي بن رباح اللخمي المصري وأبيه في الأدب المفرد فقط؛ وكلاهما ثقة صدوق؛ ولكن في أبي صالح عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، كاتب الليث نزاع معروف. ولكن هذا لا يضر ها هنا لورود الحديث من طريق مستقلة تمام الاستقلال:
* فقد جاء في مسند أبي داود الطيالسي (4/48/2407): [حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو نَوْفًا فَقَالَ: حَدِّثْ، فَإِنَّا، قَدْ نُهِينَا عَنِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُحَدِّثَ وَعِنْدِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، يَخْرُجُ خِيَارُ الْأَرْضِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ»؛ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (الْمَشْرِقِ) يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ ثُمَّ يَخْرُجُ فِي بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ»]؛ وهو في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (8/118/7622)، ثم قال: (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْه: “يَخْرُجُ نَاسٌ… ” إِلَى آخِرِهِ دُونَ بَقِيَّتِهِ).
ــ وهو بأتم لفظ في تاريخ دمشق لابن عساكر (1/161): [أخبرنا أبو القاسم بن الحصين حدثنا أبو علي بن المذهب أخبرنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا أبو داود (وعبد الصمد المعني)، قالا: حدثنا هشام عن قتادة عن شهر قال أتى عبد الله بن عمرو على نوف يعني البكائي، وهو يحدث فقال حدث فإنا قد نهينا عن الحديث فقال ما كنت لأحدث وعندي رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم من قريش فقال عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول ستكون هجرة بعد هجرة بخيار الأرض قال عبد الصمد لخيار الأرض إلى مهاجر إبراهيم فيبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم الأرضون وتقذرهم نفس الله عز وجل وتحشرهم النار مع القردة والخنازير ثم قال حدث فإنا قد نهينا عن الحديث فقال ما كنت لأحدث وعندي رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم من قريش فقال عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول يخرج قوم من قبل (المشرق) يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما قطع قرن نشأ قرن كلما قطع قرن نشأ قرن حتى يخرج في بقيتهم الدجال]؛
ــ وهو باختصار في المعجم الكبير للطبراني (ج13-14/ص618/ح14540): [حدثنا محمَّد بن علي الصَّائغ، حدثنا بكر بن خَلَف، حدثنا معاذُ بن هشام، حدثني أبي، عن قَتادة، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الله بن عَمرو، قال: سمعتُ النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، يقول: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (المَشْرِقِ)، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ، حَتَّى يَكُونَ مَعَ بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ»]؛ وبعينه في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (6/230/10417)، ثم قال: (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ)؛ قلت: بل هو إلى الصحيح أقرب لعدم صحة الكلام في شهر بن حوشب.
| فصل: روايات مؤيدة لحديث الباب
* ويؤيده (أي حديث الباب)، ويزيده بياناً، أيضاً حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري: [أشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده نحو اليمن فقال: (الإيمان يمان ها هنا؛ ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)]
* كما هو في الجامع الصحيح المختصر (ج3/ص1202/ح3126): [حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن إسماعيل قال: حدثني قيس عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: أشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده نحو اليمن فقال: (الإيمان يمان ها هنا؛ ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج3/ص1289/ح3307)؛ ومسلم في صحيحه (ج1/ص71/ح51)؛ والحميدي في مسنده (ج1/ص217/ح458)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص118/ح17107)، و(ج5/ص273/ح22397)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص209/ح565)، و(ج17/ص209/ح566)، و(ج17/ص209/ح567)، و(ج17/ص210/ح568)، و(ج17/ص212/ح577)؛ والقضاعي في مسند الشهاب (ج1/ص129/ح163)؛ وابن حنبل في فضائل الصحابة (ج2/ص862/ح1608)؛ وربما غيرها.
قلت: وهذا الحديث أكثر صراحة في ذكر (نجد) جزيرة العرب، فهي:
(1)ــ أرض الفدادين، رعاء الإبل. والعراق أرض زراعة وصناعة وتجارة، وما كانت آنذاك أرضاً لرعاء الإبل، ولا هي كذلك الآن؛
(2)ــ و(نجد) جزيرة العرب، هي بلاد ربيعة ومضر. وليس بالعراق آنذاك من مضر أحد يعتد به. وفي أقصى جنوبه (المناطق التي يسمونها الكويت وما حولها) يسكن بعض بني شيبان، من ربيعة، رهط المثنى بن حارثة الشيباني، رضي الله عنه؛ وفي أقصى شماله الغربي، من جهة الجزيرة، بطون من تغلب، إلا أن الجزيرة تعتبر في العادة شامية، وليست عراقية. أما العراق فعامة أهله من الفرس والأكراد والنبط (وهؤلاء، في الأرجح، من أصول سامية وقحطانية قديمة)، ثم بطون من قبائل اليمن.
* ويؤيده حديث أبي هريرة: وتمام نصه، كما هو من مجموع الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما، التي تجدها في الملحق، إذا ألفت تأليفاً صحيحاً: [لما نزلت: {إذا جاء نصر الله والفتح}، قال: النبي، صلى الله عليه وسلم: (أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوباً وأرق أفئدة: الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان؛ السكينة والوقار في أهل الغنم؛ والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل؛ والجفاء والقسوة وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل من ربيعة ومضر، ورأس الكفر نحو المشرق)]؛(وجاءت رواية صحيحة بزيادة: وأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)؛
ورواه كذلك العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه، وزاد فيه (أي: العلاء): [ويأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة، حتى إذا جاء دبر أحد تلقته الملائكة: فضربت وجهه (وقال مرة: صرفت وجهه) قبل الشام هنالك يهلك، هنالك يهلك!]؛ وهي زيادة صحيحة على شرط الإمام مسلم، وقد أخرجها الإمام مسلم.
وهو كالمتواتر عن أبي هريرة، رواه: الأعرج، وأبو صالح ذكوان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب، وهمام بن منبه، وأبو مصعب هلال بن يزيد المازني البصري، وأبو الغيث سالم مولى أبي مطيع المدني، وأبو رزين مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، وثابت بن الحارث، وأبو روح شبيب بن نعيم، وموسى بن مطير عن أبيه.
قلت: وهذا الحديث الصحيح الصريح كسابقه ينص على (نجد) المعروفة، نجد جزيرة العرب، ولكن فيه زيادة فائدة تبين أن المسيح الدجال هو أحد ما تصدق عليه جملة: (رأس الكفر نحو المشرق)، فيكون المشرق ها هنا هو المشرق الأقصى من بلاد الترك، وما وراء النهر، حيث يخرج عدو الله الأعور الدجال، لعنه الله.
وأهل اليمن هنا، كما يدل عليه مجموع الروايات، وسيأتي طرف طيب منها، هم جميع قبائل اليمن، وليس فقط الأنصار، ولا هم أهل تهامة، كما ظنه الإمام سفيان بن عيينة عندما قال: (وإنما يعني قوله أتاكم أهل اليمن أهل تهامة لأن مكة يمن وهي تهامة وهو قوله الإيمان يمان والحكمة يمانية).
وهناك أحاديث كثيرة جداً، مؤيدة لما سبق، يصعب حصرها، فلعلنا نجتزئ بالأهم منها، مع مناقشة أهم طرقها في الملحق:
* حديث جابر بن عبد الله: (الإيمان في أهل الحجاز، والقسوة وغلظ القلوب قبل المشرق في ربيعة ومضر)، بإسناد صحيح.
* وحديث بشر بن حرب عن عبد الله بن عمر: (اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي صاعنا ومدنا ويمننا وشامنا ثم استقبل مطلع الشمس فقال: من ههنا يطلع قرن الشيطان، من ههنا الزلازل والفتن)،
قلت: بشر بن حرب صدوق، ولكنه ليس بالقوي، والظاهر أنه أدخل حديثاً في حديث، أو تساهل في الرواية بالمعنى، وربما كان هذا من حماد بن سلمة، لأن حماد بن زيد، وهو أقوى وأثبت، خالفه، كما هو في الملحق.
* وحديث أبي سعيد الخدري: (أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا) بإسناد جيد.
* وحديث آخر عن أبي سعيد الخدري: [افتخر أهل الإبل عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل)]
* وأثر عبد الله بن مسعود: [الإيمان يمان]، بإسناد صحيح.
* وحديث أنس بن مالك: [الإيمان يمان (هكذا إلى لخم وجذام) والجفاء في هذين الحيين من ربيعة ومضر]، بإسناد صحيح.
* وحديث آخر لأنس بن مالك: [قد أقبل أهل اليمن وهم أرق قلوبا منكم: فهم أول من جاء بالمصافحة]، بإسناد صحيح على شرط مسلم.
* وحديث عقبة بن عامر: [أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدة وأنجع طاعة]، بأسانيد حسنة جياد.
* وحديث آخر لعقبة بن عامر (وربما عن عبد الله بن مسعود): [الإيمان يمان؛ ومضر عند اذناب الإبل] بإسناد جيد.
* وحديث جبير بن مطعم: [آتاكم أهل اليمن كقطع السحاب خير أهل الأرض]، بإسناد حسن، لا بأس به.
* وحديث أبي كبشة الأنماري: [الإيمان يمان، والحكمة ههنا إلى لخم وجذام]، بإسناد صحيح.
* وحديث بن عباس: [قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية]؛ بإسناد قوي.
* وحديث عثمان بن عفان: [الإيمان يمان: ورحى الإسلام في قحطان].
* وحديث عبادة بن الصامت: [«الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَهَكَذَا إِلَى جُذَامَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى جُذَامَ، يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى شَعَفَ الْجِبَالِ»]، بإسناد حسن قوي، والحديث صحيح بشواهده ومتابعاته.
* وحديث روح بن زنباع: [الإيمان يمان]، بإسناد جيد.
* وحديث معاذ بن جبل: [بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم]، وأمره أن ينزل بيم السكون والسكاسك.
عباس بن الوليد
وهناك روايات أخرى حول هذا الموضوع، منها:
* ما جاء في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (4/264/2279) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حدثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ، عَنْ ثَوْبَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنِّي عِنْدَ عُقْرِ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَذُودُ عَنْهُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ»]
* وما جاء في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (4/265/2280): [حَدَّثَنَا الْحَوْطِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بُحَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ السَّلَمِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعَنْ أَهْلَ الْيَمَنِ: فَإِنَّهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، كَثِيرَةٌ عَدَدُهُمْ، حَصِينَةٌ حُصُونُهُمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «لَا» ثُمَّ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْأَعْجَمَيْنِ فَارِسَ وَالرُّومَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرُّوا بِكُمْ يَعْنِي أَهْلَ الْيَمَنِ يَسُوقُونَ نِسَاءَهُمْ وَيَحْمِلُونَ أَبْنَاءَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ فَإِنَّهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»]؛ ولا خوف إلا من تدليس بقية، وتدليسه قبيح في العادة، ولكني استخير الله وأقول: لم يدلس هاهنا، لأن المتن في غاية الجودة والنظافة، والحديث صحيح إن شاء الله.
* وجاء في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (4/266/2286): [حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ التُّجْيبِيِّ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَوْدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو نَجِيحٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ قَبَائِلَ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (السَّكَاسِكُ وَالسُّكُونُ () كِنْدَةُ، وَإِلَّا مُلُوكَ مُلُوكِ رَدْمَانَ، وَفِرَقًا مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَفِرَقًا مِنْ خَوْلَانَ)]؛ كأن هناك سقط ()، فلعله: (و)، ولفظة: (وَإِلَّا) ها هنا نافية استثنائية، بمعنى: (غير)، أو بمعني: (ليس)، والله أعلم؛ فلعل تأويل الكلام هو: (خَيْرِ القَبَائِلِ: السَّكَاسِكُ وَالسُّكُونُ وَكِنْدَةُ، ليس مُلُوكَ مُلُوكِ رَدْمَانَ، وَفِرَقًا مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَفِرَقًا مِنْ خَوْلَانَ)؛ وستأتي تسمية بعض أولئك الملوك الأشرار الذين استثناهم نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، والملوك كلها أثرة وشر وجبروت: لا ملك إلا الله.
* وهناك أيضاً مراسيل في هذا الموضوع، منها:
* ما جاء في الآحاد والمثاني (ج5/ص271/ح2797): [حدثنا أبو بكر أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن جبلة بن عطية عن عبد الله بن عوف رضي الله تعالى عنه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الإيمان يمان في حِنْدِس وجذام)]؛ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص407/ح32437)؛ قلت: هذا إسناد صحيح إلى عبد الله بن عوف، ولكنه مرسل: عبد الله بن عوف ليست له صحبة، في الأرجح؛ وأما (حِنْدِس) فلم أعرفها من القبائل، ولم أجدها مذكورة في غير هذا الحديث مطلقاً، فإن لم تكن تصحيفاً، فلعلها بطن من لخم لكثرة ذكر لخم وجذام مقترنتين؛ وأما لغة: (فالحِنْدِسُ: الظُّلْمَة، وَفِي الصِّحَاحِ: اللَّيْلُ الشَّدِيدُ الظُّلْمَةِ) كذا نصاً من لسان العرب (6/58)؛ وأيضاً في نفس الصفحة: (وَلَيْلَةٌ حِنْدِسَة، وَلَيْلٌ حِنْدِس: مُظْلِمٌ. والحَنادِسُ: ثَلَاثُ ليالٍ مِنَ الشهرْ لِظُلْمَتِهِنَّ، وَيُقَالُ دَحامِسُ. وأَسْوَدُ حِنْدِسٌ: شَدِيدُ السَّوَادِ، كَقَوْلِكَ أَسْوَدُ حالِكٌ)؛ ووجدنا أيضاً في تكملة المعاجم العربية (3/348): [حَنْدُس: حَنْدُوس: صُفْر، نحاس أصفر]
* وما جاء في فضائل الصحابة (ج2/ص866/ح1619): [حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (الإيمان يمان، إلى ههنا)، وأشار بيده حتى جذام، (صلوات الله على جذام)]، قلت: هذا مرسل صحيح الإسناد إلى قتادة؛ وهو في حقيقته متصل بواسطة عمير بن هانئ إلى عبادة بن الصامت، كما سلف.
* وما جاء أيضاً في فضائل الصحابة (ج2/ص867/ح1622): [حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الله بن الحارث قال: حدثني حنظلة أنه سمع طاوسا يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة. الإيمان يمان، والحكمة يمانية)، قال: حنظلة فقلت يا أبا عبد الرحمن ما يعد اليمن قال: المدينة]، قلت: وهذا أيضاً مرسل صحيح الإسناد إلى طاوس.
ولحسم ماهية (اليمن) المقصود في الأحاديث حسما نهائياً يقينياً، إليك حديث عمرو بن عبسة الطويل الصحيح الغريب:
* كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص387/ح19463) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قال: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْن
...