الثلاثاء، 19 أبريل 2016

أخبار وآثار في القبور وزيارتها والتبرك والتوسل بأصحابها

عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلاً واضعًا وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: جئتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحَجَرَ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا تبكوا على الدين إذا وليه أهلُهُ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله"
أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير والحاكم في المستدرك (8571) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي
حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران ثنا تميم بن محمد ثنا أبو مصعب الزهري حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قال الحاكم: "هذا الحديث رواته عن أخرهم ثقات وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريا للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين". ورواه البيهقي في الكبرى وسكت عنه الحافظ في التلخيص.
ملاحظة: البيهقي أعل طريقًا أخرى بالإنقاطاع لم يذكر فيها: عن علي بن الحسين عن أبيه.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن بلالا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزينًا، فركب إِلَى المدينة، فأتى قبر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ارتجت المدينة، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، زادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدًا رَسُول اللَّهِ، خرج النساء من خدورهن، فما رئي يَوْم أكثر باكيًا، وباكية من ذلك اليوم.
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد، وابن الأثير في أسد الغابة والسبكي في شفاء السقام والسمهودي في وفاء الوفاء
قال وهب بن جرير: حدثنا أبي، قال: سمعت ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة، رافعا عقيرته يتغنى، ورأيته يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به مروان فقال: أتصلي عند قبر! وقال له قولا قبيحا ثم أدبر، فانصرف أسامة ثم قال: يا مروان إنك فاحش متفحش، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يبغض الفاحش المتفحش".
أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، والخطيب في تاريخ بغداد من طريق عثمان بن حكيم، عن محمد بن أفلح مولى أبي أيوب، عن أسامة.
قال الذهبي: إسناده حسن، محمد بن إسحاق صدوق، وقد صرَّح بالتحديث، فأَمِنَّا شر تدليسه.
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «رأيت أسامة بن زيد عند حجرة عائشة يدعو، فجاء مروان فأسمعه كلامًا، فقال أسامة: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء".
رواه الطبراني قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات.
قال الحافظ أبو بكر ابن المقرئ مسند أصبهان:
(كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فضاق بنا الوقت فوصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء أتيت إلى القبر الشريف وقلت: "يارسول الله الجوع" فقال لي الطبراني:"اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت!"
فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له فإذا معه غلامان بزنبيلين بهما شيء كثير فقال:" ياقوم، شكيتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم.")
رواها ابن الجوزي في الوفاء والسخاوي في القول البديع، والسمهودي في وفاء الوفاء.
وابن المقريء والطبراني وأبو الشيخ كلهم من كبار الحفاظ الأثبات.
ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (11/261)، وكذا الذهبي في "تاريخ الإسلام" (16 /463) عن الحاكم النيسابوري قال: "سمعت الحافظ أبا علي النيسابوري يقول: " كنت في غم شديد ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، كأنه يقول لي: صر إلى قبر يحيى بن يحيى واستغفر، وسل الله حاجتك، قال: فأصبحت ففعلت ما أمرني به، فقضيت حاجتي".
قال الذهبي: وهذا من فعل أبي علي النيسابوري –وهو من ثقات المسلمين وحفاظهم– وليس من فعل الحاكم أبي عبد الله.
وقال ابن حبان في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين من كتابه "الثقات" (8 /456) : "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين" انتهى
عن الحافظ إبراهيم الحربي أنه قال: (قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب)
علق الذهبي على الخبر في السير فقال:
"إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السحر مرجو، ودبر المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق، اللهم إني مضطر إلى العفو، فاعف عني" أهـ.
أخبرنا منصور قال أنبأنا أحمد بن علي قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع قال سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: (أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه).
أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
نبأنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قالا أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال حدثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول: (قبر معروف الكرخي مجرب لقضاءالحوائج ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته).
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال الحاكم (صاحب المستدرك) في تاريخ نيسابور:"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ماتحيرنا."
عن علي بن ميمون قال: (سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرّكُ بأبي حنيفة و أجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرًاـ فإذا عرضت لي حاجةٌ صلّيتُ ركعتين و جئتُ إلى قبره و سألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقضَى)
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد
يقول الذهبي في كتابة (معجم الشيوخ الكبير):
"عن نافع عن ابن عمر: (أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم)
قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب، وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا وتملوا به وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه، وولده والناس أجمعين، ومن أمواله، ومن الجنة وحورها، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر، وعمر أكثر من حب أنفسهم." أهـ
قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
" باب ماجاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حديث استئذان سيدنا عمر أمنا عائشة رضي الله عنها في الدفن بالحجرة النبوية: وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعًا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير."
وفي عمدة القاري بشرح صحيح البخاري للعيني مانصه:
"وقال(يعني شيخه زين الدين) وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل من جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل منبره فقال لابأس بذلك، قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية، فصار يتعجب من ذلك ويقول: عجبت! أحمد عندي جليل يقوله؟! وهذا استفهام إنكاري، أي أيقوله؟ وقال زين الدين: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصًا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، إلى أن قال المحب الطبري: يمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل مافي تقبيله تعظيم الله تعالى."
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء :"أين المتنطع المنكر على أحمد وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي ويمس الحجرة النبوية فقال: "لاأرى بذلك بأسًا." وختم الذهبي كلامه بقوله:"أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع."
.
وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى:"{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...} الآية روى عن علي قال:"قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه فقال:"قلت يارسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {ولو أنهم ظلموا أنفسهم .....}الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر: "أنه قد غفر لك!"
وقال ابن الحاج المالكي في المدخل:"وينبغي لولي الميت أن يختار له الدفن عند العلماء والأولياء والصالحين للتبرك بهم لما ورد هم القوم لايشقى بهم جليسهم. والتبرك عمل لايخدش في التوحيد لامن قريب ولامن بعيد، إذ التبرك بالآثار والمقامات مما أجازه الشرع الحنيف، فما أجازه الشرع فلا خوف علينا منه، فالتبرك بالأشخاص مثلا فلاعتقاد تقواها وصلاح عملها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع الجزم بأن لامؤثر إلا الله قال تعالى: {كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هناك دعا زكرياء ربه}. و أما الآثار فلأنها أجزاء منسوبة إلى تلك الأشخاص قال تعالى: {اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا}. فهي في حكم أصحابها. وأما الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة وإنما من أجل ساكنها قال تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. ولما يعمل فيها من خير وبر، إذ تتنزل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتغشاها السكينة فتتحقق عندها البركة التي تطلب من الله عندها."
وقال اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة :" فحياتهم للخلق منبهة ومسيرهم إلى مصيرهم لمن بعدهم عبرة وقبورهم مزارة." إلى أن قال:" يزارون في قبورهم كأنهم أحياء في بيوتهم لينشر الله لهم بعد موتهم الأعلام." واللالكائي عند أصحابه بمكانة عظيمة حتى قال فيه ابن القيم في نونيته:
أعني الفقيه الشافعي اللالكائي * المسدد ناصـــــر الإيمان.

روايات القرءان الكريم تشهد بفصاحة اللهجة العامية السودانية

اللهجة العامية السودانية فصيحة في كثير من مفرداتها حتى لو بدت لك كأنها غير صحيحة إلا من حيث الأصل، فعبارات بدون همز مثل:
ياكل بدل يأكل، ويودي بدل يؤدي ويامر بدل يأمر ويابى بدل يأبى، ولا مواخذة بدل لا مؤاخذة، .. إلخ هي خير مثال.
فبعض الناس عندما يسمعها يظن أنها عربية بأصلها فقط، ولكن الصواب أنها عربية بأصلها وبنطقها العامي هذا المسموع اليوم، فللعرب ألسن كثيرة وهذا أحدها.
وكذلك ترقيق الراء في عبارات مثل:
كبيرة، وعويرة، وخميرة، وكسرة، ونمرة،.. إلخ
هي نطق عربي أصيل، على الرغم من أن الراء إذا كانت مفتوحة تفخم بغض النظر عما سبقها، مضمومًا كان أو مكسورًا، وهذه قاعدة شائعة، لكنها ليست الوحيدة، ففي بعض ألسن العرب ترقق.
والدليل على ما ذكرنا من هذه الفصاحة العامية هو رواية ورش عن نافع، حيث أن ورشًا يبدل الهمزة الساكنة في فاء الكلمة حرف مد، لذا فمن الفصاحة ان تقول: ياكل ويامر ويودي، ... إلخ، ويرقق الراء إذا كان ما قبلها ياء ساكنة، أو حرف مكسور لذا فمن الفصاحة ان تقول: كبيرة وخميرة وكِسرة ونمرة على الترقيق.
وكذلك عبارت مثل ضُعف بدلًا عن ضَعف، وعليهُم بالضم بدلًا عن عليهِم، وغيرها مما ينطق بالعامية كذا هو فصيح نزل به القرءان الكريم على اختلاف قراءاته ورواياته، فالحمد لله على هذه اللهجة العامية الفصيحة بالسليقة

هل ذكر أهل السودان صراحة على لسان سيدنا محمد ﷺ؟

جاء في المعاجم:
السُّودانُ: جمعُ أسود
السُّودانُ: جيلٌ الناس سُودُ البشرة واحدُه والنسبةُ إليه: سودانيٌّ
أسْوَدُ ( اسم ):
الجمع: سُود و سُودان، المؤنث: سوداءُ، والجمع للمؤنث: سَوْداوات
وسُود لَوْن كلون الفحم ينتج من امتصاص أشعّة النُّور امتصاصًا تامًّا، عكسه أبيض، والعرب تسمِّي الأخضر الشَّديد الخضرة أسود لأنّه يُرى كذلك، كَمُّون/عسلٌ أسود.
فقديمًا يقصد بهذا الاسم الأفارقة، سود البشرة، والغالب عليهم أنهم الذين يعيشون جنوب الصحراء لأن الأحباش كانوا يعرفون بالحبشة من قديم الزمان، منهم سيدنا بلال الحبشي، ومنها هجرة الحبشة، ومنها ملك الحبشة، وهكذا. ولأن الإغريق كانوا يعرفون السودان بأن عاصمته مروي. فقد ذكر هوميروس، المؤرخ اليوناني الشهير أن الآلهة كانت تجتمع في السودان في عيدهم السنوي، وعاصمتها مروي. [موسوعة حضارات العالم]
فهل ذكر أهل السودان صراحة في السنة الشريفة؟!
نعم ورد ذكر السودان صراحة في كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما نزلت إذا وقعت الواقعة، فذكر فيها ثلة من الأولين، قال عمر: يا رسول الله، ثلة من الأولين وقليل منا؟
فأمسكت آخر السورة سنة، ثم أنزل الله: (ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين)
[سورة الواقعة آية 39-40]
ألا من آدم إليَّ ثلة، وأمتي ثلة، ألا ولا تستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان، من رعاة الإبل، ممن يشهد، أن لا إله إلا الله.
[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين بسند حسن، وابن عساكر في تاريخ دمشق]
وعن عروة بن رويم رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على رسوله (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) بكى عمر رضي الله عنه وقال: يا نبي الله آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقناه، ومن ينجو منا قليل؟!
فأنزل الله عز وجل:
(ثلة من الأولين وثلة من الآخرين)
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: "قد أنزل الله عز وجل فيما قلت" فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من آدم إلينا ثلة ومني إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال: لا إله إلا الله"
[أخرجه البغوي في تفسيره]

التطاول في البنيان.. لا يبدونَّ لكم عاديًّا

من علامات الساعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أن ترى الحفاة، العراة، العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان"[1].
"الحفاة" هم الذين ليس لهم نعالٌ يلبسونها، و"العراة" هم قليلو الثياب وليس مقصودًا العري الكامل، و"العالة" هم الذين يعانون من الفاقة وشدة الفقر والحاجة، و"رعاة الشاء" أو "رعاة الأبل" أو "رعاة البُهم" على اختلاف الروايات، هم الرعاة. وتلك الأوصاف هي الغالبة على أهل البادية من سكان الجزيرة العربية.
قال القرطبي:
"المقصود الإخبار عن تبدُّل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملَّكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به"[2]

وتتجلى هذه العلامة من علامات الساعة اليوم في دول الخليج، حيث كانوا قبل سنوات فقراء يتلقون الإعانات من الجيران والدول الصديقة، حتى إن السلطان السوداني علي دينار رحمه الله كان يكسو الكعبة المشرفة ويرسل محملًا فيه السمسم والدخن والذرة والزيوت واللحوم المجففة. ثم صاروا أثرياء بعد أن ظهرت في بلدانهم ثروة النفط والغاز، فأخذوا يتطاولون ويتباهون بالتطاول في البنيان، ويعتبر برج خليفة بدولة الإمارات أحد أطول الأبراج في العالم إن لم يكن أطولها على الإطلاق.


لكن تتجلى هذه العلامة من علامات الساعة بشكل أوضح في مكة المكرمة، فالهدي القرءاني أن بيوت الله تكرَّم بالرفعة والعلو كما قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [سورة البقرة: 127] أي يرفعا قواعدها بالبنيان. وجاء في السيرة أن طول الكعبة المشرفة عندما أعادت قريش بناءها كان عشرين ذراعًا، ومع ذلك فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى ذلك قصيرًا، فعن السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لها: "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع"[3]. لذلك عندما أعاد سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بناء الكعبة زاد في طولها عشرة أذرع. فهيبة البيت الحرام وحرمته وقدسيته تقتضي أن يكون هو أعلى بناء وأن يمنع التطاول عليه، فعن إبراهيم النخعي قال: "كانوا يكرهون أن يبنوا حول الكعبة بناء يُشرِف -أي يعلو- عليها"[4]، وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى عامله بمكة أن لا يدع أحدا يبني بيتًا له مُشْرفًا على الكعبة[5]. ولما بنى الخليفة العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام، أمر قوامه أن لا يرفعوها فيشرفوا بها على الكعبة، وأن يجعلوا أعلاها دون الكعبة فتكون دونها اعظامًا للكعبة أن تشرف عليها[6]، ووعن قيس مولى صفوان بن أمية قال: "رأيت شيبة بن عثمان إذا رأى بناءً مُشْرِفًا على الكعبة هدمه"[7].



أما ما يحصل اليوم من التطاول في مكة لأمر عجيب، فهذا التطاول مع الأسف الشديد طال الكعبة المشرفة نفسها، فتعالت حول صحن الطواف الجدران، وقامت حول بيت الله الحرام الأبراج والفنادق ناطحات السحاب، ولم يعد أحد يكترث لرفعته وعلوه على ما سواه من البنيان. ولئن كان عمل التوسعات ضرورة لاستيعاب العدد المتزايد من الحُجَّاج وعمَّار بيت الله الحرام، فكان الأولى أن يتوسع أفقيًّا لا رأسيًّا حفاظًا على قدسية أول بيت وضع للناس، لكن الرغبة في جني الأموال من بناء الفنادق والتلذذ بالتباهي في البنيان طغت على تعظيم حرمات الله تعالى.


وإن هذا الذي يحصل اليوم في مكة هو دليل أخصُّ على اقتراب الساعة، وعلى ذم الذين يقومون بذلك من حكومات وأفراد، فعن يوسف بن ماهك قال: كنت جالسًا مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه في ناحية من المسجد الحرام، إذ نظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس -أي يعلو جبل أبي قبيس- فقال: أبيتٌ هذا؟! فقلت: نعم. فقال: إذا رأيت بيوتها -أي مكة المكرمة- قد علت أخشبيها -يعني الجبلين العظيمين المحيطين بها- وفجرت بطونها أنهارًا -أي شقت خلالها القنوات وشبكات المياه- فقد أزِف الأمر -أي دنت الساعة[8].

وعن عطاء قال: "كنت آخذًا بلجام دابة عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- فقال: إذا رأيت مكة قد بُعِجَت كظائم، ورأيت البناء يعلو رؤوس الجبال، فأعلم أن الأمر قد أظلك[9].
ــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري.
[2] فتح الباري، كتاب الإيمان.
[3] رواه مسلم في صحيحه.
[4] روه ابن أبي شيبة في مصنفه والأزرقي في أخبار مكة.
[5] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[6] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[7] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[8] رواه الأزرقي في أخبار مكة بسند حسن.
[9] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند رجاله ثقات.

الاثنين، 18 أبريل 2016

فضل المدينة المنورة


مدينة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم طَيْبةَ الطيِّبةَ، ملتقى المهاجرين والأنصار، وموطن الذين تبوؤوا الدار والإيمان، والعاصمة الأولى للمسلمين، فيها عقدت ألوية الجهاد في سبيل الله، فانطلقت كتائب الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها شعَّ النور، فأشرقت الأرض بأنوار الهداية، وهي دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إليها هاجر، وفيها عاش آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وبها توفي، ومنها يبعث صلى الله عليه وسلم، ومن ثم عظُم شرفها، وعلت منزلتها، حتى فُضلت على سائر بقاع الأرض.

فضلها:
عن أنس رضي الله عنه قال: «لما كان اليوم الذي دَخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء»
[صحيح أخرجه الترمذي وابن حبان والإمام أحمد]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الإيمان ليأرز -أي يأوي- إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»
[أخرجه البخاري ومسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد»
[أخرجه البخاري ومسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنها -أي المدينة- طَيْبةُ، تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة»
[أخرجه مسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال»
[أخرجه البخاري]

عن السيدة عائشة رضي الله عنه قالت: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها وحول حماها إلى الجحفة»
[أخرجه البخاري ومسلم]

عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، فأبصر إلى درجات المدينة، أَوْضَع ناقته -أي حثها على الإسراع- وإن كان على دابة حركها من حبها»
[أخرجه البخاري]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أناس يخرجون من المدينة إلى اليمن وغيرها: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها -أي الشدة وضيق العيش- إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة»
[إخرجه مسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا يكيد أَهْلَ المدينة أحد، إلا انماع -أي ذاب وانحسر- كما ينماع الملح في الماء»
[أخرجه البخاري]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» [أخرجه البخاري ومسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»
[أخرجه البخاري ومسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد -يعني قباء- فيصلي فيه كان كعدل عمرة.
[أخرجه الإمام أحمد]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر وعمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم انتظر أهل مكة حتى أُحشر بين الحرمين»
[أخرجه الترمذي وحسنه]


فضلها بالمقارنة مع مكة المكرمة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»
[أخرجه مسلم]

 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: «اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلت بمكة من البركة»
[أخرجه البخاري]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه». قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر.
[أخرجه مسلم]

عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: تكلم مروان يومًا على المنبر فذكر مكة، فأطنب في ذكرها ولم يذكر المدينة، فقام إليه رافع بن خديج رضي الله عنه فقال: ما لك يا هذا، ذكرت مكة فأطنبت في ذكرها ولم تذكر المدينة؟ وأشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «المدينة خير من مكة»
[أخرجه الجوهري في مسند الموطأ، والطبراني في الكبير، وابن المقرئ في معجمه والجنذي في فضائل المدينة]

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك». فأسكنه الله المدينة
[أخرجه البيهقي ذكره ابن كثير في البداية والنهاية]

قال القاضي عياض الحافظ في الشفا: «أجمعت الأمة على أن البقعة الحاوية لأعضائه -أي القبر النبوي الشريف- أفضل البقاع»

قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية:
«انفرد الإمام مالك عن بقية الأئمة الأربعة بتفضيلها على مكة،.. والمشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة، إلا المكان الذي ضم جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم»


 فضل الموت فيها: 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها»
[أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبغوي في شرح السنة وحسنه]
أي أن يسأل الله الموت فيها ويحرص ألا يخرج منها إلى أن يموت.

كان سيدنا عمر رضي الله عنه يدعو فيقول: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم» [أخرجه البخاري]
فاستجاب الله دعاءه فقتل شهيدًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.


فضل أماكنها وترابها وغبارها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُحُد، جبل يحبنا ونحبه»
[أخرجه البخاري ومسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أتاني الليلة جبريل فقال صلِّ في هذا الوادي -وادي في المدينة اسمه وادي العقيق- وقل عمرة في حجة»
[أخرجه البخاري]

عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحةٌ أوجرحٌ قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا -ووضع سفيان راوي الحديث سبابته في الأرض ثم رفعها:
«باسم الله، تربةُ ارضنا، بريقةِ بعضنا، ليشفى به سقيمنا، بإذن ربنا»
[أخرجه البخاري ومسلم]

دخلَ النبي صلى الله عليه وسلم على ثابتِ بنِ قيس وهو مريض فقالَ: «اكْشِفِ البَاْسَ ربَّ النَّاسِ، عن ثابت بنِ قيس بنِ شَمَّاس» ثم أخذ تراباً من بُطحانَ فجعله في قَدَحٍ، ثم نَفَثَ عليه بماءِ، ثم صبَّه عليهِ.
[أخرجه أبو داود والنسائي بسند جيد].

بُطْحان أو بَطْحان: وادٍ بالمدينة مبارك، قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بُطْحانُ على بِرْكَةٍ مِنْ بُرَكِ الجَنَّةِ)

عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك تلقاه رجالٌ من المتخلفين من المؤمنين، فأثاروا غبارًا، فخمر بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم أنفه، فأزال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللثام عن وجهه وقال: «والذي نفسي بيده: إن في غبارها شفاءً من كل داء» وقال: وأراه ذكر: «ومن الجذام والبرص» [رواه رزين]

وعن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غبار المدينة شفاءٌ من الجذام»
[رواه الديلمي في مسند الفردوس وأبو نعيم في الطب النبوي وابن النجار في تاريخ المدينة]


فضل تمرها وعجوتها وبركة طعامها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر»
[أخرجه البخاري ومسلم]

عن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنهما قال: غلا السعرُ بالمدينة، واشتد الجهدُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصبروا وأبشروا، فإنى قد باركت على صاعِكم ومُدِّكم، فكلوا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفى الإثنين، وطعام الإثنين يكفى الأربعة، وطعام الأربعة يكفى الخمسة والستة، وإن البركة فى الجماعة، فمن صبر على لأوائِها وشدَّتها، كنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة»
[أخرجه ابن ماجة والبزار وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح]

قدسية مكة المكرمة هي من قدسية نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم


قال تعالى:
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)
[سورة آل عمران: 96]

وفي صحيح البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال، قلت: يا رسول الله، أيُّ مسجد وضع أوّل؟ قال: «المسجد الحرام». قال: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قال: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة»

و(بكَّة) قيل هي المسجد الحرام، مكان الكعبة، أما مكة فهي ما حول البيت، أم القرى.

وبنص هذه الآية فإن أول بيت -بيت لله، أي أول مسجد- وضع للناس للعبادة لهو المسجد الحرام، ثم بعد ذلك بأربعين سنة وضع للناس بيت آخر في الشام وهو المسجد الأقصى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: عندما نزل قوله تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا) لم يكن على وجه الأرض إلا مسجدان: المسجد الحرام، ومسجد إلياء، أي الأقصى.

وفي هذا حكم وأسرار، منها:
أن أول بيت لله وضعه المولى تبارك وتعالى للناس مباركًا وهدىً للعالمين كان ببكة من مكة المكرمة، حيث ميلاد المرسل رحمة للعالمين، فكأن بركته وهداه صلى الله عليه وسلم كانتا هما الرحمة للعالمين.

وشاء الله العليم الحكيم أن يضع أول بيت في الأرض لعبادته حيث يولد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، إمام الأنبياء والمرسلين، وإنه لشرف عظيم لأولي الألباب. ووضعه حيث يبعث ذلك النبي الأمي صلى الله عليه وسلم رسولًا لكافة الناس بشيرًا ونذيرًا بالدين الخاتم، ووضعه حيث يُنزَل عليه القرءان العظيم، المهيمن على الكتاب. فإن للمكان سرًا عظيمًا تعلق بالنبي الخاتم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم شاء الله الحكيم العليم أن يضع المسجد الأقصى بعد ذلك بأربعين سنة في الموضع الذي يولد فيه وينشأ الأنبياء والرسل من آل إبراهيم وآل عمران عليهم السلام، وإن كانوا هم المصطفَون على العالمين بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [سورة آل عمران: 33]، إلا أنهم تبع للنبي الخاتم، نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم، فجاء مكان بعثتهم ثانيًا بعد المسجد الحرام، دليلًا بيِّنًا على فضله العظيم صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكن يرجح بألف من أمته أو بها كلها وحسب، بل بكل الأنبياء والمرسلين وبأممهم، وكان بحق سيد العالمين.

وبذلك كان فرع نسب النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم من جده إبراهيم عليه السلام بمكة حيث أول بيت وضع للناس، بينما نسب غيره من آل إبراهيم وآل عمران عليهم السلام في بيت المقدس، ثاني بيت، فقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)
[سورة إبراهيم: 37]
فأسكن السيدة هاجر عليها السلام وسيدنا إسماعيل عليهما السلام مكة ليؤسسوا الأمة الأمية، خير أمة، التي سيبعث فيها خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ويعمروا أرضها الجدباء، فنبع ماء زمزم يسقي العالمين.

من الذي بنى البيت الحرام؟
بناه أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما قال تعالى:
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
[سورة البقرة: 127]
وعندما حرَّمها إبراهيم عليه السلام حرمًا آمنًا فلأنها بلد نبي آخر الزمان، سيد الأولين والآخرين، حتى يشب ويبعث آمنًا، وقد تربص به الأعداء، فقال تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)
[سورة العنكبوت: 67]

فيظهر مما تقدم أن قدسية مكة المكرمة وبيتها الحرام إنما استمدت في الأزل من قدسية نبي آخر الزمان وسيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من قبل أن يولد، وأن حكمة الله تبارك وتعالى العليم الحكيم تجلت في ذلك بشكل مذهل. واستمرت هذه القدسية بعد ميلاده بوجوده فيها كما حكى الله تبارك وتعالى فقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) [سورة الأنفال: 33]، ولأنه أبى صلى الله عليه وسلم أن يطبق ملك الجبال على أهل مكة الأخشبين -جبلان يحيطان بمكة- عندما آذاه أهل الطائف كما أخرج البخاري في صحيحه، ولأنه ارتضاها قبلة للدين الخاتم فقال تعالى:
(قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
[سورة البقرة: 144]

فلولا أنه ولد بها صلى الله عليه وسلم وأمنها بوجوده، وعاش فيها شبابه، وبعث، ونزل عليه فيها القرءان، وأبى أن يهلكها ملك الجبال، وارتضاها قبلة للمسلمين لما كان لها هذا الشرف وتلك القدسية. وحتى حرمها فإنه لم يحله الله تبارك وتعالى إلا له، كما ورد في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله حرّم مكّة فلم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنّما أحلّت لي ساعةً من نهار".
وعندما أخرج من مكة المكرمة وهاجر إلى المدينة المنورة، هاجرت معه قدسية المكان لأنها تبع لذاته الشريفة، فصارت مدينته المنورة خير بقاع الأرض، فيها عاش ما بقي من عمره الشريف، وفيها اكتمل الدين فأتم بلاغ الرسالة، وعقد ألوية ورايات الجهاد، وفيها انتقل إلى الرفيق الأعلى فاحتضنت أرضها السعيدة جسده الشريف.

ثم فتح مكة المكرمة لكنه آثر عليها المدينة المنورة، فدعا للمدينة بضعفي البركة وبضعفي ما دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام لمكة المكرمة، وحرَّمها كما حرَّم سيدنا إبراهيم عليه السلام مكة المكرمة، واستجاب الله دعاءه فأحبها هو وأصحابه أشد من حب مكة المكرمة كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: "اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد"، فلذلك آثرها، وتوفي بها، وندب للمؤمنين الوفاة فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها" [أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبغوي في شرح السنة وحسنه].

وبقيت في مكة المكرمة بركته صلى الله عليه وسلم، واستأثرت المدينة المنورة بنبع بركته وهو ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم، فكان الحرمان الشريفان ما بين بركته وهداه من جهة وما بين ذاته الشريفة من جهة أخرى، فصارا أحب بقعتين إلى قلب كل مؤمن، لأنهما تعلقتا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

اللهم صلِّ وسلِّم على الذات المحمدية وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد

الأربعاء، 23 مارس 2016

أوضح وأفضل صورة لمخطط مقابر البقيع


تهافت التشكيك في استتابة ابن تيمية سنة 707هـ

لقد ثبت في كتب التاريخ أن أحمد بن تيمية قد استتيب سنة 707هـ في قضايا عقدية (الإستواء والنزول معاني القرءان) وتاب مختارًا، وكتب توبته بيده. وهناك محاولات يائسة للتشكيك في هذا الأمر، لكن هيهات، فقد أورد تلك الحادثة بالتواتر مؤرخو عصره ومن أتو بعده ومنهم:
- الحافظ ابن حجر العسقلاني(773 هـ - 852 هـ) في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.
- ابن المعلم (ت 725هـ) في نجم المهتدي ورجم المعتدي.
- والنويري الشافعي (ت 733 هـ) في نهاية الأرب.
- وابن شاكر الكتبي (ت 764 هـ) في عيون التاريخ.
- وابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ) في الذيل الجامع.
- والذهبي والبرزالي وغيرهم من المؤرخين المعاصرين. ولن ينفع أن بعضهم تجاهل توثيق الحادثة لما تربطه بابن تيمية من العلاقة، ولن ينفع كذلك التعذر بأنه خاف على نفسه الموت وأنه هدد بالقتل، كما قال ابن رجب: "وذكر الذهبي والبرزالي وغيرهما أن الشيخ كتب بخطه مجملا من القول وألفاظا فيها بعض مافيها، لــمّا خاف وهدد بالقتل" وذلك مردود لعدة وجوه:
- أنه فعل ذلك مختارًا واستشهدوا عليه في ذلك كما ذكر الحافظ في الدرر الكامنة: "أشهدوا عليه أنه تاب مما ينافي ذلك مختارا وذلك في خامس عشرى ربيع الأول سنة 707 وشهد عليه بذلك جمع جم من العلماء وغيرهم وسكن الحال"أهـ.
- أنه حوقق وعجز عن دفع الحجج التي أبطلت مذهبه الفاسد.
- أنه لم يعد إلى إثارة تلك المسائل مرة أخرى، بل أثار مسائل أخرى.
- ليس هناك دليل على أنه تعرض للتهديد، وإن كان طريق الحق مليء بالصعاب، فقد قتل أنبياء وأحيط برسل، لكن دعاة الحق دائمًا ما يتميزون بالشجاعة والبسالة والصبر على البلاء ولو أدى ذلك إلى الموت، ولنا في سيرة الأئمة الأعلام غير مثال، وآخرهم الإمام أحمد رضي الله عنه.
- عندما استتيب في مسألة تحريم شد الرحال لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم أبى أن يتوب، وهلك مسجونًا. مما يدل على أنه في الأولى حوقق وتاب مختارًا ولم يتب في الثانية مختارًا.

والمستتاب متروك لا يؤتم به ولا يقتدى، إذ لا يؤمن عليه الضلال، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم وثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة عالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن زل فلا تقطعوا عنه آمالكم" أخرجه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. وثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال: "يذهب العلماء، ثم يتخذ الناس رءوسا جهالا، يُسألون فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون"، لذلك فإن الضمانة هي في لزوم جماعة المسلمين واتباع جمهور أهل العلم، فإن الله تكفل على ألا يجمع الأمة على ضلالة. 

من سيرة الإمام القدوة بشر الحافي، أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري:

هو بشر الحافي هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر، المعروف بالحافي. ولد سنة ١٧٩هـ في بغداد وعاش فيها، وصحب الفضيل بن عياض، توفي سنة 227هـ.
وكان يمشي حافيًا لا يلبس نعلًا، فجاء يوما إلى باب فطرقه فقيل: من ذا؟ فقال: بشر الحافي، فقالت له جارية صغيرة: لو اشترى نعلا بدرهم لذهب عنه اسم الحافي. قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذّاء فطلب منه شراكًا لنعله فقال: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس؟! فطرح النعل من يده وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدًا.
وذكر غير واحد أن بشرًا كان شاطراً في بدء أمره، أي لص، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: "سيدي اسمك ههنا ملقى يداس" ثم ذهب إلى عطَّار فاشترى بدرهم غالية وضمَّخ تلك الرقعة منها ووضعها حيث لا تُنال، فأحيا الله قلبه وألهمه رشده وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة والعلم والورع والصلاح.

قال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا من بشر، ولا أحفظ للسانه، كان في كل شعرة منه عقل، وطئ الناس عقبه خمسين سنة، ما عرف له غيبة لمسلم، ما رأيت أفضل منه.
وقال مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى لأحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما تقول في هذا الرجل فقال: أي رجل قيل: بشر، فقال: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال.

وقال إبراهيم الحربي: رأيت رجالات الدنيا، لم أرَ مثل ثلاثة: رأيت أحمد بن حنبل وتعجز النساء أن تلد مثله، ورأيت بشر بن الحارث من قرنه إلى قدمه مملوءًا عقلا، ورأيت أبا عبيد القاسم بن سلام كأنه جبل نُفخ فيه علم.
وقيل لأحمد: مات بشر. قال: مات والله وما له نظير، إلا عامر بن عبد قيس، فإن عامرًا مات ولم يترك شيئا.
وقال أبو بكر بن عثمان: سمعت بشر بن الحارث يقول: إني لأشتهي شواء منذ أربعين سنة، ما صفا لي درهمه.

ومن كلامه الحكيم:
إذا أعجبك الكلام، فاصمت، وإذا أعجبك الصمت، فتكلم.
قد يكون الرجل مرائيًا بعد موته، يحب أن يكثر الخلق في جنازته.
لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سدا.
من أحب الدنيا فليتهيأ للذل.
ما اتقى الله من أحب الشهرة.
لا تعمل لتُذكر، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة.
شاطرٌ سخي أحب إلى الله من صوفي بخيل.

وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي عبد الله بن خزيمة قال: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غما شديدًا فبت من ليلتي فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته فقلت له: يا أبا عبد الله أي مشية هذه؟ قال: مشية الخُدَّام في دار السلام. قال: قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي وتوَّجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: "يا أحمد، هذا بقولك القرآن كلامي غير مخلوق". ثم قال: "يا أحمد: أدعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري كنت تدعو بها في دار الدنيا". قال فقلت: "يا ربَّ كل شيء فبقدرتك على كل شيء لا تسألني عن شيء واغفر لي كل شيء"، فقال: "يا أحمد هذه الجنة، فقم فادخل إليها" فدخلت فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، وهو يقول: "الحمد لله الذي أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين" قال: فقلت: ما فعل عبد الوهاب الوراق؟ قال: تركته في بحر من نور في زلالة من نور يزور ربه الملك الغفور. فقلت له: ما فعل ببشر -الحافي-، قال لي: "بخ بخ! ومن مثل بِشر؟!، تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام، والجليل جل جلاله مُقبل عليه وهو يقول: "كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم".

وكان من إمامًا في الحديث لكنه زهد في التحديث ورعًا.
قال السلمي: سألت الدارقطني عنه فقال: زاهد جبل ثقة، ليس يروي إلا حديثا صحيحًا.
وعن أيوب العطار: أنه سمع بشرًا يقول: حدثنا حماد بن زيد..، ثم قال: أستغفر الله، إن لِذِكْرِ الإسناد في القلب خُيَلاء.
وقيل له: ألا تُحدِّث؟ قال: أنا أشتهي أن أحدِّث، وإذا اشتهيت شيئا، تركته.
وقال يعقوب بن بختان: سمعت بشر بن الحارث يقول: لا أعلم أفضل من طلب الحديث لمن اتقى الله، وحسنت نيته فيه، وأما أنا، فأستغفر الله من طلبه، ومن كل خطوة خطوتُ فيه.
وقال إسحاق الحربي: سمعت بشر بن الحارث يقول: ليس الحديث من عدة الموت. فقلت له: قد خرجت إلى أبي نعيم فقال: أتوب إلى الله.
قال أبو نشيط: نهاني بشر عن الحديث وأهله.
قال الحافظ موسى بن هارون: حدثنا محمد بن نعيم قال: رأيتهم جاءوا إلى بشر، فقال: "يا أهل الحديث، علمتم أنه يجب عليكم فيه زكاة، كما يجب على من ملك مائتي درهم خمسة".
لعله عنى الإخلاص والفهم والعمل به وتعليم الناس.

توقير المشائخ والعلماء

قال الله تبارك وتعالى: (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 59]، وقال تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43] وقال تعالى: (بلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [العنكبوت: 49]
في الحث على أخذ العلم من أهل الدراية والمعرفة والخبرة أمر الدين. قال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم، دين، فلينظر الرجل، عمن يأخذ دينه" رواه مسلم.
وإن للعلماء فضل، فهم ورثة الأنبياء عليهم السلام لما رواه أهل السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم: رواه الترمذي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا من لم يجلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرفْ لعالمنا حقَّه"، رواه أحمد والترمذي.

لذلك يجب اتخاذ الشيخ والمرشد، الخبير العالم الذي يدلك على الله عز وجل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه)، ولقد كان في تلقي النبي صلى الله عليه وسلم القرءان عن جبريل عليه السلام التشريع والسنة في اتخاذ المشائخ، ولقد كان أئمة السلف والخلف على ذلك إلى أن جاء عصر التلقي عن الكتب والأشرطة ومواقع الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي فضاعت أخلاق العلم في طلبته وكثر الجهل والفهم الخاطئ لنصوص الكتاب والسنة. قال أبو حنيفة: (دخلت البصرة وظننت أني لا أسأل عن شيء إلاَّ اجبت فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي ألاَّ أفارق حماد حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة).

وإن لطالب العلم آدابًا يجب أن يتحراها حتى يظفر بمراده من طلب العلم استقيت من تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم وتوقيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من تعظيم الصحابة وتوقيرهم للعلماء منهم، فسار السلف على ذلك. من تلك الآداب الإحترام والتوقير والإجلال، والتذلل لأهل العلم والفضل، والصبر على صحبتهم والتجاوز عن زلاتهم، وعدم مضايقتهم بالإسئلة قبل أن يحين زمان شرحها وتفسيرها، والتزام أمره وكتم سره، وغير ذلك من الآداب التي قررها أهل العلم. قال المناوي في فيض القدير: ("البركة مع أكابركم" المجربين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم)، رويَ عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً وموقفاً أنه قال: (تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولمن تعلمونه، ولا تكونوا جبابرة العلماء) جامع بيان العلم لابن عبد البر.

ومن الأدلة الصريحة في احترام العلماء وأهل الديانه ما أخرجه البخاري عن سيدنا عروة بن مسعود في زمان صلح الحديبية إذ قال لقريش: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له"، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة.

ولنا أيضًا في قصة سيدنا موسى وسيدنا الخضر عليهما السلام الدروس والعبر في تلك الآداب المهمة.
فقال له موسى عليه السلام: "قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا"، قال القرطبي: "هذا سؤال الملاطف، والمخاطب المستنزل، المبالغ في حسن الأدب". فذكره بأن الأمر يتطلب صبرًا وأناةً فقال له: "وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟"، والتزم له موسى عليه السلام ببذل الوسع في الطاعة فقال: "ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرًا"، ثم ذكره بأدب التلميذ في حضرة شيخه أن يصبر إلى أن يبدي له الشيخ الأمر، فإنه أعلم وأدرى وأعرف بالزمان المناسب لشرح المسائل، فقال: "فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا"، أي حتى أكون أنا الذي أفسره لك، لا تفسره أنت من تلقائك طالما علمت أني عليم خبير. قال القرطبي: "وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام الصحبة" لأنه بخلاف ذلك ستنفض الصحبة ويفقد الطالب فرصة ثمينة في التعلم. وحصل ما كان يتوقع الخضر عليه السلام من كثرة اعتراضات سيدنا موسى على ما لم يعلم، فكان الفراق بينهما قبل أن يأخذ كفايته من العلم.
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة ولو صبر لرأى العجب) أخرجه مسلم.
وفي هذه الآيات كثير من الآداب التي يجب أن يرعاها التلميذ مع شيخه.

ولقد كان سلفنا الصالح أكثر حرصًا على توقير العلماء واحترامهم، فعن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت ركب يوماً، فأخذ ابن عباس بركابه فقال: تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. أخرجه ابن سعد في الطبقات وجود إسناده الحافظ في الفتح.

وعن الأعمش قال: (كنا نهاب إبراهيم –النخعي– كما يُهاب الأمير) تذكرة الحافظ.

وعن أبي عبدالله المعيطي قال: (رأيت أبابكر بن عياش بمكة، فأتاه سفيان بن عيينة، فبرك بين يديه، فجعل أبوبكر يقول له: يا سفيان كيف أنت؟ يا سفيان كيف عيال أبيك؟، فجاء رجل يسأل سفيان عن حديث، فقال سفيان: لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعداً) الجامع للخطيب.

وعن الحسن بن علي الخلال قال: كنا عند مُعْتَمر بن سليمان يحدثنا، إذ أقبل ابن المبارك، فقطع مُعْتَمر حديثه، فقيل له: (حدثنا)، فقال: (إنا لا نتكلم عند كبرائنا) الجامع للخطيب.

وكان عبدالرحمن بن مهدي: (لا يُتحَدَّث في مجلسه، ولا يُبرى قَلَم، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة) تذكرة الحافظ.

 وقال حرملة وهو من كبار تلاميذ الشافعي: (سمعت الشافعي يقول وذكر له أصحاب الحديث وأنهم لا يستعملون الأدب، فقال: ما اعلم أني أخذت شيئاً من الحديث، ولا القرآن، أو النحو، أو غير ذلك من الأشياء مما كنت أستفيد، إلاَّ استعملت فيه الأدب، وكان ذلك طبعي إلى أن قدمت المدينة، فرأيت من مالك ما رأيت من هيبته وإجلاله للعلم، فازددت من ذلك، حتى ربما أكون في مجلسه، فاصفح الورقة تصفحاً رقيقاً هيبة لئلا يسمع وقعها) توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس.

وقال الربيع بن سليمان، وهو كبار تلاميذ الشافعي كذلك: (والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له) مناقب الشاقفي للبيهقي.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: (لزمت هشيم أربع سنين ما سألته عن شيء إلاَّ مرتين هيبة له) تذكرة الحفاظ.

في ترجمة إبراهيم بن أبي طالب قال الإمام أحمد بن إسحاق الفقيه: (ما رأيت في المحدثين أهيب من إبراهيم بن أبي طالب، كنا نجلس كأنَّ على رؤوسنا الطير، لقد عطس أبو زكريا العنبري، فأخفى عطاسه، فقلت له سراً: لا تخف! أنت بين يدي الله) تذكرة الحفاظ.

قال إسحاق الشهيد: (كنت أرى يحي القطان يصلي العصر، ثمَّ يستند إلى أصل منارة مسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحي ابن معين وغيرهم يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لأحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظاماً) مناقب اللإمام أحمد لابن الجوزي.

قال أبو مصعب: (كانوا يرذُحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام، وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا، قائلون برؤوسهم هكذا، وكانت السلاطين تهابه، وكان يقول: "لا"، و"ونعم"، ولا يقال له من أين قلت ذا؟) سير أعلام النبلاء.

وعن محمد بن سيرين قال: (رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأصحابه يعظمونه ويسودونه، ويشرفونه مثل الأمير).

لما بلغ الثوري مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذي طوى –موضع بمكة– فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته، وكان إذا مرَّ بجماعة قال: "الطريق للشيخ" سير أعلام النبلاء.

وقال إمام القراء عاصم بن أبي النجود: (ما قدمت على أبي وائل من سفر إلاَّ قَبَّلَ كَفِّي) سير أعلام النبلاء.

وقال إبراهيم بن الأشعث: (رأيت سفيان بن عيينة يقبِّل الفضيل مرتين) سير أعلام النبلاء.

وقَبَّل الإمام مسلم الإمام البخاري بين عينيه، وقال له: (دعني أقَبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله) سير أعلام النبلاء.

ولفضلهم وما يحملونه من العلم والحكمة يجب الصبر عليهم، قال بلال بن أبي بردة: (لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا، أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا) جامع بيان العلم. وقال أبو يوسف القاضي: (خمس يجب على الناس مداراتهم: الملك المتسلط، والقاضي المتاؤل، والمريض، والمرأة، والعالم ليقتبس من علمه).

ويندب لطالب العلم قلة الأسئلة وعدم المراء، قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم: (وروينا من وجوه كثيرة عن أبي سلمة –وكان يجادل ويماري ابن عباس– قال: لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علماً كثيراً)، وقال الشعبي: كان أبو سلمة يماري ابن عباس، فحرم بذلك علماً كثيراً)، وفي رواية كان أبو سلمة يسأل ابن عباس فيخزِنُ عنه، وكان عبيد الله بن عبد الله يلاطفه، فكان يغره غراً.
وقال ميمون بن مهران: (لا تمار من هو أعلم منك، فإنك إن ماريته خزن عنك علمه، و لا يبالي ما صنعت) جامع بيان العلم.
 . وإن لهذه الصحبة النورانية آداب

وليس هنالك معصوم إلا الأنبياء، فلذلك قد تقع من الشيخ الهفوات، والهفوة هي الخطأ من العالم، ولا تسمى هفوة إلا من عالم، وقد تكون فيه بعض العيوب اليسيرة، فلا تكن الهفوات والعيوب اليسيرة سببًا في سقوطه من نظر طالب العلم بل الأولى أن يتغاضى عنها، روى السخاوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: (ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي فضل –يعني من غير الانبياء عليهم السلام– إلاَّ وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله اكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله).

إن للشيخ على طالب العلم فضل عظيم لو أنه يقدره، فهو يقدم العلم سخاءًا لا يطلب عليه مالًا، ويسير بتلميذه إلى أعلى المصاف، قال الشافعي رحمه الله: (الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة)، وقال شعبة: (من أخذت عنه حديثًا كنت له عبد)، وقال محمد بن واسع: (لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يحسن إلى كل من صحبه ولو ساعة).

أخطاء شنيعة للجنة الدائمة للإفتاء والدعوة والإرشاد السعودية

ليتهم قالوا بأن الحديث ضعيف، ولكنهم قالوا ( لا أصل له ) !!!
مستدرك الحاكم (1/ 244 )
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، ثنا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضْلُ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفًا» . «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»
[التعليق - من تلخيص الذهبي] 515 - على شرط مسلم
الترغيب والترهيب للمنذري ( 1/ 102)
عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فضل الصَّلَاة بِالسِّوَاكِ على الصَّلَاة بِغَيْر سواك سَبْعُونَ ضعفا
رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ فِي الْقلب من هَذَا الْخَبَر شَيْء فَإِنِّي أَخَاف أَن يكون مُحَمَّد بن إِسْحَاق لم يسمعهُ من ابْن شهَاب وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم كَذَا قَالَ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق إِنَّمَا أخرج لَهُ مُسلم فِي المتابعات
عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِأَن أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بسواك أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي سبعين رَكْعَة بِغَيْر سواك
رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كتاب السِّوَاك بِإِسْنَاد جيد، المتجر الرابح الدمياطي (1/ 53)
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : " لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك " رواهما أبو نعيم في " كتاب السواك " بإسنادين حسنين.
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " فضل الصلاة بالسواك على
الصلاة بغير سواك سبعين ضعفا " رواه أحمد وأبو يعلى وابن خزيمة والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم.
ولقد حسن الحديث أيضا السخاوي فى المقاصد الحسنة صـ 424
وعن ابن عباس عند أبي نُعيم في السواك له بلفظ: لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك، وسنده جيد
ولقد قال الإمام الزرقاني فى مختصر المقاصد صـ 586 صحيح


ــــــــــــــــــ

(الجزء رقم: 3، الصفحة رقم: 273)
الفتوى رقم (11255)
س 1: ما مدى صحة هذا الحديث: (ركعتان بالسواك خير من سبعين ركعة بغير سواك)؟
ج 1: هذا الحديث لا أصل له فيما نعلم.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو: عبد الله بن غديان
نائب الرئيس: عبد الرزاق عفيفي
الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز


أبو اسحق الشاطبي أشعري العقيدة

لقد تفاجأ الوهابية أن عقيدة أبي اسحق الشاطبي أشعرية، فقال أحدهم:
"بالتأمل في كتب الشاطبي -رحمه الله- واستقراء مقالاته يتبين أنه -رحمه الله- يميل إلى قول الأشاعرة في بعض المسائل:
فيرى أن خبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني، وإنما يفيد الظن فقط، وهذا مستفاد من تقسيماته -رحمه الله- لخبر الواحد إلى الثلاثة وكلها ظنية، ولم يحكم لأي نوع منها على أنه قطعي، بل ويتضح هذا المعنى في أنه يرى أن خبر الواحد لا يقطع به ولو صح سنده، إلا إذا استند إلى آية قرآنية قطعية.
إلا أنه -رحمه الله- يرى أن العقيدة تثبت بخبر الواحد إذا شهد له أصل قطعي كآية قرآنية أو سنة متواترة، فيكون خبر الواحد حينئذٍ كجزئي تحت معنى قرآني كلي.
موقفه من التأويل:
موقف الإمام الشاطبي -رحمه الله- من التأويل لا يختلف عن موقف الأشاعرة، بل هو تقرير له من غير تعصب؛ لأنه -رحمه الله- يرى أن مسألة التأويل مسألة اجتهادية، لذلك يرى -رحمه الله- أن الدليل إذا عارضه قطعي كظهور تشبيه الخالق بالمخلوق فليس بدليل، فلابد من أن يحتاج له إلى دليل آخر، فهذا أصل مقرر عند كل من سلك مسلك التأويل في صفات البارئ، وإن كانت تتفاوت درجاتهم في ذلك.
بل يذهب -رحمه الله- إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن المرء إذا وجد خبراً يقتضي في الظاهر خرق العادة، كظهور تشبيه أو غيره فهو مخير بين أمرين، وله في أحدهما سعة، إما التفويض المطلق، وإما التأويل.
ومما يؤكد ما سبق أنه -رحمه الله- يرى أن التأويل يحتاج إليه في بعض المواطن، بل يرى أنه من طريقة السلف؛ لأن الأصل عنده التصديق والتسليم المحض لا الإنكار.
بعض آرائه المنهجية في المسائل العقدية والاختلافات المنهجية، ويتلخص ذلك في النقاط التالية:
1- أنه -رحمه الله- يرى أن الخلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة وبين أصحاب البدع في صفات الله تعالى خلاف في الفروع لا في الأصول، ولا سيما إذا كان ذلك منهم على قصد حسن.
2- يعتبر مذهب السلف أحياناً هو الأصل في إثبات الصفات، وأن التأويل أيضاً غير خارج عن مذهبهم، بل ويرى أنه قد يحتاج إليه في بعض المواضع، وأن من هذا حاله خير ممن جعل أصله في تلك الأمور التكذيب بها.
3- بل يرى -رحمه الله- أن التسليم المحض والتأويل سيان، بكل منهما قال السلف لكن التسليم أسلم.
4- لم يكتب عقيدته بصورة مستقلة كما فعل غيره ممن كتبوا في العقائد، وإنما يعقد فصلاً غير مخصص لمسألة العقيدة، يقرر فيه قاعدة في فن ما، فيشير إلى عقيدته إشارة خفيفة، وأحياناً يذكر أثناء مناقشته لأهل البدع، فيورد أمثلة توضيحية يكون نصيب العقيدة منها قليلاً.
5- مناقشته -رحمه الله- في العقيدة كانت مع المعتزلة كثيراً، ومع الجهمية قليلاً، ونادراً ما يشير إلى أهل السنة والجماعة، وإن أشار فمراده بذلك الأشعرية فقط .
عقيدة الشاطبي في:
كلام الله تعالى: ينكر أن يكون كلام الله بالصوت والحرف ويثبت كلاماً نفيساً وهو قول الأشاعرة.
رؤية الله يوم القيامة: يذهب إلى مذهب الأشاعرة في مسألة الرؤية، فالأشاعرة يثبتون الرؤية بدون إثبات جهة ولا مقابلة.
صفة الاستواء لله: اضطربت أقوال الأشعرية في الاستواء ما بين تأويل وتفويض، فحكى بعضهم أن التفويض مذهب مال إليه المتقدمون من الأشعرية، مما جعل كثيراً من المتأخرين يختارونه بحجة أنه أسلم في زعمهم، وهو الذي ذهب إليه الإمام الشاطبي -رحمه الله- فقد سلك مسلك التفويض، ويرى أن ذلك مذهب السلف، مع أن الحقيقة ليس ذلك بمذهب السلف، وإنما مذهبهم تفويض الكيف والحقيقة لا المعنى.
بقية الصفات السمعية: الوجه، اليدان، العين، الرجل، القدم، الضحك، النـزول: قوله -رحمه الله- في هذه الصفات كقوله في الاستواء، بل صرح -رحمه الله- في موطن آخر أن هذه الصفات جوارح محسوسات لا يجوز إثباتها لله.
قال -رحمه الله-: "ومثاله في ملة الإسلام: مذهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب المنـزه عن النقائص، من العين، واليد، والرجل، والوجه، المحسوسات، والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات".
وكلامه هذا لا شك أنه يدل على أن عقيدته في هذه الصفات عدم الإثبات، إذ سمى إثبات هذه الصفات أنها إثبات جوارح"، ولم يقيد ذلك بأن إثباتها مع التنـزيه أن ذلك عقيدة صحيحة.
تعريف الإيمان: كان يقول -رحمه الله- بقول الأشعرية في تعريف الإيمان: إن الإيمان هو التصديق في اللغة والشريعة جميعاً، وإن الأفعال والأعمال من شرائع الإيمان لا من نفس الإيمان.
الكبيرة: يقول بقول أهل السنة والجماعة في مصير مرتكب الكبيرة في الآخرة، حيث يرى أنه تحت المشيئة، إن شاء ربه عذبه، وإن شاء غفر له، وأنه لا يخلد في النار كالكافر إن دخلها.
عذاب القبر ونعيمه: قال: "ولا نكير في كون الميت يعذب برد الروح إليه، ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر على رؤيته لذلك ولا سماعه".
ومنهج الإمام الشاطبي -رحمه الله- في إثبات الغيبيات والرد على طوائف المبتدعة هو بعينه ما ذكره علماء أهل السنة والجماعة.
ويقول بقول أهل السنة والجماعة في مسألة الميزان"، حيث أثبت أنه ميزان صحيح يوزن به الأعمال، وأن حقيقته وكيفية الوزن به غير معلومة لدينا، بل نؤمن به كما يليق بالدار الآخرة.
وسلك مسلك أهل السنة والجماعة في إثبات الصراط يوم القيامة.
كان الإمام الشاطبي -رحمه الله- حريصاً على إحياء السنة وإماتة البدعة، ولما كان المجتمع الغرناطي قد فشت فيه بدع منكرة، فقد تصدى -رحمه الله- لمقاومتها، مما جعله من المشهورين في المجتمع الغرناطي بمقاومة البدع وأهلها.
وتوفى يوم الثلاثاء الثامن من شهر شعبان سنة790هـ بغرناطة، وبذلك يكون قد عاش أكثر من سبعين عاماً قضاها -رحمه الله- في رحاب العلم الشرعي مكافحاً صابراً في طلب العلم، ونشر الحق وإحياء السنة وإماتة البدعة.
كيف ندرس كتاب عالم بهذه العقيدة؟ وألا يوجد كتاب آخر لعالم سلفي المعتقد؟
الجواب: هناك الكثير من علماء الإسلام الكبار، ولهم مؤلفات كثيرة نفع الله بها، تجد أن هناك ملاحظات إما عليهم أو على كتبهم كابن حجر والنووي وابن الجوزي وغيرهم، ولم يقل أحد بترك كتبهم بل الأمة على مدار تاريخها تَدرس وتُدرّس كتبهم وتنبه على أخطائهم، ولا حرج في ذلك، وطالب العلم يدرك ويميز الخطأ من الصواب، والشاطبي -رحمه الله- أحد هؤلاء العلماء.
"

سيرة محمد بن عبد الوهاب كما أرخ لها الشيخ محمد بن عبد الله النجدي الحنبلي

قال مفتي الحنابلة بمكة الشيخ محمد بن عبد الله النجدي الحنبلي المتوفى سنة ١٢٩٥ هـ في كتابه "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة" في ترجمة والد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان ما نصّه (٨):
"وهو والد محمّد صاحب الدعوة التي انتشر شررها في الافاق، لكن بينهما تباين مع أن محمدًا لم يتظاهر بالدعوة إلا بعد موت والده، وأخبرني بعض من لقيته عن بعض أهل العلم عمّن عاصر الشيخ عبد الوهاب هذا أنه كان غضبان على ولده محمد لكونه لم يرض أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته ويتفرس فيه أن يحدث منه أمر، فكان يقول للناس: يا ما ترون من محمد من الشر، فقدّر الله أن صار ما صار، وكذلك ابنه سليمان أخو الشيخ محمد كان منافيًا له في دعوته ورد عليه ردًا جيدا بالآيات والآثار لكون المردود عليه لا يقبل سواهما ولا يلتفت إلى كلام عالم متقدمًا أو متأخرا كائنا من كان غير تقي الدين بن تيمية وتلميذه ابن القيم فإنه يرى كلامهما نصّا لا يقبل التأويل ويصول به على الناس وإن كان كلامهما على غير ما يفهم، وسمى الشيخ سليمان رده على أخيه "فصل الخطاب في الرد على محمّد بن عبد الوهاب" وسلّمه الله من شرّه ومكره مع تلك الصولة الهائلة التي أرعبت الأباعد، فإنه كان إذا باينه أحد ورد عليه ولم يقدر على قتله مجاهرة يرسل إليه من يغتاله في فراشه أو في السوق ليلا لقوله بتكفير من خالفه واستحلاله قتله، وقيل إن مجنونًا كان في بلدة ومن عادته أن يضرب من واجهه ولو بالسلاح، فأمر محمدٌ أن يعطى سيفًا ويدخل على أخيه الشيخ سليمان وهو في المسجد وحده، فأدخل عليه فلما رءاه الشيخ سليمان خاف منه فرمى المجنون السيف من يده وصار يقول: يا سليمان لا تخف إنك من الآمنين ويكررها مرارا، ولا شك أن هذه من الكرامات ". ا.هـ

الأربعاء، 17 فبراير 2016

حرز أبي دجانة أخرجه البيهقي في الدلائل وتابعه الإسماعيلي

حرز أبي دجانة فيه روايتان مشهورتان، إحداهن موضوعة، ذكرها الحافظ السيوطي في اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، وهي عن موسى الأنصاري.

والثانية أخرجها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة عن أبي خالد بن أبي دجانة، وتابعها الحافظ أبو بكر الإسماعيلي عن أبي بكر محمد بن عمير الرازي الحافظ. والبيهقي لا يخرج حديثًا يعلم أنه موضوع. فقال عن الرواية الأخرى الموضوعة: "وقد روي في حرز أبي دجانة حديث طويل، وهو موضوع لا تحل روايته"

روى البيهقي في الدلائل فقال:
أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه المروزي، قال: حدثنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله الحبيبي المروزي، قال: أخبرنا أبو دجانة محمد بن أحمد بن سلمة بن يحيى بن سلمة بن عبد الله بن زيد بن خالد بن أبي دجانة واسم أبي دجانة سماك بن أوس بن خرشة بن لوزان الأنصاري أملاه علينا بمكة في مسجد الحرام بباب الصفا سنة خمس وسبعين ومائتين، وكان مخضوب اللحية قال: حدثني أبي أحمد بن سلمة قال: حدثنا أبي سلمة بن يحيى قال: حدثنا أبي يحيى بن سلمة قال: حدثنا أبي سلمة بن عبد سلمة بن عبد الله قال: حدثنا أبي عبد الله بن زيد بن خالد قال: حدثنا أبي زيد بن خالد قال: حدثنا أبي خالد بن أبي دجانة قال: سمعت أبي أبا دجانة يقول: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله بينما أنا مضطجع في فراشي، إذ سمعت في داري صريرا كصرير الرحى، ودويا كدوي النحل، ولمعا كلمع البرق؛ فرفعت رأسي فزعا مرعوبا، فإذا أنا بظل أسود مولى يعلو، ويطول في صحن داري فأهويت إليه فمسست جلده، فإذا جلده كجلد القنفذ، فرمى في وجهي مثل شرر النار، فظننت أنه قد أحرقني، وأحرق داري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عامرك عامر سوء يا أبا دجانة ورب الكعبة ومثلك يؤذى يا أبا دجانة؟» ثم قال: ائتوني بدواة وقرطاس، فأتي بهما فناوله علي بن أبي طالب وقال: «اكتب يا أبا الحسن» . فقال: وما أكتب؟ قال: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم، إلى من طرق الدار من العمار والزوار والصالحين، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. أما بعد: فإن لنا ولكم في الحق سعة، فإن تك عاشقا مولعا، أو فاجرا مقتحما أو راغبا حقا أو مبطلا، هذا كتاب الله تبارك وتعالى ينطق علينا وعليكم بالحق، {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] ، ورسلنا يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا، وانطلقوا إلى عبدة الأصنام، وإلى من يزعم أن مع الله إلها آخر {لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} [القصص: 88] يغلبون، «حم» لا ينصرون، {حم عسق} [الشورى: 2] ، تفرق أعداء الله، وبلغت حجة الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 137] ". قال أبو دجانة: فأخذت الكتاب فأدرجته وحملته إلى داري، وجعلته تحت رأسي وبت ليلتي فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة أحرقتنا واللات والعزى الكلمات , بحق صاحبك لما رفعت عنا هذا الكتاب، فلا عود لنا في دارك، وقال غيره: في أذاك، ولا في جوارك، ولا في موضع يكون فيه هذا الكتاب. قال أبو دجانة: فقلت: لا، وحق صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أرفعنه حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو دجانة: فلقد طالت علي ليلتي بما سمعت من أنين الجن وصراخهم وبكائهم، حتى أصبحت فغدوت، فصليت الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بما سمعت من الجن ليلتي، وما قلت لهم. فقال لي: «يا أبا دجانة ارفع عن القوم، فوالذي بعثني بالحق نبيا إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة» تابعه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، عن أبي بكر محمد بن عمير الرازي الحافظ عن أبي دجانة محمد بن أحمد هذا.

التداوي بالبخرة (النُّشرة)

القرءان الكريم صفة الله الكلامية، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو في ذاته شفاء لقوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) [الْإِسْرَاءِ: 82] وقد أباح الإسلام التداوي بشكل عام ما لم يكن حرامًا، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تتداووا بحرام ) أخرجه أبو داود. وكان العرب قبل الإسلام يستشفون ويتداوون برقى وتعاويذ وطرق علاج شركية، فعندما جاء الإسلام أبطلها واستبدلها برقى وتعاويذ وطرق علاج إسلامية تستند إلى القرءان الكريم والأذكار والتعاويذ الشرعية، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك". قال القرطبي: "ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك." وللتداوي أشكال كثيرة منها ما يُطعم أو يشرب أو يستنشق ويشم أو يمسح أو يغسل به الجسد أو يُرش، وكل نظير ذلك موجود من القرءان الكريم والأذكار والتعاويذ الشرعية، وهو ما يعرف بشكل عام بالنُّشرة. فالنشرة هي ضرب من العلاج بالقرءان والأذكار الشرعية والتعاويذ المشروعة، وهو مما أباحه الشرع الحنيف ووسع فيه لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل). قال ابن الأثير في النهاية: النُّشرة، بِالضَّمِّ: ضرْب مِنَ الرُّقية والعِلاج يعالَج بِهِ مَنْ كَانَ يُظن أَن بِهِ مَسًّا مِنَ الجِن، سُمِّيَتْ نُشْرة لأَنه يُنَشَّر بِهَا عَنْهُ مَا خامَرَه مِنَ الدَّاء أَي يُكشَف ويُزال. وجاء في مختار الصحاح: وَ(التَّنْشِيرُ) مِنَ (النُّشْرَةِ) وَهِيَ كَالتَّعْوِيذِ وَالرُّقْيَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: «فَلَعَلَّ طِبًّا أَصَابَهُ يَعْنِي سِحْرًا» ثُمَّ (نَشَّرَهُ) بِقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ أَيْ رَقَاهُ، وَكَذَا إِذَا كَتَبَ لَهُ النُّشْرَةَ. قال ابن القيم: "النشرة حل السحر عن المسحور. وهي نوعان: أحدهما حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان. وعليه يُحمل قول الحسن -البصري، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة. فهذا جائز". وعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم عندما سُحر: (أفَلاَ؟ - أَيْ تَنَشَّرْتَ - فَقَالَ: «أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا») أخرجه البخاري في صحيحه (5765)
قال ابن بطال: إن الاعتبار يعطى لسفيان الذي ورد في روايته أن عائشة سألت عن النشرة، فإن الزيادة منه مقبولة؛ لأنه أقواهم في الضبط. قال الشعبي: إن في ذلك دلالة على جواز النشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإنكار على عائشة، وهذا دليل على الجواز. وفي النهاية لابن الأثير قوله صلى الله عليه وسلم: (فلعل طبًّا أصابه، فنَشَّره بقل أعوذ برب الناس)، والحديث سكت عنه المنذري. وفي صحيح البخاري عن قَتَادَةُ أنه قال: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ، أَوْ: يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ؟ قَالَ: «لاَ بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلاَحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ» وفي رواية: "يلتمس من يداويه، فقال: إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع"، وأخرج الطبري في "التهذيب" عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: "هو صلاح". قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك يقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، قال فقال سعيد بن المسيب. إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع. وأورد الحافظ في الفتح: "وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور فقال: لا بأس به." ومما جاء في صفة النشرة الجائزة: ما أخرجه عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به. وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور: الآية التي في سورة يونس (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ). وقوله: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ... بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [لأعراف:118-121]. وقوله: (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [طـه:69]. وقال ابن بطال في كتاب وهب بن منبه: "أنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يحسو (يشرب) منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به يذهب عنه كل ما به." وذكر الحافظ في الفتح: (قال قتادة لسعيد بن المسيب: رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر؟ قال: "لا بأس، وإنما يريد به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه". قال نصوح: فسألني حماد بن شاكر: "ما الحل وما النشرة؟" فلم أعرفهما، فقال: هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسا ذا قطارين ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجج نارًا في تلك الحزمة حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره فإنه يبرأ بإذن الله، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفارة وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف، ويجعل فيهما ماء عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله" قال حاشد: "تعلمت هاتين الفائدتين بالشام". قلت: وحاشد هذا من رواة الصحيح عن البخاري) أهـ وقال ابن القيم في كتاب الطب النبوي: "قال الخلال: حدثني عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي -أحمد بن حنبل- يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض أو شيء نظيف، يكتب حديث ابن عباس رضي الله عنهما: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون. قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين؟ فقال له: يجيء بجام واسع وزعفران، ورأيته يكتب لغير واحد، ويذكر عن عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى عليه السلام على بقرة، وقد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة الله، ادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، فقال: يا خلاق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس خلصها، قال: فرمت بولدها، فإذا هي قائمة تشمه، قال: فإذا عسر على المرأة ولدها، فاكتبه." وقال ابن القيم: "كتاب آخر لذلك يكتب في إناء نظيف: إذا السماء انشقت* وأذنت لربها وحقت* وإذا الأرض مدت* وألقت ما فيها وتخلت. وتشرب منه الحامل، ويرش على بطنها." وقال السيوطي في الإتقان: "وغالب ما يذكر في ذلك كان مستنده تجارب الصالحين" ثم قال: "وأخرج البيهقي في الدعوات عن ابن عباس موقوفاً في المرأة يعسر عليها ولادها قال: يكتب في قرطاس ثم تسقى باسم الله الذي لا إله إلا هو الحليم الكريم، سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون." فكما أن بعض الأمراض تداوى بشم الدواء واستنشاقه كالغيبوبة وأنواع الأزمات التنفسية فهناك التنشر بدخان القرءان الكريم، وهو دخان مبارك لقوله تعالى: (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ)، وهي ما يعرف عند أهل السودان بالبخرة. أما ما يروى عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن النشرة مع ما ثبت من إباحتها فإنه يحمل إما على أصل النشرة، أو على ما كان يتنشر به أهل الجاهلية بأنواع من النشرة الشركية أو التنشر بالسحر والعياذ بالله تعالى. قال الحافظ: "ويجاب عن الحديث والأثر بأن قوله (النشرة من عمل الشيطان) إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا كان خيرا وإلا فهو شر. ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعويذ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة نوعين." قال العلامة ملا على القاري في شرح مشكاة المصابيح: "والمراد بالضمير البارز في قوله: (فقال): أي: النبي صلى الله عليه وسلم: (هو من عمل الشيطان): النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به ويعتقدون فيه، وأما ما كان من الآيات القرآنية، والأسماء والصفات الربانية، والدعوات المأثورة النبوية، فلا بأس، بل يستحب سواء كان تعويذا أو رقية أو نشرة، وأما على لغة العبرانية ونحوها فيمتنع لاحتمال الشرك فيها." أهـ قال العظيم آبادي في عون المعبود: "قَالَ الْحَسَنُ النُّشْرَةُ مِنَ السِّحْرِ وَقَدْ نُشِرَتْ عَنْهُ تَنْشِيرًا انْتَهَى وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ لَعَلَّهُ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى أَسْمَاءِ الشَّيَاطِينِ أَوْ كَانَ بِلِسَانٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ فَلِذَلِكَ جَاءَ أَنَّهُ سِحْرٌ سُمِّيَ نُشْرَةً لِانْتِشَارِ الدَّاءِ وَانْكِشَافِ الْبَلَاءِ بِهِ (هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) أَيْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَالِجُونَ بِهِ وَيَعْتَقِدُونَ فِيهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ النَّبَوِيَّةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ" أهـ

الأربعاء، 20 يناير 2016

المصطفى ﷺ بشر خارق

الحجر فيه الكريم كاللؤلؤ والمرجان والياقوت والماس، وفيه الذي لا قيمة له كالأحجار التي حولنا في كل مكان، لا يرغب فيه أحد ..

والشجر فيه الكريم كالتين والزيتون والعنب والرمان والنخيل، وفيه الذي لا قيمة له ولا يرغب فيه أحد، وفيه المضر والمؤذي وكثير الشوك وفيه الخبيث كالزقوم أجارنا الله تعالى..

والبشر فيهم الكريم كالأنبياء والرسل والصالحون والقادة والمميزون والخارقون.. وفيهم العاديون، وفيهم المجرمون والسفاحون والكفار والفجار..

انتبه..
فليس كل اسم صفة مثل "حجر"، "شجر"، "بشر" يعني أن الأشياء الموصوفة سواء!

وإذا نظرنا إلى بشرية سيدنا محمد ﷺ وجدناها بشرية خاصة حقًّا، وأنه ﷺ بشر خارق..

لنأخذ مثالًا على ذلك ببصره الشريف..

فهل تعلم أنه ﷺ يرى من خلفه كما يرى من أمامه؟!
فعن أنس رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ، ذات يوم، فلما قضى الصلاة، أقبل علينا بوجهه، فقال: «أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي، ومن خلفي» رواه البخاري ومسلم

وعنه رضي الله عنه قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: «أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري» أخرجه البخاري

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري» أخرجه البخاري.

وفي رواية عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ ثم انصرف فقال: «يا فلان إلا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟!، فإنما يصلي لنفسه، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي».

وسئل أبو عبد الله عن تفسير قول النبي ﷺ: «إني أراكم من وراء ظهري»، فقال: "كان يرى من خلفه"، قيل: أفليس هذا له خاص؟ قال: "بلى".

وهل تعلم أنه ﷺ يرى في الظلام كما يرى في النور؟!
فقد أسري به ﷺ "ليلًا" في رحلة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات العلية. وأن ليلة الإسراء كانت في السابع والعشرين من رجب على المشهور من قول الجمهور، جزم بذلك ابن حزم والنووي وغيرهم، وليلة السابع والعشرين ليلة مظلمة، ومع ذلك فقد رأى فيها رسول الله ﷺ ما رأى، ووصف ما وصف في إسرائه وفي معراجه، وقد كذبه كفار قريش وأرادوا أن يمتحنوا صدقه فسألوه عن عير لهم قادمة من الشام فقالوا له: يا محمد! أخبرنا عن عيرنا، فقال ﷺ:
"أتيت على عير بني فلان بالروحاء، قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم، ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء، فشربت منه، فاسألوهم عن ذلك"،
قالوا: هذا والإله آية.
"ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فنفرت مني الإبل، وبرك منها جمل أحمر، عليه جوالق مخيط ببياض، لا أدري أكسر البعير، أم لا، فاسألوهم عن ذلك".
فقالوا: هذه والإله آية.
"ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم، يقدمها جمل أورق، هي ذِهِ تطلع عليكم من الثنية."
فقال الوليد بن المغيرة: ساحر!
فانطلقوا، فنظروا، فوجدوا الأمر كما قال ﷺ، فرموه بالسحر. أخرجه أبو يعلى وابن عساكر وغيرهم.

فقد رأى العير في هذا الظلام، ووصفها وصفًا دقيقًا، فقال مثلًا: "وبرك منها جمل أحمر، عليه جوالق مخيط ببياض" والجوالق هي الأكياس التي تصنع من الصوف، أو اليوم تصنع من الخيش "الشوالات".
وقال ايضًا: "يقدمها جمل أورق"، والأورق هو الرمادي اللون.
فهل تُعرَف الأوصاف الألوان في الظلام بدون مصباح؟!

وهل تعلم أنه يرى ما تحت الأرض؟!
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ: «مررت على موسى ليلة أسري بي، عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره». أخرجه مسلم.

وهل تعلم أنه وهو ﷺ في الدنيا يرى ما في الآخرة؟!
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: طلع النبي ﷺ المنبر فقال: «إني بين أيديكم فرط -أي سابقكم إلى الآخرة- وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا» أخرجه البخاري ومسلم.
وفي رواية: «إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن».
ها هو في الدنيا وينظر إلى حوضه يوم القيامة!!!

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: خسفت الشمس، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، أي توقفت وأحجمت. قال: «إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرًا أفظع، رأيت أكثر أهلها النساء». أخرجه البخاري ومسلم.
سبحان الله!، لم يرها فقط بل تناول منها عنقودًا!!

بل وكان النبي ﷺ هو أسبق الخلق إلى النظر بـ"البروجيكتور" الرباني إلى أمور الآخرة العظيمة كالجنة والنار، حيث قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي الجنة والنار آنفًا، في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي» أخرجه البخاري ومسلم.

فرسول الله ﷺ بشر خارق.. خصه الله بخصائص لم يخص بها أحدًا غيره، كيف لا وهو أكرم خلق الله على الله، ﷺ وبارك وعظَّم ومجَّد وأكرم.

نعم إنه يتواضع، ويعامل الأمة ببساطة وحلم وأناة ويخاطب الناس على قدر عقولها لأنه الرحمة للعالمين، فلا يكون ذلك مدعاة لأن يستخف الناس به ﷺ وبقدره العظيم وقدراته الخارقة بذريعة أنه بشر عادي، فمما تقدم يتبين لك أنه بشر خارق لكن لكل حادثة حديث ولكل مقام مقال، وعندما أغضبه الناس قال سيدنا أنس رضي الله عنه: خرج إلينا رسول الله ﷺ ذات يوم وهو غضبان ونحن نرى أن معه جبريل، قال: فما رأيت يومًا كان أكثر باكيًا منقعا منه،  فقال: «سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به»، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار؟ قال: «لا، بل في النار»، قال: فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله، من أبي؟ «قال: أبوك حذافة»، قال: فقام إليه آخر فقال: أعلينا الحج في كل عام؟، قال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو لم تقوموا بها لهلكتم»، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولًا، يا رسول الله، كنا حديثي عهد بجاهلية، فلا تُبدِ سوآتنا ولا تفضحنا لسرائرنا واعف عنا عفا الله عنك، قال: فسري عنه ثم التفت نحو الحائط فقال: «لم أر كاليوم في الخير والشر، رأيت الجنة والنار دون هذا الحائط» أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وعجب أم عبد الله من حذافة الذي سأل عن أبيه فقالت لولدها: ما سمعت بابن قط أعق منك!!! أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟! قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.

فتأمل! فتح لهم ﷺ باب السؤال على مصراعيه، لمن شاء وأن يسأل في ما شاء! من أمور الدنيا أو الآخرة، فسألوه عن الماضي والحاضر والمستقبل فأجابهم ﷺ، ونبَّههم إلى كيف أنه ﷺ يرفق بهم ويرأف عندما سألوه عن الحج، فلو أجابهم بنعم لوجب، ولما استطاعوا ولهلكوا تبعًا لذلك، حتى جثا سيدنا عمر رضي الله عنه على ركبتيه ونشده أن يعفوا عن الناس وأن يتجاوز عنهم وألا يبدي سوآتهم ويفضح عوراتهم، فسكت عنه ﷺ الغضب، وكان لا يغضب إلا لله.

ازدد معرفة بحبيبك ﷺ تزداد حبًّا له وتعظيمًا لجنابه وصلاةً عليه.

اللهم صلِّ وسلم على الذات المحمدية، وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد.