هو الباحث في مجال الحديث الشريف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ولد سنة 1914م بألبانيا، وتوفي في الأردن سنة 1999م، أي قبل نحو 17 سنة من اليوم.
تعليمه ومشائخه:
درس الإبتدائية ولم يكمل تعليمه، ودرس على والده المذهب الحنفي، وعلى صديق والده الشيخ سعيد البرهاني -شيخ الطريقة الشاذلية في زمانه- مراقي الفلاح في الفقه الحنفي وبعض كتب اللغة والبلاغة وقيل كان يحضر دروسًا لمحمد بهجة البيطار في "الحماسة" لأبي تمام. ويعاب على الألباني أنه ليس له مشائخ سوى والده وصديقه الشيخ سعيد البرهاني، مع أن علماء الحديث وحفاظه كان يعد مشائخهم بالمئات والألوف، حتى أنهم كانوا يصنفون المعاجم في شيوخهم مثل معجم شيوخ الطبراني.
دراسته للحديث الشريف:
على الرغم أن الألباني عاش في القرن العشرين إلا أنه اشتهر بين العوام كأحد علماء السلف، واشتهر بين أنصار الدعوة السلفية بأنه محدث العصر، قال الشيخ عبد العزيز بن باز:«ما رأيت تحت أديم السماء عالمًا بالحديث في العصر الحديث مثل محمد ناصر الدين الألباني»، لكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أن الألباني لم يدرس الحديث الشريف وعلومه على أحد أهل العلم من المشائخ، ولا في معهد ديني أو جامعة إسلامية، بل درسه من خلال بحوث مجلة المنار التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، ومن بعض الكتب. ويعتبر هذا من أحد أكبر الإنتقادات التي وجهت إليه فقالوا:
ما أخذ أحد العلم من الكتاب –دون معلم– إلاَّ ضل، فلابد من المعلم، ليشرح الغامض، ويقيد المطلق، ويفصل المجمل، ويبين المراد من الاصطلاح، ولو كان الكتاب وحده ينفع دون احتياج لمعلم يشرح، لما أرسل الله مع كل كتاب رسولاً يشرحه، ويبينه، ويبلغه، ولَمَا أخذ الله العهد على الذين أوتوا الكتاب أن يبينوه للناس، ولَمَا ألجمَ الله كاتم العلم بلجام من نار، وكتب العلم متوفرة للقاصي والداني، ولا شك أن كلام الله هو أحسن الحديث وأبلغه وأيسره، ومع ذلك لا يستغنى عن الرسول لبيانه.
قال الأوزاعي أحد أئمة السلف: "كان هذا العلم كريمًا يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله.
لذلك يعتبر الألباني في نظر بعض العلماء أنه غير مؤهل في هذا العلم وليس بمعتبر فيه وما كان ينبغي أن يصنف فيه ولا أن تفرد له كل هذه المساحة، فالعلم بالتعلم والفقه بالتفقه، قال محدث الهند الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في كتابه: "الألباني: أخطاؤه وشذوذه":
«ولازم ذلك أنه والله لا يعرف ما يعرفه آحاد الطلبة الذين يشتغلون بدراسة الحديث في عامة مدارسنا».
ومع ذلك قام بتحقيق كتب لأكابر علماء الأمة في هذا الفن وحكم على مروياتهم تصحيحًا وتضعيفًا كالإمام البخاري والحافظ أبي داود، والحافظ الترمذي، والحافظ الطبراني، والحافظ البيهقي والحافظ المنذري والحافظ السيوطي، وغيرهم من أئمة هذا العلم الشريف.
مهنته:
أخذ الألباني عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها حتى صار من أصحاب الشهرة فيها.
عمله وجهوده:
بحسب شهرته في مجال الحديث الشريف عمل الألباني في عدد من الجامعات والمؤسسات ذات العلاقة بعلوم الحديث الشريف، فاختير عضوًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعمل فيها لمدة ثلاث سنوات، وطلبت منه الجامعة السلفية في بنارس -الهند- أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك، واختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955.
مع أنه لم يكن حافظًا ولا مسندًا ولا محدثًا عمل الألباني في تحقيق وتخريج كتب الأئمة والحفاظ، وأصدر كتبًا يحكم فيها على مروياتهم تصحيحًا وتضعيفًا، كسلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، وصحيح وضعيف الترغيب والترهيب، وصحيح وضعيف الجامع الصغير وزياداته، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل وغيرها من تصانيف الحفاظ. وقد كثرت أخطاؤه في كتبه فكان في كل طبعة جديدة يتراجع عن خطأ في الحكم على حديث في الطبعة السابقة، وتعرض بسبب ذلك لكثير من الإنتقادات حتى ترك كثير من تلامذته وأنصاره الإعتماد على حكمه على الأحاديث،
قال الشيخ السلفي محمد الحسن الددو الشنقيطي رئيس جامعة عبد الله بن ياسين بنواكشوط: "فلذلك لا ينبغي أن يؤخذ تصحيحه بالإطلاق ولا تضعيفه بالإطلاق" وقال أيضًا: "والشيخ الألباني رحمة الله عليه بعض ما دخل عليه من الأخطاء وجهه أنه يعتمد على نسخة واحدة ويكون هو غير راوٍ لها، لم يروها ولم يقرأها على أحد من أهل العلم، وكثير من النسخ فيها أخطاء، فالكتب لا تخلو من أخطاء، ولذلك فإنه رحمه الله مثلاً ضعَّف حديثًا في سنن البيهقي وقد طبع في الطبعة (عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس) فضعفه قال: (عبيد الله بن عبد الله بن عباس مجهول فالحديث ضعيف)، وهذا خطأ مطبعي، فأصل الكلام (عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس)، وعبيد الله هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الإمام أحد الفقهاء السبعة من فقهاء المدينة، وهو أثبت الناس في ابن عباس بالإجماع، فالغلط المطبعي كان سببًا للتضعيف، وهكذا فهذا النوع من الأخطاء سببه أخطاء مطبعية أو أخطاء خطية في المخطوطات".
وقال: "بعض ما صححه من الأحاديث لم يوافقه غيره على التصحيح، وقد تبين خطؤه في بعض تلك الأمور، ولذلك رجع هو عن بعض تصحيحاته، وبعض ما ضعفه من الأحاديث أيضًا تبين خطؤه فيه ولذلك رجع هو عن بعض ذلك، وكل طبعة من كتاب له فالطبعة التي بعدها فيها رد على نفسه ورجوع عن بعض ما كان أنتج".
وقال الدكتور الشريف حاتم العوني، أستاذ الحديث الشريف بجامعة أم القرى والعضو السابق لمجلس الشورى بالمملكة العربية السعودية: "وخلال مرحلة الاستقلال هذه كنت ألحظ بعض أخطاء الشيخ، وبعض تناقضات أحكامه من كتاب إلى كتاب، ولكني كنت أتجاهلها، وأتغافل عنها، مع مخالفتي له فيها؛ لكني كنت أمتنع عن وضعها في سياق ميزان مكانة الشيخ، ولم أفكّر أن أُعدّل من تصوري عنه بملاحظة تلك الأخطاء".
وأردف قائلًا:
"الأخطاء المنهجية أو المتكررة عند الشيخ:
أ- عجلة الشيخ في الحكم على الأحاديث، كما حصل في تخريج أحاديث مشكاة المصابيح وغيرها.
ب- تساهلٌ يتكرر منه في التصحيح والتحسين بمجموع الطرق، دون التزام بالقواعد الدقيقة لشروط ذلك. وهذا ليس دائما، لكنه كثير ملحوظ، وهو أحد أسباب أخطائه المتكررة.
ت- قصور ملحوظ في الترجمة للرواة، فتوسعه في الترجمة قليل، مع الأهمية القصوى لذلك، خاصة في الرواة المختلف فيهم أو المقلين الذين يحتاجون إلى بذل وسع كبير للتعرف على حالهم.
ث- تهاونه وقلة حفاوته بتعليلات أئمة النقد كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وأمثالهم، فلا يتوقف عندها كما يجب، فإن هو نقلها، ما أسهل الاعتراض عليهم عنده بظواهر لا تكفي لصحة الاعتراض."
وأنتقد الألباني أنه كان يقوم بتخريج الأحاديث تبعًا لهواه ونصرته لمذهبه، قال مسفر بن غرم الله الدميني رئيس قسم السنة سابقًا ورئيس الدراسات العليا حاليًا بكلية أصول الدين بالرياض عن الألباني بأنه: «تساهل في تصحيح الأحاديث الموافقة لرأيه وتساهل كذلك في تضعيف الأحاديث المخالفة لرأيه».
والثابت أن الألباني ضعَّف أحاديث كثيرة لا تنصر مذهبه، وقد أحصى أحد طلابه نحوًا من 315 روايًا كان الألباني يجهِّلهم مع أن لهم تراجم في كتب الجرح والتعديل، وبسبب ذلك ضعَّف أحاديثهم.
وانتقد كذلك بطعنه وقلة احترامه وتوقيره لأئمة الحديث وحفاظه كالحاكم وابن الجوزي والذهبي والسيوطي والمناوي، ولعل ذلك ناتج من أنه لم يتهذب على شيخ ليأخذ عنه توقير العلماء واحترامهم.
وقد تعرض الألباني لانتقاد آخر في عقيدته، فقال الشيخ سفر الحوالي أستاذ ورئيس قسم العقيدة سابقًا في جامعة أم القرى عن عقيدة الألباني:
«والمؤسف مع هذا أن الألباني أخذ بكلام أهل الإرجاء المحض من غير تفصيل»
علاقته بالمملكة العربية السعودية:
كان في بدايته مناصرًا للدعوة السلفية في المملكة العربية السعودية وخدم منهجهم ونصره من خلال عمله في تخريج الأحاديث النبوية، وقد ساهمت المملكة في دعم نشاطه ونشر كتبه وتقديمه للعالم على أنه مُحدِّث العصر، لكن العلاقة ما لبثت أن ساءت بسبب حرب الخليج وبسبب خلافات نشبت بينه وبين بعض مشائخ المملكة فأمر مفتي المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ بفصله من الجامعة الإسلامية بالمدينة نتيجة إختلافه مع عدد من المدرسين فيها، ثم طرد من المملكة على خلفية أحداث الحرم التي قام بها منتسبون إلى الدعوة السلفية سنة 1979م رأت السلطات أنهم تلامذة للألباني.
السبت، 30 أبريل 2016
ما لا تعرفه عن الألباني
الثلاثاء، 26 أبريل 2016
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
خبر إنشاد أهل المدينة "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" عند دخول النبي صلى الله عليه وسلم مشهور جدًا رواه وذكره جملة من الحفاظ والعلماء الثقات الأثبات، منهم الحافظ ابن سعد، والحافظ ابن حبان، والحافظ البيهقي، والحافظ أبو الحسن الخلعي، والحافظ رزين، والحافظ ابن الجوزي، والحافظ المحب الطبري والإمام الغزالي، والحافظ ابن كثير، والحافظ بن حجر، والحافظ السيوطي، والحافظ السمهودي وغيرهم خلق كثير.
أخرج البيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئًا، ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئًا حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، فَكَمَنَّا في بعض جدر المدينة، ثم بعثنا رجلًا من بعض البادية لِيُؤْذِنَ بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ قال: فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ. قال أنس: فلقد رأيت يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين شبيهًا بهما"
وأخرج الحافظ ابن حبان (ت354هـ) في ثقاته قال:
"فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة وهم خمسمائة رجل من الأنصار، فتلقى الناس والعواتق فوق الأجاجير والصبيان والولائد يقولون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وأخذت الحبشة يلعبون بحرابهم لقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحًا بذلك"
وأخرج الحافظ البيهقي (ت458هـ) في الدلائل عن الإمام العلامة الثقة ابن عائشة (ت228هـ) قال:
"لما قدم عليه السلام المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع"
قال البيهقي: هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة.
وروى الحافظ أبو داود أن الحبشة لعبت بحرابهم فرحا بقدومه صلّى الله عليه وسلّم وزاد الحافظ رزين (ت535هـ):
وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير -أي سطوح المنازل- يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وفي رواية:
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
وأخرج الحافظ المحب الطبري (ت694هـ) في الرياض النضرة عن ابن الفضل ابن الحباب الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه قال: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة جعل الصبيان والنساء والولائد يقولون:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قال: خرجه الحلواني على شرط الشيخين.
أما السؤال عن كيف لهجت جميع الألسن في آن واحد بهذه العبارات فلا ننسى أن الأنصار كانوا يترقبون مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأبجديات أن يتأهبوا لاستقباله بهذه الأبيات العذبات. قال ابن حبان: "سمع المسلمون بالمدينة بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون قدومه حتى يردهم حر الظهيرة"
ومن أشباه ذلك ما رواه ابن ماجة وغيره بسند جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:
نحن جوارٍ من بني النجار *** يا حبذا محمد من جار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يعلم الله إني لأحِبُّكُنَّ"
فالأنصار أهل إنشاد وذوق، ويتغنون الشعر بالسليقة بدون تكلف، ويعجبهم ذلك كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ما كان معكم لهو! فإن الأنصار يعجبهم اللهو" وفي حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: "قوم فيهم غزل".
وقال صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة: "فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: تقول ماذا؟ قال تقول:
أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم *** ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء *** ما سمنت عذاريكم
أما كون أن ثنية الوداع ليست من جهة طريق مكة فقد أجاب عليها كثير من العلماء ومنهم الحافظ السمهودي في الوفاء قال:
"إن ذلك لا يمنع من كونه في الهجرة عند القدوم من قباء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ركب ناقته، وأرخى لها زمامها، وقال: دعوها فإنها مأمورة، ومر بدور الأنصار كما سبق، حتى مر ببني ساعدة، ودارهم في شاميّ المدينة قرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها، وقد عرج النبي صلى الله عليه وسلم في رجوعه من بدر إلى ثنية الوداع؛ لما في مغازي ابن عقبة أنه صلى الله عليه وسلم سلك حين خرج إلى بدر حتى ثقب بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع."
الجمعة، 22 أبريل 2016
علاقة الشريعة بالزهد
الزهد هو ضد الرغبة والحرص، وزهد فلان في الشيء أي رغب عنه ولم يحرص عليه، وربما رضي بالقليل منه. والزهد في الدين خلق عظيم يرقى به العبد ويدنو من ربه، حيث يرغب عن ما أباحه الله له وأحله طلبًا لقرب الله ورضاه، وتحررًا من عبودية نفسه لأجل عبودية الله تبارك وتعالى، قال الجنيد: قال بعض شيوخنا: "لا تكون لله عبدا حقًّا، وأنت بما يكرهه مُسْتَرَقًّا"[1]. وبعض الناس لا يفرق بين الزهد وبين أن تحرم على نفسك ما أحله الله، وحقيقة الزهد هو أن تستغني بالله عما سواه وأن تزهد -طائعًا- في ما أباحه الله لك وأحله من الطيبات والملذات طلبًا لمرضاته سبحانه. وكثير من شرائع الإسلام وشعائره جوهرها الزهد، كالصوم، أحد أركان الدين، حيث يترك العبد طعامه وشرابه وكافة شهواته لله، لأجل ذلك استحق ثناء الله: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" [2]. والصوم ليس شعيرة تمارس في رمضان وحسب، بل كل أسبوع كما في صيام الأثنين والخميس على الأقل، وكل أسبوعين كما في صيام الأيام البيض، أو في صيام رجب وشعبان وغير ذلك من الأوقات المباركة التي يندب فيها الصوم. لذلك فإن طلب الجوع والعطش طواعية لا يناقض قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)[3]، بل هو رياضة للنفس، وإشعار لها بحاجة الفقراء، وصيانة للبدن من السمنة وأمراضها.
والزكاة والصدقة والنذر أيضًا في جوهرها الزهد في المال، والجهاد في جوهره الزهد في النفس، وقيام الليل في جوهره الزهد في النوم، والحج في جوهره الزهد في المال وفي راحة البدن لأن فيه مشقة، وهكذا إذا نظرت في شعائر وشرائع هذا الدين تجد أن الزهد محور أصيل فيها، تدور حوله لتصل بالعبد إلى الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة وذلك هو جوهر السير إلى الله القائل سبحانه:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ)[4]
(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)[5]
(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[6]
(وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ)[7]
(فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[8]
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)[9]
وغير ذلك من آي الذكر الحكيم، وكل القرءان ينبه إلى خطورة الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة، بل كان هذا هو آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته، ففي الصحيحين قال رسول الله ﷺ: "إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم"
وكان هو ﷺ الأسوة الحسنة في ذلك وإمام الزاهدين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي ﷺ وهو على حصير قد أثَّر في جنبه فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: "يا عمر، ما لي وللدنيا، وما للدنيا ولي، والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها" [10]
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" [11]
وقال ﷺ: "صلح أمر أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلك آخرها بالبخل والأمل" [12]
وكذا كان صحابته رضوان الله عليهم، قال الحارث بن عوف الليثي رضي الله عنه: "تابعنا الأعمال فلم نجد شيئا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا" [13]
ونقيض الزهد الحرص على الطيبات والشهوات وملذات الدنيا، وفي هذا خطر عظيم حيث يكون العبد أسير نفسه ورغباتها وأي خطر أعظم من هذا؟! جاء في الذكر الحكيم:
(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم)[14]
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)[15]
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[16]
(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)[17]
وغير ذلك من الآيات التي تبين خطر الإنقياد للنفس، وأن الفلاح والنجاح في كبح جماحها والتحرر من رقها، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[18]. ومن مخاطر الحرص على الدنيا أيضًا الغفلة، وطول الأمل، ونسيان الموت، والإنشغال عن الآخرة بعرض زائل، ونهاية كل ذلك هي الخسران المبين، قال النبي ﷺ: "أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحَّلت مدبرة والآخرة قد ترحَّلت مقبلة، ولكلٍ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل" [19].
لذلك كان الزهد هو روح التصوف وجوهره، فمن جهل الزهد جهل التصوف.
ـــــــــــــــــ
[1] أخرجه البيهقي في الشعب.
[2] أخرجه البخاري ومسلم.
[3] سورة الأعراف: 33.
[4] سورة آل عمران: 14.
[5] سورة الأنفال: 67.
[6] سورة الأعلى: 16-17.
[7] سورة الرعد: 26.
[8] سورة فاطر: 5، وسورة لقمان: 33.
[9] سورة الشورى: 20.
[10] صحيح أخرجه الإمام أحمد وغيره.
[11] صحيح أخرجه أبي حسين الكلابي.
[12] أخرجه البيهقي في الشعب.
[13] أخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد.
[14] سورة يوسف: 53.
[15] سورة ق: 16.
[16] سورة المائدة: 30.
[17] سورة غافر: 17.
[18] سورة النازعات:40-41.
[19] حسن أخرجه ابن أبي الدنيا وابن منده وابن عساكر وغيرهم.
والزكاة والصدقة والنذر أيضًا في جوهرها الزهد في المال، والجهاد في جوهره الزهد في النفس، وقيام الليل في جوهره الزهد في النوم، والحج في جوهره الزهد في المال وفي راحة البدن لأن فيه مشقة، وهكذا إذا نظرت في شعائر وشرائع هذا الدين تجد أن الزهد محور أصيل فيها، تدور حوله لتصل بالعبد إلى الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة وذلك هو جوهر السير إلى الله القائل سبحانه:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ)[4]
(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)[5]
(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[6]
(وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ)[7]
(فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[8]
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)[9]
وغير ذلك من آي الذكر الحكيم، وكل القرءان ينبه إلى خطورة الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة، بل كان هذا هو آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته، ففي الصحيحين قال رسول الله ﷺ: "إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم"
وكان هو ﷺ الأسوة الحسنة في ذلك وإمام الزاهدين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي ﷺ وهو على حصير قد أثَّر في جنبه فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: "يا عمر، ما لي وللدنيا، وما للدنيا ولي، والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها" [10]
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" [11]
وقال ﷺ: "صلح أمر أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلك آخرها بالبخل والأمل" [12]
وكذا كان صحابته رضوان الله عليهم، قال الحارث بن عوف الليثي رضي الله عنه: "تابعنا الأعمال فلم نجد شيئا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا" [13]
ونقيض الزهد الحرص على الطيبات والشهوات وملذات الدنيا، وفي هذا خطر عظيم حيث يكون العبد أسير نفسه ورغباتها وأي خطر أعظم من هذا؟! جاء في الذكر الحكيم:
(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم)[14]
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)[15]
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[16]
(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)[17]
وغير ذلك من الآيات التي تبين خطر الإنقياد للنفس، وأن الفلاح والنجاح في كبح جماحها والتحرر من رقها، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[18]. ومن مخاطر الحرص على الدنيا أيضًا الغفلة، وطول الأمل، ونسيان الموت، والإنشغال عن الآخرة بعرض زائل، ونهاية كل ذلك هي الخسران المبين، قال النبي ﷺ: "أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحَّلت مدبرة والآخرة قد ترحَّلت مقبلة، ولكلٍ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل" [19].
لذلك كان الزهد هو روح التصوف وجوهره، فمن جهل الزهد جهل التصوف.
ـــــــــــــــــ
[1] أخرجه البيهقي في الشعب.
[2] أخرجه البخاري ومسلم.
[3] سورة الأعراف: 33.
[4] سورة آل عمران: 14.
[5] سورة الأنفال: 67.
[6] سورة الأعلى: 16-17.
[7] سورة الرعد: 26.
[8] سورة فاطر: 5، وسورة لقمان: 33.
[9] سورة الشورى: 20.
[10] صحيح أخرجه الإمام أحمد وغيره.
[11] صحيح أخرجه أبي حسين الكلابي.
[12] أخرجه البيهقي في الشعب.
[13] أخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد.
[14] سورة يوسف: 53.
[15] سورة ق: 16.
[16] سورة المائدة: 30.
[17] سورة غافر: 17.
[18] سورة النازعات:40-41.
[19] حسن أخرجه ابن أبي الدنيا وابن منده وابن عساكر وغيرهم.
الخميس، 21 أبريل 2016
طوفان الشوق إلى رسول الله ﷺ هو وصية العارفين
ﺃﻻ ﻓﺄﻭﺻﻴﻚ ﺃﻥ ﻻ ﺗﻤﺮَّ ﺑﻚ ﺑُﺮﻫﺔٌ ﺇﻻ ﻭﻳﺰﺩﺍﺩ ﻓﻴﻚ ﻣﻌﺪَّﻝ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻭﻻ ﺗﻤﺮُّ ﺑﻚ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﺇﻻ ﻭﻳﺰﺩﺍﺩ ﻓﻴﻚ ﻣﻌﺪﻝ ﺍﻟﺤﺐ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻟﻌﻠﻚ ﺗُﺤﻈﻰ ﺑﺠﻤﻊ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻬﺮﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ، ﻷﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺛﻼﺛﺔ: ﻣﺠﺘﻤﻌﻮﻥ ﻻ ﻳﻐﺎﺩﺭﻭﻥ ﺍﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ ﻭﻻ ﺗﻐﺎﺩﺭﻫﻢ، ﻭﺻﻨﻒٌ ﻳﺠﺘﻤﻌﻮﻥ ﺣﻴﻨًﺎ ﻭﻻ ﻳﺠﺘﻤﻌﻮﻥ ﺣﻴﻨًﺎ، ﻭﺻﻨﻒ ﻻ ﺯﺍﻟﻮﺍ ﻳﻠﺘﻤﺴﻮﻥ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﺎﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ، ﻓﺈﻥ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑُﻌﺜﻮﺍ ﻣﺤﺒﻴﻦ، ﻭﺇﻥ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﻓﻴﺎ ﺫﺍﻙ. ﻛﻦ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻓﻲ ﺷﻮﻕٍ ﻷﻥ ﺗُﺠﻤﻊ ﺑﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻳﺎ ﻫﺬﺍ، ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﷺ ﻣﻮﺟﻮﺩٌ، ﻭﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺃﻧﻪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻭﻳُﻄﻴِّﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻳﺸﺎﻫﺪ ﻛﻞ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻳﺤﻀﺮ ﻟﻤﻦ ﺃﺭﺍﺩ، ﻭﻳﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻟﻤﻦ ﺷﺎﺀ (ﻭﻣﺎﻳﻨﻄﻖ ﻋﻦ ﺍﻟﻬﻮﻯ) ﻭﻟﻮ ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻪ ﷺ: (ﻣﻦ ﺭﺁﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﻓﻘﺪ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ)[1]، (ﻣﻦ ﺭﺁﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﻓﻘﺪ ﺭﺃﻧﻲ)[2]، ﺃﻭﺻﻴﻚ:
ﻓﻠﻴﻜﻦ ﺣﺎﻟﻚَ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻟﻠﺠﻤﻊ ﺑﺎﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ، ﻻ ﺗﺠﻌﻞ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﺗﻠﺘﻤﺴﻪ ﺇﻟﺘﻤﺎسًا، ﺃﻭ ﺗﺒﺤﺚ ﻋﻨﻪ ﺑﺤﺜًﺎ. ﻭﻻ ﺗﺠﻌﻠﻪ ﻛﺴﺎﺀً ﻓﺤﺴﺐ، ﺍﺟﻌﻞ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻳﺠﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻡ، ﻭﺇﺫﺍ ﺟﺮﻯ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻓﻴﻚ ﻣﺠﺮﻯ ﺍﻟﺪﻡ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻓﻴﻚ ﺫﺭﺓ ﺇﻻ ﻭﻫﻲ ﻣﺸﺘﺎﻗﺔ ﺇﻟﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻭﻟﻮ ﻛﻨﺖَ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺎﻝ؛ ﻟﻮ ﺍﺳﺘﺸﺮﺕَ ﺷﻌﺮﻙَ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺤﻼﻗﺔ ﻭﻛﻨﺖَ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳُﺮﺍﻗﺒﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻟﻘﺎﻝ ﻟﻚﺍﻟﺸﻌﺮ: "ﻻ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻓﺎﺭﻕ ﺟﺴﺪًﺍ ﻛﻠﻪ ﺣﺐٌّ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ"، ﻭﻟﻘﺎﻟﺖ ﻟﻚ ﺃﻇﺎﻓﺮﻙ: "ﻳﻌﺰُّ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﻋﻦ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻟﺘﻼﻕ". ﻛﻢ ﻣﻦ ﺃﻧﺎﺱٍ ﺇﺫﺍﻗﻠَّﻤﻮﺍ ﺃﻇﺎﻓﺮﻫﻢ ﺣﺰﻧﺖ ﺍﻷﻇﺎﻓﺮ ﻭﺍﻟﻌﻜﺲ ﻟﻤﻦ ﺗﺠﺮّﺩﻭﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ. ﻓﻜﻦ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺣﺐٍ ﻭﻫﻴﺎﻡٍ ﻭﺷﻮﻕٍ ﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ.
ﺃﻭَ ﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎﻫﻮ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ؟ ﻣﻊ ﺃﻥ ﺣﺒﻨﺎ ﻻ ﺷﺊ، ﻟﻜﻦ ﺃﻭَ ﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﻫﻮﺍﻟﺠﺰﺍﺀ؟ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺃﻥ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺣﺎﻟﻚ تكون ﺃﻧﺖ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ! ﺃﻭَ ﺭﺃﻳﺖ؟ (ﻭﺍﺷﻮﻗﻲ ﺇﻟﻰ ﺇﺧﻮﺍﻧﻲ، ﺃﻭَﻟﺴﻨﺎ ﺇﺧﻮﺍﻧﻚ؟ ﺃﻧﺘﻢ ﺃﺻﺤﺎﺑﻲ، ﺇﺧﻮﺍﻧﻲ ﻫﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮﺍ ﺑﻲ ﻭﻟﻢ ﻳﺮﻭﻧﻲ ﻭﻳﺘﻤﻨﻰ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﺃﻥ ﻟﻮ ﺭﺃﻧﻲ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﻤﻠﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ)[3] ﺃﻭَ ﺭﺃﻳﺖ؟! ﺇﺫﺍ ﻛﻨﺖ َﻛﻠﻚ ﺷﻮﻕٌ ﻓﺄﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﺃﻧﺖ ﻣﺤﺒﻮﺏٌ ﻫﻨﺎﻙ، ﻫﻨﺎﻙ ﺃﻳﻦ؟ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ! ﻭﻣﺎ ﺃﺩﺭﺍﻙ ﻣﺎ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ ! ﺃﻭَ ﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪﷺ؟! ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻨﺎﺯﻝ ﻣﻦ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻟﻠﻪ. ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﺣﻴﺚ ﺗﺠﻠﻲ ﺍﻟﻠﻪ! ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﺣﻴﺚ ﺍﻹﻧﻔﺘﺎﺡ ﻋﻠﻰ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻟﻠﻪ! ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﻫﻨﺎﻙ ﺣﻴﺚ ﻳﺮﺿﻰ ﺍﻟﻠﻪ، ﺃﻭَﺭﺃﻳﺖ؟! ﻛﻦ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻓﻲ ﺷﻮﻕٍ، ﻛﻦ ﻛﻠﻚ ﻣﺤﺒﺔ، ﺣﺐ ﺑﺎﻟﻘﻠﺐ ﺣﺘﻰ يؤثر ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﺍﺭﺡ، ﻓﺘﺼﺒﺢ ﻛﻠﻚ ﻗﻠﺒًﺎ ﻣﺤﺒًﺎ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ. ﻭﺍﻋﻠﻤﻦ ﺇﻥ ﻭﺻﻠﺖَ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻣﺎ ﻓﻴﻚ ﻣﻦ ﺫﺭﺓ ﺇﻻ ﻭﻫﻲ ﺗﺼﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﻥ ﻋﻠﻤﺖَ ﺃﻭ ﻟﻢ ﺗﻌﻠﻢ، ﺇﻥ ﺳﻤﻌﺖَ ﺃﻭ ﻟﻢﺗﺴﻤﻊ، ﺇﻥ ﺃﺩﺭﻛﺖَ ﺃﻭ ﻟﻢ ﺗﺪﺭﻙ.ﺇﺫًﺍ ﻗﻞ: (ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﺇﻟﻴﻚ ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺒﻲ، ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﺇﻟﻴﻚ ﻳﺎ ﺳﻴﺪﻱ، ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﺇﻟﻴﻚ ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ). ﺃﻭَ ﺭﺃﻳﺖ؟! ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺃﻧﺖ ﺗﻘﻮﻝ ﻭﺍ ﺷﻮﻗﺎﻩ ﻭﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﻳﺴﺘﻘﺒﻞ ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﻭﻟﻚ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ، ﻭﻟﻚ ﻓﻲ ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ، ﺇﺫًﺍ ﺃﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﺗُﺬﻛﺮ ﻓﻲ ﻟﺴﺎﻧﻪ، ﻭﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﻫﺬﺍ ﻭﺫُﻛﺮ ﻓﻲ ﻟﺴﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﷺ ﻫﻮ ﻣﺬﻛﻮﺭ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ، ﺃﻭَﺭﺃﻳﺖ؟!
العارف بالله تعالى فضيلة الشيخ عبد الرحيم الركيني
ـــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري.
[2] أخرجه البخاري ومسلم.
[3] أخرجه مسلم، والطبراني والإمام أحمد وابن عبد البر في الاستذكار وأبو يعلى وأبو الشيخ غيرهم وله ألفاظ منها:
"من أشد أمتي حبا لي ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بماله وأهله" ،"إن ناسا من أمتي يأتون من بعدي، يود أحدهم أن يشتري رؤيتي بأهله وماله"، "وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد"، "متى ألقى إخوانى قالوا ألسنا بإخوانك؟ قال بل أنتم أصحابى وإخوانى الذين آمنوا بى ولم يرونى، أنا إليهم بالأشواق"، "يا عمر! إني لمشتاق إلى إخواني. قال عمر: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنكم أصحابي وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني".
الأربعاء، 20 أبريل 2016
تحري طيب نفقة الحج
كان السلف الصالح يتحرون نفقة الحج أن تكون حلالًا عسى أن يقبل الله حجهم، وكانوا من ورعهم وابتغائهم الدار الآخرة يخشون عند التلبية أن ينادَوا: لا لبيك ولا سعديك.. حجك مردود عليك، فعن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حجَّ الرجل بمال غير حِلِّله فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك، هذا مردود عليك." [1]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من يمم هذا البيت بالكسب الحرام شخص في غير طاعة الله فإذا أهل ووضع رجله في الركاب وبعث راحلته وقال لبيك اللهم لبيك ناداه، مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام وثيابك حرام وراحلتك حرام وزادك حرام ارجع مأزوراً غير مأجور وابشر بما يسوءك." [2]
وعن سفيان بن عيينة قال: حج علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين رضي الله عنهم أجمعين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له: مالك لا تلبي؟
فقال أخشى أن أقول: "لبيك" فيقول لي: "لا لبيك"
فقيل له: لا بد من هذا، قال: فلما لبَّى غشي عليه وسقط من راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه[3].
وعن أبي الجلاء قال كنت بذي الحُليفة وشاب يريد أن يحرم فكان يقول: "يا رب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك فأخشى أن تجيبني بلا لبيك ولا سعديك" يردد ذلك مرارًا ثم قال: "لبيك اللهم" يمد بها صوته وخرجت روحه، فهذه أحوال الخائفين من الله تعالى[4].
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه الشيرازي في الألقاب وأبو مطيع في أماليه.
[2] أخرجه أبو ذر الهروي في المناسك.
[3]أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، والذهبي في تاريخ الإسلام، والمزي في تهذيب الكمال وابن حجر في تهذيب التهذيب
[4] أخرجه ابن الجوزي في مثير الغرام.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من يمم هذا البيت بالكسب الحرام شخص في غير طاعة الله فإذا أهل ووضع رجله في الركاب وبعث راحلته وقال لبيك اللهم لبيك ناداه، مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام وثيابك حرام وراحلتك حرام وزادك حرام ارجع مأزوراً غير مأجور وابشر بما يسوءك." [2]
وعن سفيان بن عيينة قال: حج علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين رضي الله عنهم أجمعين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له: مالك لا تلبي؟
فقال أخشى أن أقول: "لبيك" فيقول لي: "لا لبيك"
فقيل له: لا بد من هذا، قال: فلما لبَّى غشي عليه وسقط من راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه[3].
وعن أبي الجلاء قال كنت بذي الحُليفة وشاب يريد أن يحرم فكان يقول: "يا رب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك فأخشى أن تجيبني بلا لبيك ولا سعديك" يردد ذلك مرارًا ثم قال: "لبيك اللهم" يمد بها صوته وخرجت روحه، فهذه أحوال الخائفين من الله تعالى[4].
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه الشيرازي في الألقاب وأبو مطيع في أماليه.
[2] أخرجه أبو ذر الهروي في المناسك.
[3]أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، والذهبي في تاريخ الإسلام، والمزي في تهذيب الكمال وابن حجر في تهذيب التهذيب
[4] أخرجه ابن الجوزي في مثير الغرام.
الثلاثاء، 19 أبريل 2016
نصوص محكمة في الدعاء بعد الصلوات ورفع اليدين به
أدلة محكمة في الدعاء بعد الصلوات ورفع اليدين به:
لا ريب في ثبوت الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا. وقد بوب البخاري في صحيحه باب "الدعاء بعد الصلاة"، فعلق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على ذلك في فتح الباري فقال: «قوله باب الدعاء بعد الصلاة أي المكتوبة وفي هذه الترجمة رد على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع»
عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «قيل لرسول الله صلى الله عليه سلم: أي الدعاء أسمع»، قال: «جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات» رواه الترمذي وحسنه
قال الحافظ في الفتح: «فإن قيل المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعا فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه» أهـ
والنصوص الدالة على أن دبر الصلاة المقصود في ظاهر النصوص الشرعية هو بعد السلام فأكثر من أن تحصى منها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبح في [دبر كل صلاة] ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». أخرجه البخاري ومسلم.
وكتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أخرجه البخاري
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: «يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم» قال: «كيف ذلك؟» قالوا: «صلوا كما صلينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم، وليس لنا مال»، فقال: «ألا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله؟ تسبحون في [دبر كل صلاة] عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا» رواه البخاري
وعن أبي الزبير، قال: «كان ابن الزبير، يقول: في [دبر كل صلاة] حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» وقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة» أخرجه مسلم
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة» أخرجه النسائي في الكبرى وابن خزيمة في صحيحه
وعن علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي [دبر كل صلاة مكتوبة] ركعتين إلا العصر والصبح» أخرجه النسائي
وكان سعد رضي الله عنه يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المكتب الغلمان ويقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن في دبر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر» أخرجه النسائي في الكبرى
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» رواه النسائي في الكبرى، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم.
فكل هذه الأخبار المعتد بها تشير إلى أن دبر الصلوات في النصوص ذات العلاقة بالصلاة يراد بها ما بعد التسليمة.
السنة الفعلية في دعائه صلى الله عليه وسلم بعد الصلوات:
عن أبي أيوب رضي الله عنه قال:ما صليت خلف نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعته يقول حين ينصرف: «اللهم اغفر خطاياي، وذنوبي كلها، اللهم وأنعشني، واجبرني، واهدني بصالح الأعمال والأخلاق، لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت». رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده جيد.
وعن أم سلمة رضي الله عنه قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد صلاة الفجر: «اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا، وعلمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا». رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء، فتوضأ وصلى، وقال: «اللهم أصلح لي ديني، ووسع لي في ذاتي، وبارك لي في رزقي».
رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح غير عباد بن عباد المازني، وهو ثقة، وكذلك رواه الطبراني.
وعن الحارث بن مسلم التميمي رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم: (اللهم أجرني من النار) سبع مرات، فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارًا من النار، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: (اللهم أجرني من النار) سبع مرات، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار». أخرجه ابن حبان في صحيحه.
رفع الصوت بالذكر دبر الصلوات المكتوبات سنة قولية وفعلية:
فعن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم». أخرجه البخاري ومسلم.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» أخرجه مسلم
وعنه رضي الله عنه: «كنت أعرف انقضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير». أخرجه البخاري
وعن سيدنا ثوبان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم استغفر ثلاثا؛ قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» أخرجه مسلم
ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع به صوته لما سمعه سيدنا ثوبان رضي الله عنه.
وكتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أخرجه البخاري ومسلم
ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع به صوته لما سمعه سيدنا المغيرة رضي الله عنه.
والدعاء ذكر لله تعالى بلا شك، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت السلام ومنك السلام»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم» دعاء، أي «يا الله» كما قال أهل اللغة.
جواز أن يرفع الإمام يديه بالدعاء ويؤمن خلفه المصلون:
عن جابر بن يزيد بن الأسود العامري، عن أبيه، قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا»
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وسنده جيد.
وعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك، يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلًا ببطونهما وجهك، وتقول يا رب يا رب، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا»، وفي رواية: «فهو خداج». رواه الترمذي وصححه، وأحمد والطبراني والنسائي وغيرهم.
عن محمد بن أبي يحيى قال: رأيت عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ورأى رجلًا رافعًا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته». رواه الطبراني ورجاله ثقات.
ورفع اليدين في الدعاء أمر مستحب على الإطلاق:
وعن أبي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: «دَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَاء فَتَوَضَّأ بِهِ ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لِعبيد أبي عَامر وَرَأَيْت بَيَاض ابطيه» رواه البخاري
وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قدم الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: «يَا رَسُول الله ان دوسًا قد عَصَتْ وأبت فَادع الله عَلَيْهَا»، فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ فَظن النَّاس أَنه يَدْعُو عَلَيْهِم فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهد دوسًا وأئت بهم» رواه البخاري
عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ وكرَّم الله وجهه قَالَ: رفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْك بالوليد». رواه البخاري.
وعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «ذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرجل يُطِيل السّفر أَشْعَث أغبر يمد يَده الى السَّمَاء يَا رب يَا رب». رواه البخاري
وعن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: «نظر نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم ألف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجَالًا فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَمد يَدَيْهِ وَجعل يَهْتِف بربه اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ ان تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الاسلام لَا تعبد فِي الأَرْض». رواه مسلم
عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: «رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَافعا يَدَيْهِ حَتَّى بدا ضبعيه يَدْعُو». رواه البخاري
وعن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اذا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء لم يحطهما حَتَّى يمسح بهما وَجهه». أخرجه الترمذي وحسنه السيوطي
وعن سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا» رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وجود إسناده الحافظ.
وعَن سلمَان رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «مَا رفع قوم أكفهم الى الله عز وَجل يسألونه شَيْء الا كَانَ حَقًا على الله أَن يضع فِي أَيْديهم الَّذِي يسألونه» رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي في المجمع: رِجَاله رجال الصَّحِيح
مشروعية الدعاء الجماعي:
ذكر الله تعالى الدعاء الجماعي على لسان الأنبياء والرسل والصالحين، فقال تعالى:
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [سورة البقرة: 127-128]
وقال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: 286]
وقال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: 250]
وقال تعالى: (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 147]
وقال تعالى: (قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة يونس: 89]
وقال تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) [سورة الكهف: 10]
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [سورة الكهف: 28]
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [سورة الحشر: 10]
وغيرها من الآيات
وعن ثابت، عن أنس، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا وما هو إلا أنا، وأمي، وأم حرام خالتي، فقال: «قوموا فلأصلي بكم في غير وقت صلاة»، فصلى بنا، فقال رجل لثابت: أين جعل أنسا منه؟ قال: «جعله على يمينه، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة»، فقالت أمي: يا رسول الله خويدمك ادع الله له، قال: «فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به» أن قال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه»
أخرجه مسلم والطيالسي والبيهقي وغيرهم
وعن ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:«دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: أَعِيدُوا تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ وَسَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَلِأَهْلِهَا بِخَيْرٍ» أخرجه أحمد.
وعن حبيب بن مسلمة الفهري رضي الله عنه -وكان مستجابًا- أنه أُمِّرَ على جيش فَدَرِبَ الدُّرُوبِ، فلما لقي العدو قال للناس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجتمع ملأ فيدعو بعضُهم ويُؤمِّنُ بعضُهم إلا أجابهم الله»
ثم إنه حمد الله، وأثنى عليه، وقال: «اللهم احقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء»، فبينا هم على ذلك، إذ نزل الْهَنْبَاطُ -أمير العدو- فدخل على حبيب سرادقه. أخرجه الطبراني وحسنه الهيثمي في المجمع، والحاكم وصححه وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
الْهَنْبَاطُ بالرومية: صاحب الجيش.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» رواه الترمذي وحسنه
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ... »رواه البخاري ومسلم
#الدعاء #الدعاء_بعد_الصلوات #الدعاءـالجماعي
التسميات:
الإسلام,
التصوف,
الفكر الإسلامي,
النبي,
رسول الله,
مناهضة الوهابية والتطرف
أخبار وآثار في القبور وزيارتها والتبرك والتوسل بأصحابها
عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلاً واضعًا وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: جئتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحَجَرَ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا تبكوا على الدين إذا وليه أهلُهُ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله"
أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير والحاكم في المستدرك (8571) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي
أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير والحاكم في المستدرك (8571) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي
حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران ثنا تميم بن محمد ثنا أبو مصعب الزهري حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قال الحاكم: "هذا الحديث رواته عن أخرهم ثقات وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريا للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين". ورواه البيهقي في الكبرى وسكت عنه الحافظ في التلخيص.
ملاحظة: البيهقي أعل طريقًا أخرى بالإنقاطاع لم يذكر فيها: عن علي بن الحسين عن أبيه.
ملاحظة: البيهقي أعل طريقًا أخرى بالإنقاطاع لم يذكر فيها: عن علي بن الحسين عن أبيه.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن بلالا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزينًا، فركب إِلَى المدينة، فأتى قبر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ارتجت المدينة، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، زادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدًا رَسُول اللَّهِ، خرج النساء من خدورهن، فما رئي يَوْم أكثر باكيًا، وباكية من ذلك اليوم.
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد، وابن الأثير في أسد الغابة والسبكي في شفاء السقام والسمهودي في وفاء الوفاء
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد، وابن الأثير في أسد الغابة والسبكي في شفاء السقام والسمهودي في وفاء الوفاء
قال وهب بن جرير: حدثنا أبي، قال: سمعت ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة، رافعا عقيرته يتغنى، ورأيته يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به مروان فقال: أتصلي عند قبر! وقال له قولا قبيحا ثم أدبر، فانصرف أسامة ثم قال: يا مروان إنك فاحش متفحش، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يبغض الفاحش المتفحش".
أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، والخطيب في تاريخ بغداد من طريق عثمان بن حكيم، عن محمد بن أفلح مولى أبي أيوب، عن أسامة.
قال الذهبي: إسناده حسن، محمد بن إسحاق صدوق، وقد صرَّح بالتحديث، فأَمِنَّا شر تدليسه.
أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، والخطيب في تاريخ بغداد من طريق عثمان بن حكيم، عن محمد بن أفلح مولى أبي أيوب، عن أسامة.
قال الذهبي: إسناده حسن، محمد بن إسحاق صدوق، وقد صرَّح بالتحديث، فأَمِنَّا شر تدليسه.
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «رأيت أسامة بن زيد عند حجرة عائشة يدعو، فجاء مروان فأسمعه كلامًا، فقال أسامة: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء".
رواه الطبراني قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات.
رواه الطبراني قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات.
قال الحافظ أبو بكر ابن المقرئ مسند أصبهان:
(كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فضاق بنا الوقت فوصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء أتيت إلى القبر الشريف وقلت: "يارسول الله الجوع" فقال لي الطبراني:"اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت!"
فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له فإذا معه غلامان بزنبيلين بهما شيء كثير فقال:" ياقوم، شكيتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم.")
رواها ابن الجوزي في الوفاء والسخاوي في القول البديع، والسمهودي في وفاء الوفاء.
وابن المقريء والطبراني وأبو الشيخ كلهم من كبار الحفاظ الأثبات.
(كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فضاق بنا الوقت فوصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء أتيت إلى القبر الشريف وقلت: "يارسول الله الجوع" فقال لي الطبراني:"اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت!"
فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له فإذا معه غلامان بزنبيلين بهما شيء كثير فقال:" ياقوم، شكيتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم.")
رواها ابن الجوزي في الوفاء والسخاوي في القول البديع، والسمهودي في وفاء الوفاء.
وابن المقريء والطبراني وأبو الشيخ كلهم من كبار الحفاظ الأثبات.
ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (11/261)، وكذا الذهبي في "تاريخ الإسلام" (16 /463) عن الحاكم النيسابوري قال: "سمعت الحافظ أبا علي النيسابوري يقول: " كنت في غم شديد ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، كأنه يقول لي: صر إلى قبر يحيى بن يحيى واستغفر، وسل الله حاجتك، قال: فأصبحت ففعلت ما أمرني به، فقضيت حاجتي".
قال الذهبي: وهذا من فعل أبي علي النيسابوري –وهو من ثقات المسلمين وحفاظهم– وليس من فعل الحاكم أبي عبد الله.
قال الذهبي: وهذا من فعل أبي علي النيسابوري –وهو من ثقات المسلمين وحفاظهم– وليس من فعل الحاكم أبي عبد الله.
وقال ابن حبان في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين من كتابه "الثقات" (8 /456) : "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين" انتهى
عن الحافظ إبراهيم الحربي أنه قال: (قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب)
علق الذهبي على الخبر في السير فقال:
"إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السحر مرجو، ودبر المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق، اللهم إني مضطر إلى العفو، فاعف عني" أهـ.
علق الذهبي على الخبر في السير فقال:
"إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السحر مرجو، ودبر المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق، اللهم إني مضطر إلى العفو، فاعف عني" أهـ.
أخبرنا منصور قال أنبأنا أحمد بن علي قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع قال سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: (أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه).
أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
نبأنا أبو منصور القزاز قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قالا أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال حدثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول: (قبر معروف الكرخي مجرب لقضاءالحوائج ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته).
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح
قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال الحاكم (صاحب المستدرك) في تاريخ نيسابور:"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ماتحيرنا."
عن علي بن ميمون قال: (سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرّكُ بأبي حنيفة و أجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرًاـ فإذا عرضت لي حاجةٌ صلّيتُ ركعتين و جئتُ إلى قبره و سألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقضَى)
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد
يقول الذهبي في كتابة (معجم الشيوخ الكبير):
"عن نافع عن ابن عمر: (أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم)
قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب، وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا وتملوا به وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه، وولده والناس أجمعين، ومن أمواله، ومن الجنة وحورها، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر، وعمر أكثر من حب أنفسهم." أهـ
"عن نافع عن ابن عمر: (أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم)
قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب، وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا وتملوا به وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل، ألا ترى كيف فعل ثابت البناني؟ كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه، وولده والناس أجمعين، ومن أمواله، ومن الجنة وحورها، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر، وعمر أكثر من حب أنفسهم." أهـ
قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
" باب ماجاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حديث استئذان سيدنا عمر أمنا عائشة رضي الله عنها في الدفن بالحجرة النبوية: وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعًا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير."
" باب ماجاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حديث استئذان سيدنا عمر أمنا عائشة رضي الله عنها في الدفن بالحجرة النبوية: وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعًا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير."
وفي عمدة القاري بشرح صحيح البخاري للعيني مانصه:
"وقال(يعني شيخه زين الدين) وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل من جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل منبره فقال لابأس بذلك، قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية، فصار يتعجب من ذلك ويقول: عجبت! أحمد عندي جليل يقوله؟! وهذا استفهام إنكاري، أي أيقوله؟ وقال زين الدين: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصًا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، إلى أن قال المحب الطبري: يمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل مافي تقبيله تعظيم الله تعالى."
"وقال(يعني شيخه زين الدين) وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل من جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل منبره فقال لابأس بذلك، قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية، فصار يتعجب من ذلك ويقول: عجبت! أحمد عندي جليل يقوله؟! وهذا استفهام إنكاري، أي أيقوله؟ وقال زين الدين: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصًا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، إلى أن قال المحب الطبري: يمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل مافي تقبيله تعظيم الله تعالى."
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء :"أين المتنطع المنكر على أحمد وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي ويمس الحجرة النبوية فقال: "لاأرى بذلك بأسًا." وختم الذهبي كلامه بقوله:"أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع."
.
وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى:"{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...} الآية روى عن علي قال:"قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه فقال:"قلت يارسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {ولو أنهم ظلموا أنفسهم .....}الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر: "أنه قد غفر لك!"
.
وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى:"{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...} الآية روى عن علي قال:"قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه فقال:"قلت يارسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {ولو أنهم ظلموا أنفسهم .....}الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر: "أنه قد غفر لك!"
وقال ابن الحاج المالكي في المدخل:"وينبغي لولي الميت أن يختار له الدفن عند العلماء والأولياء والصالحين للتبرك بهم لما ورد هم القوم لايشقى بهم جليسهم. والتبرك عمل لايخدش في التوحيد لامن قريب ولامن بعيد، إذ التبرك بالآثار والمقامات مما أجازه الشرع الحنيف، فما أجازه الشرع فلا خوف علينا منه، فالتبرك بالأشخاص مثلا فلاعتقاد تقواها وصلاح عملها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع الجزم بأن لامؤثر إلا الله قال تعالى: {كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هناك دعا زكرياء ربه}. و أما الآثار فلأنها أجزاء منسوبة إلى تلك الأشخاص قال تعالى: {اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا}. فهي في حكم أصحابها. وأما الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة وإنما من أجل ساكنها قال تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. ولما يعمل فيها من خير وبر، إذ تتنزل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتغشاها السكينة فتتحقق عندها البركة التي تطلب من الله عندها."
وقال اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة :" فحياتهم للخلق منبهة ومسيرهم إلى مصيرهم لمن بعدهم عبرة وقبورهم مزارة." إلى أن قال:" يزارون في قبورهم كأنهم أحياء في بيوتهم لينشر الله لهم بعد موتهم الأعلام." واللالكائي عند أصحابه بمكانة عظيمة حتى قال فيه ابن القيم في نونيته:
أعني الفقيه الشافعي اللالكائي * المسدد ناصـــــر الإيمان.
أعني الفقيه الشافعي اللالكائي * المسدد ناصـــــر الإيمان.
التسميات:
الإسلام,
التصوف,
الفكر الإسلامي,
النبي,
رسول الله,
مناهضة الوهابية والتطرف
روايات القرءان الكريم تشهد بفصاحة اللهجة العامية السودانية
اللهجة العامية السودانية فصيحة في كثير من مفرداتها حتى لو بدت لك كأنها غير صحيحة إلا من حيث الأصل، فعبارات بدون همز مثل:
ياكل بدل يأكل، ويودي بدل يؤدي ويامر بدل يأمر ويابى بدل يأبى، ولا مواخذة بدل لا مؤاخذة، .. إلخ هي خير مثال.
فبعض الناس عندما يسمعها يظن أنها عربية بأصلها فقط، ولكن الصواب أنها عربية بأصلها وبنطقها العامي هذا المسموع اليوم، فللعرب ألسن كثيرة وهذا أحدها.
وكذلك ترقيق الراء في عبارات مثل:
كبيرة، وعويرة، وخميرة، وكسرة، ونمرة،.. إلخ
هي نطق عربي أصيل، على الرغم من أن الراء إذا كانت مفتوحة تفخم بغض النظر عما سبقها، مضمومًا كان أو مكسورًا، وهذه قاعدة شائعة، لكنها ليست الوحيدة، ففي بعض ألسن العرب ترقق.
والدليل على ما ذكرنا من هذه الفصاحة العامية هو رواية ورش عن نافع، حيث أن ورشًا يبدل الهمزة الساكنة في فاء الكلمة حرف مد، لذا فمن الفصاحة ان تقول: ياكل ويامر ويودي، ... إلخ، ويرقق الراء إذا كان ما قبلها ياء ساكنة، أو حرف مكسور لذا فمن الفصاحة ان تقول: كبيرة وخميرة وكِسرة ونمرة على الترقيق.
وكذلك عبارت مثل ضُعف بدلًا عن ضَعف، وعليهُم بالضم بدلًا عن عليهِم، وغيرها مما ينطق بالعامية كذا هو فصيح نزل به القرءان الكريم على اختلاف قراءاته ورواياته، فالحمد لله على هذه اللهجة العامية الفصيحة بالسليقة
ياكل بدل يأكل، ويودي بدل يؤدي ويامر بدل يأمر ويابى بدل يأبى، ولا مواخذة بدل لا مؤاخذة، .. إلخ هي خير مثال.
فبعض الناس عندما يسمعها يظن أنها عربية بأصلها فقط، ولكن الصواب أنها عربية بأصلها وبنطقها العامي هذا المسموع اليوم، فللعرب ألسن كثيرة وهذا أحدها.
وكذلك ترقيق الراء في عبارات مثل:
كبيرة، وعويرة، وخميرة، وكسرة، ونمرة،.. إلخ
هي نطق عربي أصيل، على الرغم من أن الراء إذا كانت مفتوحة تفخم بغض النظر عما سبقها، مضمومًا كان أو مكسورًا، وهذه قاعدة شائعة، لكنها ليست الوحيدة، ففي بعض ألسن العرب ترقق.
والدليل على ما ذكرنا من هذه الفصاحة العامية هو رواية ورش عن نافع، حيث أن ورشًا يبدل الهمزة الساكنة في فاء الكلمة حرف مد، لذا فمن الفصاحة ان تقول: ياكل ويامر ويودي، ... إلخ، ويرقق الراء إذا كان ما قبلها ياء ساكنة، أو حرف مكسور لذا فمن الفصاحة ان تقول: كبيرة وخميرة وكِسرة ونمرة على الترقيق.
وكذلك عبارت مثل ضُعف بدلًا عن ضَعف، وعليهُم بالضم بدلًا عن عليهِم، وغيرها مما ينطق بالعامية كذا هو فصيح نزل به القرءان الكريم على اختلاف قراءاته ورواياته، فالحمد لله على هذه اللهجة العامية الفصيحة بالسليقة
هل ذكر أهل السودان صراحة على لسان سيدنا محمد ﷺ؟
جاء في المعاجم:
السُّودانُ: جمعُ أسود
السُّودانُ: جيلٌ الناس سُودُ البشرة واحدُه والنسبةُ إليه: سودانيٌّ
أسْوَدُ ( اسم ):
الجمع: سُود و سُودان، المؤنث: سوداءُ، والجمع للمؤنث: سَوْداوات
وسُود لَوْن كلون الفحم ينتج من امتصاص أشعّة النُّور امتصاصًا تامًّا، عكسه أبيض، والعرب تسمِّي الأخضر الشَّديد الخضرة أسود لأنّه يُرى كذلك، كَمُّون/عسلٌ أسود.
السُّودانُ: جيلٌ الناس سُودُ البشرة واحدُه والنسبةُ إليه: سودانيٌّ
أسْوَدُ ( اسم ):
الجمع: سُود و سُودان، المؤنث: سوداءُ، والجمع للمؤنث: سَوْداوات
وسُود لَوْن كلون الفحم ينتج من امتصاص أشعّة النُّور امتصاصًا تامًّا، عكسه أبيض، والعرب تسمِّي الأخضر الشَّديد الخضرة أسود لأنّه يُرى كذلك، كَمُّون/عسلٌ أسود.
فقديمًا يقصد بهذا الاسم الأفارقة، سود البشرة، والغالب عليهم أنهم الذين يعيشون جنوب الصحراء لأن الأحباش كانوا يعرفون بالحبشة من قديم الزمان، منهم سيدنا بلال الحبشي، ومنها هجرة الحبشة، ومنها ملك الحبشة، وهكذا. ولأن الإغريق كانوا يعرفون السودان بأن عاصمته مروي. فقد ذكر هوميروس، المؤرخ اليوناني الشهير أن الآلهة كانت تجتمع في السودان في عيدهم السنوي، وعاصمتها مروي. [موسوعة حضارات العالم]
فهل ذكر أهل السودان صراحة في السنة الشريفة؟!
نعم ورد ذكر السودان صراحة في كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما نزلت إذا وقعت الواقعة، فذكر فيها ثلة من الأولين، قال عمر: يا رسول الله، ثلة من الأولين وقليل منا؟
فأمسكت آخر السورة سنة، ثم أنزل الله: (ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين)
[سورة الواقعة آية 39-40]
فأمسكت آخر السورة سنة، ثم أنزل الله: (ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين)
[سورة الواقعة آية 39-40]
ألا من آدم إليَّ ثلة، وأمتي ثلة، ألا ولا تستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان، من رعاة الإبل، ممن يشهد، أن لا إله إلا الله.
[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين بسند حسن، وابن عساكر في تاريخ دمشق]
[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين بسند حسن، وابن عساكر في تاريخ دمشق]
وعن عروة بن رويم رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على رسوله (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) بكى عمر رضي الله عنه وقال: يا نبي الله آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقناه، ومن ينجو منا قليل؟!
فأنزل الله عز وجل:
(ثلة من الأولين وثلة من الآخرين)
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: "قد أنزل الله عز وجل فيما قلت" فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من آدم إلينا ثلة ومني إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال: لا إله إلا الله"
[أخرجه البغوي في تفسيره]
فأنزل الله عز وجل:
(ثلة من الأولين وثلة من الآخرين)
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: "قد أنزل الله عز وجل فيما قلت" فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من آدم إلينا ثلة ومني إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال: لا إله إلا الله"
[أخرجه البغوي في تفسيره]
التطاول في البنيان.. لا يبدونَّ لكم عاديًّا
من علامات الساعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أن ترى الحفاة، العراة، العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان"[1].
"الحفاة" هم الذين ليس لهم نعالٌ يلبسونها، و"العراة" هم قليلو الثياب وليس مقصودًا العري الكامل، و"العالة" هم الذين يعانون من الفاقة وشدة الفقر والحاجة، و"رعاة الشاء" أو "رعاة الأبل" أو "رعاة البُهم" على اختلاف الروايات، هم الرعاة. وتلك الأوصاف هي الغالبة على أهل البادية من سكان الجزيرة العربية.
قال القرطبي:
"المقصود الإخبار عن تبدُّل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملَّكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به"[2]
وتتجلى هذه العلامة من علامات الساعة اليوم في دول الخليج، حيث كانوا قبل سنوات فقراء يتلقون الإعانات من الجيران والدول الصديقة، حتى إن السلطان السوداني علي دينار رحمه الله كان يكسو الكعبة المشرفة ويرسل محملًا فيه السمسم والدخن والذرة والزيوت واللحوم المجففة. ثم صاروا أثرياء بعد أن ظهرت في بلدانهم ثروة النفط والغاز، فأخذوا يتطاولون ويتباهون بالتطاول في البنيان، ويعتبر برج خليفة بدولة الإمارات أحد أطول الأبراج في العالم إن لم يكن أطولها على الإطلاق.
لكن تتجلى هذه العلامة من علامات الساعة بشكل أوضح في مكة المكرمة، فالهدي القرءاني أن بيوت الله تكرَّم بالرفعة والعلو كما قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [سورة البقرة: 127] أي يرفعا قواعدها بالبنيان. وجاء في السيرة أن طول الكعبة المشرفة عندما أعادت قريش بناءها كان عشرين ذراعًا، ومع ذلك فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى ذلك قصيرًا، فعن السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لها: "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع"[3]. لذلك عندما أعاد سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بناء الكعبة زاد في طولها عشرة أذرع. فهيبة البيت الحرام وحرمته وقدسيته تقتضي أن يكون هو أعلى بناء وأن يمنع التطاول عليه، فعن إبراهيم النخعي قال: "كانوا يكرهون أن يبنوا حول الكعبة بناء يُشرِف -أي يعلو- عليها"[4]، وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى عامله بمكة أن لا يدع أحدا يبني بيتًا له مُشْرفًا على الكعبة[5]. ولما بنى الخليفة العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام، أمر قوامه أن لا يرفعوها فيشرفوا بها على الكعبة، وأن يجعلوا أعلاها دون الكعبة فتكون دونها اعظامًا للكعبة أن تشرف عليها[6]، ووعن قيس مولى صفوان بن أمية قال: "رأيت شيبة بن عثمان إذا رأى بناءً مُشْرِفًا على الكعبة هدمه"[7].
أما ما يحصل اليوم من التطاول في مكة لأمر عجيب، فهذا التطاول مع الأسف الشديد طال الكعبة المشرفة نفسها، فتعالت حول صحن الطواف الجدران، وقامت حول بيت الله الحرام الأبراج والفنادق ناطحات السحاب، ولم يعد أحد يكترث لرفعته وعلوه على ما سواه من البنيان. ولئن كان عمل التوسعات ضرورة لاستيعاب العدد المتزايد من الحُجَّاج وعمَّار بيت الله الحرام، فكان الأولى أن يتوسع أفقيًّا لا رأسيًّا حفاظًا على قدسية أول بيت وضع للناس، لكن الرغبة في جني الأموال من بناء الفنادق والتلذذ بالتباهي في البنيان طغت على تعظيم حرمات الله تعالى.
وإن هذا الذي يحصل اليوم في مكة هو دليل أخصُّ على اقتراب الساعة، وعلى ذم الذين يقومون بذلك من حكومات وأفراد، فعن يوسف بن ماهك قال: كنت جالسًا مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه في ناحية من المسجد الحرام، إذ نظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس -أي يعلو جبل أبي قبيس- فقال: أبيتٌ هذا؟! فقلت: نعم. فقال: إذا رأيت بيوتها -أي مكة المكرمة- قد علت أخشبيها -يعني الجبلين العظيمين المحيطين بها- وفجرت بطونها أنهارًا -أي شقت خلالها القنوات وشبكات المياه- فقد أزِف الأمر -أي دنت الساعة[8].
وعن عطاء قال: "كنت آخذًا بلجام دابة عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- فقال: إذا رأيت مكة قد بُعِجَت كظائم، ورأيت البناء يعلو رؤوس الجبال، فأعلم أن الأمر قد أظلك[9].
ــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري.
[2] فتح الباري، كتاب الإيمان.
[3] رواه مسلم في صحيحه.
[4] روه ابن أبي شيبة في مصنفه والأزرقي في أخبار مكة.
[5] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[6] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[7] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[8] رواه الأزرقي في أخبار مكة بسند حسن.
[9] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند رجاله ثقات.
"الحفاة" هم الذين ليس لهم نعالٌ يلبسونها، و"العراة" هم قليلو الثياب وليس مقصودًا العري الكامل، و"العالة" هم الذين يعانون من الفاقة وشدة الفقر والحاجة، و"رعاة الشاء" أو "رعاة الأبل" أو "رعاة البُهم" على اختلاف الروايات، هم الرعاة. وتلك الأوصاف هي الغالبة على أهل البادية من سكان الجزيرة العربية.
قال القرطبي:
"المقصود الإخبار عن تبدُّل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملَّكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به"[2]
وتتجلى هذه العلامة من علامات الساعة اليوم في دول الخليج، حيث كانوا قبل سنوات فقراء يتلقون الإعانات من الجيران والدول الصديقة، حتى إن السلطان السوداني علي دينار رحمه الله كان يكسو الكعبة المشرفة ويرسل محملًا فيه السمسم والدخن والذرة والزيوت واللحوم المجففة. ثم صاروا أثرياء بعد أن ظهرت في بلدانهم ثروة النفط والغاز، فأخذوا يتطاولون ويتباهون بالتطاول في البنيان، ويعتبر برج خليفة بدولة الإمارات أحد أطول الأبراج في العالم إن لم يكن أطولها على الإطلاق.
لكن تتجلى هذه العلامة من علامات الساعة بشكل أوضح في مكة المكرمة، فالهدي القرءاني أن بيوت الله تكرَّم بالرفعة والعلو كما قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [سورة البقرة: 127] أي يرفعا قواعدها بالبنيان. وجاء في السيرة أن طول الكعبة المشرفة عندما أعادت قريش بناءها كان عشرين ذراعًا، ومع ذلك فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى ذلك قصيرًا، فعن السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لها: "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع"[3]. لذلك عندما أعاد سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بناء الكعبة زاد في طولها عشرة أذرع. فهيبة البيت الحرام وحرمته وقدسيته تقتضي أن يكون هو أعلى بناء وأن يمنع التطاول عليه، فعن إبراهيم النخعي قال: "كانوا يكرهون أن يبنوا حول الكعبة بناء يُشرِف -أي يعلو- عليها"[4]، وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب إلى عامله بمكة أن لا يدع أحدا يبني بيتًا له مُشْرفًا على الكعبة[5]. ولما بنى الخليفة العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام، أمر قوامه أن لا يرفعوها فيشرفوا بها على الكعبة، وأن يجعلوا أعلاها دون الكعبة فتكون دونها اعظامًا للكعبة أن تشرف عليها[6]، ووعن قيس مولى صفوان بن أمية قال: "رأيت شيبة بن عثمان إذا رأى بناءً مُشْرِفًا على الكعبة هدمه"[7].
أما ما يحصل اليوم من التطاول في مكة لأمر عجيب، فهذا التطاول مع الأسف الشديد طال الكعبة المشرفة نفسها، فتعالت حول صحن الطواف الجدران، وقامت حول بيت الله الحرام الأبراج والفنادق ناطحات السحاب، ولم يعد أحد يكترث لرفعته وعلوه على ما سواه من البنيان. ولئن كان عمل التوسعات ضرورة لاستيعاب العدد المتزايد من الحُجَّاج وعمَّار بيت الله الحرام، فكان الأولى أن يتوسع أفقيًّا لا رأسيًّا حفاظًا على قدسية أول بيت وضع للناس، لكن الرغبة في جني الأموال من بناء الفنادق والتلذذ بالتباهي في البنيان طغت على تعظيم حرمات الله تعالى.
وإن هذا الذي يحصل اليوم في مكة هو دليل أخصُّ على اقتراب الساعة، وعلى ذم الذين يقومون بذلك من حكومات وأفراد، فعن يوسف بن ماهك قال: كنت جالسًا مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه في ناحية من المسجد الحرام، إذ نظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس -أي يعلو جبل أبي قبيس- فقال: أبيتٌ هذا؟! فقلت: نعم. فقال: إذا رأيت بيوتها -أي مكة المكرمة- قد علت أخشبيها -يعني الجبلين العظيمين المحيطين بها- وفجرت بطونها أنهارًا -أي شقت خلالها القنوات وشبكات المياه- فقد أزِف الأمر -أي دنت الساعة[8].
وعن عطاء قال: "كنت آخذًا بلجام دابة عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- فقال: إذا رأيت مكة قد بُعِجَت كظائم، ورأيت البناء يعلو رؤوس الجبال، فأعلم أن الأمر قد أظلك[9].
ــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري.
[2] فتح الباري، كتاب الإيمان.
[3] رواه مسلم في صحيحه.
[4] روه ابن أبي شيبة في مصنفه والأزرقي في أخبار مكة.
[5] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[6] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[7] رواه الأزرقي في أخبار مكة.
[8] رواه الأزرقي في أخبار مكة بسند حسن.
[9] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند رجاله ثقات.
الاثنين، 18 أبريل 2016
فضل المدينة المنورة
مدينة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم طَيْبةَ الطيِّبةَ، ملتقى المهاجرين والأنصار، وموطن الذين تبوؤوا الدار والإيمان، والعاصمة الأولى للمسلمين، فيها عقدت ألوية الجهاد في سبيل الله، فانطلقت كتائب الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها شعَّ النور، فأشرقت الأرض بأنوار الهداية، وهي دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إليها هاجر، وفيها عاش آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وبها توفي، ومنها يبعث صلى الله عليه وسلم، ومن ثم عظُم شرفها، وعلت منزلتها، حتى فُضلت على سائر بقاع الأرض.
فضلها:
عن أنس رضي الله عنه قال: «لما كان اليوم الذي دَخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء»
[صحيح أخرجه الترمذي وابن حبان والإمام أحمد]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الإيمان ليأرز -أي يأوي- إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»
[أخرجه البخاري ومسلم]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد»
[أخرجه البخاري ومسلم]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنها -أي المدينة- طَيْبةُ، تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة»
[أخرجه مسلم]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال»
[أخرجه البخاري]
عن السيدة عائشة رضي الله عنه قالت: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها وحول حماها إلى الجحفة»
[أخرجه البخاري ومسلم]
عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، فأبصر إلى درجات المدينة، أَوْضَع ناقته -أي حثها على الإسراع- وإن كان على دابة حركها من حبها»
[أخرجه البخاري]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أناس يخرجون من المدينة إلى اليمن وغيرها: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها -أي الشدة وضيق العيش- إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة»
[إخرجه مسلم]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا يكيد أَهْلَ المدينة أحد، إلا انماع -أي ذاب وانحسر- كما ينماع الملح في الماء»
[أخرجه البخاري]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» [أخرجه البخاري ومسلم]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»
[أخرجه البخاري ومسلم]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد -يعني قباء- فيصلي فيه كان كعدل عمرة.
[أخرجه الإمام أحمد]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر وعمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم انتظر أهل مكة حتى أُحشر بين الحرمين»
[أخرجه الترمذي وحسنه]
فضلها بالمقارنة مع مكة المكرمة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»
[أخرجه مسلم]
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: «اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلت بمكة من البركة»
[أخرجه البخاري]
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه». قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر.
[أخرجه مسلم]
عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: تكلم مروان يومًا على المنبر فذكر مكة، فأطنب في ذكرها ولم يذكر المدينة، فقام إليه رافع بن خديج رضي الله عنه فقال: ما لك يا هذا، ذكرت مكة فأطنبت في ذكرها ولم تذكر المدينة؟ وأشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «المدينة خير من مكة»
[أخرجه الجوهري في مسند الموطأ، والطبراني في الكبير، وابن المقرئ في معجمه والجنذي في فضائل المدينة]
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك». فأسكنه الله المدينة
[أخرجه البيهقي ذكره ابن كثير في البداية والنهاية]
قال القاضي عياض الحافظ في الشفا: «أجمعت الأمة على أن البقعة الحاوية لأعضائه -أي القبر النبوي الشريف- أفضل البقاع»
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية:
«انفرد الإمام مالك عن بقية الأئمة الأربعة بتفضيلها على مكة،.. والمشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة، إلا المكان الذي ضم جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم»
فضل الموت فيها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها»
[أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبغوي في شرح السنة وحسنه]
أي أن يسأل الله الموت فيها ويحرص ألا يخرج منها إلى أن يموت.
كان سيدنا عمر رضي الله عنه يدعو فيقول: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم» [أخرجه البخاري]
فاستجاب الله دعاءه فقتل شهيدًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فضل أماكنها وترابها وغبارها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُحُد، جبل يحبنا ونحبه»
[أخرجه البخاري ومسلم]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أتاني الليلة جبريل فقال صلِّ في هذا الوادي -وادي في المدينة اسمه وادي العقيق- وقل عمرة في حجة»
[أخرجه البخاري]
عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحةٌ أوجرحٌ قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا -ووضع سفيان راوي الحديث سبابته في الأرض ثم رفعها:
«باسم الله، تربةُ ارضنا، بريقةِ بعضنا، ليشفى به سقيمنا، بإذن ربنا»
[أخرجه البخاري ومسلم]
دخلَ النبي صلى الله عليه وسلم على ثابتِ بنِ قيس وهو مريض فقالَ: «اكْشِفِ البَاْسَ ربَّ النَّاسِ، عن ثابت بنِ قيس بنِ شَمَّاس» ثم أخذ تراباً من بُطحانَ فجعله في قَدَحٍ، ثم نَفَثَ عليه بماءِ، ثم صبَّه عليهِ.
[أخرجه أبو داود والنسائي بسند جيد].
بُطْحان أو بَطْحان: وادٍ بالمدينة مبارك، قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بُطْحانُ على بِرْكَةٍ مِنْ بُرَكِ الجَنَّةِ)
عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك تلقاه رجالٌ من المتخلفين من المؤمنين، فأثاروا غبارًا، فخمر بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم أنفه، فأزال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللثام عن وجهه وقال: «والذي نفسي بيده: إن في غبارها شفاءً من كل داء» وقال: وأراه ذكر: «ومن الجذام والبرص» [رواه رزين]
وعن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غبار المدينة شفاءٌ من الجذام»
[رواه الديلمي في مسند الفردوس وأبو نعيم في الطب النبوي وابن النجار في تاريخ المدينة]
فضل تمرها وعجوتها وبركة طعامها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر»
[أخرجه البخاري ومسلم]
عن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنهما قال: غلا السعرُ بالمدينة، واشتد الجهدُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصبروا وأبشروا، فإنى قد باركت على صاعِكم ومُدِّكم، فكلوا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفى الإثنين، وطعام الإثنين يكفى الأربعة، وطعام الأربعة يكفى الخمسة والستة، وإن البركة فى الجماعة، فمن صبر على لأوائِها وشدَّتها، كنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة»
[أخرجه ابن ماجة والبزار وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح]
قدسية مكة المكرمة هي من قدسية نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)
[سورة آل عمران: 96]
وفي صحيح البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال، قلت: يا رسول الله، أيُّ مسجد وضع أوّل؟ قال: «المسجد الحرام». قال: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قال: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة»
و(بكَّة) قيل هي المسجد الحرام، مكان الكعبة، أما مكة فهي ما حول البيت، أم القرى.
وبنص هذه الآية فإن أول بيت -بيت لله، أي أول مسجد- وضع للناس للعبادة لهو المسجد الحرام، ثم بعد ذلك بأربعين سنة وضع للناس بيت آخر في الشام وهو المسجد الأقصى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: عندما نزل قوله تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا) لم يكن على وجه الأرض إلا مسجدان: المسجد الحرام، ومسجد إلياء، أي الأقصى.
وفي هذا حكم وأسرار، منها:
أن أول بيت لله وضعه المولى تبارك وتعالى للناس مباركًا وهدىً للعالمين كان ببكة من مكة المكرمة، حيث ميلاد المرسل رحمة للعالمين، فكأن بركته وهداه صلى الله عليه وسلم كانتا هما الرحمة للعالمين.
وشاء الله العليم الحكيم أن يضع أول بيت في الأرض لعبادته حيث يولد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، إمام الأنبياء والمرسلين، وإنه لشرف عظيم لأولي الألباب. ووضعه حيث يبعث ذلك النبي الأمي صلى الله عليه وسلم رسولًا لكافة الناس بشيرًا ونذيرًا بالدين الخاتم، ووضعه حيث يُنزَل عليه القرءان العظيم، المهيمن على الكتاب. فإن للمكان سرًا عظيمًا تعلق بالنبي الخاتم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم شاء الله الحكيم العليم أن يضع المسجد الأقصى بعد ذلك بأربعين سنة في الموضع الذي يولد فيه وينشأ الأنبياء والرسل من آل إبراهيم وآل عمران عليهم السلام، وإن كانوا هم المصطفَون على العالمين بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [سورة آل عمران: 33]، إلا أنهم تبع للنبي الخاتم، نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم، فجاء مكان بعثتهم ثانيًا بعد المسجد الحرام، دليلًا بيِّنًا على فضله العظيم صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكن يرجح بألف من أمته أو بها كلها وحسب، بل بكل الأنبياء والمرسلين وبأممهم، وكان بحق سيد العالمين.
وبذلك كان فرع نسب النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم من جده إبراهيم عليه السلام بمكة حيث أول بيت وضع للناس، بينما نسب غيره من آل إبراهيم وآل عمران عليهم السلام في بيت المقدس، ثاني بيت، فقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)
[سورة إبراهيم: 37]
فأسكن السيدة هاجر عليها السلام وسيدنا إسماعيل عليهما السلام مكة ليؤسسوا الأمة الأمية، خير أمة، التي سيبعث فيها خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ويعمروا أرضها الجدباء، فنبع ماء زمزم يسقي العالمين.
من الذي بنى البيت الحرام؟
بناه أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما قال تعالى:
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
[سورة البقرة: 127]
وعندما حرَّمها إبراهيم عليه السلام حرمًا آمنًا فلأنها بلد نبي آخر الزمان، سيد الأولين والآخرين، حتى يشب ويبعث آمنًا، وقد تربص به الأعداء، فقال تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)
[سورة العنكبوت: 67]
فيظهر مما تقدم أن قدسية مكة المكرمة وبيتها الحرام إنما استمدت في الأزل من قدسية نبي آخر الزمان وسيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من قبل أن يولد، وأن حكمة الله تبارك وتعالى العليم الحكيم تجلت في ذلك بشكل مذهل. واستمرت هذه القدسية بعد ميلاده بوجوده فيها كما حكى الله تبارك وتعالى فقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) [سورة الأنفال: 33]، ولأنه أبى صلى الله عليه وسلم أن يطبق ملك الجبال على أهل مكة الأخشبين -جبلان يحيطان بمكة- عندما آذاه أهل الطائف كما أخرج البخاري في صحيحه، ولأنه ارتضاها قبلة للدين الخاتم فقال تعالى:
(قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
[سورة البقرة: 144]
فلولا أنه ولد بها صلى الله عليه وسلم وأمنها بوجوده، وعاش فيها شبابه، وبعث، ونزل عليه فيها القرءان، وأبى أن يهلكها ملك الجبال، وارتضاها قبلة للمسلمين لما كان لها هذا الشرف وتلك القدسية. وحتى حرمها فإنه لم يحله الله تبارك وتعالى إلا له، كما ورد في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله حرّم مكّة فلم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنّما أحلّت لي ساعةً من نهار".
وعندما أخرج من مكة المكرمة وهاجر إلى المدينة المنورة، هاجرت معه قدسية المكان لأنها تبع لذاته الشريفة، فصارت مدينته المنورة خير بقاع الأرض، فيها عاش ما بقي من عمره الشريف، وفيها اكتمل الدين فأتم بلاغ الرسالة، وعقد ألوية ورايات الجهاد، وفيها انتقل إلى الرفيق الأعلى فاحتضنت أرضها السعيدة جسده الشريف.
ثم فتح مكة المكرمة لكنه آثر عليها المدينة المنورة، فدعا للمدينة بضعفي البركة وبضعفي ما دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام لمكة المكرمة، وحرَّمها كما حرَّم سيدنا إبراهيم عليه السلام مكة المكرمة، واستجاب الله دعاءه فأحبها هو وأصحابه أشد من حب مكة المكرمة كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: "اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد"، فلذلك آثرها، وتوفي بها، وندب للمؤمنين الوفاة فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها" [أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبغوي في شرح السنة وحسنه].
وبقيت في مكة المكرمة بركته صلى الله عليه وسلم، واستأثرت المدينة المنورة بنبع بركته وهو ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم، فكان الحرمان الشريفان ما بين بركته وهداه من جهة وما بين ذاته الشريفة من جهة أخرى، فصارا أحب بقعتين إلى قلب كل مؤمن، لأنهما تعلقتا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
اللهم صلِّ وسلِّم على الذات المحمدية وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)