الجمعة، 2 نوفمبر 2018

هل فعلًا القرءان الكريم ذم الأكثرية ومدح الأقلية؟

الكلام عن مدح القلة وذم الكثرة ليس على إطلاقه ويحتاج إلى بيان لأن في ظاهره إضلال للناس يستخدمه أهل الباطل للترويج لباطلهم، فهم يكونون قلة ثم يروجون إلى أنهم ورغم قلتهم هذه فهم على الحق!

القرءان عندما يذم الأكثرية المطلقة يذمها على مستوى الناس والبشر، وليس على مستوى المجتمع المسلم والمؤمن، فتجد تلك الآيات تتناول الناس بشكل عام، كقوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)، نعم إن أهل الإيمان في أهل الكفر والشرك والضلال أقلية، وأن أكثر البشر ليسوا على الحق، وهذه حكمة الله تعالى فقال: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [17: البقرة]، وقال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [103: يوسف].
لذلك قال النبي ﷺ: «ما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» أخرجه البخاري ومسلم، أي أن أهل الإيمان في أهل الشرك والكفر أقلية، فإذا كان في جلد الثور مليون شعرة فإن الأمة المسلمة في جلد هذا الثور بمثابة الشعرة الواحدة، أي نسبة واحد على المليون، وهي نسبة ضئلة للغاية تؤوول إلى الصفر. ومع ذلك فإن هذه الأمة تمثل شطر أهل الجنة، أي هي وبقية الأمم تمثلان شعرتان في جلد ثور به مليون شعرة، فكيف إذا كان عدد الشعر في الثور بعشرات الملايين؟! إذًا أهل الإيمان في أهل الكفر أقلية لأن هذه الأمة التي تعادل شعرة في جلد ثور تمثل شطر أهل الجنة!!!
أما الإحتجاج بقوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فباطل لأن الآية لا تتحدث عن المؤمنين في الأمة المحمدية، لا تتحدث عن الذين يشهدون لله بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة فإن هؤلاء في البشر قلة، وإنما تتحدث عن المشركين من الصنفين وهم أكثرية كما تقدم: (1) من عباد الأصنام والأوثان الذين لا يؤمنون بالله ولا يقرون له بالوحدانية ولا يؤمنون بالملائكة ولا الكتب ولا الرسل ولا اليوم الآخر ولا القدر، (2) ومن صنف أهل الكتاب، فمع إيمانهم بالله والملائكة والرسالة واليوم الآخر والجنة والنار فإنهم عبدوا عزيرًا وعيسى ومريم عليهم السلام، ونسبوا لله الولد والعياذ بالله تعالى. فهذا إيمان باطل وفاسد لا ينفع صاحبه ولا يجعله من المؤمنين، لذلك فإن للتوحيد شروطًا أن تعتقد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًأ رسول الله، وإن للإيمان أركانًا ستة يجب أن تؤمن بها جميعها لتكون من المؤمنين.

لذلك فإن الأكثرية مذمومة خارج الأمة المحمدية، أما في داخل الأمة المحمدية فإن الأمر مختلف لأنها أمة إيمان وحق وخيرية، قال تعالى: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» [110: آل عمران]، فإن الأكثرية هنا ممدوحة كما قال تعالى: ( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) [39- 40: الواقعة]، فعندما نزلت هذه الآيات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة» [رواه ابن كثير في التفسير]
وقال صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) وفي رواية: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة)، فهذا صريح في الترغيب في الكثرة المؤمنة، وكذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي في قبة فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال؛ أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر.
وقال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» أخرجه البخاري ومسلم
ظاهرون أي على من خالفهم، أي غالبون.

ولخيرتها على جميع الأمم تكفل الله لها ألا يجمع أهلها على ضلال، وأن تكون جماعتها هي الملاذ الآمن من الضلال والفتن، وأن من شذ عن هذه الجماعة كمن شذ إلى النار، وأنه يموت ميته جاهلية، وأنه معرض للمهالك كما تتعرض الغنم القاصية لأكل الذئاب.

قال رسول الله ﷺ: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدا ويد الله على الجماعة» أخرجه الترمذي والحاكم والطبراني بسند جيد.
وفي الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار"

وفي السنة لابن أبي عاصم والمستدرك للحاكم والمتفق والمفترق للخطيب قال رسول الله ﷺ: «ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة هكذا، فعليكم بالسواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار» 
وقال رسول الله ﷺ: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي تزيد عليهم فرقة، كلهم في النار إلا السواد الأعظم» أخرجه الطبرانى في الكبير بسند رجاله ثقات.

وقال رسول الله ﷺ: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبحة الجنة فعليه بالجماعة" أخرجه ابن أبي عاصم في السنة بسند جيد.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" أخرجه أبو داود.

وقال رسول الله ﷺ: "عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذنب من الغنم القاصية" أخرجه أبو داود بسند جيد.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي تزيد عليهم فرقة، كلهم في النار إلا السواد الأعظم»
قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفيه أبو غالب، وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات، وكذلك أحد إسنادي الكبير.

وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: "عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة"
أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح

قال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: "عليكم بالسواد الأعظم". قال: فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية التي في سورة النور: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} [النور: 54].
قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات

قال عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: "يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، فإن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه، فلست بأعلم منه".
رواه الإمام أحمد، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات.

قال العلامة المناوي رحمه الله في فيض القدير: (أي أركان الدين والسواد الأعظم من أهل السنة أي الزموا هديهم فيجب اتباع ما هم عليه من العقائد والقواعد وأحكام الدين).

إضلال الناس بأن الأكثرية مذمومة والأقلية ممدوحة مطلقا

هذه الأيام هنالك من الشيعة والوهابية -لأنهم أقلية في الأمة المحمدية- من يروجون لأن القرءان الكريم امتدح الأقلية وذم الأكثرية، وأن الحق لا يعرف بالأكثرية، أو بالسواد الأعظم.
وساقوا من القرءان الكريم دليلًا على ذلك من قوله تعالى مثلًا:
1- (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [110: آل عمران]
2- (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [103: المائدة]
3- (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) [83:النحل]
4- (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) [70: المؤمنون]
5- (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) [222-223: الشعراء]
6- (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [100: البقرة]
7- (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [37: الأنعام]
8- (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) [111: الأنعام]
9- (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [17: الأعراف]
10- (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) [36: يونس]
11- (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) [60: يونس]
12- ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) [73: النمل]
13- (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [103: يوسف]
14- (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [106: يوسف]
15- (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [43-44: الفرقان]
16- (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [66-67: الشعراء]
17- (بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) [4: فصلت]
18- (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [116: الأنعام]
19- (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [17: هود]
20- (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) [89: الإسراء]
21- (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) [50: الفرقان]
22- (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) [32: المائدة]

وفي مدح الأقلية من قوله تعالى مثلًا:
1- (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [13: سبأ]
2- (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) [24: ص]
3- (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) [13-14: الواقعة] 
4- (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [66: النساء]
5- (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) [40: هود]

أولًا: إن ذم الكثرة ومدح القلة في كتاب الله تعالى ليس على إطلاقه، فقد ذم الله تعالى القليل كما في قوله: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [12: الحجرات] وقوله تعالى: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [117: النحل] ومدح الكثرة كقوله تعالى: (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) [26: البقرة]، وكقوله تعالى: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [41: الأحزاب] وكقوله تعالى: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [33-34: طه] وغيرها.
ثانيًا: إن الله تبارك وتعالى ذم الكثرة على مستوى الناس والبشر، ومدحها ورغب فيها على مستوى الأمة المؤمنة، 
لأنه من الثابت أن أهل الإيمان في أهل الضلال قليل، وأن أكثر الناس ليسوا على الحق والإيمان والتقوى والصلاح. ولذلك تجد أن أكثر الآيات التي تذم الكثرة تذم كثرة أهل الضلال، فتتكلم عن [الناس] وليس عن المؤمنين، كقوله تعالى: (وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين)، (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)، أو تجدها تتكلم عن المشركين كقوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) أو تجدها تتكلم عن الكافرين: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون)، أوتتكلم عن الفاسقين، أو عن الجاحدين، أو الضالين والمغضوب عليهم من أهل الكتاب وهكذا، وذلك لأن أهل الحق في أهل الضلال قلة. 
ويصدق ذلك قول النبي ﷺ: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود» أخرجه البخاري ومسلم.
وفي هذا الحديث فائدة مهمة، فإذا كانت الأمة المحمدية في باقي الأمم كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود فهذا يعني أنها قليل بشكل واضح جدًا يقارب نسبة الواحد إلى الميار. وإذا كانوا هم شطر أهل الجنة، فإن المؤمنين من بقية الأمم هم أهل الشطر الآخر، وعندئذٍ هم أيضًا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أي أن المؤمنين من الأمة المحمدية ومن باقي الأمم كالشعرتين البيضاوين في الثور الأبيض أو كالشعرتين السوداوين في الثور الأبيض. وهذا معنى مدح الأقلية وذم الأكثرية.

أما الإحتجاج بقوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فباطل لأن الآية لا تتحدث عن المؤمنين في الأمة المحمدية، لا تتحدث عن الذين يشهدون لله بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة فإن هؤلاء في البشر قلة، وإنما تتحدث عن المشركين من الصنفين وهم أكثرية كما تقدم: (1) من عباد الأصنام والأوثان الذين لا يؤمنون بالله ولا يقرون له بالوحدانية ولا يؤمنون بالملائكة ولا الكتب ولا الرسل ولا اليوم الآخر ولا القدر، (2) ومن صنف أهل الكتاب، فمع إيمانهم بالله والملائكة والرسالة واليوم الآخر والجنة والنار فإنهم عبدوا عزيرًا وعيسى ومريم عليهم السلام، ونسبوا لله الولد والعياذ بالله تعالى. فهذا إيمان باطل وفاسد لا ينفع صاحبه ولا يجعله من المؤمنين، لذلك فإن للتوحيد شروطًا أن تعتقد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًأ رسول الله، وإن للإيمان أركانًا ستة يجب أن تؤمن بها جميعها لتكون من المؤمنين.

أما الأكثرية في داخل الأمة المحمدية فممدوحة لأنها أمة إيمان وحق وخيرية، والله تكفل لها ألا يجمع أهلها على ضلالة، قال تعالى: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» [110: آل عمران]، ومن شواهد مدح الأكثرية في داخل الأمة المحمدية البشارة في قوله تعالى: ( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) [39- 40: الواقعة]، فعندما نزلت هذه الآيات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة» [رواه ابن كثير في التفسير]
وقال صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) وفي رواية: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة)، فهذا صريح في الترغيب في الكثرة المؤمنة، وكذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي في قبة فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال؛ أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر.
وقال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» أخرجه البخاري ومسلم
ظاهرون أي على من خالفهم، أي غالبون.

وقال رسول الله ﷺ: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدا ويد الله على الجماعة»
حديث حسن مشهور، أخرجه الترمذي والحاكم وحسَّنه والطبراني بسند رجاله ثقات، وغيرهم.
وفي رواية: «ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة هكذا، فعليكم بالسواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار» أخرجه ابن أبي عاصم في السنة والحاكم في المستدرك والخطيب في المتفق والمفترق

وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: "عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة"
أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح

وقال ﷺ: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي تزيد عليهم فرقة، كلهم في النار إلا السواد الأعظم» أخرجه الطبرانى في الكبير بسند رجاله ثقات.

قال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: "عليكم بالسواد الأعظم". قال: فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية التي في سورة النور: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} [النور: 54].
قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات

قال عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: "يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، فإن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه، فلست بأعلم منه".
رواه الإمام أحمد، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات.

وعن أنس بن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة» أخرجه أبن أبي عاصم والضياء وأورده الحافظ في اللسان

وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أمتي لن تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم) أخرجه السيوطي

قال العلامة المناوي رحمه الله في فيض القدير: (أي أركان الدين والسواد الأعظم من أهل السنة أي الزموا هديهم فيجب اتباع ما هم عليه من العقائد والقواعد وأحكام الدين).

وقال رسول الله ﷺ: «ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة هكذا، فعليكم بسواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار» أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، والحاكم في المستدرك.

قال العجلوني في كشف الخفاء:
وبالجملة فالحديث مشهور المتن وله أسانيد كثيرة وشواهد عديدة في المرفوع وغيره.
رواه الترمذي وحسنه كذا في النجم ورواه الطبراني عن عرفجة بن شريح ويقال ابن جريج - بلفظ يد الله مع الجماعة والشيطان مع من فارق الجماعة يركض كذا في تخريج الحافظ ابن حجر لمسند الفردوس، وفيه أيضا رواية عن الترمذي عن ابن عباس بلفظ يد الله على الجماعة اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار.

تقبيل الرِّجل أو القدم سنة نبوية

تقبيل القدم أو الرِجل سنة تقريرية، فعلها الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح، فقد روى أبو داود والبيهقي وحسنه الحافظ في الفتح عن أم أبان بنت الوازع بن زارع عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس قال: "فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورِجله"

وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة وصححه الترمذي عن صفوان بن عسال قال: "قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألا عن تسع آيات بينات"، فذكر الحديث إلى قوله: "فقبلا يده ورِجلَه وقالا: نشهد أنك نبي الله"

وعن صهيب قال: "رأيت عليا يقبل يد العباس ورجليه". [رواه البخاري في الأدب المفرد بسند حسن، رجاله ثقات، خلا صهيب مولى العباس قال عنه الحافظ: صدوق].

ومما كان بين الإمام مسلم وشيخه الإمام البخاري من الإحترام والتوقير أن جاء الإمام مسلم إلى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه فقال: "دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله"
[أخرجه البغدادي في تاريخ بغداد، والحاكم في تاريخ نيسابور، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن ناصر الدين في توضيح المشتبه]

ويجب التفريق بين تقبيل رِجل العالم والولي الصالح والوالد والوالدة وبين السجود، فالسجود له سبعة أعضاء هي: الجبهة واليدان والركبتان والرجلان، ويكون بنية محددة، أما تقبيل الرجل فيكون توقيرًأ واحترامًا ومحبةً وهو جائز لأهل العلم والفضل.

أخذ العلم عن الأكابر

قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، وعن أمنائهم و علمائهم، فإذا أخذوا من صغارهم و شرارهم هلكوا"
قال ابن قتيبة (ت 276) رحمه الله شارحًا:
"يريد، لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ، و لم يكن علماؤهم الأحداث، لأنّ الشيخ زالت عنه متعة الشباب وحدته وعجلته وسفهه واستصحب التجربة والخبرة، فلا يدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث، ومع السن الجلالة والوقار والهيبة، والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ، فإذا دخلت عليه وأفتى هلك وأهلك"
[مختصر نصيحة أهل الحديث للخطيب البغدادي]

استحباب الترضي على العلماء والأولياء

قولك ( ‏رضي الله عنه) جملة خبرية تفيد الدعاء، كقولنا: صلى الله على سيدنا محمد فهو في معنى اللهم ‏صل على سيدنا محمد. ونحن اليوم نقول: فلان رحِمه الله وغفر له وادخلَه الجنة فكل ذلك في معنى الدعاء وإن كانت هذه الجُمل بصيغة الفعل الماضي.

فعليه يجوز الدعاء وطلب الرضى من الله لكل مسلم؛ وإن لم يكن ‏صحابياً، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء لقول الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ‏الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ‏الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة:7،8]‏.

وجرى عمل جماهير العلماء عليه، فيترضون على سلف هذه الأمة من غير الصحابة، ومن ‏مشايخهم وأهل الخير والصلاح في كتبهم ومخاطبتهم.‏
قال الإمام الحافظ النووي في المجموع: (يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم ‏من العلماء والعُباد وسائر الأخيار، فيقال: رضي الله عنه، أو رحمة الله عليه، أو رحمه الله ‏ونحو ذلك).
ويجوز الترضي على العلماء أيضًا لأنهم أهل خشية كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [سورة فاطر: 28] وأهل الخشية هؤلاء رضي الله عنهم كما قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة: 8]‏ وبهذا يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم ‏من العلماء والعُباد وسائر الأخيار كما قال الإمام الحافظ النووي.

نماذج من توقير السلف الصالح للعلماء والأدب معهم

▪رأى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما زيد بن ثابت راكبًا دابة فأخذ بركابه يقوده فقال له زيد: "تنح يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال له: "هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا" فقال زيد: "أرني يدك" فأخرج ابن عباس يده فقبلها زيد وقال: "هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت رسولنا صلى الله عليه وسلم".
▪وجاء الإمام مسلم إلى شيخه الإمام البخاري فقبَّل ما بين عينيه وقال له: (دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله). 
▪وقال إسحاق الشهيدي من أعيان القرن الثالث: (كنت أرى يحيى القطان -الحافظ وإمام الحديث- يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، و يحيى بن معين وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبة له وإعظامًا).
▪وقال أيوب: (لقد جالست الحسن أربع سنين فما سألته هيبة).
▪وذُكر أصحاب الحديث للإمام الشافعي وأنهم لا يستعملون الأدب فقال: (ما أعلم أني أخذت شيئًا من الحديث ولا القرآن أو النحو أو غير ذلك من الأشياء مما كنت أستفيد إلا استعملت فيه الأدب، وكان ذلك طبعي إلى أن قدمت المدينة، فرأيت من مالك ما رأيت من هيبته وإجلاله العلم، فازددت من ذلك، حتى ربما كنت أكون في مجلسه فأصفِّح الورقة تصفحًا رفيقًا هيبة له لئلا يسمع وقعها).
▪وعن الربيع بن سليمان -صاحب الإمام ااشافعي- قال: (والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له).
▪وقال الإمام أحمد: (لزمت هشيمًا أربع سنين ما سألته عن شئ إلا مرتين هيبة له).
▪وقال عبدوس: (رآني أبو عبد الله -يقصد الإمام أحمد- يومًا وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم)
▪وقال يحيى بن معين: إستقبل الإمام أحمد بن حنبل يومًا الإمام الشافعي والشافعي راكب بغلته وهو يمشي خلفه، فقلت: "يا أبا عبد الله تنهانا عنه وتتبعه" فقال: (اسكت لو لزمت البغلة انتفعت)
▪وقال صالح بن أحمد بن حنبل: مشى أبي مع بغلة الشافعي رحمه الله تعالى فبعث إليه يحيى بن معين فقال: "أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته" فقال: (يا أبا زكريا لو مشيت إلى الجانب الآخر لكان أنفع لك)
▪عن أمير المؤمنين في الحديث الإمام شعبة أنه قال: (من كتبت عنه أربعة أحاديث فأنا عبده حتى أموت) [رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"]
▪وعنه أيضا أنه قال: (كنت إذا سمعت من الرجل الحديث، كنت له عبدا ما حيي)
[رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"]

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء وبعده

سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجِّد الله تعالى ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجل هذا"، ثم دعاه فقال له: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء" أخرجه أبو داود بسند صحيح

وعن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم" رواه الترمذي بسند حسن، وجود إسناده ابن كثير

وعن سيدنا علي رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه قال: "كل دعاء محجوب حتى يُصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه البيهقي في الشعب بسند صحيح

عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أصلي والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سل تعطه، سل تعطه" أخرجه الترمذي وصححه

وعن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بالمدحة والثناء على الله بما هو أهله، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليسأل بعدُ، فإنه أجدر أن ينجح". حسن أخرجه الطبراني في الكبير

وقال الإمام أبو سليمان الداراني وهو أحد أئمة السلف توفي سنة 215 هجرية: "من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وليسأل حاجته، وليختم بالصلاة على النبي، فإن الصلاة على النبي مقبولة والله أكرم أن يرد ما بينهما"

الأسئلة العقدية

س1/ من أين نأخذ عقيدتنا؟
ج: من الكتاب والسنة على فهم جمهور العلماء المعتبرين من السلف والخلف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم زكى عصور السلف، وضمن للأمة ألا تجتمع على ضلالة.

س2/ أين الله؟
ج: الله خالق الزمان والمكان، لا يُسأل عنه بمتى ولا بأين، تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، هذه هي عقيدة السلف الصالح والخلف الصالح

س3/ ما معنى أن الله على العرش استوى؟
ج: قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون)، إستواء فعلة في العرش بكن فيكون، وفعله بلا حركة ولا سكون.

س4/ ما معنى ( استوى)؟
ج: الفعل استوى له معان كثيرة يقبل منها ما يليق بكمال الله عز وجل لأنه (ليس كمثله شيء)، فإن قلنا علا وارتفع فعلو منزلة لا منزل، وارتفاع قدر ومكانة لا مكان، لأنه كان عاليا ورفيع الدرجات قبل أن يخلق الجهات.

س5/ لماذا نرفع أكفنا إلى السماء عند الدعاء؟
ج: لأن العرش هو قبلة الأعمال الصالحة، كما أن الكعبة هي قبلة الصلاة. فالإنسان لكونه خلق في حيز الزمان والمكان فإنه لا يستغني عن الجهة، لذلك جعل الله عز وجل العرش قبلة للأعمال، والكعبة قبلة للصلاة لا أن الله في الكعبة أو على العرش، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، لأن هذه عقيدة حلول والعياذ بالله تعالى.

س6/ لماذا عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ما فوق سبع سماوات لرؤية الله؟
ج: لأن الله عز وجل يتجلى حيث يشاء، وأراد الله تعالى أن يتجلى لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان الشريف. ويجب الإنتباه إلى أن التجلي هو ظهور وليس حلول، مثلما تظهر صورة المذيع على التلفاز، فإنك لو فتحت التلفاز من الداخل فلن تجد فيه المذيع، إنما هو ظهور فقط وليس حلولًا. وشاهد ذلك أن الله عز وجل تجلى للجبل والجبل في الأرض: (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [سورة الأعراف: 143]

س7/ لماذا خلق الله الجن والإنس؟
ج: لمعرفته وعبادته عن علم.

س8/ ما الدليل من القرآن على أن الله خلق الجن والإنس لعبادته؟
ج: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، مشروط وشرطه محذوف وتقديره: (وما خلق الجن والإنس إلا ليعرفوني ويعبدوني) لأن العبادة بلا علم باطلة لقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)

س9/ ما معنى (يعبدون)؟
ج: أي لعبادتي والتذلل لأمري

س10/ ما معنى لا إله إلا الله؟
ج: لا معبود بحق إلا الله

س11/ ما أعظم عبادة؟
ج: التوحيد

س12/ ما أعظم معصية؟
ج: الشرك بالله عز وجل وإساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم فكلاهما يحبط العمل، قال تعالى:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [سورة الزمر: 65]
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [سورة الحجرات: 2]

س13/ ماهو التوحيد؟
ج: إفراد الله تعالى بالوحدانية ورسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة

س14/ ماهو الشرك؟
ج: نسبة الشريك أو المثيل أو النظير أو النديد إلى الله الواحد الأحد

س15/ هل للتوحيد أقسام؟
ج: لا، هذه بدعة ضلالة اخترعها الخوارج، أما التوحيد فواحد لا يتجزأ لأن المعبود واحد أحد.

س16/ ما الدليل من القرءان الكريم على أن الله هو الرب وهو الإله؟
ج: قوله تعالى: (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) [سورة الأنعام: 102] فذكر اسم الذات (الله) وأنه هو الرب وهو الإله، ولا إله إلا هو، خالق كل شيء، وأمر بعبادة الرب عز وجل.

س17/ وما الدليل من السنة؟
ج: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دخول الإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وذكر صلى الله عليه وسلم أنه في القبر نسأل من ربك، وما دينك، وماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم، لا نسأل من إلهك، بل من ربك، فدل على أن الرب هو الإله، والإله هو الرب

س18/ لماذا يستحيل تقسيم التوحيد؟
ج: لأن الله تبارك وتعالى لا يليق به إلا أن يكون إلهًا وربًّا في ذات الوقت، لأن توجد أرباب باطلة، وآلهة باطلة، وهو الإله والرب الحق.

س19/ هل لله أسماء وصفات؟
ج: نعم
س20/ ماذا يعني أن الله واحد في ذاته وواحد في صفاته؟
ج: يعني أنه واحد أحد، لا شبيه له ولا مثيل ولا نظير ولا نديد، وأن صفاته تبارك وتعالى لا تنبغي إلا مجتمعة، فلا يكفي أن يكون واحدًا مثلًا لأنه قد يوجد غيره واحدين، أو أن يكون صمدًا لأنه قد يوجد غيره صمدين، أو أنه لم يلد لأن العاقر والعقيم لا تلد، أو أنه لم يولد لأن آدم عليه السلام لم يولد، لكن تليق به كل هذه الصفات مجتمعة: واحد أحد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. وكذا بقية صفاته عز وجل، فهي في الحقيقة صفة واحدة جمعت معاني صفات الكمال اللائق بالله تبارك وتعالى.

س21/ ماهي الصفات الواجب على المكلف معرفتها؟
هي: الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث (أي لا يشبه المخلوقات)، والقيام بالنفس (أي الإستغناء عمن سواه)، والوحدانية، والقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام.

س22/ ما هي الصفات المستحيلة في حق المولى عز وجل الواجب على المكلف معرفتها؟
هي ضد الصفات الواجبة في حق الله عز وجل وهي: العدم، والحدوث، الفناء، والمماثلة للحوادث، الإفتقار، والتعدد، والعجز، والكراهة، والجهل، والموت، والصمم، والعمى، والبكم.
س23/ ما هي الصفة الواجبة في حقه عز وجل؟
هي فعل ممكن أو تركه، مثل: العطاء إن شاء أعطى وإن شاء منع.

س24/ ماذا يعني أن الله متعدد في أسمائه؟
ج: أن أسماءه كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى

س25/ ماذا يعني أن الله واحد في أفعاله؟
ج: يعني أنه هو الفاعل الأوحد عز وجل، لا شريك له في فعله، وأن كل أفعال العباد إنما هي من خلقه عز وجل لقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [سورة الصافات: 96]

س26/ كم عدد أسماء الله عز وجل؟
ج: لا حصر لها ولا يعلم عدد إلا هو عز وجل، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وغيرهما]
لكن هناك تسع وتسعون اسمًا من أحصاها، أي عرفها دخل الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعًا وتعسين سمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة) [أخرجه البخاري ومسلم]

س27/ ما هي أركان الإسلام؟
ج: خمسة هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.

س28/ ما هي أركان الإيمان؟
ج: ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره

س29/ من هو المسلم؟
ج: هو الذي يشهد لله تعالى بالوحدانية، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ويقيم أركان الدين.

س30/من هو الكافر؟
ج: هو الذي جحد برسالة الإسلام أو شيء من أركان الدين ولوازمها

س31/ من هو المرتد؟
ج: هو المسلم الذي ارتكب عملًا يخرجه عن ملة الإسلام حسب ما نص عليه جمهور العلماء بعد أن تقام عليه الحجة بواسطة القاضي الشرعي أو من يخوله ولي الأمر.

س32/ ما هو التكفير والتشريك؟
ج: هو إتهام المسلم بالكفر أو الشرك بدون تثبت، وهو من الغلو الذي اشتهر به الخوارج. وشرعًا لا يمكن الحكم على مسلم بالكفر أو بالشرك إلا بعد مراجعته وإقامة الحجة عليه فلعله جاهل أو متأول.

س33/ ما هي خطورة التكفير والتشرك؟
ج: أنها بدعة، وما ينبغي أن يخوض العامة في ذلك الأمر لخطورته، فإنه يرتد إلى الشخص إن كان اتهامه باطل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما. إن كان كما قال؛ وإلا رجعت عليه) [اخرجه البخاري ومسلم]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رُئيت بهجته عليه وكان ردئاً للإسلام، غيَّره إلى ما شاء الله فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي). [أخرجه ابن حبان في صحيحه، والبزار وحسنه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده حسن]

س34/ هل يمكن الحكم بالكفر والشرك على الناس من ظاهر الأعمال؟
ج: لا يمكن، لأن الإيمان والتوحيد من أعمال القلوب التي تنطوي على النية، والنية لا يعرفها إلا الله. ولو كان الشرك بظاهر الأعمال لكانت الملائكة مشركة لأنها سجدت لغير الله عز وجل، سجدت لآدم عليه السلام، لكنه لم يكن سجودًا بنية التعبد، بل كان سجودً الله وكان آدم قبلة، وقيل كان سجود تعظيم وقيل سجود شكر.

س35/ هل كل سجود وركوع وطواف لغير الله يعتبر شركًا؟
ج: لا يكون العمل عبادة، لله أو لغير الله إلا إذا كان بنية التعبد، فمن سجد أو ركع لغير الله بنية التعبد كعباد الأصنام كان هذا شركًا، ومن فعل ذلك بنية غير التعبد لم يكن ذلك شرك، فقد تسجد بنية الرياضة، وقد تركع بنية إصلاح حذائك، وقد تطوف بميدان بنية تخفيف الوزن، وغيرها. فالعبادة لا تكون إلا بنية التعبد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) [متفق عليه]، والمشركون كانوا يعترفون بشركهم لأن نيتهم كانت الشرك، كما قال تعالى: (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) [سورة الشعراء: 71]

س36/ ما هو التبديع؟
ج: هو رمي المسلمين بالبدعة، وهذا في حد ذاته بدعة ضلالة، وما ينبغي أن يخوض فيها العوام.

س37/ ما هي البدعة؟
ج: البدعة بدعان كما قال السلف الصالح وجمهور أهل العلم: بدعة هدى، وبدعة ضلال. أما بدعة الهدى فهي السنة الحسنة، وهي كل ما كان له أصل في الشرع يدل عليه. قال ابن رجب: "والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا"
وأما بدعة الضلال فهي السنة السيئة، وهي كل أمر مستحدث ليس له أصل في الشرع يدل عليه.

س38/ من هو أعظم وأشرف خلق الله عز وجل؟
ج: هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، صاحب الشفاعة الكبرى التي يرغب إليه فيها الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام.

س39/ متى وجبت النبوة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
ج: في الأزل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته) [رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي]

س40/ ما هي علاقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان؟
علاقة طردية، كلما زات محبة النبي صلى الله عليه وسلم كلما زاد الإيمان، ولا يكمل إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من كل شيء حتى نفوسنا، قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) [سورة التوبة: 24]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) [أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح]

س41/ هل علامة محبة النبي صلى الله عليه وسلم الطاعة؟
ج: المحبة شعور قلبي، وعلامته الشوق إلى المحبوب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أشد أمتي لي حبًّا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم أن لو رآني بأهله وماله) [رواه مسلم]، ولو كانت المحبة بالطاعة لما شهد النبي صلى الله عليه وسلم لمدمن خمر بمحبة الله ورسوله كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

س42/ ما هي العلاقة بين المحبة والطاعة؟
ج: المحبة هي الأصل، والطاعة هي الفرع، وكلما تجذرت المحبة كلما أثمرت طاعة، وصدقًا، وأخلاصًا وتضحية، وليس العكس. فإن المنافقين كانوا يعملون بعد الطاعات الظاهرية لكنهم كانوا يضمرون الكفر، فمصيرهم الدرك الأسفل من النار.

س43/ ما هو الدليل على أن شفاعة المحبة أضمن من شفاعة العمل؟
ج: المحبة أمر قلبي لا مجال للنفاق فيه، بينما العمل معرض للإحباط. وعن أنس رضي الله عنه: (أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددت لها؟" قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أنت مع من أحببت". 
قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم) متفق عليه

في قوله صلى الله عليه وسلم لعشيرته: (إني لا أغني عنكم من الله شيئًا):

قول النبي ﷺ لعشيرته وأقاربه: (إني لا أغني عنكم من الله شيئًا) وللسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: (ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا)، لا يعني أن رحم النبي ﷺ لا ينفع أقاربه، فإذا كان رحم الشهيد ينفع ألا ينفع رحم سيد الخلق أجمعين؟ قال رسول الله ﷺ: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) [رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجة] 
لكن هناك فرق كبير بين (أن ينفعه) وبين أن (يغني عنه)، فليس هناك استنابة في الهدى والتقوى والصلاح، يجب على المكلفين جميعًا -والأقارب من باب أولى- أن يسلكوا طريق الإيمان والهداية والتقوى والعمل الصالح، هذا هو أساس الكرامة في الدين كما قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فالمسؤولية فردية في المقام الأول، كما قال تعالى: ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ)، (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وغيرها كثير.
فالدين ليس بالقرابة وإنما بالتقوى والعمل الصالح، على أن قرابة المتقين تنفعهم كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله، أما خطاب النبي ﷺ لعشيرته وقرابته ذاك فقد كان من مقام الإنذار والتحذير والتخويف والترهيب الشديد حتى لا يتكل على قرابته أحد، بل يجب أن يكونوا هم القدوة الحسنة في اتباع النبي ﷺ، ولقد كان آل البيت عليهم الصلاة والسلام كذلك والحمد لله رب العالمين. إن أبا لهب -عليه لعنة الله- كان عمًا لرسول الله ﷺ لكنه كفر بالرسالة فلم تغن عنه قرابته من النبي ﷺ وهو من أصحاب النار: (سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ).
أما قرابة النبي ﷺ من عشيرته المؤمنين فلا شك أنها تنفع، كيف لا وهو صاحب الشفاعة العظمى، من يقول له ربه عز وجل يوم الحشر العظيم: (إرفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفَّع)، أي أن الله تبارك وتعالى أكرمه بالشفاعة فيمن أراد فأي نفع بعد هذا؟ قال الحافظ ابن حجر: "حتى يُدخلُ قومًا الجنة بغير حساب، ويرفع درجات قوم آخرين، ويخرج من النار من دخلها بذنوبه" أهـ، وإذا كان يوم الحشر قالت الخلائق بمن فيهم الأنبياء والرسل والرسل أولي العزم: "نفسي، نفسي"، إلا بناته عليهن السلام يقلن: "أبي أبي". الكل يومئذ يلوذون برسول الله ﷺ للشفاعة فأولى بذلك أقاربه من المؤمنين فإنه ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) أي هي أنفع وأرجى لأهل الكبائر والمتقين من أقاربه أولى.
لذلك فإن قرابة النبي ﷺ تنفع بلا شك، ويتقرب بها إلى الله عز وجل، فقد قال تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) قال سعيد بن جبير: "هي قربى رسول الله ﷺ"، وروى الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي أن رسول الله ﷺ قال: (ما بال أقوام يقولون إن رحمي لا ينفع، بلى والله، إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة)، وكان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: "والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إليَّ أن أصل من قرابتي"، وعن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت ركب يومًا فأخذ ابن عباس بركابه فقال: "تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ"، فقال: "هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا" فقال زيد: "أرني يدك" فأخرج يده، فقبلها فقال: "هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسولنا ﷺ". كيف لا تنفع قرابته ﷺ وهي التي كانت دافع عظيم وسبب كبير في الهداية ودخول الإسلام، وهي التي رفع الله بها قدر أهل بيته عليهم الصلاة والسلام وطهرهم تطهيرًا، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وأنزل عليهم بها الرحمات والبركات كما قال تعالى: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)، وبها كانت السيدتان زينب ورقية عليهما السلام نورًا يوصف به زوجهما سيدنا عثمان رضي الله عنه فكان يقال له ذو النورين، وكانت بها السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء الجنة، وأنها تُغَض لها أبصار الخلائق وهي تمر على الصراط فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بُطنانِ العرش: أيها الناس غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ﷺ) [أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وأبو الحسن بن بشران في فوائده والخطيب في تاريخه وغيرهم] . وبهذه القرابة كان سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه سيدًا في الدنيا وسيدًا في الآخرة وبمنزلة هارون من موسى عليهما السلام، فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لسيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)، ومن ثم كان بهذه القربى الحسنان عليهما السلام سيدا شباب أهل الجنة في الجنة، وهكذا.
ولا شك أن قرابة الصالحين تنفع كما نسل الأنبياء، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ)، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، ثم أعقب ذلك بقوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) فكما: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) في الضلالة فإن الذرية الصالحة بعضها من بعض في الهدى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قال: "ما ذُكر منهما صلاح ولكن حُفظا بصلاح أبيهما"، وقيل أبوهما كان جدهما السابع وقيل العاشر، قال الحافظ القرطبي في تفسيره: "ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه، وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته".

الأحاديث في تدريج الكشف عن ليلة القدر

قال رسول الله ﷺ: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري ومسلم]
ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) [رواه البخاري]
ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (إلتمسوها في السبع الأواخر) [رواه البخاري ومسلم]
ثم خصص لهم أكثر فقال ﷺ: (إلتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) [رواه البخاري ومسلم]
ثم خصص لهم أكثر فحددها بأنها ليلة السابع والعشرين:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير عليل، يشق علي القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لِلَيْلَةِ القدر. قال: (عليك بالسابعة) [رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط البخاري]
وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عن النبي ﷺ في ليلة القدر قال: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) [رواه أبو داود في وابن عبد البر وصححه]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ، فقال: (أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة؟" وشق جفنة: أي نصف قصعة، أي ليلة سبع وعشرين لأن القمر يطلع فيها بتلك الصفة.
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: (والله إني لأعلمها، وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) [رواه مسلم]، وقال رضي الله عنه: (هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها) [رواه مسلم]، وعن زر بن حبيش، يقول: سألت أبي بن كعب رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر؟ فقال رحمه الله: "أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين"، ثم حلف لا يستثني، أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: "بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟"، قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها" [رواه مسلم، والترمذي وقال حسن صحيح]
وعن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرًا عن ليلة القدر، فقال: "كان عمر، وحذيفة، وناس من أصحاب رسول الله ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين تبقى ثلاث" [رواه ابن أبي شيبة]

الروايات الأخرى:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "رأيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعة إستبرق، فكأني لا أريد مكانًا من الجنة إلا طارت إليه، ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقاهما ملك فقال: لم تُرَع، خليا عنه". فقصت حفصة رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم إحدى رؤياي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل!) فكان عبد الله رضي الله عنه يصلي من الليل، وكانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها من العشر الأواخر) أخرجه البخاري ومسلم.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) أخرجه البخاري ومسلم
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: (خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة). أخرجه البخاري ومسلم
عن عبدة وهو ابن أبي لبابة قال: سمعت زر بن حبيش عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (ليلة القدر، إني لأعلمها، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي ليلة سبع وعشرين) أخرجه مسلم وابن خزيمة في صحيحه وأبو داود
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير عليل يشق علي القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لِلَيْلَةِ القدر، قال: (عليك بالسابعة). أخرجه الإمام أحمد صحيح على شرط البخاري

تأويل الوزر في قوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ)

(وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ)
كلمة وزر لها معانٍ عدة، أما الوِزْرُ بمعنى الذنب أو السيئة فقطعًا لا يليق بالنبي ﷺ لأنه هو النبيء المعصوم، عظيم الخلق، إمام المتقين، أفضل الخلق أجمعين، والهادي إلى صراط مستقيم. وانتبه إلى أن الآية لا تتحدث عن ذنب وحسب بل عن ذنب عظيم ينقض الظهر، وهذا لا يليق بالمؤمن التقي فضلًا عن إمام المتقين ﷺ. كما أن السيئات في الدنيا محل كتابتها عن الشمال والحسنات عن اليمين وليس في الظهر، وأثر الذنوب يكون في القلب وليس في الظهر: (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، فدل كل ذلك على بطلان معنى الذنب أو السيئة وما شابههما.
والوِزْرُ أيضًا بمعنى الحِمل والثقل كما قال تعالى: (وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ) يعني أثقالًا وأحمالًا من حلي آل فرعون، وهذا يناسب سياق النص لأن الحمل عادة ما يحمل على الظهر، وإن كان ثقيلًا فإنه يوشك أن ينقض الظهر أي يثقله حتى يسمع له صوت. فما هو ذلك الحمل إذًا الذي كان يثقل ظهر النبي ﷺ؟ ذلك الحمل الثقيل هو همه بأمته، يصوره قول الأنبياء والرسل أولي العزم يوم الحشر العظيم: "نفسي نفسي" بينما ينادي رسول الله ﷺ: "أمتي أمتي"! فإن أمته هي همه الأول ﷺ لفرط رحمته بها وشفقته عليها لعلمه بأهوال القيامة وشدة عذاب النار. 
ويجسده أيضًا بكاؤه ﷺ شفقة على أمته وخوفًا عليها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: (رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس فمن تبعني فإنه مني) [إبراهيم: 36] الآية، وقال عيسى عليه السلام: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [المائدة: 118]، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى، فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟» فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال -وهو أعلم- فقال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك» [أخرجه مسلم]
ويجسده قوله ﷺ: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذُبُّهُن -أي يدفعهن- عنها، وأنا آخذ بحُجَزِكُم عن النار وأنتم تَفَلَّتُونَ من يدي» [أخرجه مسلم]
فوضع الله عنه ذلك الوزر الثقيل والهم العظيم إذ قال له تعالى: (إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك)، ولما نزل قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) قال النبي ﷺ: «إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار»، فهذا وضع الوزر عنه ﷺ.

علم الظاهر والباطن عند الصوفية

في تأصيل علم الباطن وأن لكل شيء ظهر وبطن، قال تعالى:
▪(وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) [سورة اﻷنعام: 120]
▪(وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) [سورة اﻷنعام: 151]
▪(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) [سورة اﻷعراف: 33]
▪(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [سورة لقمان: 20]
▪(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [سورة الحديد: 13]
▪(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [سورة الروم: 7]
▪(أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) [سورة الرعد: 33]
▪(فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [سورة الكهف: 22]
▪(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [سورة النور: 31]
▪(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ) [سورة الفتح: 24]
قال ابن تيمية (توفي 728هـ):
"فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق إذا قالوا علم الباطن وعلوم الباطن ونحو ذلك فهم لا يريدون بذلك ما يناقض الظاهر، بل هم متفقون على أن من ادعى باطنا من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة فهو زنديق، وإنما يقصدون بذلك عمل باطن الإنسان الذي هو قلبه بالأعمال الباطنة كالمعرفة والمحبة والصبر والشكر والتوكل والرضا ونحو ذلك ما هو كله تحقيق" [بيان تلبيس الجهمية]

أفضلية الحجرة النبوية على ما عداها من الأمكنة حتى العرش

▪قال الإمام ابن عقيل الحنبلي: سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة؟ 
فقلت: "إن أردت مجرد الحجرة، فالكعبة أفضل، وإن أردت وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته، ولا جنة عدن، ولا الأفلاك الدائرة، لأن بالحجرة جسدًا لو وزن بالكونين لرجح" [بدائع الفوائد لابن القيم]

▪وقال الإمام الحافظ القاضي عياض في كتابه الشفا:
"ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض" فعلَّق عليه الشيخ الخفَّاجي: "بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله في تنزيل السكينة على قناديل المدينة" [نسيم الرياض] 
ونقل عن سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام مثل ذلك.

▪وقال الإمام الحافظ السخاوي في [التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة]:
"مع الإجماع على أفضلية البقعة التي ضمته صلى الله عليه وسلم، حتى على الكعبة المفضلة على أصل المدينة، بل على العرش، فيما صرح به ابن عقيل من الحنابلة.
ولا شك أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف مما سواها من الأرض والسماء، والقبر الشريف أفضلها، لما تتنزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، التي لا يعملها إلا مانحها، ولساكنه عند الله من المحبة والاصطفاء ما تقصر العقول عن إدراكه"

▪وأنشد الإمام المحدث العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي:
وبقعته التي ضمته حقاً ××× رياض من جنـان تستطيـل
كذا اللحد الذي ضم الطوايا ××× تشـرف حين حل به النزيل
وأفضل من عرش ومن جنان عدن ××× وفردوس بها خير جزيل

▪وقال الإمام الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي في شرحه على مختصر الخليل:
"ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضمه صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل من الكعبة والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور"

▪وقال الإمام العلامة ابن عابدين الحنفي: 
" والخلاف - في أيهما أفضل مكة أم المدينة- فيما عدا موضع القبر المقدس، فما ضم أعضاءه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع"

▪وقال الشيخ الإمام محمد بن أبي جمرة فيما نقله عنه ابن الحاج في (المدخل) ما نصّه:
"إنه صلى الله عليه وسلم تتشرّف الأشياء به لا هو يتشرّف بها ، فلو بقي في مكة لكان يتوهّم أنه قد تشرف بمكة ، فلما أراد الله تعالى أن يبيّن لعباده أنه صلى الله عليه وسلم أفضل المخلوقات كانت هجرته إلى المدينة فتشرّفت به، ألا ترى أن ما وقع من الإجماع على أنَّ أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة صلوات الله وسلامه عليه"

🌿ﻭﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﺗﻌﻈﻴﻢ ﺍﻟﺤﺠﺮﺓ النبوية الشريفة قال إمام دار الهجرة الإمام مالك، والإمام الحافظ القاضي عياض، والإمام الحافظ ابن عبد البر، والإمام العلامة الباجي، وغيرهم من المالكية.
والإمام الحافظ ﺍﻟﻨﻮﻭﻱ ﻭأمير المؤمنين في الحديث الإمام الحافظ ﺍﺑﻦ ﺣﺠﺮ، والإمام الحافظ السيوطي، والإمام الحافظ السمهودي والإمام المحدث العلامة ابن حجر الهيتمي وغيرهم ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻴﺔ.
ﻭالإمام العلامة ابن عابدين، والإمام العلامة ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﺑﻦ ﺍﻟﻬﻤﺎﻡ وغيرهما من الحنفية.

الإنشغال بالله عن سؤال الله

قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: " يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ‏أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". قال ‏الترمذي: هذا حديث حسن غريب.‏
ورواه الطبراني أيضًا عن سيدنا عمر رضي الله عنه ونقل ابن عراق في تنزيه الشريعة عن الحافظ ابن حجر قوله في أماليه: ( هذا حديث ‏حسن أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد، ولم يصب ابن الجوزي في إيراده في ‏الموضوعات، وإنما استند إلى ابن حبان في ذكره لصفوان في الضعفاء، ولم يستمر ابن حبان ‏على ذلك بل رجع فذكره في الثقات، وكذا ذكره في الثقات ابن شاهين وابن خلفون ‏وقال ابن خلفون: إن ابن معين وثقه، وذكره البخاري في التاريخ فلم يحك فيه جرحاً، وقد ‏ورد الحديث أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي وحسنه، ومن حديث ‏جابر أخرجه البيهقي في الشعب) انتهى.‏
فالحديث حسنه الترمذي والحافظ ابن حجر.
لا تعارض بين الترغيب في الدعاء وبين هذا الحديث لأن الحديث لم يفهم منه أن المشغول بالقرءان والذاكر لله عز وجل لا يريد الدعاء، لكنه انشغل عن الدعاء لنفسه بدارسة كلام الله عز وجل وذكره، فإنه قدم ما لله على ما لنفسه فكافأه الله بأنه يعطيه أفضل مما يعطي السائلين، والله أدرى بحاجات العباد حتى وإن لم يلهجوا بها.
كما أن الذكر يأتي أحيانًا بمعنى الدعاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الدعاء: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ‏شيء قدير"، وثبت في سنن الترمذي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله "، فالحمد لله أيضًا دعاء، فمع كونها أذكار إلا أنها دعاء، لكن ليست دعاءً للنفس وإنما دعاءً في الله، وهو معنى غاية في الروعة، أن تنشغل عن نفسك بالله فيعطيك الله أفضل مما يعطي السائلين، لذلك يقول بعض العافين: سلوا الله أن يرضى عنكم، فإن رضي أدهشكم بعطائه.

البيان الجلي في بطلان النهي عن زيارة قبر النبي ﷺ

مما لا شك فيه أن زيارة النبي ﷺ حيا وبعد وفاته هي من أفضل الأعمال والقُربات بإجماع أئمة المسلمين، قال الإمام الحافظ ابن حجر في الفتح: (إنها من أفضل الأعمال، وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع) أهـ
وقال الإمام الحافظ النووي في شرحه لصحيح مسلم:
(اعلم أنه ينبغي لكل من حجّ أن يتوجه إلى زيارة رسول الله ﷺ، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته ﷺ من أهمّ القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات) أهـ
وأما ما يروج له بعض من ابتليت بهم الأمة من تحريم شد الرحال لزيارة النبي ﷺ في قبره الشريف فإنه باطل، وفاسد، وشاذ، ولا يقوم على حجة ولا برهان، بل هو فهم سطحي فاسد لقول النبي ﷺ:
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى"
والمراد به النهي عن شد الرحال طلبًا للصلاة بأجر مضاعف، لما ثبت من الأجر المضاعف للصلاة في هذه المساجد الثلاثة دون غيرها، فقد قال رسول الله ﷺ: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) [رواه البزار بإسناد حسن]
أما شد الرحال لغير الصلاة بأجر مضاعف، كشد الرحال للجهاد في سبيل الله، أو طلب للعلم، أو صلة للرحم، أو زيارة ولي صالح، أو زيارة أخ في الله، أو تجارة، أو علاج، أو نزهة، وغير ذلك من أنواع السفر فلا شك أنه لا يدخل في هذا النهي، لكونه إما سفرًا واجبًا كالجهاد في سبيل الله، أو مندوبًا كطلب العلم، أو مباحًا كالتجارة، كما قال تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وبهذا يتضح التخصيص ويبطل الإدعاء بالتحريم، ويظهر الحق أبلجًا ولله الحمد والمنة.
ومن نافلة القول أن نصوص الشريعة ووفقًا لكلام العرب يكون فيها لفظ أو ألفاظ محذوفة يفهم تقديرها من السياق، كقوله تعالى لموسى عليه السلام: (لَن تَرَانِي)، فلا يفهم على ظاهره أنه لن يراه مطلقًا، لما ثبت أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، لكن فيه محذوف تقديره: (لن تراني في الدنيا)، وكذلك في هذا الحديث الشريف فإن فيه محذوفًا وهو (الصلاة بأجر مضاعف)، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد بسند حسن أن النبي ﷺ قال: (لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد تُبتغى فيه [الصلاة] غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)، ويؤيده أيضًا تبويب الإمام البخاري لحديث شد الرحال بقوله: (فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)، فعلق على ذلك الحافظ في الفتح قائلًا: (وليس في الحديث ذكر الصلاة ليبين أن المراد بالرحلة إلى المساجد قصد الصلاة فيها لأن لفظ المساجد مُشعر بالصلاة) أهـ
وزاد: (قوله إلا إلى ثلاثة مساجد المستثنى منه محذوف، فإما أن يُقدَّر عامًّا فيصير: لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة، أو أخص من ذلك. لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها، فتعين الثاني، والأولى أن يقدَّر ما هو أكثر مناسبة، وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين) أهـ
ومما يؤيد أن المحذوف تقديره (الصلاة بأجر مضاعف) ترغيب النبي ﷺ في الصلاة بمسجد قباء، فقد روى الإمام أحمد والترمذي والسيوطي وصححه قوله ﷺ: (صلاة في مسجد قباء تعدل عمرة)، وهذا عام لمن كان من أهل قباء ولمن خارجها فيندب له شد الرحال للصلاة في مسجدها لنيل الفضل الذي رغب فيه رسول الله ﷺ. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ (كان يأتي قباء يعني كل سبت، كان يأتيه راكبًا وماشيًّا) قال ابن دينار: (وكان ابن عمر يفعله)، وعن نافع أن ابن عمر كان يقول: (إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون)، قال ابن حجر: (وفي الحديث دلالة على فضل قباء، وفضل المسجد الذي بها، وفضل الصلاة فيه)، وقال أيضًا: (وفي هذا الحديث على اختلاف طرقه دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك، وفيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم) أهـ.
وقد جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم ما يدل على عنايتهم بالصلاة في مسجد قباء والحث عليها، فقد روى عمر بن شبة في تاريخ المدينة بسند صحيح عن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قوله: (لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)، وروى عبد الرزاق في المصنف عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لو كان مسجد قباء في آفاق لضربنا إليه أكباد المطي)، فكل هذا يؤيد استحباب شد الرحال للصلاة بمسجد قباء بما في ذلك من الفضل ما يؤكد أن النهي في حديث شد الرحال إنما عن الصلاة في مسجد طلبًا للصلاة بأجر مضاعف.
وإجمالا فإن الإعتماد على حديث (النهي عن شد الرحال) لتحريم زيارة قبر النبي ﷺ باطل لعدة وجوه منها:
▪ قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) فزيارة النبي ﷺ من أفضل الأعمال وأعظم القربات، في حياته وبعد وفاته، فمكانته في حياته وبعد وفاته سيان لقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ)، وقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، والأنبياء أكرم عند الله من الشهداء، ولما ثبت عن النبي ﷺ قوله: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) [رواه أبو يعلى بسند رجاله ثقات والبيهقي والهيثمي وصححاه]، ويؤيده قوله ﷺ: (مررت على أخي موسى قائمًا يصلي في قبره) [رواه مسلم]. ومن ذلك زيارة سيدنا بلال لقبر النبي ﷺ، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه: (أن بلالا رَأَى النَّبِيّ ﷺ في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزينًا، فركب إِلَى المدينة، فأتى قبر النَّبِيّ ﷺ وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ارتجت المدينة، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، زادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدًا رَسُول اللَّهِ، خرج النساء من خدورهن، فما رئي يَوْم أكثر باكيًا، وباكية من ذلك اليوم). [أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد، وابن الأثير في أسد الغابة، والسبكي في شفاء السقام، والسِّمْهُودي في وفاء الوفاء وجوَّد إسناده، الشوكاني في نيل الأوطار]
▪ النهي في الحديث مخصص، والمقصود به النهي عن زيارة مسجد للصلاة فيه بأجر مضاعف كما ثبت عن المساجد الثلاث.
▪ شد الرحال لغير الصلاة في المساجد الثلاثة فيه ما هو واجب كالجهاد في سبيل الله، وما هو مندوب كطلب العلم، وما هو مباح كالتجارة، ولا خلاف بين أهل العلم في جوازه. وكان علماء الحديث يشدون الرحال إلى أقاصي الدنيا طلبًا لحديث واحد.
▪ شد الرحال للصلاة في قباء مرغب فيه وهو موافق للسنة ولعمل الصحابة والسلف الصالح.
▪ زيارة المدينة مرغب فيها، ويندب شد الرحال إليها للسكنى وتحري الموت فيها لقوله ﷺ: (ما على الأرض بقعة هي أحب إليَّ أن يكون قبري بها منها، يعني المدينة) قاله ثلاث مرات. [رواه الإمام مالك في الموطأ]، ولقوله ﷺ: (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فأني أشفع لمن يموت بها) [رواه الترمذي وصححه وابن ماجة وأحمد]، وكان من دعاء سيدنا عمر رضي الله عنه: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ). [رواه البخاري].

وبذلك تنجلي ظلمة الشبهة التي أثارها ابن تيمية وحوكم بسببها وسجن إلى أن مات في السجن، قال الحافظ في الفتح: (وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية، ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ، ما نقل عن مالك أنه كره أن يقول: "زرت قبر النبي ﷺ" وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ أدبًا لا أصل الزيارة، فإنها من أفضل الأعمال، وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع) أهـ
اللهم ارزقنا زيارة قبر حبيبك المصطفى ﷺ، مرات ومرات ومرات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

الفرق بين دعاء العبد للعبد ودعاء العبد للمعبود

الدعاء هو النداء، وعادة ما يكون بياء النداء كيا فلان، وهو أنواع كثيرة منها دعاء الطلب أي الدعاء بغرض الطلب. والطلب إما أن يكون من عبد لعبد على سبيل الأخذ بالأسباب، أو من عبد لمعبود على سبيل التعبد.

أما دعاء الطلب من العبد للعبد كقولك (يا فلان أفعل لي كذا) وكما قال تعالى لسان بلقيس: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ)، دعتهم (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ) وطلبت منهم الرأي والمشورة.
وأيضا كما قال تعالى على لسان سليمان عليه السلام: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)، دعاهم (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ) وطلب منهم الإتيان بعرش بلقيس، وإن كان هو في بيت المقدس والعرش في اليمن.
وهذا النوع من الدعاء كثير في حياة الناس، كقولهم (يا فلان أعني)، (يا ناس أغيثوني)، (يا أبو مروة.. ألحقني، الحرامي..الحرامي) وغيرها

وهو شرعًا مباح لأنك تعتقد أن المدعو عبد من العباد، وأن الفاعل حقيقةً هو الله عز وجل: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، وقد أعانك وأغاثك ونفعك بقدرة الله عز وجل. وقد قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، وقال تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل).
وطالما أن الفاعل حقيقة هو الله وليس العبد فيتساوى عندئذ الطلب من الحي والميت، والقريب والبعيد، كما حصل مع الصحابي الجليل بلال بن الحارث المزني في عام الرمادة عام المجاعة عندما جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (استسق لأمتك فإنهم هلكوا) فأغاثهم الله عز وجل، وكما حصل مع أمير المؤمنين سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قال: (يا سارية الجبل) هو في المدينة المنورة وسارية في نهاوند من بلد فارس، على مسافة تعدل مسيرة شهر، فسمعه سارية وقام باللازم.

أما دعاء الطلب من العبد للمعبود فيكون على سبيل التعبد واعتقاد أن المدعو إله ورب. كقولك (اللهم إني أسألك كذا)، (يا رب اعطني كذا)، (يا الله اقض اي حاجة كذا) وهكذا، وهذا لا ينبغي أن يصرف من العبد إلا لله الواحد الأحد، لأنه دعاء تعبد، والعبادة لا تصرف إلا لله، فإن صرف لغير الله تعالى يكون شركا لاعتقاد الداعي أن المدعو إلها من دون الله.
ولا يكون دعاء التعبد إلا مع اعتقاد أن المدعو إله ورب كما قال تعالى:(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ)، وقال تعالى: (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا)، لا يشركون مع الله إلهًا غيره سبحانه.
وكما قال تعالى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)
أي نهيت عن عبادة من تعبدون بالدعاء.
وكما انكر الله تعالى على المشركين فقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) تعبدونهم وهم عباد أمثالكم؟ تعتقدون انهم آله وهم مخلوقون مثلكم وليس لهم شيء في ملكوت الله يملكونه ويتصرفون فيه؟ (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِنْه)
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار) [رواه البخاري]
لذلك فمن الخطأ الفادح اتهام المسلمين بالشرك بسبب سوء فهم أنواع الدعاء، والخلط بين دعاء العبد للعبد ودعاء العبد للمعبود.

مفهوم خوارج العصر

الخوارج ليسوا فقط هم الذين يخرجون على الحكام، وإنما هم الذين يخرجون على جماعة المسلمين ويفرقون كلمة الأمة في كل زمان ومكان، فقديمًا كان أمير المؤمنين واحد ويمثل كل الأمة والخروج عليه كان خروجًا على الجماعة، أما اليوم فلكل دولة حاكم وسلطان، سواء أكان ملكًا أو أميرًا أو رئيسًا، وجماعة المسلمين اليوم يمثلها أغلبية العلماء الموافقة لجمهور أهل العلم من السلف والخلف، فومن يشذ عليها ويخرج فقد خرج على جماعة المسلمين. وقد أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة وحذر من الخروج عليها، فقال ﷺ: "يد الله مع الجماعة" [1]، وقال ﷺ: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بَحبُحة الجنة فعليه بالجماعة" [2] ، وقال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة ومن شذ، شذ إلى النار) [3]، وعن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة) [4]، وقال رسول الله ﷺ: (لا يجمع الله أمر أمتى على ضلالة أبدًا، اتبعوا السواد الأعظم، يد الله على الجماعة، من شذ شذ فى النار) [5]، وقال ﷺ: (إنه سيكون بعدي هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمَنْ رأيتموه فارَقَ الجماعة، أو يريدُ يُفَرِّق أمرَ أمةِ محمدٍ ﷺ كائنًا مَنْ كان فاقتلوه، فإن يدَ اللهِ على الجماعة، فإنَّ الشيطان مَع مَنْ فارَقَ الجماعة يَركُض) [6] ، وقال ﷺ: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عِمِّيَّة، يغضب لِعَصَبَةٍ أو يدعو إلى عَصَبَةٍ أو ينصر عَصَبَةً فقتل، فَقِتْلَةٌ جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه) [7]، 
ومما لا شك فيه أن أهل السنة والجماعة وهم السادة الأشاعرة والماتريدية وفضلاء الحنابلة (الذين لا يقولون بالتشبيه والتجسيم) يمثلون جمهور أهل العلم المعتبرين، وفي هذا العصر يمثلون أكثر من 95% من أهل القبلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه الترمذي بسند صحيح.
[2] أخرجه الترمذي وصححه والنسائي والبيهقي وغيرهم.
[3] أخرجه الترمذي، والسفاريني الحنبلي وحسنه، والسيوطي وحسنه، والشوكاني وقال: ثابت.
[4] أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح.
[5] أخرجه الحكيم (1/422)، والحاكم (1/199، رقم 391)، والحاكم (1/202، رقم 399) ووافقه الذهبي.
[6] أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي -واللفظ له- والإمام أحمد.
[7] أخرجه مسلم.

من علمك حرفا صرت له عبدا.. توقير العلماء


عن أمير المؤمنين في الحديث الإمام شعبة أنه قال: (من كتبت عنه أربعة أحاديث فأنا عبده حتى أموت) [رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"]
وعنه أيضا أنه قال: (كنت إذا سمعت من الرجل الحديث، كنت له عبدا ما حيي)
[رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"]

بعض ما ورد في كتب التراجم والطبقات عن قبور الأولياء والعلماء المشاهير التي تزار ويتبرك بها

▪ في ترجمة سيدنا حمزة بن عبد المطلب المتوفى سنة 3 هجرية رضي الله عنه: (ودفن عند أُحُد فى موضعه، وقبره مشهور يزار ويتبرك به)، وقال السخاوي: ( ودفن هو وابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد ظاهر المدينة وجعل على قبره قبة فهو يزار ويتبرك به وبمحله رضي الله عنه)
▪ وفي ترجمة سيدنا خالد بن الوليد المتوفى سنة 21هـ: (موته بحمص وله مشهد يزار).
▪ وفي ترجمة سيدنا عبد الرحمن بن عوف المتوفى سنة 31هـ رضي الله عنه قال المحب الطبري: (روى ابن النجار في كتاب أخبار المدينة بسنده عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه قال: أرسلت عائشة إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت أن هلم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى أخويك، فقال: ما كنت مضيقًا عليك بيتك، إني كنت عاهدت ابن مظعون أينا مات دفن إلى جنب صاحبه, فيكون على هذا قبر عثمان بن مظعون وقبر عبد الرحمن بن عوف في قبة إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم- فينبغي أن يزار هناك.)
▪ وفي ترجمة سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه المتوفى سنة 32 هجرية قال ابن حبان في ثقاته: (انتقل إلى الشام ومات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وقبره بدمشق مشهور يزار قد زرته في مقبرة باب الصغير)
▪ وفي ترجمة سيدنا طلحة بن عبيد الله المتوفى سنة 36 هجرية رضي الله عنه: ( قُتل، رضى الله عنه، يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وهذا لا خلاف فيه، وكان عمره أربعًا وستين سنة، وقيل: ثمانيًا وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، وقيل: ستين، وقبره بالبصرة مشهور يزار ويتبرك به)
▪ وفي ترجمة سيدنا سعد بن عبادة المتوفى سنة 15هـ رضي الله عنه: (توفي بحوران وقبره معروف يزار وهذا الضريح الذي في المنيحة قال النووي لعله نقل من حوران إليها)
▪ وفي ترجمة سيدنا الحسين المتوفى سنة 61هـ رضي الله عنه، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قُتل، رضى الله عنه، يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق، وقبره مشهور يُزار ويُتبرك به).
▪ وفي ترجمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما المتوفى سنة 68هـ: (ودفن بعد أن ذهب بصره وقبره بالطائف مشهور يزار)
▪ وفي ترجمة سيدنا عمرو بن الحمق الخزاعي المتوفى سنة 50 هـ رضي الله عنه عنه: (وقبره مشهور بظاهر الموصل يزار، وعليه مشهد كبير)
▪ وفي ترجمة الإمام العلامة أبو الفضل بن زيرك المتوفى سنة 71هـ: (قبره يزار ويتبرك به)
▪ وفي ترجمة التابعي الكبير سعيد بن جبير المتوفى سنة 95هـ: (ضرب عنقه بواسط، ودفن في ظاهرها وقبره يزار بها)
▪ وفي ترجمة سيدنا عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة 101هـ رضي الله عنه: (توفى عمر بدير سمعان قرية قريبة من حمص، وقبره هناك مشهور يُزار ويتبرك به)
▪ وفي ترجمة محمد بن سيرين رضي الله عنه المتوفى سنة 110هـ: (وقبره بإزاء قبر الحسن بالبصرة مشهور يزار)
▪ وفي ترجمة الصالحة المشهورة رابعة العدوية المتوفية سنة 135هـ: (وقبرها يزار، وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور)
▪ وفي ترجمة الإمام أبي حنيفة النعمان المتوفى سنة 150هـ رضي الله عنه: (ودفن بمقبرة الخيرزان، وقبره هناك مشهور يزار)
▪ وفي ترجمة الإمام مالك المتوفى سنة 179هـ رضي الله عنه: (ودفن بالبقيع اتفاقا، وقبره مشهور يزار)
▪ وفي ترجمة عبد الله بن المبارك المتوفى سنة 180هـ: (وقبره بهيت مدينة على الفرات مشهور يزار)
▪ وفي ترجمة الفضيل بن عياض المتوفى سنة 187هـ قال ابن حبان في ثقاته: (توفى بها -أي بمكة المكرمة - سنة سبع وثمانين ومائة وقبره مشهور يزار قد زرته مرارا)
▪ وفي ترجمة الإمام علي بن موسى الرضا رضي الله عنه المتوفى سنة 203هـ قال ابن حبان في ثقاته: (ومات على بن موسى الرضا بطوس من شربة سقاه إياها المأمون فمات من ساعته وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين وقبره بسنا باذ خارج النوقان مشهور يزار بجنب قبر الرشيد قد زرته مرارا كثيرة وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة وهذا شئ جربته مرارا فوجدته كذلك أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين)
▪ وفي ترجمة الإمام علي بن موسى الرضا رضي الله عنه المتوفى سنة 203هـ قال أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى: (خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشائخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضي بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني بن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا)
▪ وفي ترجمة الإمام الشافعي المتوفى سنة 204هـ: (دفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم، رضي الله عنه)
▪ وفي ترجمة الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241هـ: ( وإلى حرب هذا تنسب المحلة المعروفة بالحربية، وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يزار)
▪ وفي ترجمة الإمام البخاري المتوفى سنة 256هـ: (وقال أبو علي الغساني: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السكتي السمرقندي: قدم علينا بلنسية عام أربعة وستين وأربعمائة قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام فاستسقى الناس مرارًا، فلم يسقوا فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند فقال له: إني رأيت رأيًا أعرضه عليك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وقبره بخرتنك، ونستسقي عنده فعسى الله أن يسقينا. قال: فقال القاضي: نِعمَ ما رأيت. فخرج القاضي والناس معه واستسقى القاضي بالناس وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير، أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته وبين خرتنك وسمرقند نحو ثلاثة أميال)
▪ وفي ترجمة الإمام مسلم المتوفى سنة 261هـ: (مات مسلم في رجب سنة إحدى وستين ومائتين وقبره يزار)
▪ وفي ترجمة أبي عوانة الحافظ الثقة الكبير يعقوب بن إسحاق المتوفى سنة 313هـ: (قبر أبي عوانة عليه مشهد مبني بأسفرايين يزار وهو بداخل المدينة)
▪ وفي ترجمة الإمام أبو بكر بن فورك المتوفى سنة 406هـ: (ثم عاد إلى نيسابور فُسمَّ في الطريق فمات هناك ونقل إلى نيسابور ودفن بالحيرة، ومشهده بها ظاهر يزار ويستسقى به وتجاب الدعوة عنده)
▪ وفي ترجمة أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الحنبلي المتوفى سنة 480هـ قال الذهبي في السير: (ودفن بمقبرة باب الصغير، وقبره مشهور يزار، ويُدعى عنده)
▪ وفي ترجمة أبي الفتح المقدسي النابلسي المتوفى سنة 490هـ: ( ودفن بباب الصغير وقبره ظاهر يزار قال النووي: سمعنا الشيوخ يقولون الدعاء عند قبره يوم السبت مستجاب)
▪ وفي ترجمة الإمام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ قدس الله سره: (ومشهده بها يزار بمقبرة الطابران)
▪ وفي ترجمة الإمام ابن الحطيئة اللخمي الفاسي المتوفى سينة 560هـ: (توفي بمصر، ودفن في القرافة الصغرى قبره يزار بها، وزرته ليلا فوجدت عنده أنسا كثيرا، رحمه الله تعالى)
▪ وفي ترجمة الإمام الحافظ أبي القاسم بن عساكر المتوفى سنة 570هـ: (قال القاسم: توفي أبي في حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، ورئي له منامات حسنة ورثي بقصائد وقبره يزار بباب الصغير)
▪ وفي ترجمة سلطان المشايخ، وسيد أهل الطريقة في وقته عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله بن جنكي الجيلي الحنبلي المتوفى سنة 561هـ: (وقبره ظاهر يزار بمدرسته ببغداد)
▪ وفي ترجمة الشيخ الخصر بن عقيل الإربلي المتوفى 567هـ قال ابن خلكان: (كانت وفاته بإربل ودفن بها في مدرسته التي بالربض في قبة مفردة، وقبره يزار وزرته كثيراً، رحمه الله تعالى)
▪ وفي ترجمة الإمام الحافظ ابن الصلاح المتوفى سنة 643هـ: (فدفنوه بطرف مقابر الصوفية وقبره على الطريق في طرفها الغربي ظاهر يزار ويتبرك به قيل والدعاء عند قبره مستجاب)
▪ وفي ترجمة الإمام الحافظ النووي المتوفى سنة 676هـ: (فحضرته المنية فانتقل إلى رحمة الله في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة وقبره ظاهر يزار)
▪ وفي ترجمة علي بن حجر بن سعد بن إياس: وقال السمعاني: علي بن حجر بن سعد بن إياس الزرزمي كان يسكن هذه القرية، وبها مات، وقبره فيها مشهور يزار، وكان إماما حجة.
▪ وفي ترجمة أحمد بن الفرات الضبي أبو مسعود الرازي: هو من كبار الأئمة وحفاظ الحديث. قال ابن صالح الجلاب: قبره مشهور يزار.
▪ وفي ترجمة الشيخ إبراهيم بن احمد بن علي بن أحمد الكينعي المتوفى سنة 793هـ: ( وقُبر برأس الميدان غربي مدينة صعدة وعمر عليه مشهد وهو مشهور يزأر في تلك الديار)
▪ وفي ترجمة الشيخ أحمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن بريد المتوفى سنة 803هـ، قال الحافظ السخاوي: (دفن بالبقيع بالقرب من قبر الإمام مالك رحمه الله وكان له مشهد حافل جدا وتأسف الناس خصوصا أهل المدينة على فقده وقبره ظاهر يزار رحمه الله وإيانا ونفعنا ببركاته)
▪ وفي ترجمة الشيخ أحمد بن عبد اللطيف العمري المتوفى سنة 920هـ: (ودفن بتربة له هناك وقبره مشهور يزار ويتبرك به قال ذلك الحافظ النجم محمد ابن الغزي في كتابه الكواكب)
▪ وفي ترجمة الشيخ صالح الجينيني المتوفى سنة 1170هـ: (ودفن في تربة الباب الصغير بالقرب من مرقد سيدي بلال الحبشي وقبره الآن مشهور يزار ويتبرك)

تعظيم قبور الأولياء والعلماء وجواز بناء الأضرحة عليها

بسم الله الرحمن الرحيم
في تعظيم قبور الأولياء والعلماء وجواز بناء الأضرحة عليها
حرمة قبر الميت المسلم:
أتت الشريعة بوجوب احترام قبر الميت بشكل عام، وقبر المسلم وصيانته من كل ما يمتهنه على وجه الخصوص لأن في امتهانه امتهان للمسلم المدفون فيه، وقدر المسلم عند الله عظيم فقد قال ﷺ: (لزوال الدنيا أهون على الله عز وجل من سفك دم مسلم بغير حق)، لذلك نهت الشريعة الغراء عن الجلوس على القبر، ووطأه والمشي فوقه، ونبشه، وكسر عظام الميت، ونهت عن المشي بالنعلين في المقابر وغيرها من الأحكام التي أريد بها الحفاظ على حرمة القبور، فقد روى الإمام مسلم عنه ﷺ أنه قال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر)، وروى أبو داود عنه ﷺ أنه قال: (كسر عظم الميت ككسره حيًّا)، وروى أيضًا عن النبي ﷺ أنه رأى رجلًا يمشي في القبور عليه نعلان فقال: (يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك) فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما.

قبر ابن تيمية الحراني
تمييز القبور:
ينبغي تمييز القبر حتى يُحترم ولا يُمتهن، لأنه إن لم يميز سيكون معرضًا للمشي فوقه والجلوس عليه وإدراس أثره ويكون ذلك سببًا إلى أن يجهل أن هناك قبر، فيجلس أحدهم عليه، أو يبول ويتغوط فوقه، أو يحفر قبرًا في موضع لا يظنه قبرًا فيجد فيه رفات ميت، وغير ذلك. وقبور العلماء والصالحين أولى بالتمييز لكونها مباركة ببركة من دفن فيها، ولأنها تكون مقصودة لمن أراد أن يدفن في جوارهم، وللزائرين يسلمون عليهم ويتبركون بهم، فقد ثبت عنه ﷺ أنه علَّم قبر سيدنا عثمان بن مظعون وميَّزه بصخرة عظيمة ليعرف ويدفن في جواره أهله ﷺ، فروى أبو داود وابن ماجة وجماعة بسند حسن عنه ﷺ أنه قال: (أَتَعَلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي)، روى البخاري في صحيحه عن خارجة بن زيد قال رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان رضي الله عنه أن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه، وفي ذلك رد على من يطمس قبور الصالحين ويخفي معالمها. وروى أبو بكر الأثرم عن جعفر بن محمد أنه قال: كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلَّمته بصخرة، ورواه الحاكم موصولًا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قال الحاكم: "هذا الحديث رواته عن أخرهم ثقات وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريًّا للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين" رواه البيهقي في الكبرى وسكت عنه الحافظ في التلخيص. وعن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلاً واضعًا وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: جئتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحَجَرَ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا تبكوا على الدين إذا وليه أهلُهُ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله" [أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير والحاكم في المستدرك (8571) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. إسناده حسن، وصححه الحاكم والذهبي وحسنه السّبكي والسمهودي والصالحي الدمشقي، والمناوي]، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن بلالا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزينًا، فركب إِلَى المدينة، فأتى قبر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه) [أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد، وابن الأثير في أسد الغابة والسبكي في شفاء السقام والسمهودي في وفاء الوفاء وجوَّد إسناده الشوكاني في نيل الأوطار]، وعن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة، رافعا عقيرته يتغنى، ورأيته يصلي عند قبر النبي ﷺ. [أخرجه الطبراني في "الكبير" "399" و"404"، وفي "الأوسط" "330"، والخطيب في "تاريخ بغداد" "13/ 188" من طريق عثمان بن حكيم، عن محمد بن أفلح مولى أبي أيوب، عن أسامة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" "405" من طريق وهب بن جرير قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث، عن صالح بن يسان، عن عبيد الله بن عبد الله، به. إسناده حسن، محمد بن إسحاق صدوق، وقد صرح بالتحديث]، وعن الحافظ إبراهيم الحربي أنه قال: (قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب) علق الذهبي على الخبر في السير فقال: "إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء"، وقال الإمام الحافظ ابن حبان في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه من كتابه "الثقات" (8 /456): "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته ﷺ الله عليه وعليهم أجمعين"، وعن أبي عبد الله بن المحاملي يقول: (أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه). [أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح]، وعن عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول: (قبر معروف الكرخي مجرب لقضاءالحوائج ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة قل هو الله أحد وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته) [رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح]، وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال الحاكم (صاحب المستدرك) في تاريخ نيسابور:"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ماتحيرنا."

الغرض من بناء الأضرحة على قبور الأنبياء والصالحين:
▪ احترامها لأنها تضم أجساد أناس صالحين ومباركين أمر الشارع بتعظيمهم وحض على تمييزهم وتخصيصهم بالاحترام والتبجيل، بل أمر بتمييز كل من له رتبة ومنزلة ولو كانت دنيوية فقال النبي ﷺ: (أنزلوا الناس منازلهم)، والكرامة تكون لهم أحياءً وأمواتًا. 
▪ صيانتها من الامتهان الذي يمكن أن ينتج عن القعود عليها ووطئها والمشي فوقها، ونبش السباع، وكسر عظام المدفون فيها وقضاء الحاجة عندها.
▪ تمييزها للقاصدين بغرض الزيارة والتبرك ودعاء الله تبارك وتعالى. قال الحافظ ابن حبان في ترجمة سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه: (انتقل إلى الشام ومات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وقبره بدمشق مشهور يزار قد زرته في مقبرة باب الصغير)، وقال الحافظ السخاوي في ترجمة سيدنا حمزة رضي الله عنه: (ودفن هو وابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد ظاهر المدينة وجعل على قبره قبة فهو يزار ويتبرك به وبمحله رضي الله عنه)، وقال الذهبي في ترجمة أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الحنبلي: (ودفن بمقبرة باب الصغير، وقبره مشهور يزار، ويُدعى عنده)، وقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام البخاري رضي الله عنه: (وقال أبو علي الغساني: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السكتي السمرقندي: قدم علينا بلنسية عام أربعة وستين وأربعمائة قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام فاستسقى الناس مرارًا، فلم يسقوا فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند فقال له: إني رأيت رأيًا أعرضه عليك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وقبره بخرتنك، ونستسقي عنده فعسى الله أن يسقينا. قال: فقال القاضي: نِعمَ ما رأيت. فخرج القاضي والناس معه واستسقى القاضي بالناس وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير، أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته وبين خرتنك وسمرقند نحو ثلاثة أميال)، وقال الذهبي في ترجمة الباخرزي: (وزار بخرتنك قبر البخاري وجدد قبته وعلق عليها الستور والقناديل فسأله أهل سمرقند أن يقيم عندهم، فأقام أياما ورجع إلى بخارى)، وكان الحفاظ يزورون قبر الإمام مسلم يقرأون عنده الصحيح تبركًا به، قال ابن السمعاني: (وأذكر أنا خرجنا في رمضان سنة ثلاثين وحملنا محفته -أي أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي- على رقابنا إلى قبر مسلم بن الحجاج بنصر أباذ لإتمام الصحيح عند قبر المصنف)، وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعد من قبور الأولياء والعلماء التي ورد ذكرها في كتب التراجم والطبقات أنها تزار ويتبرك بها.

من أدلة جواز البناء عليها:
▪ أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل صحيح وصريح في النهي بدون معارضة بنص صحيح وصريح آخر.
▪ دفن المصطفى ﷺ في حجرة السيدة عائشة وهي بناء، وليس ذلك خاصًّا برسول الله ﷺ لأن صاحبيه أيضًا سادتنا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما حرصا على أن يدفنا معه ﷺ في نفس المكان، ولا يخفى أنهما رضي الله عنهما أعلم الخلق بدين الله عز وجل بعد رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهما أحد ممن خلفهما ولا أحدًا من الصحابة رضوان الله عليهما. كما أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها كانت حريصة كذلك على أن تدفن مع زوجها ﷺ وأبيها لكنها آثرت سيدنا عمر رضي الله عنه على نفسها عندما طلب منها ذلك.
▪ قول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف (وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) فذكر قولهم بالبنيان عليهم، وقولهم باتخاذ مسجد عليهم في سياق إظهار آية قدرته على بعث الموتى (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) وما تعقب ذلك بذم أو إنكار أو تصويب، فدل على رضاه، والله عز وجل إذا حكى في كتابه عن قوم ما لا يرضاه تعقبه بما يدل على الصواب، كقوله تعالى: (إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) فإنه أعقبه بقوله: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا)
وقوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا) فإنه أشار إلى فساد ما زعموا بقوله: (فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)
إلى غير ذلك من الآيات التي يطول ذكرها. ولا يقال أن ما ذكر هو شريعة غيرنا لأن القرءان الكريم أنزل علينا نحن المسلمين ونحن المخاطبون بما ورد فيه للتأمل والتدبر والاعتبار، فهو المصدر الأول في شريعتنا وما حكم الله فيه يؤخذ ما لم يُنسخ.
▪ ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب والبيهقي في الدلائل وغيرهما بسند رجاله رجال البخاري عن موسى بن عقبة عن معمر عن الزهري ابن شهاب عن مسور بن مخرمة والحكم بن العاص وكلاهما من الصحابة في قصة أبي بصير وفيها: (فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه وبنى على قبره مسجدًا)، فلا يمكن إحداث أمر عظيم مثل هذا ولا يذكره الصحابة بتمامه للنبي ﷺ وكلهم جنده ونوابه ومنفذون أمره، أو أن يكون ذلك حرامًا ملعونًا فاعله يجر إلى كفر وضلال ثم لا يعلمه الله تعالى به ولا يوحي يوحي إليه في شأنه كما أعلمه بالمسجد الضرار الذي بناه المنافقون.
▪ ما تواتر من بناء الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم الفساطيط والقباب على القبور، والفُسطاط هو بيت يبنى من الشعر أو ما شابهه، فقد ضرب أمير المؤمنين سيدنا عمر فُسطاطًا على قبر أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وبنى سيدنا عثمان بن عفان فُسطاطًا على قبر الحكم بن أبي العاص، وضربت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فُسطاطًا على قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، وبنى محمد بن الحنفية فسطاطًا على قبر سيدنا عبد الله بن عباس لمدة ثلاثة أيام، وبنت فاطمة بنت الحسين قبة على قبر زوجها سنة، فكل هذا وغيره يدل على أن الصحابة والتابعون عليهم رضوان الله ما فهموا النهي عن البناء على القبور أنه على إطلاقه وإنما إن فيه امتهان وضرر، كما أن ما ورد عن نهي بعض الصحابة كأبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن يضرب عليهما فسطاطًا إذا ماتا يدل على ضرب الفساطيط كان شائعًا، فعن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبي: «إني كبرت وذهب أصحابي وجماعتي فخذ بيدي»، قال: فاتكأ علي حتى جاء إلى أقصى البقيع مكانًا لا يُدفن فيه، فقال: «يا بني، إذا أنا مُت فادفني ها هنا، ولا تضرب علي فُسطاطا، ولا تمش معي بنارٍ، ولا تبكيَنَّ علي نائحة، ولا تؤذنوا بي أحدًا، واسلك بي زقاق عميقة، وليكن مشيك خببا» فهلك يوم الجمعة فكرهت أن أؤذن الناس لما كان نهاني فيأتوني فيقولون: متى تخرجوه؟ فأقول: إذا فرغت من جهازه أخرجه، قال: فامتلأ على البقيع الناس. ولا يخفى أن إيذان الناس بالوفاة مباح بل مندوب لأن يكثر عليه المصلون ومع ذلك زهد فيه أبو سعيد رضي الله عنه عنه، فدل على أن البناء على القبور كان مشتهرًا أيام الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.
▪ ما يروى عن النهي عن البناء على القبور هو من العام المخصوص أو العام المراد به الخصوص لاستفاضة الأدلة في جواز البناء على قبور الأنبياء والصالحين صيانة لها، وهو ليس على إطلاقه.
▪ انتشار أضرحة الصالحين في كافة أرجاء العالم الإسلامي وزيارة العلماء لها للتبرك والدعاء عندها كما تقدم دليل على تلقي الأمة سلفا وخلفا ذلك الأمر بالقبول، والأمة لا تجتمع على ضلالة.

مناقشة أدلة النهي:
▪ أما ما يروى عن أبي هياج قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" فحديث ضعيف، في سنده اختلاف وحبيب بن أبي ثابت مدلس كما قال الحافظ في التقريب، وابن خزيمة وابن حبان والأعمش والبيهقي وغيرهم، وقد عنعن ولم يصرح بالسماع، فروايته لا تقوم بها حجة. وعلى افتراض صحته فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث سيدنا عليًّا رضي الله عنه وكرم الله وجهه على قبور مسلمين، وإنما على قبور كفار ومشركين وأهل كتاب كانوا يعبدون الأصنام والأوثان ويصلون على القبور يعبدونها، وكان ذلك في بداية دولة المدينة المنورة بدليل قوله "لا تدع تمثالا إلا طمسته" وفي رواية: "ولا صورة في بيت إلا طمستها"، وفي رواية: "فلا يدع بها وثنا إلا كسره"، أما قبور المسلمين فكانت مسنَّمة -كسنام البعير- ومرتفعة عن الأرض حتى تعرف ولا تمتهن، وهو السنة، لما رواه البخاري بسنده عن سفيان التمار قال: "رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنَّما"، قال ابن قدامة في المغني: "وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه، وبه قال مالك وأبو حنيفة". وكان قبر سيدنا عثمان بن مظعون كبيرا ظاهرا، فقد روى البخاري في صحيحه عن خارجة بن زيد قال رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان رضي الله عنه أن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه.

▪ أما ما يروى من أنه ﷺ نهى أن تجصص القبور وأن يقعد عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ فإن ذلك في سياق إكرام القبور وصيانتها مما ينتهك حرمتها، فقد نهت الشريعة الغراء عن الجلوس على القبر، ووطأه والمشي فوقه، ونبشه، وكسر عظام الميت، ونهت عن المشي بالنعلين في المقابر وغيرها من الأحكام التي أريد بها الحفاظ على حرمة القبور. روى الإمام مسلم عنه ﷺ أنه قال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر)، وروى أبو داود عنه ﷺ أنه قال: (كسر عظم الميت ككسره حيًّا)، وروى أيضًا عنه ﷺ أنه رأى رجلًا يمشي في القبور عليه نعلان فقال: (يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك) فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما. 
▪ وأما النهي عن تجصيص القبر فلأن الجص والآجُر (الجبص) مسته النار ولا ينبغي أن يقرب ذلك من الميت، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (قد أوصيت أهلي أن لا يتبعوني بنار) أي مجمر، ولهذا لم يخصصوا النهي بأن يكون خارج القبر بل كرهوا البناء بالآجُر داخل القبر أيضًا لأن العلة واحدة، بل داخل القبر أولى لقرب ما مسته النار من الميت وملاصقته لجسمه، ولهم في ذلك شاهد من وضع النبي ﷺ الجريدة الرطبة على القبرين وقال : (لعله يخفف عنهما مالم تيبسا)، وهذا القول حكاه الحافظ العراقي في شرح الترمذي وغيره من الفقهاء، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن زيد بن أرقم وجماعة، فعن أنيسة بنت زيد بن أرقم، قال: قالت: مات ابن لزيد يقال له: سويد، فاشترى غلام له أو جارية جصًّا، وآجُرًّا فقال له زيد: «ما تريد إلى هذا؟» قال: أردت أن أبني قبره، وأجصصه قال: «جفوت، ولغوت لا تُقَرِّبُهُ شيئا مسته النار»، و عن إبراهيم قال: «كانوا يكرهون الآجر في قبورهم»، وعنه أيضا: «كانوا يستحبون اللَّبِنَ،ويكرهون الآجُر، ويستحبون القصب، ويكرهون الخشب»
▪ أما البناء على القبر لصيانته وحفظه وإكرام النبي أو الولي الصالح المدفون فيه فقد تقدم الكلم حول إباحته بما يغني عن إعادته، وكذا البناء لأي غرض آخر فيه كرامة الميت كما ورد من بناء الفساطيط على قبور الصحابة، أما البناء على القبر لغرض آخر يمتهن القبر كبناء بيت للسكنى، أو البناء فوقه بما يغري الناس على الجلوس والإتكاء والحديث فإن ذلك يؤذي الميت، فإنما النهي يصرف إليه، ولهذا استحبوا أن يكون القبر مسنمًا -أي محدبا كسنام الجمل- ولا يكون مسطحًا لأن التسنيم يمنع من الجلوس عليه، فقد أخرج البخاري في صحيحه سفيان التمار قال: (رأيت قبر النبي ﷺ مسنَّما).
▪ أما النهي من الكتابة عليه فتحمل على معنى الكتابة على القبر مباشرة لأنه يتعذر الكتابة عليه إلا بعد البناء فوق القبر وتجصيصه وقد سبقت الإشارة إلى النهي عنهما، أما الكتابة على شاهد يكتب فيه اسم المتوفى وتاريخ وفاته فإنها ليست كتابة على القبر، وتقوم مقام تعليم القبر وتأريخ سنة الوفاة ولا يختلف اثنان في جواز ذلك واستحبابه لما تقدم من تعليم النبي ﷺ لقبر سيدنا عثمان بن مظعون. قال الحاكم في (المستدرك): "هذه الأسانيد صحيحة و ليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، و هو عمل أخذ به الخلف عن السلف). و ترك العمل بالحديث مدى القرون علة قادحة عند كثير من أهل النقد.
▪ وأما ما يروى عن أن النبي ﷺ من النهي عن بناء المساجد على القبور كقوله ﷺ: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, لا يبقين دينان في جزيرة العرب)، (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل يوم القيامة)، (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم, ولا تتخذوها قبورا)، ونحوها بذريعة أن ذلك قد يؤدي إلى الضلال والفتنة والشرك بالله تعالى فليس مسلَّم به للآتي:
▪ المساجد لها ثلاث معان: 
*المعنى الأول أعضاء السجود السبعة وهي الجبهة واليدان والركبتان وأطراف القدمين، وفي قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) قال سعيد بن جبير: (نزلت في أعضاء السجود) ويؤيده أن سورة الجن مكية، وعندما نزلت هذه الآية من سورة الجن لم يكن على وجه الأرض إلا المسجد الحرام ومسجد إيلياء أي بيت المقدس، فهما مسجدان وليس مساجد، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. 
*المعنى الثاني: المساجد بمعنى أماكن العبادة، كما هو الحال في (المسجد الحرام)، و(مسجد إيلياء أو بيت المقدس).
*المعنى الثالث وهي دور عبادة المسلمين حصرًا لأن دور عبادة اليهود وكنائسهم تسمى (صلوات)، ودور عبادة النصارى وكنائسهم تسمى (بِيَع) كما قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد). 
فنجد أن كل المعاني انحصرت في النهي عن السجود على سبيل التعبد لأن سجود التعظيم في الملل السابقة مباح اتفاقًا كما قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا). أما السجود على سبيل التعبد لله عز وجل فواجب لا يمكن أن ينهى عنه رسول الله ﷺ فهو عين التوحيد فدل على أن النهي إنما هو عن السجود لغير الله تبارك وتعالى بنية التعبد، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ خصص بالذكر اليهود الذين عبدوا عزيرًا عليه السلام من دون الله تعالى، والنصارى الذين عبدوا عيسى عليه السلام من دون الله تعالى، ويؤيده أيضًا قوله ﷺ: (لا يبقين دينان في جزيرة العرب) إنما الدين واحد وهو الإسلام، ويؤيده عموم قوله ﷺ الذي أخرجه البخاري من حديث جابر رضي الله عنه عنه: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) قال الحافظ في الفتح: "أي كل جزء منها يصلح أن يكون مكانًا للسجود، أو يصلح أن يبنى فيه مكان للصلاة". إذًا فالنهي الوارد في كل تلك الأحاديث إنما هو عن عبادة غير الله تعالى كما فعل اليهود والنصارى، ولا علاقة لتلك الأحاديث بمساجد المسلمين التي يعبدون فيها الله تبارك وتعالى حتى لو كان بها قبرا.
▪ كانت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها تصلي في حجرتها بين القبور لقوله ﷺ: (خير مساجد النساء قعر بيوتهن) فلم تنكر على نفسها ولم ينكر عليها أحد.
▪ لو كان اللعن على إطلاقه لكان أصحاب أهل الكهف ملعونين لأنهم قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) لكن على النقيض فإن الله تعالى ذكرهم في سياق الإيمان وأن ما صار فيهم آية من آيات الله وما تعقب قولهم بذم أو نكير.
▪ قوله ﷺ: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل يوم القيامة) المقصودون اليهود والنصارى لأنهم يعبدون أنبياءهم من دون الله، ويجوز أن يقال للنبي (رجل صالح) كما قال تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ)، وقوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ)، وأيًّا كان فالنهي عن عبادة غير الله عز وجل.
▪ أما قوله ﷺ: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا) فمتعلق باستحباب الصلاة في البيوت، ومعناه أن من لا يصلي في بيته جعل نفسه كالميت وبيته كالقبر ويؤيده ما رواه مسلم عنه ﷺ: (مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه كمثل الحي والميت). قال الخطابي: "وأما من تأوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء، فقد دفن رسول الله ﷺ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته"أهـ. وليس ذلك خاصًّا برسول الله ﷺ لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما حرصا على أن يدفنا معه.
▪ وفي المدونة: "قلت لابن القاسم: هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل و بين يديه قبر يكون سترة له؟ قال: مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر، و هو إذا صلى في المقبرة كانت القبور بين يديه و خلفه و عن يمينه و شماله.
قال: و قال مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر قال: و بلغني أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كانوا يصلون في المقبرة"
▪ واختلف العلماء في هذا النهي هل هو نهي تحريم أم تنزيه؟ ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية إلى كراهة ذلك، وبوب البخاري (قوله باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور)، وقال النووي في المجموع: "كراهة الجلوس على القبر والاتكاء عليه والاستناد إليه، قد ذكرنا أن ذلك مكروه عندنا، وبه قال جمهور العلماء"، وذهب المالكية وبعض الحنفية إلى جواز ذلك، وحملوا الأحاديث السابقة وما في معناها على الجلوس لقضاء الحاجة على القبر. واختلف العلماء في الأرض التي يبنى عليها القبر إن كانت مِلكًا خاصًّا أو مسبلة -مقبرة لعامة المسلمين- فذهب العز بن عبد السلام وابن حجر الهيتمي وغيرهما إلى جواز بناء القبر على أرض مِلك، ومنع بنائه على مقبرة عامة، فأمر العز بن عبد السلام بهدم كل القباب في قرافة مصر لأنها مقبرة مسبلة وأبقى على قبة الإمام الشافعي لأنها بينت على أرض مِلك، وحجته في ذلك أن البناء على مقبرة مسبلة يضيق على الآخرين. وذهب الإمام السيوطي إلى اسثناء بناء قباب الصالحين والأولياء وأضرحتهم على المقابر المسبلة والأرض الوقف لأن في ذلك مصلحة لعامة المسلمين لكونهم يزورونهم ويتبركون بهم، واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ أمر بسد كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر فقاسوا استثنائهم لهذا على استثناء خوخة أبي بكر.
على أن النهي يرقى إلى الحرمة اتفاقًا إذا قصد بالبناء عبادة غير الله -وهذا لا يكون- أو تمجيد أهل الدنيا والسلطان، أو الزينة والتباهي والتفاخر، أو التشبه بقبور الكفار والمشركين، وغير ذلك من الأمور التي تتعدى موضوع البناء إلى ما حرمته الشريعة الغراء في كل حال.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا