إن في القبر نعيم وعذاب، وهذا مما علم من الدين بالضرورة وتواترت به النصوص:
▪قال تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) [السجدة:21].
قال ترجمان القرءان سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «جزء منه في الدنيا، والنصيب الأكبر منه في القبر، والعذاب الأكبر هو عذاب جهنم»، قال مجاهد: «يعني به عذاب القبر».
▪وقال تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) [الأنعام:93]. فهذا عذاب عاجل في الموت والقبر.
▪وقال النبي ﷺ: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يريكم عذاب القبر». فقالت أم بشر: «وهل للقبر عذاب؟!» فقال: «إنهم ليعذبون عذابًا تسمعه البهائم». أخرجه مسلم.
▪ومر النبي ﷺ على قبرين فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة» أخرجه البخاري.
▪وقال النبي ﷺ: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه». أخرجه الدارقطني
▪وقال النبي ﷺ: (إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: «ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟» فأما المؤمن فيقول: «أشهد أنه عبد الله ورسوله» قال: فيقول: «انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة»، وأما الكافر والمنافق فيقولان: «ما كنت تقول في هذا الرجل؟» فيقول: «لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس»، فيقولان: «لا دريت ولا تليت» ثم يضرب بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين). أخرجه البخاري ومسلم
▪وقال النبي ﷺ: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ» وفي رواية: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهد له سبعون ألفا من الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه» أخرجه النسائي
▪كان رجل يقال له كركرة على متاع رسول الله ﷺ فمات فقال النبي: «هو في النار، وإن الشملة تشتعل عليه نارًا في قبره» فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها.
أخرجه البخاري.
والغلول: هو السرقة من الغنيمة. والشملة: هي الكساء من الصوف يُتغطى به.
▪وقال النبي ﷺ: «إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يغفر له من أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا و ما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه».
أخرجه أحمد والطبراني
▪وكان من دعائه ﷺ وبعد التشهد الأخير: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». أخرجه مسلم.
▪وقال النبي ﷺ: «من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء» أخرجه أحمد والترمذي
▪وكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته فسئل عن ذلك وقيل له: «تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر؟!» فقال: سمعت رسول الله يقول: «إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعد أشد» أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجة.
السبت، 4 يونيو 2016
الأربعاء، 1 يونيو 2016
تناقضات السلفية
قال ابن القيم كما في مدارج السالكين (1/447): (ومن تجريبات السالكين، التي جربوها فألفوها صحيحة: أن من أدمن يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت أورثه ذلك حياة القلب والعقل.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - شديد اللهج بها جدا.
وقال لي يوما: لهذين الاسمين - وهما الحي القيوم - تأثير عظيم في حياة القلب. وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم. وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب، ولم يمت قلبه). اهـ
فائدة: قول ابن القيم: (ومن تجريبات السالكين) يستفاد منه أن السالك إلى الله تعالى إذا جرب نوعا من الأذكار، وإن لم يكن هذا الذكر مأثورا بلفظه، أو مأثورا بلفظه ولكنه غير مأثور بذلك العدد، أو تلك الهيئة، ووجد بعد التجربة نفعا لذلك الذكر، كصلاح قلبه، وإقباله على الطاعة، وتوبته من معاصي كان يقارفها، فلا حرج عليه في المداومة على ذلك، بل ولا حرج عليه في أن يدل طلابه وأحبابه على ذلك الخير الذي فتح الله به عليه، كما فعل ابن تيمية رحمه الله تعالى مع ابن القيم.
فلاحظ أخي أن ابن تيمية:
1- قيد هذا الذكر بعدد،
2- وقيده بزمن،
3- وأثبت له ثمرة،
4- وحث على المواظبة عليه بقوله (من واظب عليه).
منقول للفائدة
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - شديد اللهج بها جدا.
وقال لي يوما: لهذين الاسمين - وهما الحي القيوم - تأثير عظيم في حياة القلب. وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم. وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب، ولم يمت قلبه). اهـ
فائدة: قول ابن القيم: (ومن تجريبات السالكين) يستفاد منه أن السالك إلى الله تعالى إذا جرب نوعا من الأذكار، وإن لم يكن هذا الذكر مأثورا بلفظه، أو مأثورا بلفظه ولكنه غير مأثور بذلك العدد، أو تلك الهيئة، ووجد بعد التجربة نفعا لذلك الذكر، كصلاح قلبه، وإقباله على الطاعة، وتوبته من معاصي كان يقارفها، فلا حرج عليه في المداومة على ذلك، بل ولا حرج عليه في أن يدل طلابه وأحبابه على ذلك الخير الذي فتح الله به عليه، كما فعل ابن تيمية رحمه الله تعالى مع ابن القيم.
فلاحظ أخي أن ابن تيمية:
1- قيد هذا الذكر بعدد،
2- وقيده بزمن،
3- وأثبت له ثمرة،
4- وحث على المواظبة عليه بقوله (من واظب عليه).
منقول للفائدة
التسميات:
ابن تيمية,
الإسلام,
الفكر الإسلامي,
مناهضة الوهابية والتطرف
الثلاثاء، 24 مايو 2016
لا تنسوا موتاكم!! إنهم يلوحون إليكم!
روى رجل سوداني أنه رأى في المنام الموتى في مقابر "بُـرِّي" واقفين كأنهم دمى هوائية تلوِّح عن طريق هواء يضخ من أسفل، يلوحون طلبًا للعون والمساعدة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الميت في قبره إلا كالغريق المستغيث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله عز وجل ليُدخل على أهل القبور من دعاء أهل الدور أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلى الأموات الإستغفار» رواه البيهقي في الشعب.
ورأى الرجل أحد الموتى لا يلوح مثل إخوانه، فسأله: «لماذا لا تلوح مثل إخوانك من الموتى؟» فقال له: «أنا لست مثلهم، لي ولد صالح يهب لي كل يوم جزء من القرءان الكريم. إنه يعمل في سوق "التُّشاشا" -أي سوق البهارات بأمدرمان-في دكان رقمه كذا».
قال فلما انتبهت من النوم في الصباح عزمت على أن أتأكد من هذه الرؤيا، لأن الأموات في دار حق ولا يكذبون. فذهبت إلى سوق «التُّشاشا» في أمدرمان وصرت أقرأ أرقام الدكاكين إلى أن وقعت عيني على الرقم الذي رأيته في الرؤيا، فتقدمت إلى الدكان فإذا به كأنه خالي، لكني تجرأت وقلت: «السلام عليكم» فرد علي شاب كان يجلس تحت «البنك» -أي منضدة الدكان- يتلو القرءان، فعمل علامة على الصفحة التي كان يقرأها ورد علي السلام. فقلت له: «أسأل عن صاحب هذا الدكان، أين هو لا أراه؟» فقال له: «أنا ولده، لقد توفي والدي منذ فترة». فأظهرت التأثر بما قال، لكنني تأكدت من جزء كبير من الرؤيا وتحمست لأن أتأكد من بقيتها، فقلت له: «أريد أن أصنع له معروفًا، أريد أن أجعل له صدقة لعلها تنفعه في قبره». فقال لي: «الأمر لا يحتاج إن شاء الله، نحن حالتنا حسنة، وأنا أهب له كل يوم جزء من القرءان الكريم». فتعجبت جدًا، وحكيت له قصة الرؤيا وبشرته بوصول ثواب قراءته لوالده رحمه الله تعالى. هذه قصة حقيقة حكاها صديق الشخص الذي رآها، في مناسبة عزاء.
ورأى الرجل أحد الموتى لا يلوح مثل إخوانه، فسأله: «لماذا لا تلوح مثل إخوانك من الموتى؟» فقال له: «أنا لست مثلهم، لي ولد صالح يهب لي كل يوم جزء من القرءان الكريم. إنه يعمل في سوق "التُّشاشا" -أي سوق البهارات بأمدرمان-في دكان رقمه كذا».
قال فلما انتبهت من النوم في الصباح عزمت على أن أتأكد من هذه الرؤيا، لأن الأموات في دار حق ولا يكذبون. فذهبت إلى سوق «التُّشاشا» في أمدرمان وصرت أقرأ أرقام الدكاكين إلى أن وقعت عيني على الرقم الذي رأيته في الرؤيا، فتقدمت إلى الدكان فإذا به كأنه خالي، لكني تجرأت وقلت: «السلام عليكم» فرد علي شاب كان يجلس تحت «البنك» -أي منضدة الدكان- يتلو القرءان، فعمل علامة على الصفحة التي كان يقرأها ورد علي السلام. فقلت له: «أسأل عن صاحب هذا الدكان، أين هو لا أراه؟» فقال له: «أنا ولده، لقد توفي والدي منذ فترة». فأظهرت التأثر بما قال، لكنني تأكدت من جزء كبير من الرؤيا وتحمست لأن أتأكد من بقيتها، فقلت له: «أريد أن أصنع له معروفًا، أريد أن أجعل له صدقة لعلها تنفعه في قبره». فقال لي: «الأمر لا يحتاج إن شاء الله، نحن حالتنا حسنة، وأنا أهب له كل يوم جزء من القرءان الكريم». فتعجبت جدًا، وحكيت له قصة الرؤيا وبشرته بوصول ثواب قراءته لوالده رحمه الله تعالى. هذه قصة حقيقة حكاها صديق الشخص الذي رآها، في مناسبة عزاء.
السبت، 7 مايو 2016
نزول الحق تبارك وتعالى في الثلث الأخير كناية عن قرب المتهجدين وفتح باب الأنس للعاشقين
نزول الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل كناية عن دنوه من المتهجدين وقربه من المستغفرين وفتح باب أنسه للعاشقين.
أخذ الفضيل بن عياض رحمه الله بيد الحسين بن زياد رحمه الله فقال له:
يا حسين، ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول الرب: كذب من أدعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني!! أليس كل حبيب يخلو بحبيبه؟!! ها أنا ذا مطَّلع على أحبائي إذا جنَّهم الليل ، غدًا أقر عيون أحبائي في جنَّاتي. [سير أعلام النبلاء]
▪وقال ابن الجوزي رحمه: لما امتلأت أسماع المتهجدين بمعاتبة "كذب من أدعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني" حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
▪وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: كابدت نفسي أربعين عامًا حتى استقامت لي.
▪كان ثابت البناني يقول: كابدت نفسي على القيام عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة.
المشبهة والمجسِّمة -الذين يرون أن الله جسم كالأجسام تعالى الله عن قولهم- استدلوا بحديث النزول على نسبة الجهة والمكان والحركة لله تبارك وتعالى عن افترائهم، وهذا خلل عقدي كبير، فالله (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، لا يشبه خلقه في شيء. ومذهب جمهور أهل العلم إما تأويل المعنى بما يليق بالله تبارك وتعالى وتحتمله لغة العرب، خاصة المجاز. أو بالتفويض، وهو عدم محاولة فهم ذلك بالعقل السليم، والتفويض في حد ذاته هو تأويل لمعنى آخر يعلمه الله، فكأن مذهب الجمهور هو التأويل، إما لمعنى يليق بالله تبارك وتعالى وتحتمله لغة العرب، أو لمعنى آخر لا يعلمه إلا الله. أما التشبيه والتجسيم الذي جاء به الخوارج وغلاة الحنابلة والفرق التكفيرية والمتطرفة في العصر الحديث فهو كفر وبدعة ضلالة أجار الله المسملين من شرها.
قال الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
"قوله ينزل ربنا إلى السماء الدنيا استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن قولهم." أهـ
وقال أيضًا:
"النزول محال على الله لأن حقيقته الحركة من جهة العلو إلى السفل وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه على ذلك، فليتأول ذلك بأن المراد نزول مَلَك الرحمة ونحوه أو يفوض مع اعتقاد التنزيه" أهـ
وقال أيضًا:
"قال بن بطال: هو وقت شريف خصه الله بالتنزيل فيه فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم وإعطاء سؤلهم وغفران ذنوبهم وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية وفي زمن البرد وكذا أهل التعب ولا سيما في قصر الليل فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه فلذلك نبه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا وعلقها ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه" أهـ
وقال أيضًا:
"قال ابن العربي: حُكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث وعن السلف إمرارها وعن قوم تأويلها وبه أقول، فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني فإن حملته في الحديث على الحسي قتلك صفة الملك المبعوث بذلك وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة" أهـ
وقال أيضًا:
"قال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه فالمراد نور رحمته أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة" أهـ
وقال الخطابي في معالم السنن:
"الله سبحانه لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله جل وعز متعال عنهما ليس كمثله شيء" أهـ
وقال الإمام البدر العيني في شرح سنن أبي داود:
"اعلم أن النزول والصعود، والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك. فقيل: معناه: ينتقل كل ليلة من صفات الجلال إلى صفات الرحمة والكمال، وقيل: المراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، أو نزول مَلك من خواص ملائكته فينقل حكاية الرب."أهـ
أخذ الفضيل بن عياض رحمه الله بيد الحسين بن زياد رحمه الله فقال له:
يا حسين، ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول الرب: كذب من أدعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني!! أليس كل حبيب يخلو بحبيبه؟!! ها أنا ذا مطَّلع على أحبائي إذا جنَّهم الليل ، غدًا أقر عيون أحبائي في جنَّاتي. [سير أعلام النبلاء]
▪وقال ابن الجوزي رحمه: لما امتلأت أسماع المتهجدين بمعاتبة "كذب من أدعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني" حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
▪وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: كابدت نفسي أربعين عامًا حتى استقامت لي.
▪كان ثابت البناني يقول: كابدت نفسي على القيام عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة.
المشبهة والمجسِّمة -الذين يرون أن الله جسم كالأجسام تعالى الله عن قولهم- استدلوا بحديث النزول على نسبة الجهة والمكان والحركة لله تبارك وتعالى عن افترائهم، وهذا خلل عقدي كبير، فالله (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، لا يشبه خلقه في شيء. ومذهب جمهور أهل العلم إما تأويل المعنى بما يليق بالله تبارك وتعالى وتحتمله لغة العرب، خاصة المجاز. أو بالتفويض، وهو عدم محاولة فهم ذلك بالعقل السليم، والتفويض في حد ذاته هو تأويل لمعنى آخر يعلمه الله، فكأن مذهب الجمهور هو التأويل، إما لمعنى يليق بالله تبارك وتعالى وتحتمله لغة العرب، أو لمعنى آخر لا يعلمه إلا الله. أما التشبيه والتجسيم الذي جاء به الخوارج وغلاة الحنابلة والفرق التكفيرية والمتطرفة في العصر الحديث فهو كفر وبدعة ضلالة أجار الله المسملين من شرها.
قال الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
"قوله ينزل ربنا إلى السماء الدنيا استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن قولهم." أهـ
وقال أيضًا:
"النزول محال على الله لأن حقيقته الحركة من جهة العلو إلى السفل وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه على ذلك، فليتأول ذلك بأن المراد نزول مَلَك الرحمة ونحوه أو يفوض مع اعتقاد التنزيه" أهـ
وقال أيضًا:
"قال بن بطال: هو وقت شريف خصه الله بالتنزيل فيه فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم وإعطاء سؤلهم وغفران ذنوبهم وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية وفي زمن البرد وكذا أهل التعب ولا سيما في قصر الليل فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه فلذلك نبه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا وعلقها ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه" أهـ
وقال أيضًا:
"قال ابن العربي: حُكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث وعن السلف إمرارها وعن قوم تأويلها وبه أقول، فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني فإن حملته في الحديث على الحسي قتلك صفة الملك المبعوث بذلك وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة" أهـ
وقال أيضًا:
"قال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه فالمراد نور رحمته أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة" أهـ
وقال الخطابي في معالم السنن:
"الله سبحانه لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله جل وعز متعال عنهما ليس كمثله شيء" أهـ
وقال الإمام البدر العيني في شرح سنن أبي داود:
"اعلم أن النزول والصعود، والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك. فقيل: معناه: ينتقل كل ليلة من صفات الجلال إلى صفات الرحمة والكمال، وقيل: المراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، أو نزول مَلك من خواص ملائكته فينقل حكاية الرب."أهـ
التأويل ليس سؤال عن الكيف
إن الله تعالى هو من علمنا كيف ننزهه وننفي عنه كلَّ ما لا يليق بذاته العلية من هذه الظواهر، كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في فضل عيادة المريض والذي يقول فيه الرب تعالى لعبده يوم القيامة: (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني... يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني... يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني) كل ذلك والعبد يقول (رب كيف أعودك وأنت رب العالمين... رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين.. رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين) فإنه عندما استحال في عقل العبد الذي ينزه مولاه عن صفات المخلوقين وسمات الأجسام وعوارض النقص والآفات أن يمرض ربه ويعوده على الحقيقة وأن يستطعم ويستسقي على الحقيقة سأل (رب كيف.. وأنت رب العالمين) أي أن حقائق هذه الألفاظ لا تليق به تعالى وهي محالة قطعاً في حقه، وما دامت منفية الظاهر والحقيقة فهي عنده بلا معنى مفهوم. ولهذا سأل (رب كيف)، وهذا شأن كل لفظ من هذه الألفاظ التي من هذا القبيل عندما يستحيل معناه الظاهر والحقيقي يستفسر عن المـراد منـه بـ (كيف)، وهذا الذي حدث من بعض العوام في الصدر الأول حين أخذوا يسألون عن مثل هذه الألفاظ: كيف استوي؟ كيف ينزل؟ كيف يضحك؟ فنهاهم علماء السلف عن الاستفسار عن معانيها بقولهم (بلا كيف) وألزموهم تنزيه الله تعالى عن ظواهرها ثم السكوت بعد الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شيء.
والتأويل ليس سؤالًا عن الكيف، بل هو فهم النص بما يليق بما تحتمله معاني اللغة العربية، ومنها المجاز بكل أصنافه.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)، فاليد هنا لا تعني الجارحة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم" [البغوي في التفسير]
وقال الطبري في تفسيره:
"وفي قوله (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ; والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على نُصرته على العدو."
وقال ابن الجوزي في زاد المسير:
"فيه أربعة أقوال: أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم. والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم. والثالث: يد الله عليهم في المنّة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه الأقوال الزجاج. والرابع: قُوَّة الله ونُصرته فوق قُوَّتهم ونُصرتهم، ذكره ابن جرير، وابن كيسان." أهـ
وقال الحافظ ابن حيان في تفسيره:
"قال الجمهور: اليد هنا النعمة، أي نعمة الله في هذه المبايعة، لما يستقبل من محاسنها، فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك. وقيل: قوة الله فوق قواهم في نصرك ونصرهم"
وقال الشوكاني في فتح القدير نقلًا عن القرطبي:
"والمعنى: أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت. وقال الكلبي: المعنى إن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم"
ولليد معانٍ كثيرة جدًا في كلام العرب، قال أهل اللغة:
اليَدُ:
اليَدُ: من أَعضاء الجسد، وهي من المنكب إِلى أَطراف الأَصابع [ مؤنثة ].
واليَدُ من كلِّ شيءٍ: مَقْبَضُه.
ومنه يدُ السيف والسِّكِّين والفأْس والرَّحَى.
واليَدُ الثَّوب ونحوه: كُمُّه.
واليَدُ النِّعمةُ والإِحسان تصطنعهما.
واليَدُ السُّلطانُ.
واليَدُ القُدرة.
واليَدُ القُوَّة.
يقال: ما لي بهذا الأَمر يدان.
واليَدُ الجماعةُ.
يقال: هم يَدُهُ: أَنصاره.
وهم يدٌ على غيرهم: مجتمعون متَّفقون.
واليَدُ المِلْكُ.
يقال: هو في يدي: أَي مِلكي وحَوْزَتي.
واليَدُ الكَفالةُ في الرَّهن.
واليَدُ الطاعةُ والانقياد والاستسلام.
يقال: هذه يدي لك.
وأَعطى بيده: استسلم وخَضَع.
ويقال: أَعطى الجزيةَ عن يد: عن ذلٍّ واستسلام. والجمع: أَيْدٍ، ويدِيٌّ ( بتثليث الياء )، وأيادٍ.
ويقال: ضرب يَدَهُ في يَدِ كذا: شرع فيه.
و::- اليد العُليا خيرٌ من اليد السُّفلى:-: أَي المعطيةُ خيرٌ من الآخذة.
وخرج من تحت يده فلانٌ: خَرَّجَهُ وعلَّمه وربّاه.
والأَمرُ بِيَدِ فلانٍ: في تصرُّفه.
وهو طويل اليد: سَخِيّ ؛ كطويل الباع.
واستعمله المولَّدون بمعنى المختلس.
ويقال: هو أَطولُ يدًا منه: أَكرمُ وأَجود.
واليَدُ مشى بين يديه: قُدَّامَهُ.
وسُقِطَ في يده، أَو في يديه: نَدِمَ وتحسَّر، أَو أَخذ يقلِّب كفَّيه على ما فات: وبعتُه يدًا بيدٍ: حاضرًا بحاضر.
ويقال: جاءَ فلانٌ بما أَدَّتْ يَدٌ إِلى يد: مُخفِقًا خائبًا، ولا أَفعلهُ يَدَ الدَّهْر: أَبدًا.
ولقيتُه أَوَّل ذات يدين: أَوّلَ شيءٍ: وابْتَعْتُ الغنمَ ونحوَها اليدين، أَو باليدين: بثمنين مختلفين: غالٍ ورخيص.
وباعها اليَدَانِ: أَسلمها بيدٍ وأَخذ ثمنَها بيدٍ.
وأَعطاه مالاً عن ظهر يدٍ: تفضُّلاً، ليس من بيعٍ ولا قَرْضٍ ولا مكافأَة.
ويقال في الدُّعاءِ على المرءِ: لليدين وللفم: أَي يَسقُطُ لليدين وللفم.
قال الإمام الخطابي - رحمه الله تعالى - عند شرحه قول النبي ‘ "وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب " (معالم السنن 4 / 328):
(هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة، ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام وبما لطف منه عن درك الإفهام، وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله " أتدري ما الله " معناه أتدري ما عظمة الله وجلاله، وقوله " إنه ليئط به " معناه إنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهاً بشيء أو مكيفا بصورة خلق أو مدركاً بحد. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن دقيق العيد مؤيداً له في شرحـه لحديث " لا شخص أغير من الله " (الفتح 13 / 411) قال:
(قال ابن دقيق العيد: المنزهون لله إما ساكت عن التأويل، وإما مؤول، والثاني - يعني المؤول - يقول المراد بالغيرة المنع من الشيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأطلقت على سبيل المجاز، كالملازمة وغيرها من الأوجه الشائعة في لسان العرب) اهـ.
وقال الإمام النووي - رحمه الله - (شرح مسلم 5 / 24) في شرح حديث إمساك السموات على أصبع والأرضين على أصبع " ما نصه:
(هذا من أحاديث الصفات وقد سبق فيها المذهبان التأويل والإمساك...) ثم قال بعد صفحات (وأما إطلاق اليدين لله تعالى فمتأول على القدرة، وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين، فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس، ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة، والله تعالى أعلم بمراد نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيما ورد في هذه الأحاديث من مشكل ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئاً به ولا نشبهه بشيء) اهـ.
وقال الإمام اللغوي النحوي ابن السيد البطليوسي - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر حديث النزول في سياق إثباته للمجاز (الإنصاف ص/ 82):
(جعلته المجسمة نزولا على الحقيقة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد أجمع العارفون بالله عز وجل على أنه لا ينتقل لأن الانتقال من صفات المحدثات، ولهذا الحديث تأويلان صحيحان لا يقتضيان شيئاً من التشبيه:
أحدهما أشار إليه مالك رحمه الله وقد سئل عن هذا الحديث فقال: ينزل أمره كل سحر، فأما هو عز وجل فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو.
وسئل الأوزاعي فقال: يفعل الله ما يشاء([1]).
وهذا تلويح يحتاج إلى تصريح، وخفي إشارة يحتاج إلى تبيين عبارة)
ثم أخذ رحمه الله ببيان حقيقة ما قالاه على أساليب العرب واستعاراتها، وذكر أن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره ومعنى النزول في الحديث أن الله تعالى يأمر ملكاً بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، ثم قال رحمه الله: (فهذا تأويل كما تراه صحيح جار على فصيح كلام العرب في محاوراتها والمتعارف من أساليبها ومخاطباتها، وهو شرح ما أراده مالك والأوزاعي رحمهما الله) اهـ.
قال الإمام أبو بكر بن العربي - رحمه الله - (القبس شرح الموطأ 1 / 288 – 289):
(وأما الأوزاعي - وهو إمام عظيم - فنزع بالتأويل حين قال وقد سئل عن قول النبي ‘ "ينزل ربنا " فقال: يفعل الله ما يشاء. ففتح باباً من المعرفة عظيما ونهج إلى التأويل صراطا مستقيما).
ثم قال رحمه الله تعالى:
(إن الله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزاً كما لا يدنو إلى شيء بمسافة ولا يغيب بعلمه عن شيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغير والاستحالات، إله في الأرض إله في السماوات. وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل) اهـ.
وقال أيضاً في شرحه على سنن الترمذي (2 /234):
(اختلف الناس في هذا الحديث وأمثاله على ثلاثة أقوال فمنهم من ردّه لأنه خبر واحد ورد بما لا يجوز ظاهره على الله وهم المبتدعة، ومنهم من قبله وأمرّه كما جاء ولم يتأوله ولا تكلم فيه مع اعتقاده أن الله ليس كمثله شيء، ومنهم من تأوله وفسره. وبه أقول، لأنه معنى قريب عربي فصيح.
أما إنه قد تعدى إليه قوم ليسوا من أهل العلم بالتفسير فتعدوا عليه بالقول بالتكثير، قالوا: في هذا الحديث دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات.
قلنا:هذا جهل عظيم وإنما قال " ينزل إلى السماء " ولم يقل في هذا الحديث من أين ينزل ولا كيف ينزل.
قالوا - وحجتهم ظاهره - : قال الله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) .
قلنا: وما العرش في العربية؟ وما الاستواء؟...) إلى أن قال رحمه الله تعالى:
(والذي يجب أن يعتقد في ذلك أن الله كان ولا شيء معه ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش فلم يتغير بها ولا حدث له جهة منها ولا كان له مكان فيها فإنه لا يحول ولا يزول قدوس لا يتغير ولا يستحيل، وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية، ومنها ما لا يجوز على الله بحال، وهو إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار أو الاتصال أو المحاذاة، فإن شيئاً من ذلك لا يجوز على الباري تعالى، ولا يضرب له الأمثال في المخلوقات، وإما أن لا يفسر كما قال مالك وغيره: إن الاستواء معلوم. يعني مورده في اللغة. والكيفية التي أراد الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعيّنها، والسؤال عنه بدعة، لأن الاشتغال به وقد تبين طلب التشابه ابتغاء للفتنة. فتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك أن الاستواء معلوم وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه، وتعيُّن المراد بما لا يجوز عليه لا فائدة لك فيه إذ قد حصل لك التوحيد والإيمان بنفي التشبيه والمحال على الله سبحانه وتعالى فلا يلزمك سواه، وقد بينا ذلك في المشكلين على التحقيق، وأما قوله: ينزل ويجيء ويأتي، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها فإنها ترجع إلى أفعاله، وهنا نكتة وهي: أن أفعالك أيها العبد إنما هي في ذاتك، وأفعال الله سبحانه لا تكون في ذاته ولا ترجع إليه وإنما تكون في مخلوقاته، فإذا سمعت الله يقول كذا فمعناه في المخلوقات لا في الذات، وقد بين ذلك الأوزاعي حين سئل عن هذا الحديث ـ أي حديث النزول ـ فقال: يفعل الله ما يشاء. وإما أن تعلم وتعتقد أن الله لا يتوهم على صفة من المحدثات ولا يشبهه شيء من المخلوقات ولا يدخل باباً من التأويلات.
قالوا- أي أصحاب الظواهر - : نقول ينزل ولا نكيف.
قلنا: معاذ الله أن نقول ذلك، إنما نقول كما علمنا رسول الله ‘ وكما علمنا من العربية التي نزل بها القرآن، قال النبي ‘: " يقول الله عبدي مرضت فلم تعدني.. وجعت فلم تطعمني.. وعطشت فلم تسقني " وهو لا يجوز عليه شيء من ذلك ولكن شرّف هؤلاء بأن عبّر به عنهم، كذلك قوله: ينزل ربنا، عبّر به عن عبده وملَكه الذي ينزل بأمره باسمه فيما يعطي من رحمته... والنزول قد يكون في المعاني وقد يكون في الأجسام، والنزول الذي أخبر الله عنه إن حملته على أنه جسم فذلك ملَكُه ورسوله وعبده، وإن حملته على أنه كان لايفعل شيئاً من ذلك ثم فعله عند ثلث الليل فاستجاب وغفر وأعطى وسمّى ذلك نزولاً عن مرتبة إلى مرتبة ومن صفة إلى صفة فتلك عربية محضة خاطب بها من هم أعرف منكم - أهل الظاهر - وأعقل وأكثر توحيداً وأقلّ بل أعدم تخليطاً. قالوا بجهلهم: لو أراد نزول رحمته لما خص بذلك الثلث من الليل لأن رحمته تنزل بالليل والنهار. قلنا: ولكنها بالليل وفي يوم عرفة وفي ساعة الجمعة يكون نزولها أكثر وعطاؤها أوسع وقد نبّه الله على ذلك بقوله تعالى ( والمستغفرين بالأسحار ) اهـ.
وجاء في كتاب البيان والتحصيل لابن رشد (الجد) رحمه الله تعالى (18 / 504، وانظر السير 8/104، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد 14/553) ما نصه:
(قال - يعني ابن القاسم صاحب مالك - وسألت مالكاً عن الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش، فقال: لا تتحدث به... وعن الحديث " إن الله خلق آدم على صورته " وعن الحديث في الساق، وذلك كله، قال ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله ويخافه أن يحدث بمثل هذا. قال ابن رشد بعد أن ذكر الأحاديث التي أشار إليها ابن القاسم: وإنما نهى مالك أن يتحدث بهذين الحديثين وبالحديث الذي جاء بأن الله خلق آدم على صورته، ونحو ذلك من الأحاديث التي يقتضي ظاهرها التشبيه، مخافة أن يتحدث بها، فيكثر التحدث بها، وتشيع في الناس، فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها، فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها، وسبيلها – إذا صحت الروايات بها – أن تتأول على ما يصح، مما ينتفي به التشبيه عن الله عز وجل بشيء من خلقه، كما يصنع بما جاء في القرآن مما يقتضي ظاهره التشبيه وهو كثير، كالإتيان في قوله عز وجل ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ) والاستواء في قوله ( الرحمن على العرش استوى ) وكما يفعل أيضاً بما جاء من ذلك في السنن المتواترة كالضحك والنزول وشبه ذلك مما لم يكره روايتها لتواتر الآثار بها، لأن سبيلها كلها في اقتضاء ظاهرها التشبيه وإمكان تأويلها على ما ينتفي به تشبيه الله عز وجل بشيء من خلقه سواء) اهـ.
وقال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى (النهاية في غريب الحديث 5/300):
( " الحجر يمين الله في الأرض " هذا الكلام تمثيل وتخييل، وأصله أن الملك إذا صافح رجلاً قبّل الرجل يده، فكأن الحجر الأسود لله بمنزلة اليمين للملك، حيث يستلم ويلثم.
ومنه الحديث الآخر " وكلتا يديه يمين " أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال، لانقص في واحدة منهما، لأن الشمال تنقص عن اليمين، وكل ما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والأيدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله تعالى فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة، والله منزه عن التشبيه والتجسيم ) اهـ.
وقال أيضاً عن حديث النزول (5/42): ( النزول والصعود والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس، والمراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، وتخصيصها بالليل والثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمّن يتعرض لنفحات رحمة الله، وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة ) اهـ.
وقال الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى - (المُفهم 6 / 672) في شرح حديث "قلوب بنى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ":
(ظاهر الأصبع محال على الله تعالى قطعاً... وقد تأول بعض أئمتنا هذا الحديث فقال: هذا استعارة جارية مجرى قولهم: فلان في كفي وفي قبضتي. يراد به أنه متمكن من التصرف فيه والتصريف له كيف يشاء...) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (الفتح 1/189) مؤولاً للفظ الحياء المضاف إلى الله تعالى في الحديث: (قوله " فاستحيا الله منه " أي رحمه ولم يعاقبه، وقوله " فأعرض الله عنه " أي سخط عليه..)’اهـ.
وقال أيضاً (الفتح 1/419) مؤوّلاً للفظ اليد (والمراد باليد هنا القدرة) اهـ.
وقال قبل ذلك (هدي الساري ص/219): (ووقع ذكر اليد في القرآن والحديث مضافاً إلى الله تعالى، واتفق أهل السنة والجماعة على أنه ليس المراد باليد الجارحة التي هي من صفات المحدثات، وأثبتوا ما جاء من ذلك وآمنوا به، فمنهم من وقف ولم يتأوّل، ومنهم من حمل كلّ لفظ منها على المعنى الذي ظهر له، وهكذا عملوا في جميع ما جاء من أمثال ذلك) اهـ
وللإمام الأُبّي - رحمه الله تعالى - كـلام يعتبر قـاعدة ذهبية في هذا الباب، قال رحمه الله (شرح مسلم 7 / 54):
(القاعدة التي يجب اعتبارها أن ما يستحيل نسبته للذات أو الصفات يستحيل أن يرد متواتراً في نص لا يحتمل التأويل، وغاية المتواتر أن يرد فيما دلالته على المحال دلالة ظاهرة، والظاهر يقبل التأويل، فإن ورد فيجب صرف اللفظ عن ظاهره المستحيل، ثم اختلف، فوقف أكثر السلف عن التأويل، وقالوا نؤمن به على ما هو عند الله سبحانه في نفس الأمر، ونَكِلُ علم ذلك إلى الله سبحانه، وقال قوم بل الأولى التأويل... وإن ورد خبر واحد نصاً في محال قطع بكذب راويه، وإن كان محتملاً للتأويل يتصرف فيه كما سبق) اهـ.
وقوله رحمه الله (وإن ورد... قطع بكذب راويه) لأنه ظني عارض القطعي، وقد ثبت بالقطعي من دليل النقل والعقل أنه تعالى ليس كمثله شيء، فكل خبر يأتي على خلاف ذلك يقطع بكذب راويه، لأن أدلة الشرع تتعاضد ولا تتضاد.
بعض المحتويات منقولة من موقع "المستنير دوت كوم"
والتأويل ليس سؤالًا عن الكيف، بل هو فهم النص بما يليق بما تحتمله معاني اللغة العربية، ومنها المجاز بكل أصنافه.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)، فاليد هنا لا تعني الجارحة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم" [البغوي في التفسير]
وقال الطبري في تفسيره:
"وفي قوله (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ; والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على نُصرته على العدو."
وقال ابن الجوزي في زاد المسير:
"فيه أربعة أقوال: أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم. والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم. والثالث: يد الله عليهم في المنّة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه الأقوال الزجاج. والرابع: قُوَّة الله ونُصرته فوق قُوَّتهم ونُصرتهم، ذكره ابن جرير، وابن كيسان." أهـ
وقال الحافظ ابن حيان في تفسيره:
"قال الجمهور: اليد هنا النعمة، أي نعمة الله في هذه المبايعة، لما يستقبل من محاسنها، فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك. وقيل: قوة الله فوق قواهم في نصرك ونصرهم"
وقال الشوكاني في فتح القدير نقلًا عن القرطبي:
"والمعنى: أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت. وقال الكلبي: المعنى إن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم"
ولليد معانٍ كثيرة جدًا في كلام العرب، قال أهل اللغة:
اليَدُ:
اليَدُ: من أَعضاء الجسد، وهي من المنكب إِلى أَطراف الأَصابع [ مؤنثة ].
واليَدُ من كلِّ شيءٍ: مَقْبَضُه.
ومنه يدُ السيف والسِّكِّين والفأْس والرَّحَى.
واليَدُ الثَّوب ونحوه: كُمُّه.
واليَدُ النِّعمةُ والإِحسان تصطنعهما.
واليَدُ السُّلطانُ.
واليَدُ القُدرة.
واليَدُ القُوَّة.
يقال: ما لي بهذا الأَمر يدان.
واليَدُ الجماعةُ.
يقال: هم يَدُهُ: أَنصاره.
وهم يدٌ على غيرهم: مجتمعون متَّفقون.
واليَدُ المِلْكُ.
يقال: هو في يدي: أَي مِلكي وحَوْزَتي.
واليَدُ الكَفالةُ في الرَّهن.
واليَدُ الطاعةُ والانقياد والاستسلام.
يقال: هذه يدي لك.
وأَعطى بيده: استسلم وخَضَع.
ويقال: أَعطى الجزيةَ عن يد: عن ذلٍّ واستسلام. والجمع: أَيْدٍ، ويدِيٌّ ( بتثليث الياء )، وأيادٍ.
ويقال: ضرب يَدَهُ في يَدِ كذا: شرع فيه.
و::- اليد العُليا خيرٌ من اليد السُّفلى:-: أَي المعطيةُ خيرٌ من الآخذة.
وخرج من تحت يده فلانٌ: خَرَّجَهُ وعلَّمه وربّاه.
والأَمرُ بِيَدِ فلانٍ: في تصرُّفه.
وهو طويل اليد: سَخِيّ ؛ كطويل الباع.
واستعمله المولَّدون بمعنى المختلس.
ويقال: هو أَطولُ يدًا منه: أَكرمُ وأَجود.
واليَدُ مشى بين يديه: قُدَّامَهُ.
وسُقِطَ في يده، أَو في يديه: نَدِمَ وتحسَّر، أَو أَخذ يقلِّب كفَّيه على ما فات: وبعتُه يدًا بيدٍ: حاضرًا بحاضر.
ويقال: جاءَ فلانٌ بما أَدَّتْ يَدٌ إِلى يد: مُخفِقًا خائبًا، ولا أَفعلهُ يَدَ الدَّهْر: أَبدًا.
ولقيتُه أَوَّل ذات يدين: أَوّلَ شيءٍ: وابْتَعْتُ الغنمَ ونحوَها اليدين، أَو باليدين: بثمنين مختلفين: غالٍ ورخيص.
وباعها اليَدَانِ: أَسلمها بيدٍ وأَخذ ثمنَها بيدٍ.
وأَعطاه مالاً عن ظهر يدٍ: تفضُّلاً، ليس من بيعٍ ولا قَرْضٍ ولا مكافأَة.
ويقال في الدُّعاءِ على المرءِ: لليدين وللفم: أَي يَسقُطُ لليدين وللفم.
قال الإمام الخطابي - رحمه الله تعالى - عند شرحه قول النبي ‘ "وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب " (معالم السنن 4 / 328):
(هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة، ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام وبما لطف منه عن درك الإفهام، وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله " أتدري ما الله " معناه أتدري ما عظمة الله وجلاله، وقوله " إنه ليئط به " معناه إنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهاً بشيء أو مكيفا بصورة خلق أو مدركاً بحد. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن دقيق العيد مؤيداً له في شرحـه لحديث " لا شخص أغير من الله " (الفتح 13 / 411) قال:
(قال ابن دقيق العيد: المنزهون لله إما ساكت عن التأويل، وإما مؤول، والثاني - يعني المؤول - يقول المراد بالغيرة المنع من الشيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأطلقت على سبيل المجاز، كالملازمة وغيرها من الأوجه الشائعة في لسان العرب) اهـ.
وقال الإمام النووي - رحمه الله - (شرح مسلم 5 / 24) في شرح حديث إمساك السموات على أصبع والأرضين على أصبع " ما نصه:
(هذا من أحاديث الصفات وقد سبق فيها المذهبان التأويل والإمساك...) ثم قال بعد صفحات (وأما إطلاق اليدين لله تعالى فمتأول على القدرة، وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين، فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس، ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة، والله تعالى أعلم بمراد نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيما ورد في هذه الأحاديث من مشكل ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئاً به ولا نشبهه بشيء) اهـ.
وقال الإمام اللغوي النحوي ابن السيد البطليوسي - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر حديث النزول في سياق إثباته للمجاز (الإنصاف ص/ 82):
(جعلته المجسمة نزولا على الحقيقة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد أجمع العارفون بالله عز وجل على أنه لا ينتقل لأن الانتقال من صفات المحدثات، ولهذا الحديث تأويلان صحيحان لا يقتضيان شيئاً من التشبيه:
أحدهما أشار إليه مالك رحمه الله وقد سئل عن هذا الحديث فقال: ينزل أمره كل سحر، فأما هو عز وجل فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو.
وسئل الأوزاعي فقال: يفعل الله ما يشاء([1]).
وهذا تلويح يحتاج إلى تصريح، وخفي إشارة يحتاج إلى تبيين عبارة)
ثم أخذ رحمه الله ببيان حقيقة ما قالاه على أساليب العرب واستعاراتها، وذكر أن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره ومعنى النزول في الحديث أن الله تعالى يأمر ملكاً بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، ثم قال رحمه الله: (فهذا تأويل كما تراه صحيح جار على فصيح كلام العرب في محاوراتها والمتعارف من أساليبها ومخاطباتها، وهو شرح ما أراده مالك والأوزاعي رحمهما الله) اهـ.
قال الإمام أبو بكر بن العربي - رحمه الله - (القبس شرح الموطأ 1 / 288 – 289):
(وأما الأوزاعي - وهو إمام عظيم - فنزع بالتأويل حين قال وقد سئل عن قول النبي ‘ "ينزل ربنا " فقال: يفعل الله ما يشاء. ففتح باباً من المعرفة عظيما ونهج إلى التأويل صراطا مستقيما).
ثم قال رحمه الله تعالى:
(إن الله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزاً كما لا يدنو إلى شيء بمسافة ولا يغيب بعلمه عن شيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغير والاستحالات، إله في الأرض إله في السماوات. وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل) اهـ.
وقال أيضاً في شرحه على سنن الترمذي (2 /234):
(اختلف الناس في هذا الحديث وأمثاله على ثلاثة أقوال فمنهم من ردّه لأنه خبر واحد ورد بما لا يجوز ظاهره على الله وهم المبتدعة، ومنهم من قبله وأمرّه كما جاء ولم يتأوله ولا تكلم فيه مع اعتقاده أن الله ليس كمثله شيء، ومنهم من تأوله وفسره. وبه أقول، لأنه معنى قريب عربي فصيح.
أما إنه قد تعدى إليه قوم ليسوا من أهل العلم بالتفسير فتعدوا عليه بالقول بالتكثير، قالوا: في هذا الحديث دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات.
قلنا:هذا جهل عظيم وإنما قال " ينزل إلى السماء " ولم يقل في هذا الحديث من أين ينزل ولا كيف ينزل.
قالوا - وحجتهم ظاهره - : قال الله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) .
قلنا: وما العرش في العربية؟ وما الاستواء؟...) إلى أن قال رحمه الله تعالى:
(والذي يجب أن يعتقد في ذلك أن الله كان ولا شيء معه ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش فلم يتغير بها ولا حدث له جهة منها ولا كان له مكان فيها فإنه لا يحول ولا يزول قدوس لا يتغير ولا يستحيل، وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية، ومنها ما لا يجوز على الله بحال، وهو إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار أو الاتصال أو المحاذاة، فإن شيئاً من ذلك لا يجوز على الباري تعالى، ولا يضرب له الأمثال في المخلوقات، وإما أن لا يفسر كما قال مالك وغيره: إن الاستواء معلوم. يعني مورده في اللغة. والكيفية التي أراد الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعيّنها، والسؤال عنه بدعة، لأن الاشتغال به وقد تبين طلب التشابه ابتغاء للفتنة. فتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك أن الاستواء معلوم وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه، وتعيُّن المراد بما لا يجوز عليه لا فائدة لك فيه إذ قد حصل لك التوحيد والإيمان بنفي التشبيه والمحال على الله سبحانه وتعالى فلا يلزمك سواه، وقد بينا ذلك في المشكلين على التحقيق، وأما قوله: ينزل ويجيء ويأتي، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها فإنها ترجع إلى أفعاله، وهنا نكتة وهي: أن أفعالك أيها العبد إنما هي في ذاتك، وأفعال الله سبحانه لا تكون في ذاته ولا ترجع إليه وإنما تكون في مخلوقاته، فإذا سمعت الله يقول كذا فمعناه في المخلوقات لا في الذات، وقد بين ذلك الأوزاعي حين سئل عن هذا الحديث ـ أي حديث النزول ـ فقال: يفعل الله ما يشاء. وإما أن تعلم وتعتقد أن الله لا يتوهم على صفة من المحدثات ولا يشبهه شيء من المخلوقات ولا يدخل باباً من التأويلات.
قالوا- أي أصحاب الظواهر - : نقول ينزل ولا نكيف.
قلنا: معاذ الله أن نقول ذلك، إنما نقول كما علمنا رسول الله ‘ وكما علمنا من العربية التي نزل بها القرآن، قال النبي ‘: " يقول الله عبدي مرضت فلم تعدني.. وجعت فلم تطعمني.. وعطشت فلم تسقني " وهو لا يجوز عليه شيء من ذلك ولكن شرّف هؤلاء بأن عبّر به عنهم، كذلك قوله: ينزل ربنا، عبّر به عن عبده وملَكه الذي ينزل بأمره باسمه فيما يعطي من رحمته... والنزول قد يكون في المعاني وقد يكون في الأجسام، والنزول الذي أخبر الله عنه إن حملته على أنه جسم فذلك ملَكُه ورسوله وعبده، وإن حملته على أنه كان لايفعل شيئاً من ذلك ثم فعله عند ثلث الليل فاستجاب وغفر وأعطى وسمّى ذلك نزولاً عن مرتبة إلى مرتبة ومن صفة إلى صفة فتلك عربية محضة خاطب بها من هم أعرف منكم - أهل الظاهر - وأعقل وأكثر توحيداً وأقلّ بل أعدم تخليطاً. قالوا بجهلهم: لو أراد نزول رحمته لما خص بذلك الثلث من الليل لأن رحمته تنزل بالليل والنهار. قلنا: ولكنها بالليل وفي يوم عرفة وفي ساعة الجمعة يكون نزولها أكثر وعطاؤها أوسع وقد نبّه الله على ذلك بقوله تعالى ( والمستغفرين بالأسحار ) اهـ.
وجاء في كتاب البيان والتحصيل لابن رشد (الجد) رحمه الله تعالى (18 / 504، وانظر السير 8/104، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد 14/553) ما نصه:
(قال - يعني ابن القاسم صاحب مالك - وسألت مالكاً عن الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش، فقال: لا تتحدث به... وعن الحديث " إن الله خلق آدم على صورته " وعن الحديث في الساق، وذلك كله، قال ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله ويخافه أن يحدث بمثل هذا. قال ابن رشد بعد أن ذكر الأحاديث التي أشار إليها ابن القاسم: وإنما نهى مالك أن يتحدث بهذين الحديثين وبالحديث الذي جاء بأن الله خلق آدم على صورته، ونحو ذلك من الأحاديث التي يقتضي ظاهرها التشبيه، مخافة أن يتحدث بها، فيكثر التحدث بها، وتشيع في الناس، فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها، فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها، وسبيلها – إذا صحت الروايات بها – أن تتأول على ما يصح، مما ينتفي به التشبيه عن الله عز وجل بشيء من خلقه، كما يصنع بما جاء في القرآن مما يقتضي ظاهره التشبيه وهو كثير، كالإتيان في قوله عز وجل ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ) والاستواء في قوله ( الرحمن على العرش استوى ) وكما يفعل أيضاً بما جاء من ذلك في السنن المتواترة كالضحك والنزول وشبه ذلك مما لم يكره روايتها لتواتر الآثار بها، لأن سبيلها كلها في اقتضاء ظاهرها التشبيه وإمكان تأويلها على ما ينتفي به تشبيه الله عز وجل بشيء من خلقه سواء) اهـ.
وقال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى (النهاية في غريب الحديث 5/300):
( " الحجر يمين الله في الأرض " هذا الكلام تمثيل وتخييل، وأصله أن الملك إذا صافح رجلاً قبّل الرجل يده، فكأن الحجر الأسود لله بمنزلة اليمين للملك، حيث يستلم ويلثم.
ومنه الحديث الآخر " وكلتا يديه يمين " أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال، لانقص في واحدة منهما، لأن الشمال تنقص عن اليمين، وكل ما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والأيدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله تعالى فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة، والله منزه عن التشبيه والتجسيم ) اهـ.
وقال أيضاً عن حديث النزول (5/42): ( النزول والصعود والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس، والمراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، وتخصيصها بالليل والثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمّن يتعرض لنفحات رحمة الله، وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة ) اهـ.
وقال الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى - (المُفهم 6 / 672) في شرح حديث "قلوب بنى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ":
(ظاهر الأصبع محال على الله تعالى قطعاً... وقد تأول بعض أئمتنا هذا الحديث فقال: هذا استعارة جارية مجرى قولهم: فلان في كفي وفي قبضتي. يراد به أنه متمكن من التصرف فيه والتصريف له كيف يشاء...) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (الفتح 1/189) مؤولاً للفظ الحياء المضاف إلى الله تعالى في الحديث: (قوله " فاستحيا الله منه " أي رحمه ولم يعاقبه، وقوله " فأعرض الله عنه " أي سخط عليه..)’اهـ.
وقال أيضاً (الفتح 1/419) مؤوّلاً للفظ اليد (والمراد باليد هنا القدرة) اهـ.
وقال قبل ذلك (هدي الساري ص/219): (ووقع ذكر اليد في القرآن والحديث مضافاً إلى الله تعالى، واتفق أهل السنة والجماعة على أنه ليس المراد باليد الجارحة التي هي من صفات المحدثات، وأثبتوا ما جاء من ذلك وآمنوا به، فمنهم من وقف ولم يتأوّل، ومنهم من حمل كلّ لفظ منها على المعنى الذي ظهر له، وهكذا عملوا في جميع ما جاء من أمثال ذلك) اهـ
وللإمام الأُبّي - رحمه الله تعالى - كـلام يعتبر قـاعدة ذهبية في هذا الباب، قال رحمه الله (شرح مسلم 7 / 54):
(القاعدة التي يجب اعتبارها أن ما يستحيل نسبته للذات أو الصفات يستحيل أن يرد متواتراً في نص لا يحتمل التأويل، وغاية المتواتر أن يرد فيما دلالته على المحال دلالة ظاهرة، والظاهر يقبل التأويل، فإن ورد فيجب صرف اللفظ عن ظاهره المستحيل، ثم اختلف، فوقف أكثر السلف عن التأويل، وقالوا نؤمن به على ما هو عند الله سبحانه في نفس الأمر، ونَكِلُ علم ذلك إلى الله سبحانه، وقال قوم بل الأولى التأويل... وإن ورد خبر واحد نصاً في محال قطع بكذب راويه، وإن كان محتملاً للتأويل يتصرف فيه كما سبق) اهـ.
وقوله رحمه الله (وإن ورد... قطع بكذب راويه) لأنه ظني عارض القطعي، وقد ثبت بالقطعي من دليل النقل والعقل أنه تعالى ليس كمثله شيء، فكل خبر يأتي على خلاف ذلك يقطع بكذب راويه، لأن أدلة الشرع تتعاضد ولا تتضاد.
بعض المحتويات منقولة من موقع "المستنير دوت كوم"
بعض ما روي عن قيام الليل عند السلف
قال سعيد بن المسيب رحمه الله: إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجه نورا يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إن لأحبُ هذا الرجل!!.
قيل للحسن البصري رحمه الله: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم من نوره.
صلى سيد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله الفجر خمسين سنة بوضوء العشاء وكان يسرد الصوم.
كان شريح بن هانئ رحمه الله يقول:ما فقد رجل شيئاً أهون عليه من نعسة تركها!!! (أي لأجل قيام الليل).
قال ثابت البناني رحمه الله: لا يسمى عابد أبداً عابدا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان: الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه!!
قال طاووس بن كيسان رحمه الله: ألا رجل يقوم بعشر آيات من الليل، فيصبح وقد كتبت له مائة حسنة أو أكثر من ذلك.
قال سليمان بن طرخان رحمه الله: إن العين إذا عودتها النوم اعتادت، وإذا عودتها السهر اعتادت.
قال يزيد بن أبان الرقاشي رحمه الله: إذا نمت فاستيقظت ثم عدت في النوم فلا أنام الله عيني.
أخذ الفضيل بن عياض رحمه الله بيد الحسين بن زياد رحم الله، فقال له: يا حسين: ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول الرب: كذب من أدعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني؟!! أليس كل حبيب يخلو بحبيبه؟!! ها أنا ذا مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل،.....، غداً أقر عيون أحبائي في جناتي.
قال ابن الجوزي رحمه: لما امتلأت أسماع المتهجدين بمعاتبة [ كذب من أدعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني ] حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
قال محمد بن المنكدر رحمه الله: كابدت نفسي أربعين عاماً (أي جاهدتها وأكرهتها على الطاعات) حتى استقامت لي!!
كان ثابت البناني يقول كابدت نفسي على القيام عشرين سنة!! وتلذذت به عشرين سنة.
كان أحد الصالحين يصلي حتى تتورم قدماه فيضربها ويقول يا أمّارة بالسوء ما خلقتِ إلا للعبادة.
كان العبد الصالح عبد العزيز بن أبي روّاد رحمه الله يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش فيتحسسه ثم يقول: ما ألينك!! ولكن فراش الجنة ألين منك!! ثم يقوم إلى صلاته.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك.
قال معمر: صلى إلى جنبي سليمان التميمي رحمه الله بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ في صلاته: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} حتى أتى على هذه الآية {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا، ثم خرجت إلى بيتي، فما رجعت إلى المسجد لأؤذن الفجر فإذا سليمان التميمي في مكانه كما تركته البارحة!! وهو واقف يردد هذه الآية لم يجاوزها {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا }.
قالت امرأة مسروق بن الأجدع: والله ما كان مسروق يصبح من ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام!!....، وكان رحمه الله إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالساً ولا يترك الصلاة، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف (أي إلى فراشه) كما يزحف البعير!!
قال مخلد بن الحسين: ما انتبه من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم رحمه الله يذكر الله ويصلي إلا أغتم لذلك، ثم أتعزى بهذه الآية { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء}.
قال أبو حازم رحمه الله: لقد أدركنا أقواماً كانوا في العبادة على حد لا يقبل الزيادة!!
قال أبو سليمان الدارني رحمه الله: ربما أقوم خمس ليال متوالية بآية واحدة، أرددها وأطالب نفسي بالعمل بما فيها!! ولولا أن الله تعالى يمن علي بالغفلة لما تعديت تلك الآية طول عمري، لأن لي في كل تدبر علماً جديدا، والقرآن لا تنقضي عجائبه!!
كان السري السقطي رحمه الله إذا جن عليه الليل وقام يصلي دافع البكاء أول الليل، ثم دافع ثم دافع، فإذا غلبه الأمر أخذ في البكاء والنحيب.
قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟!! فقال: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف.
قال سفيان الثوري رحمه الله: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته.
قال رجل للحسن البصري رحمه الله: يا أبا سعيد: إني أبيت معافى وأحب قيام الليل، وأعد طهوري فما بالي لا أقوم؟!! فقال الحسن: ذنوبــك قيــدتك!!
وقال رجل للحسن البصري: أعياني قيام الليل؟!! فقال: قيدتك خطاياك.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: أول ما ينقص من العبادة: التهجد بالليل، ورفع الصوت فيها بالقراءة.
قال عطاء الخرساني رحمه الله: إن الرجل إذا قام من الليل متهجداً أًبح فرحاً يجد لذلك فرحاً في قلبه، وإذا غلبته عينه فنام عن حزبه (أي عن قيام الليل) أصبح حزيناً منكسر القلب، كأنه قد فقد شيئاً، وقد فقد أعظم الأمور له نفعا (أي قيام الليل).
رأى معقل بن حبيب رحمه الله:قوماً يأكلون كثيراً فقال: ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة.
قال مسعر بن كدام رحمه الله حاثاً على عدم الإكثار من الأكل:
وجدت الجوع يطرده رغيف *** وملء الكف من ماء الفرات
وقل الطعم عـون للمصلــــي *** وكثر الطعم عــــون للسبات
كان العبد الصالح علي بن بكار رحمه الله تفرش له جاريته فراشه فيلمسه بيده ويقول: والله إنك لطيب!! والله إنك لبارد!! والله لا علوتك ليلتي (أي لا تمت عليك هذه الليلة) ثم يقوم يصلي إلى الفجر!!
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الهجعة!! إنما هو على الجنب، فإذا تحرك (أي أفاق من نومه) قال: ليس هذا لك!! قومي خذي حظك من الآخرة!!.
قال هشام الدستوائي رحمه الله: إن لله عبادا يدفعون النوم مخافة أن يموتوا في منامهم.
عن جعفر بن زيد رحمه الله قال: خرجنا غزاة إلى [ كأبول ] وفي الجيش [ صلة بين أيشم العدوي ] رحمه، قال: فترك الناس بعد العتمة (أي بعد العشاء) ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس، حتى إذا نام الجيش كله وثب صلة فدخل غيضة وهي الشجر الكثيف الملتف على بعضه، فدخلت في أثره، فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح الصلاة، وبينما هو يصلي إذا جاء أسد عظيم فدنا منه وهو يصلي!! ففزعت من زئير الأسد فصعدت إلى شجرة قريبة، أما صلة فوالله ما التفت إلى الأسد!! ولا خاف من زئيره ولا بالى به!! ثم سجد صلة فاقترب الأسد منه فقلت: الآن يفترسه!! فأخذ الأسد يدور حوله ولم يصبه بأي سوء، ثم لما فرغ صلة من صلاته وسلم، التفت إلى الأسد وقال: أيها السبع اطلب رزقك في مكان آخر!! فولى الأسد وله زئير تتصدع منه الجبال!! فما زال صلة يصلي حتى إذا قرب الفجر!! جلس فحمد محامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: الله إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة!!! ثم رجع رحمه الله إلى فراشه (أي ليوهم الجيش أنه ظل طوال الليل نائماً) فأصبح وكأنه بات على الحشايا (وهي الفرش الوثيرة الناعمة والمراد هنا أنه كان في غاية النشاط والحيوية) ورجعت إلى فراشي فأصبحت وبي من الكسل والخمول شيء الله به عليم.
كان العبد الصالح عمرو بن عتبة بن فرقد رحمه الله يخرج للغزو في سبيل الله، فإذا جاء الليل صف قدميه يناجي ربه ويبكي بين يديه، كان أهل الجيش الذين خرج معهم عمرو لا يكلفون أحداً من الجيش بالحراسة ؛ لأن عمرو قد كفاهم ذلك بصلاته طوال الليل، وذات ليلة وبينما عمرو بن عتبة رحمه الله يصلي من الليل والجيش نائم، إذ سمعوا زئير أسد مفزع،فهربوا وبقي عمرو في مكانه يصلي وما قطع صلاته!! ولا التفت فيها!! فلما انصرف الأسد ذاهبا عنهم رجعوا لعمرو فقالوا له: أما خفت الأسد وأنت تصلي؟!! فقال: إن لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه!!
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أفضل الأعمال ما أكرهت إليه النفوس.
قال أبو جعفر البقال: دخلت على أحمد بن يحيى رحمه الله، فرأيته يبكي بكاء كثيرا ما يكاد يتمالك نفسه!! فقلت له: أخبرني ما حالك؟!! فأراد أن يكتمني فلم أدعه، فقال لي: فاتني حزبي البارحة!! ولا أحسب ذلك إلا لأمر أحدثته، فعوقبت بمنع حزبي!!ثم أخذ يبكي!! فأشفقت عليه وأحببت أن أسهل عليه، فقلت له: ما أعجب أمرك!! لم ترض عن الله تعالى في نومة نومك إياها، حتى قعدت تبكي!! فقال لي: دع عنك هذا يا أبا جعفر!! فما احسب ذلك إلا من أمر أحدثته!! ثم غلب عليه البكاء!! فلما رأيته لا يقبل مني انصرفت وتركته.
عن أي غالب قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما ينزل علينا بمكة، وكان يتهجد من الليل، فقال لي ذات ليلة قبل الصبح: يا أبا غالب: ألا تقوم تصلي ولو تقرأ بثلث القرآن، فقلت: يا أبا عبد الرحمن قد دنا الصبح فكيف اقرأ بثلث القرآن؟!! فقال إن سورة الإخلاص { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن.
كان أبو إسحاق السبيعي رحمه الله يقول: يا معشر الشباب جدوا واجتهدوا، وبادروا قوتكم، واغتنموا شبيبتكم قبل أن تعجزوا،ـ فإنه قلّ ما مرّت عليّ ليلة إلا قرأت فيها بألف آية!!
كان العبد الصالح عبد الواحد بن يزيد رحمه الله يقول لأهله في كل ليلة: يا أهل الدار انتبهوا!! (أي من نومكم) فما هذه (أي الدنيا) دار نوم، عن قريب يأكلكم الدود!!
قال محمد بن يوسف: كان سفيان الثوري رحمه الله يقيمنا في الليل ويقول: قوموا يا شباب!! صلوا ما دمتم شبابا!! إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟!!
دخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعي رحمه الله فرأت تلك المرأه بللاً في موضع سجود الأوزاعي، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتك أمك!! أراك غفلت عن بعض الصبيان حتى بال في مسجد الشيخ (أي مكان صلاته بالليل) فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحك هذا يُصبح كل ليلة!! من أثر دموع الشيخ في سجوده.
قال: إبراهيم بن شماس كنت أرى أحمد بن حنبل رحمه الله يحي الليل وهو غلام.
قال أبو يزيد المعَّنى: كان سفيان الثوري رحمه الله إذا أصبح مدَّ رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل!!
كان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يصلي من الليل فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالا!! ثم يصلي إلى الفجر.
رأى أحد الصالحين في منامه خياماً مضروبة فسأل: لمن هذه الخيام؟!! فقيل هذه خيام المتهجدين بالقرآن!! فكان لا ينام الليل!!
كان شداد بن أوس رضي الله عنه إذا دخل على فراشه يتقلب عليه بمنزلة القمح في المقلاة على النار!! ويقول اللهم إن النار قد أذهبت عني النوم!! ثم يقوم يصلي إلى الفجر.
كان عامر بن عبد الله بن قيس رحمه الله إذا قام من الليل يصلي يقول: أبت عيناي أن تذوق طعم النوم مع ذكر النوم.
قال الفضيل بن عياض -رحمه الله -: إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأُصبح وما قضيت نهمتي (أي ما شبعت من القرآن والصلاة).
لما احتضر العبد الصالح أبو الشعثاء رحمه الله بكى فقيل له: ما يبكيك!! فقال: إني لم أشتفِ من قيام الليل!!
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: كان يقال: من أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرة قلوبهم، خلائق ثلاثة: الحلم والإنابة وحظ من قيام الليل.
كان ثابت البناني رحمه الله يصلي قائما حتى يتعب، فإذا تعب صلى وهو جالس.
قال السري السقطي رحمه الله: رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل.
كان بعض الصالحين يقف على بعض الشباب العبّاد إذا وضع طعامهم، ويقول لهم: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فتخسروا كثيرا!!
قال حسن بن صالح رحمه الله: إني أستحي من الله تعالى أن أنام تكلفا (أي اضطجع على الفراش وليس بي نوم) حتى يكون النوم هو الذي يصير عني (أي هو الذي يغلبني)، فإذا أنا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائما فلا أرقد الله عيني!!
كان العبد الصالح سليمان التميمي رحمه الله هو وابنه يدوران في الليل في المساجد،فيصليان في هذا المسجد مرة، وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا!!
قيل للحسن البصري رحمه الله: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم من نوره.
صلى سيد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله الفجر خمسين سنة بوضوء العشاء وكان يسرد الصوم.
كان شريح بن هانئ رحمه الله يقول:ما فقد رجل شيئاً أهون عليه من نعسة تركها!!! (أي لأجل قيام الليل).
قال ثابت البناني رحمه الله: لا يسمى عابد أبداً عابدا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان: الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه!!
قال طاووس بن كيسان رحمه الله: ألا رجل يقوم بعشر آيات من الليل، فيصبح وقد كتبت له مائة حسنة أو أكثر من ذلك.
قال سليمان بن طرخان رحمه الله: إن العين إذا عودتها النوم اعتادت، وإذا عودتها السهر اعتادت.
قال يزيد بن أبان الرقاشي رحمه الله: إذا نمت فاستيقظت ثم عدت في النوم فلا أنام الله عيني.
أخذ الفضيل بن عياض رحمه الله بيد الحسين بن زياد رحم الله، فقال له: يا حسين: ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول الرب: كذب من أدعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني؟!! أليس كل حبيب يخلو بحبيبه؟!! ها أنا ذا مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل،.....، غداً أقر عيون أحبائي في جناتي.
قال ابن الجوزي رحمه: لما امتلأت أسماع المتهجدين بمعاتبة [ كذب من أدعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني ] حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
قال محمد بن المنكدر رحمه الله: كابدت نفسي أربعين عاماً (أي جاهدتها وأكرهتها على الطاعات) حتى استقامت لي!!
كان ثابت البناني يقول كابدت نفسي على القيام عشرين سنة!! وتلذذت به عشرين سنة.
كان أحد الصالحين يصلي حتى تتورم قدماه فيضربها ويقول يا أمّارة بالسوء ما خلقتِ إلا للعبادة.
كان العبد الصالح عبد العزيز بن أبي روّاد رحمه الله يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش فيتحسسه ثم يقول: ما ألينك!! ولكن فراش الجنة ألين منك!! ثم يقوم إلى صلاته.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك.
قال معمر: صلى إلى جنبي سليمان التميمي رحمه الله بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ في صلاته: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} حتى أتى على هذه الآية {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا، ثم خرجت إلى بيتي، فما رجعت إلى المسجد لأؤذن الفجر فإذا سليمان التميمي في مكانه كما تركته البارحة!! وهو واقف يردد هذه الآية لم يجاوزها {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا }.
قالت امرأة مسروق بن الأجدع: والله ما كان مسروق يصبح من ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام!!....، وكان رحمه الله إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالساً ولا يترك الصلاة، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف (أي إلى فراشه) كما يزحف البعير!!
قال مخلد بن الحسين: ما انتبه من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم رحمه الله يذكر الله ويصلي إلا أغتم لذلك، ثم أتعزى بهذه الآية { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء}.
قال أبو حازم رحمه الله: لقد أدركنا أقواماً كانوا في العبادة على حد لا يقبل الزيادة!!
قال أبو سليمان الدارني رحمه الله: ربما أقوم خمس ليال متوالية بآية واحدة، أرددها وأطالب نفسي بالعمل بما فيها!! ولولا أن الله تعالى يمن علي بالغفلة لما تعديت تلك الآية طول عمري، لأن لي في كل تدبر علماً جديدا، والقرآن لا تنقضي عجائبه!!
كان السري السقطي رحمه الله إذا جن عليه الليل وقام يصلي دافع البكاء أول الليل، ثم دافع ثم دافع، فإذا غلبه الأمر أخذ في البكاء والنحيب.
قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟!! فقال: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف.
قال سفيان الثوري رحمه الله: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته.
قال رجل للحسن البصري رحمه الله: يا أبا سعيد: إني أبيت معافى وأحب قيام الليل، وأعد طهوري فما بالي لا أقوم؟!! فقال الحسن: ذنوبــك قيــدتك!!
وقال رجل للحسن البصري: أعياني قيام الليل؟!! فقال: قيدتك خطاياك.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: أول ما ينقص من العبادة: التهجد بالليل، ورفع الصوت فيها بالقراءة.
قال عطاء الخرساني رحمه الله: إن الرجل إذا قام من الليل متهجداً أًبح فرحاً يجد لذلك فرحاً في قلبه، وإذا غلبته عينه فنام عن حزبه (أي عن قيام الليل) أصبح حزيناً منكسر القلب، كأنه قد فقد شيئاً، وقد فقد أعظم الأمور له نفعا (أي قيام الليل).
رأى معقل بن حبيب رحمه الله:قوماً يأكلون كثيراً فقال: ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة.
قال مسعر بن كدام رحمه الله حاثاً على عدم الإكثار من الأكل:
وجدت الجوع يطرده رغيف *** وملء الكف من ماء الفرات
وقل الطعم عـون للمصلــــي *** وكثر الطعم عــــون للسبات
كان العبد الصالح علي بن بكار رحمه الله تفرش له جاريته فراشه فيلمسه بيده ويقول: والله إنك لطيب!! والله إنك لبارد!! والله لا علوتك ليلتي (أي لا تمت عليك هذه الليلة) ثم يقوم يصلي إلى الفجر!!
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الهجعة!! إنما هو على الجنب، فإذا تحرك (أي أفاق من نومه) قال: ليس هذا لك!! قومي خذي حظك من الآخرة!!.
قال هشام الدستوائي رحمه الله: إن لله عبادا يدفعون النوم مخافة أن يموتوا في منامهم.
عن جعفر بن زيد رحمه الله قال: خرجنا غزاة إلى [ كأبول ] وفي الجيش [ صلة بين أيشم العدوي ] رحمه، قال: فترك الناس بعد العتمة (أي بعد العشاء) ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس، حتى إذا نام الجيش كله وثب صلة فدخل غيضة وهي الشجر الكثيف الملتف على بعضه، فدخلت في أثره، فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح الصلاة، وبينما هو يصلي إذا جاء أسد عظيم فدنا منه وهو يصلي!! ففزعت من زئير الأسد فصعدت إلى شجرة قريبة، أما صلة فوالله ما التفت إلى الأسد!! ولا خاف من زئيره ولا بالى به!! ثم سجد صلة فاقترب الأسد منه فقلت: الآن يفترسه!! فأخذ الأسد يدور حوله ولم يصبه بأي سوء، ثم لما فرغ صلة من صلاته وسلم، التفت إلى الأسد وقال: أيها السبع اطلب رزقك في مكان آخر!! فولى الأسد وله زئير تتصدع منه الجبال!! فما زال صلة يصلي حتى إذا قرب الفجر!! جلس فحمد محامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: الله إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة!!! ثم رجع رحمه الله إلى فراشه (أي ليوهم الجيش أنه ظل طوال الليل نائماً) فأصبح وكأنه بات على الحشايا (وهي الفرش الوثيرة الناعمة والمراد هنا أنه كان في غاية النشاط والحيوية) ورجعت إلى فراشي فأصبحت وبي من الكسل والخمول شيء الله به عليم.
كان العبد الصالح عمرو بن عتبة بن فرقد رحمه الله يخرج للغزو في سبيل الله، فإذا جاء الليل صف قدميه يناجي ربه ويبكي بين يديه، كان أهل الجيش الذين خرج معهم عمرو لا يكلفون أحداً من الجيش بالحراسة ؛ لأن عمرو قد كفاهم ذلك بصلاته طوال الليل، وذات ليلة وبينما عمرو بن عتبة رحمه الله يصلي من الليل والجيش نائم، إذ سمعوا زئير أسد مفزع،فهربوا وبقي عمرو في مكانه يصلي وما قطع صلاته!! ولا التفت فيها!! فلما انصرف الأسد ذاهبا عنهم رجعوا لعمرو فقالوا له: أما خفت الأسد وأنت تصلي؟!! فقال: إن لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه!!
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أفضل الأعمال ما أكرهت إليه النفوس.
قال أبو جعفر البقال: دخلت على أحمد بن يحيى رحمه الله، فرأيته يبكي بكاء كثيرا ما يكاد يتمالك نفسه!! فقلت له: أخبرني ما حالك؟!! فأراد أن يكتمني فلم أدعه، فقال لي: فاتني حزبي البارحة!! ولا أحسب ذلك إلا لأمر أحدثته، فعوقبت بمنع حزبي!!ثم أخذ يبكي!! فأشفقت عليه وأحببت أن أسهل عليه، فقلت له: ما أعجب أمرك!! لم ترض عن الله تعالى في نومة نومك إياها، حتى قعدت تبكي!! فقال لي: دع عنك هذا يا أبا جعفر!! فما احسب ذلك إلا من أمر أحدثته!! ثم غلب عليه البكاء!! فلما رأيته لا يقبل مني انصرفت وتركته.
عن أي غالب قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما ينزل علينا بمكة، وكان يتهجد من الليل، فقال لي ذات ليلة قبل الصبح: يا أبا غالب: ألا تقوم تصلي ولو تقرأ بثلث القرآن، فقلت: يا أبا عبد الرحمن قد دنا الصبح فكيف اقرأ بثلث القرآن؟!! فقال إن سورة الإخلاص { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن.
كان أبو إسحاق السبيعي رحمه الله يقول: يا معشر الشباب جدوا واجتهدوا، وبادروا قوتكم، واغتنموا شبيبتكم قبل أن تعجزوا،ـ فإنه قلّ ما مرّت عليّ ليلة إلا قرأت فيها بألف آية!!
كان العبد الصالح عبد الواحد بن يزيد رحمه الله يقول لأهله في كل ليلة: يا أهل الدار انتبهوا!! (أي من نومكم) فما هذه (أي الدنيا) دار نوم، عن قريب يأكلكم الدود!!
قال محمد بن يوسف: كان سفيان الثوري رحمه الله يقيمنا في الليل ويقول: قوموا يا شباب!! صلوا ما دمتم شبابا!! إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟!!
دخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعي رحمه الله فرأت تلك المرأه بللاً في موضع سجود الأوزاعي، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتك أمك!! أراك غفلت عن بعض الصبيان حتى بال في مسجد الشيخ (أي مكان صلاته بالليل) فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحك هذا يُصبح كل ليلة!! من أثر دموع الشيخ في سجوده.
قال: إبراهيم بن شماس كنت أرى أحمد بن حنبل رحمه الله يحي الليل وهو غلام.
قال أبو يزيد المعَّنى: كان سفيان الثوري رحمه الله إذا أصبح مدَّ رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل!!
كان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يصلي من الليل فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالا!! ثم يصلي إلى الفجر.
رأى أحد الصالحين في منامه خياماً مضروبة فسأل: لمن هذه الخيام؟!! فقيل هذه خيام المتهجدين بالقرآن!! فكان لا ينام الليل!!
كان شداد بن أوس رضي الله عنه إذا دخل على فراشه يتقلب عليه بمنزلة القمح في المقلاة على النار!! ويقول اللهم إن النار قد أذهبت عني النوم!! ثم يقوم يصلي إلى الفجر.
كان عامر بن عبد الله بن قيس رحمه الله إذا قام من الليل يصلي يقول: أبت عيناي أن تذوق طعم النوم مع ذكر النوم.
قال الفضيل بن عياض -رحمه الله -: إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأُصبح وما قضيت نهمتي (أي ما شبعت من القرآن والصلاة).
لما احتضر العبد الصالح أبو الشعثاء رحمه الله بكى فقيل له: ما يبكيك!! فقال: إني لم أشتفِ من قيام الليل!!
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: كان يقال: من أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرة قلوبهم، خلائق ثلاثة: الحلم والإنابة وحظ من قيام الليل.
كان ثابت البناني رحمه الله يصلي قائما حتى يتعب، فإذا تعب صلى وهو جالس.
قال السري السقطي رحمه الله: رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل.
كان بعض الصالحين يقف على بعض الشباب العبّاد إذا وضع طعامهم، ويقول لهم: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فتخسروا كثيرا!!
قال حسن بن صالح رحمه الله: إني أستحي من الله تعالى أن أنام تكلفا (أي اضطجع على الفراش وليس بي نوم) حتى يكون النوم هو الذي يصير عني (أي هو الذي يغلبني)، فإذا أنا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائما فلا أرقد الله عيني!!
كان العبد الصالح سليمان التميمي رحمه الله هو وابنه يدوران في الليل في المساجد،فيصليان في هذا المسجد مرة، وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا!!
الخميس، 5 مايو 2016
رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل في الإسراء والمعراج
رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل في الإسراء والمعراج:
قال القاضي عياض في الشفا:
«وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه رآه بعينه. وروى عطاء عنه: أنه رآه بقلبه، وعن أبي العالية عنه: رآه بفؤاده مرتين. وذكر ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم.
والأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه»أهـ
وقال الحافظ السيوطي في الدر المنثور:
«وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: "رأى محمد ربه". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه". وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: "إن محمدًا رأى ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده". وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله الله {ولقد رآه نزلة أخرى} قال ابن عباس:" قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل"»أهـ
وقال الشوكاني في فتح القدير:
«أخرج ابن مردويه عن أنس قال: "رأى محمد ربه". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه". وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه قال: "رأى محمد ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده". وأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه والبيهقي عنه أيضا قال: "لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل". وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضًا قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟" قال: وقد روي نحو هذا عنه من طرق.
وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه؟» . وأخرج مسلم وابن مردويه عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: "رأيت نورًا"» أهـ
أما ما يروى من إنكار السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها للرؤية ونفيها فمعلوم أن الإثبات مقدم على النفي، لأن الإثبات فيه زيادة علم والنفي يحتمل التأول ونقصان علم بالمنفي، وقد أثبت الرؤية النبي صلى الله عليه وسلم. روى الخلال في كتاب السنة عن المروزي قال: قلت للإمام أحمد بن حنبل: إنهم يقولون إن عائشة قالت: «من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» فبأي شيء يدفع قولها؟
قال: «بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ”رأيت ربي“، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من قولها».
وروى الإمام أحمد رضي الله عنه بإسناد على شرط الصحيح قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ربي عز وجل»
وأثبت الرؤية أيضًا عدد من الصحابة، قال الحافظ في فتح الباري: «أما احتجاج عائشة رضي الله عنها بالآية (لا تدركه الأبصار) فقد خالفها فيه بن عباس، فأخرج الترمذي من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن بن عباس قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: (لا تدركه الأبصار)، قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين.»
وتابع الحافظ فقال: «ذهب جماعة إلى إثباتها، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمدًا رأى ربه. وأخرج بن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها، وكان يشتد عليه إذا ذكر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب بن عباس، وجزم به كعب الأحبار والزهري وصاحبه معمر، وآخرون وهو قول الأشعري وغالب أتباعه»
🌹🌹🌹
اللهم صلِّ وسلم على الذات المحمدية وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد
أ ك
الثلاثاء، 3 مايو 2016
استحباب صيام رجب
استحباب الصوم في شهر رجب وهو مذهب الجمهور من أهل العلم من كافة المذاهب، لأنه أحد الأشهر الحرم التي يندب فيها الصوم وسائر الأعمال الصالحات، والصوم أخص بالندب لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي المشهور: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به). وقد كان صلى الله عليه وسلم يصوم الأشهر الحرم ويأمر بصيامها، فقال صلى الله عليه وسلم لأبي مجيبة الباهلي رضي الله عنه: (صم من الحرم واترك) [رواه أبو داود والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي في السنن]، وحين سئل صلى الله عليه وسلم عن سبب صومه شهر شعبان: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ) [رواه النسائي بسند جيد]، قال الشوكاني في نيل الأوطار: "ظاهر قوله في حديث أسامة إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان أنه يستحب صوم رجب، لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم، كما يعظمون رمضان ورجبًا به" أهـ
وقال المرداوي في الإنصاف: "وأما صيام بعض رجب، فمتفق على استحبابه عند أهل المذاهب الأربعة لما سبق، وليس بدعة، ثم إن الراجح من الخلاف المتقدم مذهب الجمهور لا مذهب الحنابلة." أهـ
وكل الأحاديث المرغِّبة في صيامه فإنها تحسَّن لغيرها، ولو ضعف سندها فإنه يعمل بها على مذهب جمهور أهل العلم في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند دخول شهر رجب: "اللهم بارك لنا في رجبٍ وشعبان وبلغنا رمضان".
وقال المرداوي في الإنصاف: "وأما صيام بعض رجب، فمتفق على استحبابه عند أهل المذاهب الأربعة لما سبق، وليس بدعة، ثم إن الراجح من الخلاف المتقدم مذهب الجمهور لا مذهب الحنابلة." أهـ
وكل الأحاديث المرغِّبة في صيامه فإنها تحسَّن لغيرها، ولو ضعف سندها فإنه يعمل بها على مذهب جمهور أهل العلم في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند دخول شهر رجب: "اللهم بارك لنا في رجبٍ وشعبان وبلغنا رمضان".
الأحد، 1 مايو 2016
ذكرى الإسراء والمعراج
ما هي الذكرى؟ هي التفكر والتدبر في التاريخ لاستلهام الدروس والعبر، وهي من خصائص المؤمنين أولي الأبصار وأولي الألباب الممدوحين في كتاب الله عز وجل حيث قال سبحانه: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ؟ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)، وقوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، فقال أحد السلف: "من وجد للذكرى في قلبه موقعًا فليعلم أنه مؤمن". وفي التاريخ تذكير بنعم الله ووآلائه وفضله، وفيه ذكر آياته الكبرى كما قال تعالى لموسى عليه السلام: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) أي ذكِّر قومك بفضله تعالى ونعمه عليهم وإنجائهم من فرعون وملأه وبمعجزة فلق البحر لهم.
وتمر علينا ذكرى الإسراء والمعراج وما فيها من العجائب والحكم والعبر والآيات، ولعل من إشارات ذلك أن الحق سبحانه وتعالى استهل كلامه عنها بـ"سبحان" فقال تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا). وأعظم ما في هذه الذكرى العجيبة هو خرق الحجاب وشهود المخلوق للخالق عز وجل ممثلًا في سيدنا محمد ﷺ وما يدل عليه ذلك من العظمة والتفرد والخصوصية التي حظي بها نبيُّنا ﷺ، فإن موسى عليه السلام طلب الرؤية فقال له الله تعالى: (لَن تَرَانِي)، بينما رآه النبي ﷺ في تلك الليلة كما في صحيح مسلم: "رأيتُ نورًا"، وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله الله (ولقد رآه نزلة أخرى): "قد رأى النبي ﷺ ربه عز وجل"، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه. وفي هذه الذكرى أيضًا إشارة إلى تميز البصر المحمدي الخاص عن بصر عامة الناس، فالإسراء كان ليلًا، وفي السابع والعشرين من رجب كما ذهب إلى ذلك الجمهور، وهي ليلة مظلمة، ومع ذلك حكى ما حكى من عجائب ما رآه في الملك والملكوت، ووصف قافلة قريش وما حصل لها وكأن ذلك كان نهارًا! حكى كل ذلك ولم يُروَ في أحاديث الإسراء أنه ﷺ كان يحمل قنديلًا أو مصباحًا! ولا غرو، فخصوصية البصر المحمدي ثابته، ففي صحيح البخاري قال ﷺ: «أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري»! فمن مثله ﷺ يرى من خلفه كما يرى من أمامه؟!
إن المؤمنين أولي الألباب الذين تعرضوا لنفحات شهر رجبٍ المبارك، أحد الأشهر الحرم ذات الثواب المضاعف، عليهم أن يغتنموا ذكرى هذه الليلة التي أسري فيها برسول الله ﷺ روحًا وجسدًا من أول بيت وضع للناس إلى ثاني بيت، إلى المسجد الأقصى فأمَّ أنبياء الله جميعًا إشارة إلى سيادته عليهم، ثم عرج به إلى السماء العلية لشهود ربه جلَّ وعلا ثم عاد وفراشه لم يفقد دفئه. أحيوها بذكر الله عز وجل والثناء عليه وحمده وشكره على ما منَّ به علينا من نعمة الإتباع لهذا النبي العظيم ﷺ، وبتدارس تلك الذكرى العظيمة والاعتبار بما فيها من الحكم والآيات والعجائب. احتفلوا بهذه الليلة الكبرى لأنها تستحق، فعجائبها لا تحصى ولا تعد، فاقت عجائب غيرها من معجزات الأنبياء والقصص القرءاني، وليس في الاحتفال بها بدعة، لأن البدعة عند جمهور أهل العلم من السلف والخلف تنقسم إلى حسنة سيئة، والبدعة الحسنة هي ما كان لها أصل من الدين يدل عليها، وقد تقدم في هذا المقال التأصيل لهذه الذكرى.
واللبيب يدرك إن البدع الحسنة دائمًا ما ترتبط بواقع الناس في كل عصر وبحاجات الأمة المتجددة، فما جُمع القرءان إلا عندما خِيف على القراء الهلاك، وما نقِّط المصحف إلا عندما دخل الأعاجم في الإسلام وخِيف على القرءان اللحن، والآن لم يُندب مثل هذا الاحتفال إلا لأن الناس انشغلت وبعدت وتكاثرت عليها المُلهيات في الفضائيات والإنترنت والهواتف المحمولة والحياة العصرية، فيحسن عندئذٍ تذكيرها بأيام الله متى ما كان إلى ذلك من سبيل. وبهذا الفهم تقبَّلت الأمة أمورًا دينية كثيرة لم تكن في صدر الإسلام الأول كصلاة التهجد في في العشر الأواخر من رمضان في جماعة، وكالأسابيع الدعوية، والمؤتمرات الإسلامية، والمسابقات الدينية، بل وحتى نيل الدرجات العلمية الغربية في الدراسات الإسلامية، كالدكتوراة، والماجستير، والبكالريوس والدبلوم وغير ذلك.
إن كانت دوامة الحياة المادية المعاصرة قد جرفتنا فلتكن هذه الذكرى فرصة لأن نستريح من عناء ذلك التفكير المادي الدخيل ونسرح في عالم عجائب قدرة الله، ونحكي لأطفالنا قصص وعجائب الإسراء والمعراج، فنحبب إليهم سيرة المصطفى ﷺ، ونكلمهم عن عظمة نبيهم ﷺ الذي عرج به إلى العرش المجيد وعاد في كسر من الثانية!! لنوسع مداركهم بأن هذا الكون هو خلق عظيم، وفيه سكان عظماء، ففي كل سماء أنبياء وملائكة وأرواح، وشؤون وحضرات، وأن المسافة بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. أخرجوهم من ضيق المادة إلى سعة المعنى، فالإيمان ليس ماديات، الإيمان ينفذ إلى ما وراء المادة، إلى الإيمان بالغيب، وهذا ما يميز المؤمن من الكافر.
السبت، 30 أبريل 2016
ما لا تعرفه عن الألباني
هو الباحث في مجال الحديث الشريف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ولد سنة 1914م بألبانيا، وتوفي في الأردن سنة 1999م، أي قبل نحو 17 سنة من اليوم.
تعليمه ومشائخه:
درس الإبتدائية ولم يكمل تعليمه، ودرس على والده المذهب الحنفي، وعلى صديق والده الشيخ سعيد البرهاني -شيخ الطريقة الشاذلية في زمانه- مراقي الفلاح في الفقه الحنفي وبعض كتب اللغة والبلاغة وقيل كان يحضر دروسًا لمحمد بهجة البيطار في "الحماسة" لأبي تمام. ويعاب على الألباني أنه ليس له مشائخ سوى والده وصديقه الشيخ سعيد البرهاني، مع أن علماء الحديث وحفاظه كان يعد مشائخهم بالمئات والألوف، حتى أنهم كانوا يصنفون المعاجم في شيوخهم مثل معجم شيوخ الطبراني.
دراسته للحديث الشريف:
على الرغم أن الألباني عاش في القرن العشرين إلا أنه اشتهر بين العوام كأحد علماء السلف، واشتهر بين أنصار الدعوة السلفية بأنه محدث العصر، قال الشيخ عبد العزيز بن باز:«ما رأيت تحت أديم السماء عالمًا بالحديث في العصر الحديث مثل محمد ناصر الدين الألباني»، لكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أن الألباني لم يدرس الحديث الشريف وعلومه على أحد أهل العلم من المشائخ، ولا في معهد ديني أو جامعة إسلامية، بل درسه من خلال بحوث مجلة المنار التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، ومن بعض الكتب. ويعتبر هذا من أحد أكبر الإنتقادات التي وجهت إليه فقالوا:
ما أخذ أحد العلم من الكتاب –دون معلم– إلاَّ ضل، فلابد من المعلم، ليشرح الغامض، ويقيد المطلق، ويفصل المجمل، ويبين المراد من الاصطلاح، ولو كان الكتاب وحده ينفع دون احتياج لمعلم يشرح، لما أرسل الله مع كل كتاب رسولاً يشرحه، ويبينه، ويبلغه، ولَمَا أخذ الله العهد على الذين أوتوا الكتاب أن يبينوه للناس، ولَمَا ألجمَ الله كاتم العلم بلجام من نار، وكتب العلم متوفرة للقاصي والداني، ولا شك أن كلام الله هو أحسن الحديث وأبلغه وأيسره، ومع ذلك لا يستغنى عن الرسول لبيانه.
قال الأوزاعي أحد أئمة السلف: "كان هذا العلم كريمًا يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله.
لذلك يعتبر الألباني في نظر بعض العلماء أنه غير مؤهل في هذا العلم وليس بمعتبر فيه وما كان ينبغي أن يصنف فيه ولا أن تفرد له كل هذه المساحة، فالعلم بالتعلم والفقه بالتفقه، قال محدث الهند الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في كتابه: "الألباني: أخطاؤه وشذوذه":
«ولازم ذلك أنه والله لا يعرف ما يعرفه آحاد الطلبة الذين يشتغلون بدراسة الحديث في عامة مدارسنا».
ومع ذلك قام بتحقيق كتب لأكابر علماء الأمة في هذا الفن وحكم على مروياتهم تصحيحًا وتضعيفًا كالإمام البخاري والحافظ أبي داود، والحافظ الترمذي، والحافظ الطبراني، والحافظ البيهقي والحافظ المنذري والحافظ السيوطي، وغيرهم من أئمة هذا العلم الشريف.
مهنته:
أخذ الألباني عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها حتى صار من أصحاب الشهرة فيها.
عمله وجهوده:
بحسب شهرته في مجال الحديث الشريف عمل الألباني في عدد من الجامعات والمؤسسات ذات العلاقة بعلوم الحديث الشريف، فاختير عضوًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعمل فيها لمدة ثلاث سنوات، وطلبت منه الجامعة السلفية في بنارس -الهند- أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك، واختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955.
مع أنه لم يكن حافظًا ولا مسندًا ولا محدثًا عمل الألباني في تحقيق وتخريج كتب الأئمة والحفاظ، وأصدر كتبًا يحكم فيها على مروياتهم تصحيحًا وتضعيفًا، كسلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، وصحيح وضعيف الترغيب والترهيب، وصحيح وضعيف الجامع الصغير وزياداته، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل وغيرها من تصانيف الحفاظ. وقد كثرت أخطاؤه في كتبه فكان في كل طبعة جديدة يتراجع عن خطأ في الحكم على حديث في الطبعة السابقة، وتعرض بسبب ذلك لكثير من الإنتقادات حتى ترك كثير من تلامذته وأنصاره الإعتماد على حكمه على الأحاديث،
قال الشيخ السلفي محمد الحسن الددو الشنقيطي رئيس جامعة عبد الله بن ياسين بنواكشوط: "فلذلك لا ينبغي أن يؤخذ تصحيحه بالإطلاق ولا تضعيفه بالإطلاق" وقال أيضًا: "والشيخ الألباني رحمة الله عليه بعض ما دخل عليه من الأخطاء وجهه أنه يعتمد على نسخة واحدة ويكون هو غير راوٍ لها، لم يروها ولم يقرأها على أحد من أهل العلم، وكثير من النسخ فيها أخطاء، فالكتب لا تخلو من أخطاء، ولذلك فإنه رحمه الله مثلاً ضعَّف حديثًا في سنن البيهقي وقد طبع في الطبعة (عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس) فضعفه قال: (عبيد الله بن عبد الله بن عباس مجهول فالحديث ضعيف)، وهذا خطأ مطبعي، فأصل الكلام (عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس)، وعبيد الله هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الإمام أحد الفقهاء السبعة من فقهاء المدينة، وهو أثبت الناس في ابن عباس بالإجماع، فالغلط المطبعي كان سببًا للتضعيف، وهكذا فهذا النوع من الأخطاء سببه أخطاء مطبعية أو أخطاء خطية في المخطوطات".
وقال: "بعض ما صححه من الأحاديث لم يوافقه غيره على التصحيح، وقد تبين خطؤه في بعض تلك الأمور، ولذلك رجع هو عن بعض تصحيحاته، وبعض ما ضعفه من الأحاديث أيضًا تبين خطؤه فيه ولذلك رجع هو عن بعض ذلك، وكل طبعة من كتاب له فالطبعة التي بعدها فيها رد على نفسه ورجوع عن بعض ما كان أنتج".
وقال الدكتور الشريف حاتم العوني، أستاذ الحديث الشريف بجامعة أم القرى والعضو السابق لمجلس الشورى بالمملكة العربية السعودية: "وخلال مرحلة الاستقلال هذه كنت ألحظ بعض أخطاء الشيخ، وبعض تناقضات أحكامه من كتاب إلى كتاب، ولكني كنت أتجاهلها، وأتغافل عنها، مع مخالفتي له فيها؛ لكني كنت أمتنع عن وضعها في سياق ميزان مكانة الشيخ، ولم أفكّر أن أُعدّل من تصوري عنه بملاحظة تلك الأخطاء".
وأردف قائلًا:
"الأخطاء المنهجية أو المتكررة عند الشيخ:
أ- عجلة الشيخ في الحكم على الأحاديث، كما حصل في تخريج أحاديث مشكاة المصابيح وغيرها.
ب- تساهلٌ يتكرر منه في التصحيح والتحسين بمجموع الطرق، دون التزام بالقواعد الدقيقة لشروط ذلك. وهذا ليس دائما، لكنه كثير ملحوظ، وهو أحد أسباب أخطائه المتكررة.
ت- قصور ملحوظ في الترجمة للرواة، فتوسعه في الترجمة قليل، مع الأهمية القصوى لذلك، خاصة في الرواة المختلف فيهم أو المقلين الذين يحتاجون إلى بذل وسع كبير للتعرف على حالهم.
ث- تهاونه وقلة حفاوته بتعليلات أئمة النقد كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وأمثالهم، فلا يتوقف عندها كما يجب، فإن هو نقلها، ما أسهل الاعتراض عليهم عنده بظواهر لا تكفي لصحة الاعتراض."
وأنتقد الألباني أنه كان يقوم بتخريج الأحاديث تبعًا لهواه ونصرته لمذهبه، قال مسفر بن غرم الله الدميني رئيس قسم السنة سابقًا ورئيس الدراسات العليا حاليًا بكلية أصول الدين بالرياض عن الألباني بأنه: «تساهل في تصحيح الأحاديث الموافقة لرأيه وتساهل كذلك في تضعيف الأحاديث المخالفة لرأيه».
والثابت أن الألباني ضعَّف أحاديث كثيرة لا تنصر مذهبه، وقد أحصى أحد طلابه نحوًا من 315 روايًا كان الألباني يجهِّلهم مع أن لهم تراجم في كتب الجرح والتعديل، وبسبب ذلك ضعَّف أحاديثهم.
وانتقد كذلك بطعنه وقلة احترامه وتوقيره لأئمة الحديث وحفاظه كالحاكم وابن الجوزي والذهبي والسيوطي والمناوي، ولعل ذلك ناتج من أنه لم يتهذب على شيخ ليأخذ عنه توقير العلماء واحترامهم.
وقد تعرض الألباني لانتقاد آخر في عقيدته، فقال الشيخ سفر الحوالي أستاذ ورئيس قسم العقيدة سابقًا في جامعة أم القرى عن عقيدة الألباني:
«والمؤسف مع هذا أن الألباني أخذ بكلام أهل الإرجاء المحض من غير تفصيل»
علاقته بالمملكة العربية السعودية:
كان في بدايته مناصرًا للدعوة السلفية في المملكة العربية السعودية وخدم منهجهم ونصره من خلال عمله في تخريج الأحاديث النبوية، وقد ساهمت المملكة في دعم نشاطه ونشر كتبه وتقديمه للعالم على أنه مُحدِّث العصر، لكن العلاقة ما لبثت أن ساءت بسبب حرب الخليج وبسبب خلافات نشبت بينه وبين بعض مشائخ المملكة فأمر مفتي المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ بفصله من الجامعة الإسلامية بالمدينة نتيجة إختلافه مع عدد من المدرسين فيها، ثم طرد من المملكة على خلفية أحداث الحرم التي قام بها منتسبون إلى الدعوة السلفية سنة 1979م رأت السلطات أنهم تلامذة للألباني.
الثلاثاء، 26 أبريل 2016
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
خبر إنشاد أهل المدينة "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" عند دخول النبي صلى الله عليه وسلم مشهور جدًا رواه وذكره جملة من الحفاظ والعلماء الثقات الأثبات، منهم الحافظ ابن سعد، والحافظ ابن حبان، والحافظ البيهقي، والحافظ أبو الحسن الخلعي، والحافظ رزين، والحافظ ابن الجوزي، والحافظ المحب الطبري والإمام الغزالي، والحافظ ابن كثير، والحافظ بن حجر، والحافظ السيوطي، والحافظ السمهودي وغيرهم خلق كثير.
أخرج البيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئًا، ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئًا حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، فَكَمَنَّا في بعض جدر المدينة، ثم بعثنا رجلًا من بعض البادية لِيُؤْذِنَ بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ قال: فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ. قال أنس: فلقد رأيت يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين شبيهًا بهما"
وأخرج الحافظ ابن حبان (ت354هـ) في ثقاته قال:
"فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة وهم خمسمائة رجل من الأنصار، فتلقى الناس والعواتق فوق الأجاجير والصبيان والولائد يقولون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وأخذت الحبشة يلعبون بحرابهم لقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحًا بذلك"
وأخرج الحافظ البيهقي (ت458هـ) في الدلائل عن الإمام العلامة الثقة ابن عائشة (ت228هـ) قال:
"لما قدم عليه السلام المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع"
قال البيهقي: هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة.
وروى الحافظ أبو داود أن الحبشة لعبت بحرابهم فرحا بقدومه صلّى الله عليه وسلّم وزاد الحافظ رزين (ت535هـ):
وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير -أي سطوح المنازل- يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وفي رواية:
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
وأخرج الحافظ المحب الطبري (ت694هـ) في الرياض النضرة عن ابن الفضل ابن الحباب الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه قال: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة جعل الصبيان والنساء والولائد يقولون:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قال: خرجه الحلواني على شرط الشيخين.
أما السؤال عن كيف لهجت جميع الألسن في آن واحد بهذه العبارات فلا ننسى أن الأنصار كانوا يترقبون مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأبجديات أن يتأهبوا لاستقباله بهذه الأبيات العذبات. قال ابن حبان: "سمع المسلمون بالمدينة بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون قدومه حتى يردهم حر الظهيرة"
ومن أشباه ذلك ما رواه ابن ماجة وغيره بسند جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:
نحن جوارٍ من بني النجار *** يا حبذا محمد من جار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يعلم الله إني لأحِبُّكُنَّ"
فالأنصار أهل إنشاد وذوق، ويتغنون الشعر بالسليقة بدون تكلف، ويعجبهم ذلك كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ما كان معكم لهو! فإن الأنصار يعجبهم اللهو" وفي حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: "قوم فيهم غزل".
وقال صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة: "فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: تقول ماذا؟ قال تقول:
أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم *** ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء *** ما سمنت عذاريكم
أما كون أن ثنية الوداع ليست من جهة طريق مكة فقد أجاب عليها كثير من العلماء ومنهم الحافظ السمهودي في الوفاء قال:
"إن ذلك لا يمنع من كونه في الهجرة عند القدوم من قباء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ركب ناقته، وأرخى لها زمامها، وقال: دعوها فإنها مأمورة، ومر بدور الأنصار كما سبق، حتى مر ببني ساعدة، ودارهم في شاميّ المدينة قرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها، وقد عرج النبي صلى الله عليه وسلم في رجوعه من بدر إلى ثنية الوداع؛ لما في مغازي ابن عقبة أنه صلى الله عليه وسلم سلك حين خرج إلى بدر حتى ثقب بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع."
الجمعة، 22 أبريل 2016
علاقة الشريعة بالزهد
الزهد هو ضد الرغبة والحرص، وزهد فلان في الشيء أي رغب عنه ولم يحرص عليه، وربما رضي بالقليل منه. والزهد في الدين خلق عظيم يرقى به العبد ويدنو من ربه، حيث يرغب عن ما أباحه الله له وأحله طلبًا لقرب الله ورضاه، وتحررًا من عبودية نفسه لأجل عبودية الله تبارك وتعالى، قال الجنيد: قال بعض شيوخنا: "لا تكون لله عبدا حقًّا، وأنت بما يكرهه مُسْتَرَقًّا"[1]. وبعض الناس لا يفرق بين الزهد وبين أن تحرم على نفسك ما أحله الله، وحقيقة الزهد هو أن تستغني بالله عما سواه وأن تزهد -طائعًا- في ما أباحه الله لك وأحله من الطيبات والملذات طلبًا لمرضاته سبحانه. وكثير من شرائع الإسلام وشعائره جوهرها الزهد، كالصوم، أحد أركان الدين، حيث يترك العبد طعامه وشرابه وكافة شهواته لله، لأجل ذلك استحق ثناء الله: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" [2]. والصوم ليس شعيرة تمارس في رمضان وحسب، بل كل أسبوع كما في صيام الأثنين والخميس على الأقل، وكل أسبوعين كما في صيام الأيام البيض، أو في صيام رجب وشعبان وغير ذلك من الأوقات المباركة التي يندب فيها الصوم. لذلك فإن طلب الجوع والعطش طواعية لا يناقض قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)[3]، بل هو رياضة للنفس، وإشعار لها بحاجة الفقراء، وصيانة للبدن من السمنة وأمراضها.
والزكاة والصدقة والنذر أيضًا في جوهرها الزهد في المال، والجهاد في جوهره الزهد في النفس، وقيام الليل في جوهره الزهد في النوم، والحج في جوهره الزهد في المال وفي راحة البدن لأن فيه مشقة، وهكذا إذا نظرت في شعائر وشرائع هذا الدين تجد أن الزهد محور أصيل فيها، تدور حوله لتصل بالعبد إلى الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة وذلك هو جوهر السير إلى الله القائل سبحانه:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ)[4]
(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)[5]
(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[6]
(وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ)[7]
(فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[8]
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)[9]
وغير ذلك من آي الذكر الحكيم، وكل القرءان ينبه إلى خطورة الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة، بل كان هذا هو آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته، ففي الصحيحين قال رسول الله ﷺ: "إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم"
وكان هو ﷺ الأسوة الحسنة في ذلك وإمام الزاهدين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي ﷺ وهو على حصير قد أثَّر في جنبه فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: "يا عمر، ما لي وللدنيا، وما للدنيا ولي، والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها" [10]
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" [11]
وقال ﷺ: "صلح أمر أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلك آخرها بالبخل والأمل" [12]
وكذا كان صحابته رضوان الله عليهم، قال الحارث بن عوف الليثي رضي الله عنه: "تابعنا الأعمال فلم نجد شيئا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا" [13]
ونقيض الزهد الحرص على الطيبات والشهوات وملذات الدنيا، وفي هذا خطر عظيم حيث يكون العبد أسير نفسه ورغباتها وأي خطر أعظم من هذا؟! جاء في الذكر الحكيم:
(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم)[14]
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)[15]
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[16]
(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)[17]
وغير ذلك من الآيات التي تبين خطر الإنقياد للنفس، وأن الفلاح والنجاح في كبح جماحها والتحرر من رقها، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[18]. ومن مخاطر الحرص على الدنيا أيضًا الغفلة، وطول الأمل، ونسيان الموت، والإنشغال عن الآخرة بعرض زائل، ونهاية كل ذلك هي الخسران المبين، قال النبي ﷺ: "أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحَّلت مدبرة والآخرة قد ترحَّلت مقبلة، ولكلٍ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل" [19].
لذلك كان الزهد هو روح التصوف وجوهره، فمن جهل الزهد جهل التصوف.
ـــــــــــــــــ
[1] أخرجه البيهقي في الشعب.
[2] أخرجه البخاري ومسلم.
[3] سورة الأعراف: 33.
[4] سورة آل عمران: 14.
[5] سورة الأنفال: 67.
[6] سورة الأعلى: 16-17.
[7] سورة الرعد: 26.
[8] سورة فاطر: 5، وسورة لقمان: 33.
[9] سورة الشورى: 20.
[10] صحيح أخرجه الإمام أحمد وغيره.
[11] صحيح أخرجه أبي حسين الكلابي.
[12] أخرجه البيهقي في الشعب.
[13] أخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد.
[14] سورة يوسف: 53.
[15] سورة ق: 16.
[16] سورة المائدة: 30.
[17] سورة غافر: 17.
[18] سورة النازعات:40-41.
[19] حسن أخرجه ابن أبي الدنيا وابن منده وابن عساكر وغيرهم.
والزكاة والصدقة والنذر أيضًا في جوهرها الزهد في المال، والجهاد في جوهره الزهد في النفس، وقيام الليل في جوهره الزهد في النوم، والحج في جوهره الزهد في المال وفي راحة البدن لأن فيه مشقة، وهكذا إذا نظرت في شعائر وشرائع هذا الدين تجد أن الزهد محور أصيل فيها، تدور حوله لتصل بالعبد إلى الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة وذلك هو جوهر السير إلى الله القائل سبحانه:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ)[4]
(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)[5]
(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[6]
(وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ)[7]
(فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[8]
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)[9]
وغير ذلك من آي الذكر الحكيم، وكل القرءان ينبه إلى خطورة الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة، بل كان هذا هو آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته، ففي الصحيحين قال رسول الله ﷺ: "إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم"
وكان هو ﷺ الأسوة الحسنة في ذلك وإمام الزاهدين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي ﷺ وهو على حصير قد أثَّر في جنبه فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: "يا عمر، ما لي وللدنيا، وما للدنيا ولي، والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها" [10]
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" [11]
وقال ﷺ: "صلح أمر أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلك آخرها بالبخل والأمل" [12]
وكذا كان صحابته رضوان الله عليهم، قال الحارث بن عوف الليثي رضي الله عنه: "تابعنا الأعمال فلم نجد شيئا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا" [13]
ونقيض الزهد الحرص على الطيبات والشهوات وملذات الدنيا، وفي هذا خطر عظيم حيث يكون العبد أسير نفسه ورغباتها وأي خطر أعظم من هذا؟! جاء في الذكر الحكيم:
(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم)[14]
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)[15]
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[16]
(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)[17]
وغير ذلك من الآيات التي تبين خطر الإنقياد للنفس، وأن الفلاح والنجاح في كبح جماحها والتحرر من رقها، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[18]. ومن مخاطر الحرص على الدنيا أيضًا الغفلة، وطول الأمل، ونسيان الموت، والإنشغال عن الآخرة بعرض زائل، ونهاية كل ذلك هي الخسران المبين، قال النبي ﷺ: "أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحَّلت مدبرة والآخرة قد ترحَّلت مقبلة، ولكلٍ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل" [19].
لذلك كان الزهد هو روح التصوف وجوهره، فمن جهل الزهد جهل التصوف.
ـــــــــــــــــ
[1] أخرجه البيهقي في الشعب.
[2] أخرجه البخاري ومسلم.
[3] سورة الأعراف: 33.
[4] سورة آل عمران: 14.
[5] سورة الأنفال: 67.
[6] سورة الأعلى: 16-17.
[7] سورة الرعد: 26.
[8] سورة فاطر: 5، وسورة لقمان: 33.
[9] سورة الشورى: 20.
[10] صحيح أخرجه الإمام أحمد وغيره.
[11] صحيح أخرجه أبي حسين الكلابي.
[12] أخرجه البيهقي في الشعب.
[13] أخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد.
[14] سورة يوسف: 53.
[15] سورة ق: 16.
[16] سورة المائدة: 30.
[17] سورة غافر: 17.
[18] سورة النازعات:40-41.
[19] حسن أخرجه ابن أبي الدنيا وابن منده وابن عساكر وغيرهم.
الخميس، 21 أبريل 2016
طوفان الشوق إلى رسول الله ﷺ هو وصية العارفين
ﺃﻻ ﻓﺄﻭﺻﻴﻚ ﺃﻥ ﻻ ﺗﻤﺮَّ ﺑﻚ ﺑُﺮﻫﺔٌ ﺇﻻ ﻭﻳﺰﺩﺍﺩ ﻓﻴﻚ ﻣﻌﺪَّﻝ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻭﻻ ﺗﻤﺮُّ ﺑﻚ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﺇﻻ ﻭﻳﺰﺩﺍﺩ ﻓﻴﻚ ﻣﻌﺪﻝ ﺍﻟﺤﺐ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻟﻌﻠﻚ ﺗُﺤﻈﻰ ﺑﺠﻤﻊ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻬﺮﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻙ، ﻷﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺛﻼﺛﺔ: ﻣﺠﺘﻤﻌﻮﻥ ﻻ ﻳﻐﺎﺩﺭﻭﻥ ﺍﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ ﻭﻻ ﺗﻐﺎﺩﺭﻫﻢ، ﻭﺻﻨﻒٌ ﻳﺠﺘﻤﻌﻮﻥ ﺣﻴﻨًﺎ ﻭﻻ ﻳﺠﺘﻤﻌﻮﻥ ﺣﻴﻨًﺎ، ﻭﺻﻨﻒ ﻻ ﺯﺍﻟﻮﺍ ﻳﻠﺘﻤﺴﻮﻥ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﺎﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ، ﻓﺈﻥ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑُﻌﺜﻮﺍ ﻣﺤﺒﻴﻦ، ﻭﺇﻥ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﻓﻴﺎ ﺫﺍﻙ. ﻛﻦ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻓﻲ ﺷﻮﻕٍ ﻷﻥ ﺗُﺠﻤﻊ ﺑﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻳﺎ ﻫﺬﺍ، ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﷺ ﻣﻮﺟﻮﺩٌ، ﻭﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺃﻧﻪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻭﻳُﻄﻴِّﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻳﺸﺎﻫﺪ ﻛﻞ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ، ﻭﻳﺤﻀﺮ ﻟﻤﻦ ﺃﺭﺍﺩ، ﻭﻳﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻟﻤﻦ ﺷﺎﺀ (ﻭﻣﺎﻳﻨﻄﻖ ﻋﻦ ﺍﻟﻬﻮﻯ) ﻭﻟﻮ ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻪ ﷺ: (ﻣﻦ ﺭﺁﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﻓﻘﺪ ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺤﻖ)[1]، (ﻣﻦ ﺭﺁﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﻓﻘﺪ ﺭﺃﻧﻲ)[2]، ﺃﻭﺻﻴﻚ:
ﻓﻠﻴﻜﻦ ﺣﺎﻟﻚَ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻟﻠﺠﻤﻊ ﺑﺎﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺤﻤﺪﻳﺔ، ﻻ ﺗﺠﻌﻞ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﺗﻠﺘﻤﺴﻪ ﺇﻟﺘﻤﺎسًا، ﺃﻭ ﺗﺒﺤﺚ ﻋﻨﻪ ﺑﺤﺜًﺎ. ﻭﻻ ﺗﺠﻌﻠﻪ ﻛﺴﺎﺀً ﻓﺤﺴﺐ، ﺍﺟﻌﻞ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻳﺠﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻡ، ﻭﺇﺫﺍ ﺟﺮﻯ ﺍﻟﺸﻮﻕ ﻓﻴﻚ ﻣﺠﺮﻯ ﺍﻟﺪﻡ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻓﻴﻚ ﺫﺭﺓ ﺇﻻ ﻭﻫﻲ ﻣﺸﺘﺎﻗﺔ ﺇﻟﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﻭﻟﻮ ﻛﻨﺖَ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺎﻝ؛ ﻟﻮ ﺍﺳﺘﺸﺮﺕَ ﺷﻌﺮﻙَ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺤﻼﻗﺔ ﻭﻛﻨﺖَ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳُﺮﺍﻗﺒﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻟﻘﺎﻝ ﻟﻚﺍﻟﺸﻌﺮ: "ﻻ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻓﺎﺭﻕ ﺟﺴﺪًﺍ ﻛﻠﻪ ﺣﺐٌّ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ"، ﻭﻟﻘﺎﻟﺖ ﻟﻚ ﺃﻇﺎﻓﺮﻙ: "ﻳﻌﺰُّ ﺍﻟﻔﺮﺍﻕ ﻋﻦ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻟﺘﻼﻕ". ﻛﻢ ﻣﻦ ﺃﻧﺎﺱٍ ﺇﺫﺍﻗﻠَّﻤﻮﺍ ﺃﻇﺎﻓﺮﻫﻢ ﺣﺰﻧﺖ ﺍﻷﻇﺎﻓﺮ ﻭﺍﻟﻌﻜﺲ ﻟﻤﻦ ﺗﺠﺮّﺩﻭﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ. ﻓﻜﻦ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺣﺐٍ ﻭﻫﻴﺎﻡٍ ﻭﺷﻮﻕٍ ﻟﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ.
ﺃﻭَ ﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎﻫﻮ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ؟ ﻣﻊ ﺃﻥ ﺣﺒﻨﺎ ﻻ ﺷﺊ، ﻟﻜﻦ ﺃﻭَ ﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﻫﻮﺍﻟﺠﺰﺍﺀ؟ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺃﻥ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺣﺎﻟﻚ تكون ﺃﻧﺖ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ! ﺃﻭَ ﺭﺃﻳﺖ؟ (ﻭﺍﺷﻮﻗﻲ ﺇﻟﻰ ﺇﺧﻮﺍﻧﻲ، ﺃﻭَﻟﺴﻨﺎ ﺇﺧﻮﺍﻧﻚ؟ ﺃﻧﺘﻢ ﺃﺻﺤﺎﺑﻲ، ﺇﺧﻮﺍﻧﻲ ﻫﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮﺍ ﺑﻲ ﻭﻟﻢ ﻳﺮﻭﻧﻲ ﻭﻳﺘﻤﻨﻰ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﺃﻥ ﻟﻮ ﺭﺃﻧﻲ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﻤﻠﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ)[3] ﺃﻭَ ﺭﺃﻳﺖ؟! ﺇﺫﺍ ﻛﻨﺖ َﻛﻠﻚ ﺷﻮﻕٌ ﻓﺄﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ، ﺃﻧﺖ ﻣﺤﺒﻮﺏٌ ﻫﻨﺎﻙ، ﻫﻨﺎﻙ ﺃﻳﻦ؟ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ! ﻭﻣﺎ ﺃﺩﺭﺍﻙ ﻣﺎ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ ! ﺃﻭَ ﺗﺪﺭﻱ ﻣﺎ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪﷺ؟! ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻨﺎﺯﻝ ﻣﻦ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻟﻠﻪ. ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﺣﻴﺚ ﺗﺠﻠﻲ ﺍﻟﻠﻪ! ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﺣﻴﺚ ﺍﻹﻧﻔﺘﺎﺡ ﻋﻠﻰ ﺣﻀﺮﺓ ﺍﻟﻠﻪ! ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﻫﻨﺎﻙ ﺣﻴﺚ ﻳﺮﺿﻰ ﺍﻟﻠﻪ، ﺃﻭَﺭﺃﻳﺖ؟! ﻛﻦ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻓﻲ ﺷﻮﻕٍ، ﻛﻦ ﻛﻠﻚ ﻣﺤﺒﺔ، ﺣﺐ ﺑﺎﻟﻘﻠﺐ ﺣﺘﻰ يؤثر ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﺍﺭﺡ، ﻓﺘﺼﺒﺢ ﻛﻠﻚ ﻗﻠﺒًﺎ ﻣﺤﺒًﺎ ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ. ﻭﺍﻋﻠﻤﻦ ﺇﻥ ﻭﺻﻠﺖَ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻣﺎ ﻓﻴﻚ ﻣﻦ ﺫﺭﺓ ﺇﻻ ﻭﻫﻲ ﺗﺼﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﻥ ﻋﻠﻤﺖَ ﺃﻭ ﻟﻢ ﺗﻌﻠﻢ، ﺇﻥ ﺳﻤﻌﺖَ ﺃﻭ ﻟﻢﺗﺴﻤﻊ، ﺇﻥ ﺃﺩﺭﻛﺖَ ﺃﻭ ﻟﻢ ﺗﺪﺭﻙ.ﺇﺫًﺍ ﻗﻞ: (ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﺇﻟﻴﻚ ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺒﻲ، ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﺇﻟﻴﻚ ﻳﺎ ﺳﻴﺪﻱ، ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﺇﻟﻴﻚ ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ). ﺃﻭَ ﺭﺃﻳﺖ؟! ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺃﻧﺖ ﺗﻘﻮﻝ ﻭﺍ ﺷﻮﻗﺎﻩ ﻭﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﻳﺴﺘﻘﺒﻞ ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ ﻭﻟﻚ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﷺ ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ، ﻭﻟﻚ ﻓﻲ ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺼﻄﻔﻰ ﷺ ﻭﺍﺷﻮﻗﺎﻩ، ﺇﺫًﺍ ﺃﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﺗُﺬﻛﺮ ﻓﻲ ﻟﺴﺎﻧﻪ، ﻭﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﻫﺬﺍ ﻭﺫُﻛﺮ ﻓﻲ ﻟﺴﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﷺ ﻫﻮ ﻣﺬﻛﻮﺭ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ، ﺃﻭَﺭﺃﻳﺖ؟!
العارف بالله تعالى فضيلة الشيخ عبد الرحيم الركيني
ـــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري.
[2] أخرجه البخاري ومسلم.
[3] أخرجه مسلم، والطبراني والإمام أحمد وابن عبد البر في الاستذكار وأبو يعلى وأبو الشيخ غيرهم وله ألفاظ منها:
"من أشد أمتي حبا لي ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بماله وأهله" ،"إن ناسا من أمتي يأتون من بعدي، يود أحدهم أن يشتري رؤيتي بأهله وماله"، "وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد"، "متى ألقى إخوانى قالوا ألسنا بإخوانك؟ قال بل أنتم أصحابى وإخوانى الذين آمنوا بى ولم يرونى، أنا إليهم بالأشواق"، "يا عمر! إني لمشتاق إلى إخواني. قال عمر: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنكم أصحابي وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني".
الأربعاء، 20 أبريل 2016
تحري طيب نفقة الحج
كان السلف الصالح يتحرون نفقة الحج أن تكون حلالًا عسى أن يقبل الله حجهم، وكانوا من ورعهم وابتغائهم الدار الآخرة يخشون عند التلبية أن ينادَوا: لا لبيك ولا سعديك.. حجك مردود عليك، فعن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حجَّ الرجل بمال غير حِلِّله فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك، هذا مردود عليك." [1]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من يمم هذا البيت بالكسب الحرام شخص في غير طاعة الله فإذا أهل ووضع رجله في الركاب وبعث راحلته وقال لبيك اللهم لبيك ناداه، مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام وثيابك حرام وراحلتك حرام وزادك حرام ارجع مأزوراً غير مأجور وابشر بما يسوءك." [2]
وعن سفيان بن عيينة قال: حج علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين رضي الله عنهم أجمعين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له: مالك لا تلبي؟
فقال أخشى أن أقول: "لبيك" فيقول لي: "لا لبيك"
فقيل له: لا بد من هذا، قال: فلما لبَّى غشي عليه وسقط من راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه[3].
وعن أبي الجلاء قال كنت بذي الحُليفة وشاب يريد أن يحرم فكان يقول: "يا رب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك فأخشى أن تجيبني بلا لبيك ولا سعديك" يردد ذلك مرارًا ثم قال: "لبيك اللهم" يمد بها صوته وخرجت روحه، فهذه أحوال الخائفين من الله تعالى[4].
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه الشيرازي في الألقاب وأبو مطيع في أماليه.
[2] أخرجه أبو ذر الهروي في المناسك.
[3]أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، والذهبي في تاريخ الإسلام، والمزي في تهذيب الكمال وابن حجر في تهذيب التهذيب
[4] أخرجه ابن الجوزي في مثير الغرام.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من يمم هذا البيت بالكسب الحرام شخص في غير طاعة الله فإذا أهل ووضع رجله في الركاب وبعث راحلته وقال لبيك اللهم لبيك ناداه، مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام وثيابك حرام وراحلتك حرام وزادك حرام ارجع مأزوراً غير مأجور وابشر بما يسوءك." [2]
وعن سفيان بن عيينة قال: حج علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين رضي الله عنهم أجمعين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له: مالك لا تلبي؟
فقال أخشى أن أقول: "لبيك" فيقول لي: "لا لبيك"
فقيل له: لا بد من هذا، قال: فلما لبَّى غشي عليه وسقط من راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه[3].
وعن أبي الجلاء قال كنت بذي الحُليفة وشاب يريد أن يحرم فكان يقول: "يا رب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك فأخشى أن تجيبني بلا لبيك ولا سعديك" يردد ذلك مرارًا ثم قال: "لبيك اللهم" يمد بها صوته وخرجت روحه، فهذه أحوال الخائفين من الله تعالى[4].
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه الشيرازي في الألقاب وأبو مطيع في أماليه.
[2] أخرجه أبو ذر الهروي في المناسك.
[3]أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، والذهبي في تاريخ الإسلام، والمزي في تهذيب الكمال وابن حجر في تهذيب التهذيب
[4] أخرجه ابن الجوزي في مثير الغرام.
الثلاثاء، 19 أبريل 2016
نصوص محكمة في الدعاء بعد الصلوات ورفع اليدين به
أدلة محكمة في الدعاء بعد الصلوات ورفع اليدين به:
لا ريب في ثبوت الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا. وقد بوب البخاري في صحيحه باب "الدعاء بعد الصلاة"، فعلق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على ذلك في فتح الباري فقال: «قوله باب الدعاء بعد الصلاة أي المكتوبة وفي هذه الترجمة رد على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع»
عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «قيل لرسول الله صلى الله عليه سلم: أي الدعاء أسمع»، قال: «جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات» رواه الترمذي وحسنه
قال الحافظ في الفتح: «فإن قيل المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعا فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه» أهـ
والنصوص الدالة على أن دبر الصلاة المقصود في ظاهر النصوص الشرعية هو بعد السلام فأكثر من أن تحصى منها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبح في [دبر كل صلاة] ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». أخرجه البخاري ومسلم.
وكتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أخرجه البخاري
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: «يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم» قال: «كيف ذلك؟» قالوا: «صلوا كما صلينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم، وليس لنا مال»، فقال: «ألا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله؟ تسبحون في [دبر كل صلاة] عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا» رواه البخاري
وعن أبي الزبير، قال: «كان ابن الزبير، يقول: في [دبر كل صلاة] حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» وقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة» أخرجه مسلم
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة» أخرجه النسائي في الكبرى وابن خزيمة في صحيحه
وعن علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي [دبر كل صلاة مكتوبة] ركعتين إلا العصر والصبح» أخرجه النسائي
وكان سعد رضي الله عنه يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المكتب الغلمان ويقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن في دبر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر» أخرجه النسائي في الكبرى
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» رواه النسائي في الكبرى، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم.
فكل هذه الأخبار المعتد بها تشير إلى أن دبر الصلوات في النصوص ذات العلاقة بالصلاة يراد بها ما بعد التسليمة.
السنة الفعلية في دعائه صلى الله عليه وسلم بعد الصلوات:
عن أبي أيوب رضي الله عنه قال:ما صليت خلف نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعته يقول حين ينصرف: «اللهم اغفر خطاياي، وذنوبي كلها، اللهم وأنعشني، واجبرني، واهدني بصالح الأعمال والأخلاق، لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت». رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده جيد.
وعن أم سلمة رضي الله عنه قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد صلاة الفجر: «اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا، وعلمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا». رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء، فتوضأ وصلى، وقال: «اللهم أصلح لي ديني، ووسع لي في ذاتي، وبارك لي في رزقي».
رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح غير عباد بن عباد المازني، وهو ثقة، وكذلك رواه الطبراني.
وعن الحارث بن مسلم التميمي رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم: (اللهم أجرني من النار) سبع مرات، فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارًا من النار، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: (اللهم أجرني من النار) سبع مرات، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار». أخرجه ابن حبان في صحيحه.
رفع الصوت بالذكر دبر الصلوات المكتوبات سنة قولية وفعلية:
فعن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم». أخرجه البخاري ومسلم.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» أخرجه مسلم
وعنه رضي الله عنه: «كنت أعرف انقضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير». أخرجه البخاري
وعن سيدنا ثوبان رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم استغفر ثلاثا؛ قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» أخرجه مسلم
ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع به صوته لما سمعه سيدنا ثوبان رضي الله عنه.
وكتب المغيرة، إلى معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» أخرجه البخاري ومسلم
ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع به صوته لما سمعه سيدنا المغيرة رضي الله عنه.
والدعاء ذكر لله تعالى بلا شك، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت السلام ومنك السلام»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم» دعاء، أي «يا الله» كما قال أهل اللغة.
جواز أن يرفع الإمام يديه بالدعاء ويؤمن خلفه المصلون:
عن جابر بن يزيد بن الأسود العامري، عن أبيه، قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا»
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وسنده جيد.
وعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك، يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلًا ببطونهما وجهك، وتقول يا رب يا رب، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا»، وفي رواية: «فهو خداج». رواه الترمذي وصححه، وأحمد والطبراني والنسائي وغيرهم.
عن محمد بن أبي يحيى قال: رأيت عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ورأى رجلًا رافعًا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته». رواه الطبراني ورجاله ثقات.
ورفع اليدين في الدعاء أمر مستحب على الإطلاق:
وعن أبي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: «دَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَاء فَتَوَضَّأ بِهِ ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لِعبيد أبي عَامر وَرَأَيْت بَيَاض ابطيه» رواه البخاري
وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قدم الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: «يَا رَسُول الله ان دوسًا قد عَصَتْ وأبت فَادع الله عَلَيْهَا»، فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ فَظن النَّاس أَنه يَدْعُو عَلَيْهِم فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهد دوسًا وأئت بهم» رواه البخاري
عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ وكرَّم الله وجهه قَالَ: رفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْك بالوليد». رواه البخاري.
وعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «ذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرجل يُطِيل السّفر أَشْعَث أغبر يمد يَده الى السَّمَاء يَا رب يَا رب». رواه البخاري
وعن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: «نظر نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم ألف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجَالًا فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَمد يَدَيْهِ وَجعل يَهْتِف بربه اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ ان تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الاسلام لَا تعبد فِي الأَرْض». رواه مسلم
عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: «رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَافعا يَدَيْهِ حَتَّى بدا ضبعيه يَدْعُو». رواه البخاري
وعن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اذا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء لم يحطهما حَتَّى يمسح بهما وَجهه». أخرجه الترمذي وحسنه السيوطي
وعن سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا» رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وجود إسناده الحافظ.
وعَن سلمَان رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «مَا رفع قوم أكفهم الى الله عز وَجل يسألونه شَيْء الا كَانَ حَقًا على الله أَن يضع فِي أَيْديهم الَّذِي يسألونه» رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي في المجمع: رِجَاله رجال الصَّحِيح
مشروعية الدعاء الجماعي:
ذكر الله تعالى الدعاء الجماعي على لسان الأنبياء والرسل والصالحين، فقال تعالى:
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [سورة البقرة: 127-128]
وقال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: 286]
وقال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: 250]
وقال تعالى: (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 147]
وقال تعالى: (قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة يونس: 89]
وقال تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) [سورة الكهف: 10]
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [سورة الكهف: 28]
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [سورة الحشر: 10]
وغيرها من الآيات
وعن ثابت، عن أنس، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا وما هو إلا أنا، وأمي، وأم حرام خالتي، فقال: «قوموا فلأصلي بكم في غير وقت صلاة»، فصلى بنا، فقال رجل لثابت: أين جعل أنسا منه؟ قال: «جعله على يمينه، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة»، فقالت أمي: يا رسول الله خويدمك ادع الله له، قال: «فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به» أن قال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه»
أخرجه مسلم والطيالسي والبيهقي وغيرهم
وعن ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:«دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: أَعِيدُوا تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ وَسَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَلِأَهْلِهَا بِخَيْرٍ» أخرجه أحمد.
وعن حبيب بن مسلمة الفهري رضي الله عنه -وكان مستجابًا- أنه أُمِّرَ على جيش فَدَرِبَ الدُّرُوبِ، فلما لقي العدو قال للناس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجتمع ملأ فيدعو بعضُهم ويُؤمِّنُ بعضُهم إلا أجابهم الله»
ثم إنه حمد الله، وأثنى عليه، وقال: «اللهم احقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء»، فبينا هم على ذلك، إذ نزل الْهَنْبَاطُ -أمير العدو- فدخل على حبيب سرادقه. أخرجه الطبراني وحسنه الهيثمي في المجمع، والحاكم وصححه وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
الْهَنْبَاطُ بالرومية: صاحب الجيش.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» رواه الترمذي وحسنه
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ... »رواه البخاري ومسلم
#الدعاء #الدعاء_بعد_الصلوات #الدعاءـالجماعي
التسميات:
الإسلام,
التصوف,
الفكر الإسلامي,
النبي,
رسول الله,
مناهضة الوهابية والتطرف
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)