الأربعاء، 31 أغسطس 2016

بحث محكم في أن نجد الحجاز هي التي يخرج فيها قرن الشيطان


إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّه وخَلِيلُه، وخِيرَتُه مِنْ خَلْقِهِ وحَبِيبُه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، (آل عمران؛ 3: 102).
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، (النساء؛ 4: 1).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، (الأحزاب؛ 33: 70ــ 71).
«إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ْهَدْيِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَى آله وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ».
والصلاة والسلام والتبريكات التامة الدائمة على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المخلصين المجاهدين، وهو الأسوة الحسنة، نعم الأسوة، ونعم القدوة.
أَمَّا بَعْدُ: فقد كثر الجدل مؤخراً حول الحديث الصحيح، المتفق على صحته، حول (نجد): (هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)، وهل المقصود المنطقة المشهورة المعلومة المسماة: (نجد) في وسط الجزيرة العربية، أم أنها (نجد العراق)، كما يزعم البعض. وزاد الطين بلة أن الدوافع والأهواء المذهبية، والطائفية، بل والقبلية والجهوية، دخلت في الموضوع وأوشكت أن تفسده.
ولتحرير المسألة والخروج بها من الشبهات والظنون إلى مرتبة القطع واليقين لا بد:
أولاً: من معرفة الواقع الحسي للمناطق المسماة بذلك وعلاقتها الجغرافية بعضها ببعض، ونسبتها إلى موقع المدينة النبوية المنورة الشريفة جغرافياً؛
ثانياً: استجلاء المعني اللغوي والأصل التاريخي للتسمية بـ(نجد) وكذلك (العراق) بحيث لا تبقى في معانيها أي شبهة، ومدي انطباق لفظة (نجد) على (العراق)؛
ثالثاً: ولا بد من دراسة الحديث بكافة طرقه دراسة مشبعة للتعرف على اللفظ النبوي المعصوم، على أن يكون ذلك وفق القواعد التي أصلناها في البيان التأسيسي لحزب التجديد الإسلامي، (ملحق أصول الأحكام، وقواعد الاستنباط)، حيث قلنا:
[مـــادة (4): لا يحل الاستشهاد، ولا تقوم الحجة، بنص من مرويات السنة إلا إذا ثبتت صحته ونسبته إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إما ثبوتاً يقينياً قاطعاً بالتواتر، أو بأن يكون قد ثبت ثبوتاً يتجاوز كل شك معقول، أو مطعن مقبول، أو علة قادحة. كما لا يحل الاستشهاد بخبر ثابت صحيح إلا بعد استيعاب كل طرق روايته، وتحرير جميع ألفاظه، لتعيين اللفظ الثابت الصحيح، أو لاستنباط المعنى الثابت المشترك بين الطرق والروايات.
مـــادة (5): لا بد من اعتبار نصوص الكتاب والسنة جميعها نصاً واحداً متصلاً، على مرتبة واحدة من الحجية ومن وجوب الطاعة لها جميعها. فلا يجوز إعمال نص وإهمال آخر مطلقاً، ولا يحل تقديم نص على نص آخر أبداً، إلا ببرهان من النصوص نفسها، أو لضرورة حس أو عقل.
مـــادة (6): لا بد من إمضاء النصوص جميعها على عمومها وإطلاقها، فلا يحل تخصيص شئ منها أو تقييده إلا ببرهان منها، أو بضرورة حس أو عقل..... إلخ (راجع: البيان التأسيسي لتنظيم التجديد الإسلامي)].
فهذه القواعد تلزم باستقصاء الأحاديث الأخرى المتعلقة بالموضوع.
رابعاً: تحرير انطباق الأحاديث: هل هي لكل الأزمنة، أم لأزمنة مخصوصة فقط، وإن أمكن: على من تنطبق؟!
| فصل: المبحث الأول
بالنسبة للجزئية الأولى: نلاحظ أن الأحاديث الشريفة تتحدث عن اليمن، والشام، ونجد، والمشرق، وربما عن (العراق)، و(مصر). وكلها يزعم أنه قد تلفظ بها النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أبان إقامته في المدينة النبوية الشريفة المنورة (أو حولها)، فالمشرق إذاً ضرورة هو: بالنسبة للمدينة المنورة، وما حولها، ولا بد.
والمدينة النبوية الشريفة المنورة تقع تقريباً على خط عرض مدار السرطان. وإذا أردت الدقة المتناهية فإليك موقع المحراب الشريف (أو المنبر الشريف) الجغرافي بعينه:
(24°28‘02.78″N;039°36‘40.35″E) = (24°28.0463′N; 39°36.6725′E) = (24.4674389°N;39.6112083°E)
وموقع القبر الشريف (أو البيت الشريف) بعينه.
(24°28’3.21″N;39°36’41.18″E) = (24°28.0535′N; 39°36.6863′E) = (24.4675583°N; 39.6114389°E)
لذلك فإن الشمس تتعامد على المدينة المنورة في قمة الصيف (حوالي 23 من يونيو) فيكون مشرق الشمس، في رأي العين، شمال المشرق الجغرافي قليلاً. وإذا أردت الدقة فإليك الزاوية السمتية لشروق الشمس: 64 درجة. وكذلك يكون غروبها بزاوية سمتية مقدارها: 296 درجة. (الزاوية السمتية تقاس من الشمال الجغرافي، دوراناً مع عقارب الساعة نحو المشرق، من: صفر إلى 360 درجة). فمشرق الشمس في الصيف ليس هو المشرق الجغرافي (وزاويته السمتية: 90 درجة)، ولكنه منحرف نحو الشمال بنحو 26 درجة. أما في حضيض الشتاء (حوالي: 23 ديسمبر) فيكون مشرقها، في رأي العين، هو الجنوب الشرقي الجغرافي تقريباً. وإذا أردت الدقة فإليك الزاوية السمتية لشروق الشمس آنذاك: 116 درجة. وكذلك يكون غروبها بزاوية سمتية مقدارها: 244 درجة.
ولكن جمهور المخاطبين لا يتعاملون مع الخرائط الجغرافية والمساطر، لذلك نتوقع:
(1)- أن يطلق الإنسان العامي لفظة (المشرق) أيضاً على (الشرق) المنحرف بشمال خفيف، لذلك فإن الحزم والاحتياط يوجب السماح بالانحراف شمالاً (في اتجاه الشمال الشرقي) بزاوية معقولة. ولما كان الشمال الجغرافي المحض يبعد عن الشرق الصيفي المحض بأربع وستين درجة، فإنه من المستبعد أن يتساهل الناس فيدخلوا في مفهوم (الشرق) ما يجاوز ربع أو خمس هذه المسافة الزاوية أي نحو 14 درجة إضافية تجاه الشمال، أي بما مجموعه 40 من الشرق الجغرافي المحض، وإلا دخلنا منطقة الشمال الشرقي بلا شبهة؛
(2)- أنه نظراً لوقوع المدينة تقريباً على خط عرض مدار السرطان بحيث يبدوا مشرق الشمس منحرفاً إلى الجنوب في أكثر أيام السنة (بحيث تكون الشمس جنوبية شيئاً ما وقت الزوال)، ولقلة معلومات الناس الجغرافية، نتوقع أن يلتبس موقع العراق على كثير من الناس بالشمال الشرقي؛ وربما ظن بعضهم أن العراق في شرق المدينة؛
وبتأمل الخرائط والرسوم المرفقة يتضح أن الخط الحدِّي بزاوية سمتية مقدارها:52 درجة، وهو الخط الممتد من المدينة إلى الشرق بشمال بزاوية 38 درجة فقط، وهو شرق محتمل، ولعله أقصي ما يمكن أن يُسَمَّى شرقاً حتى من أقل العوام معرفة بالاتجاهات، وربما عده البعض شرقاً شمالياً ولا لوم عليهم في ذلك، لا يمر أصلاً في وسط العراق، وإنما يمر في الكويت (وهي من ولاية البصرة على التحقيق)، ماراً بأقصى جنوب منطقة البصرة، ثم يستمر نحو شمال شرق أيران، وهي الناحية المعروفة باسم: (خراسان)، ماراً ببلاد ما وراء النهر: تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وقرغيزيا، ماراً بشمال تركستان الشرقية التي تحتلها الصين، ثم يدخل الصين، ويعود فيغادرها، فمنغوليا، ثم يدخل الصين مرة أخرى، ويعود فيخرج منها، عابراً كوريا حتي يصل، تقريباً، إلى منتصف بلاد اليابان، لا يكاد يفلت منه شيء من ديار الشعوب التركية الطورانية.
وسوف يتبين قريباً، إن شاء الله تعالى، مسوغ تحديد هذه الزاوية السمتية (مقدارها: 52 درجة) بعينها، وذلك عند مناقشة طرق وألفاظ حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما. وحسبنا الآن أن نقول أنه الخط المنطلق من المحراب الشريف حيث كان النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقف خطيباً بعد الصلاة، أو يرتقي المنبر الشريف الملاصق لمصلاه، وموقعه مًعَلَّم بعلامات حسية أثرية محفوظة، معلوم علم يقين، ماراًبمسكن أم المؤمنين عائشة، رضوان الله وسلامه عليها. ومسكن أم المؤمنين عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، معلوم بيقين كذلك، فهو بيتها الذي يقع فيه القبر الشريف بعينه، (والقبر الشريف يقع حالياً تحت القبة الخضراء، التي يحتال آل سعود – أحفاد مسيلمة الكذاب أو لعلهم أحفاد اليهود – هذه الأيام لهدمها، وإزالتها من الوجود). وقد بالغنا في الاحتياط فاعتمدنا الخط المنطلق من المحراب الشريف ماراًبالطرف الشمالي لمسكن أم المؤمنين عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، حتى لا يحتج مكابر بأننا نحتال لإخراج العراق، أو غيره، من منطقة (المشرق) المذمومة؛
وإليك إحداثيات موقع الطرف الشمالي للقبة الخضراء، وهو في الحقيقة أبعد نحو الشمال من الطرف الشمالي لمسكن أم المؤمنين عائشة، حسما لأي جدل أو مماحكة:
(24°28’3.37“N;39°36’41.18″E) = (24°28.05616‘N; 39°36.6863′E) = (24.4676028°N; 39.6114389°E)
هذا التحديد الدقيق، من إنسان أُمِّي، لم يخرج من حدود جزير العرب إلا بفراسخ قليلة إلى بصرى الشام، في عصور ما قبل المساحة الجيوديسية والخرائط الجغرافية الدقيقة، أمر خارق للعادة عند المتأمل المنصف؛ وهو – بلا شك – آية له، وبرهان من براهين صدق نبوته، بأبي هو وأمي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

ملاحظات:
(1)ــ الشمال الجغرافي يقع إلى يمين الصفحة؛
(2)ــ يبدوا موقع المحراب، وكذلك القبر الشريف في صورة جوجل المأخوذة ببرنامج (Googleــ Earth) مباشرة، (أعلاه، إلي اليمين) كأنها في غير مواقها. هذا وهم نشأ من ميل الزاوية الأصلية عند التصوير. أما خريطة جوجل (أعلاه، إلي اليسار) فهي الدقيقة. هذه مأخوذة من برنامج الحساب المذكور في البحث، هو يستخدم خرائط، وصور، جوجل، بطريق غير مباشر؛
(3)ــ الصورة إلى اليسار مأخوذة من برنامج الحساب، وهو في الموقع المذكور أدناه. (لاحظ الإزاحة الوهمية):
وآخر الصور المدرجة أعلاه (الأسفل إلى اليمين) هي لامتداد الخط الحدِّي من المحراب الشريف إلى مشرق الشمس الشتوي، وهو أقصى المشارق إلى الجنوب، بزاوية سمتية قدرها: 116 درجة. فشرق المدينة النبوية الشريفة المنورة يضم معظم (نجد)، أي نجد جزيرة العرب المعروفة، في المسافات المباشرة القريبة: اليمامة والبحرين، وحتى عمان وظفار. ويضم الأهواز وأصفهان وخوزستان وكرمان ومكران وسجستان وخراسان (وبعض هذا يتداخل مع بعض أفغانستان)، وبلاد ما وراء النهر، وشمال غرب الصين، وبلاد الترك (ومنهم المغول والتتار) في المدى البعيد.
هذه هي الحقائق الحسية القاطعة، التي لا يجوز إغفالها وتجاوزها، ولا بحال من الأحوال. فالعراق المعروف هو قطعاُ ليس إلى الشرق من المدينة، ولكن ثلثه الشمالي (الموصل، وما حولها) يقع في شمال المدينة النبوية الشريفة المنورة (بزاوية سمتية قدرها: 15 درجات)، ووسطه (بغداد والكوفة والحلة – وهي: بابل قديماًــ والرمادي) في الشمال بشمال شرقي خفيف (بزاوية سمتية قدرها: 26 درجة)؛ وثلثه الجنوبي (البصرة وما حولها) يقع بالكاد في الشمال الشرقي الخالص (بزاوية سمتية قدرها: 45 درجات)، كما يظهر من الصور الآتية:
وحتى لو بالغنا فقلنا أن أهل المدينة على زمنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام،كانوا لا يعرفون إلا أن الأرض كلها إنما تنقسم فقط إلى شرق وغرب وشمال (أو شام)، وجنوب (أو يمن)، وأنهم كانوا لا يعرفون مفاهيم (الشمال الشرقي) أو (الشمال الغربي)، … إلخ، أصلاً، حتى لو تواقحنا وكابرنا وزعمنا ذلك، لوجب علينا أن نعتمد الخط بزاوية 45 بين الشمال والشرق مثلاً، فاصلاً بين ما يسمَّى شمالاً، وشرقا (ولا يتصور أو يعقل خيار غير هذا أصلاً)، لما دخل في مفهوم (الشرق) إلا البصرة وما حولها، وهو جزء ضئيل لا يبلغ عشر مساحة العراق الذي يتوجب اعتبار معظمه من (الشمال)، (شاماً):
وبهذا يظهر لك، على كل حال، ومهما تساهلنا في تحديد الاتجاهات، بطلان قول الإمام الخطابي: [نجد من جهة المشرق. ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة]، ثم قال بعدها فوراً: [وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة]، انتهى كلام الإمام الخطابي.
فنقول: جملة الإمام الخطابي الثانية: (وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور … إلخ)، صواب، وهي تنقض كلامه الأول، كما سيظهر قريباً، إن شاء الله.
وأما فقرته الأولى فخطأ محض، وهو برهان على ضحالة المعلومات الجغرافية أيام الخطابي، ولا يقول به، في أزماننا هذه، إلا كذاب أشر، مكابر وقح، أو صاحب بدعة وهوى، جمح به هواه حتى اختل عقله، وفسد دماغه: فلم يستطع تمييز يمينه من شماله، عياذاً بالله. ومن أمثلة هذا الهوى الجامح الذي يجعل الشمال غرباً ما قاله أحد مقلدة الألباني، المعظمين له إلى درجة التقديس، في كتاب [العراق في أحاديث وآثار الفتن (1/349)]: [قال شيخنا أسد السنة، ومحدث العصر الألباني - رحمه الله تعالى - بعد تخريجه حديث سعد بن أبي وقاص السابق، وبيان صحّته ما نصه: «واعلم أن المراد بأهل الغرب في هذا الحديث أهل الشام؛ لأنهم يقعون في الجهة الغربية الشمالية بالنسبة للمدينة المنورة التي فيها نطق – عليه الصلاة والسلام - بهذا الحديث الشريف، وبهذا فسر الحديث الإمام أحمد - رحمه الله، وأيده شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع من «الفتاوى» (7/446 و27/41، 507 و28/531، 552)، وقد أبعد النجعة من فسره من المعاصرين ببلاد (المغرب) المعروفة اليوم في شمال إفريقيا؛ لأنه مما لا سلف له؛ مع مخالفته لإمام السنة وشيخ الإسلام]، وقد نسفنا هذا القول نسفاً في صلب بحثنا المعنون: (بشائر النصر، بمناقب مصر) حيث حررنا معنى: (أهل الغرب)، و(الجند الغربي)، وألحقناه بكامله في ذبل يحثنا هذا، فليراجع.
وما أسلفنا يظهر لك أيضاً بطلان قول الشيخ حكيم محمد أشرف سندهو في رسالته المعنونة: (أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان)، حيث قال: (مقصود الأحاديث أن البلاد الواقعة في جهة المشرق من المدينة المنورة، هي مبدأ الفتنة والفساد، ومركز الكفر والإلحاد، ومصدر الابتداع والضلال، فانظروا في خريطة العرب بنظر الإمعان، يظهر لكم أن الأرض الواقعة في شرق المدينة إنما هي أرض العراق فقط موضع الكوفة والبصرة وبغداد)!!
ونحن نقول: ها هي الخرائط أمامنا، ولا تحتاج كبير نظر وإمعان للحكم على قوله بالسخف والتهافت والبطلان. فلعل الشيخ حكيم سندهو استخدم خريطة رسمها العور والعميان!
ولا صحة أيضاً لزعم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ أن (العراق) هو المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الحديث فقال: (إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: وأشار إلى العراق).
وهذان الشيخان: حكيم محمد أشرف سندهو وعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، إنما قالا ذلك في محاولةيائسة فاشلة للدفاع عن فرقتهم الوهابية الغالية المارقة الدموية، وزاد عليهما الألباني حيث اعترف بدوافعه صراحة في[سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (5/305)]: [وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح وذكر طرقه وبعض ألفاظه لأن بعضالمبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عنالتوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد (نجد) المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنما هي (العراق) كما دل عليه أكثر طرق الحديث، وبذلك قال العلماء قديما كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم]؛ ولكن يأبى الله إلا أن يظهر الحق بالأدلة الحسية المرئية في الآفاق: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}، (فصلت؛ 41: 53)، ولأدلة السمعية المحفوظة بحفظ الذكر: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، (الحجر؛ 15: 9).
| فصل: المبحث الثاني
وأما بالنسبة للجزئية الثانية: وهي استجلاء المعني اللغوي والأصل التاريخي للتسمية بـ(نجد) وكذلك (العراق)؛ فلعلنا نتأمل أولاً النصوص التالية، فأولها استقصاء الإمام الحافظ الحجة الكبير الخطيب البغدادي، لأصل التسمية بـ(العراق)كما هو:
* في (تاريخ بغداد، ج1، ص24): [أخبرنا علي بن أبي علي البصري قال: أنبأنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: بن الأعرابي: (إنما سمي العراق عراقا لأنهسفل عن نجد ودنا من البحر. أخذ من:عراق القربة، وهو الخرز الذي في أسفلها).
ــ وقال غيره: (العراق معناه في كلامهم الطير قالوا وهو جمع عرقة والعرقة ضرب من الطير. ويقال أيضا العراق جمع عرق).
ــ وقال قطرب: (إنما سمي العراق عراقا لأنه: دنا من البحر وفيه سباخ وشجر. يقال استعرقت ابلكم إذا أتت ذلك الموضع).
ــ أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال: نبأنا محمد بن العباس الخزاز قال: أنبأنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال: قال أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي: (العراق من بلد الى عبادان، وعرضه من العذيب الى جبل حلوان، وانما سميت العراق عراقا لأن كل استواء عند نهر أو عند بحر عراق، وإنما سمي السواد سوادا لأنهم قدموا يفتحون الكوفة فلما أبصروا سواد النخل قالوا ما هذا السواد!)].
وبغض النظر عن الأصل اللغوي الذي يحفه الغموض، فلا شك أن العراق المعروف بهذا الاسم: منخفض، مستوي، قريباً من سطح البحر، وهو قد سفل عن نجد، وهذه حقائق حسية، لا جدال فيها، كما هو ظاهر بيقين من الخرائط الطوبوغرافية التي ستأتي قريباً. ومن كان في شك من ذلك فليذهب بنفسه مصطحباً آلة قياس مناسبة، وليقس بنفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فالعراق أقرب أن يكون (غوراً)، وليس (نجداً) كما اعترف الإمام الخطابي، إذ قال: [وأصل (النجد) ما ارتفع من الأرض وهو خلاف (الغور) فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة].
وكذلك اعترف به الشيخ حكيم محمد أشرف سندهو في رسالته المشار إليها آنفاً، وهي المعنونة: (أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان)، حيث قال: (واتفقت كلمة شرّاح الحديث وأئمة اللغة ومهرة جغرافية العرب أن (النجد) ليس اسماً لبلد مخصوص، ولا اسماً لبلدة بعينها، بل يقال لكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها نجد، …)، مع كونه من أشد المدافعين عن القول بأن المقصود هو (العراق)، المعروف حالياً، أي (بلاد الرافدين)، وليس نجد جزيرة العرب.
ويؤيد هذا ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد نقله كلام الإمام الخطابي، آنف الذكر، إذ حكم بضعف كلام الداودي، كما هو في (فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج13، ص 47): [وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي: (ان نجدا من ناحية العراق)، فإنه توهم ان نجدا موضع مخصوص وليس كذلك بل: كل شيء ارتفع بالنسبة الى ما يليه يسمى المرتفع نجداً، والمنخفض غوراً].
والعراق، فضلاً، عن كونه ليس نجداً، أي ليس مرتفعاً من الأرض، فهو بالقطع خارج جزيرة العرب، الذي جاءت النصوص الشرعية بأحكام خاصة لها، من مثل: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، ونحو ذلك، فمن المحال أن يكون هو المقصود بلفظة (نجدنا)، والتي تشعر الإضافة فيها إلى المتكلمين أنها مكان معلوم مخصوص، وليس مجرد أي (مرتفع) من الأرض: فحتى لو كان العراق نجداً، وهو بالقطع ليس كذلك، لما جاز تجاوز (نجد) القريبة المعلومة، إلى نجد آخر بعيد إلا بموجب نص لآخر، أو بضرورة حس أو عقل. وإليك مجموعة من الخرائط الطبوغرافية التي توجب القطع بما قلناه آنفا:
| فصل: المبحث الثالث
وأما بالنسبة للجزئية الثالثة: فهي العمل الرئيسي ها هنا. وسنكتفي ها هنا بالتلخيص، مع ذكر كافة النصوص بطولها، وكامل أسانيدها، في الملحق إلا من استثناءات قليلة.
* الحديث الرئيس في هذه المسألة:
* كما هو في الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري، (ج1/ص351/ح990): [حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا حسين بن الحسن قال: حدثنا بن عون عن نافع عن بن عمر قال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال: قالوا وفي (نجدنا؟!)، قال: قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال: قالوا وفي (نجدنا؟!)، قال: قال: (هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)]
* وكما هو في الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري، (ج6/ص2598/ح6681): [حدثنا علي بن عبد الله حدثنا أزهر بن سعد عن بن عون عن نافع عن بن عمر قال: ذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، اللهم بارك لنا في شأمنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا يا رسول الله وفي نجدنا قال: اللهم بارك لنا في شأمنا اللهم بارك لنا في يمننا قالوا يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال في الثالثة: (هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)]
وهو كذلك بنحو هذا اللفظ، بذكر (نجدنا)، برواية كل من: حسين بن الحسن، وأزهر بن سعد، كليهما عن بن عون عن نافع عن بن عمر، في عامة كتب الحديث: حيث أخرجه ابن حبان في صحيحه (ج16/ص292/ح7301)؛ والترمذي في سننه (ج5/ص734/ح3953)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث بن عون وقد روي هذا الحديث أيضا عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص118/ح5987)؛ والإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (ج2/ص904/ح1724)؛ وغيرهم كثير، فلا يكاد يخلو منه شيء من المسانيد والمعاجم والمصنفات والسنن.
* ولكن جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل، (ج2/ص90/ح5642): [حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا سعيد حدثنا عبد الرحمن بن عطاء عن نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا مرتين فقال رجل وفي (مشرقنا) يا رسول الله فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هنالك يطلع قرن الشيطان ولها تسعة أعشار الشر)]
* وأخرجه الطبراني بنحوه في معجمه الأوسط (ج2/ص250/ح1889): [حدثنا أحمد بن طاهر قال: حدثنا جدي حرملة بن يحيى قال: حدثنا بن وهب قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني عبدالرحمن بن عطاء عن نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا فقال رجل وفي مشرقنا يا رسول الله فقال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا فقال الرجل وفي (مشرقنا) يا رسول الله فقال اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا إن من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال)]، ثم قال الإمام الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عطاء إلا سعيد بن أبي أيوب تفرد به بن وهب).
قلت: ولكن عبد الرحمن بن عطاء بن كعب القرشي المدني، شيخ ليس بالقوي، وقال الحافظ: (صدوق فيه لين)، وذكره البخاري في كتاب الضعفاء فقال: (فيه نظر)، ولكن دافع عنه أبو حاتم حيث جاء في الجرح والتعديل (ج5/ص269/ت1269): [شيخ؛ قلت: (أدخله البخاري في كتاب الضعفاء)، فقال: (يحول من هناك)]؛ فلا يعارض به الأئمة الثقات الأثبات من أمثال عبد الله بن عون بن أرطبان (وعنه أبو بكر أزهر بن سعد السمان، وحسين بن الحسن). والظاهر أن أحاديث وآثار مختلفة تداخلت في ذهن عبد الرحمن بن عطاء فنشأ هذا المتن المنكر، ولعله هو الذي استبدل لفظة (نجدنا) بلفظة (مشرقنا)، وهو – على كل حالــ استبدال مقبول محتمل، لأن نجداً المعروفة تقع في مشرق المدينة النبوية قطعاً!
* وجاء أيضاً في (المعجم الكبير)، (ج12/ص384/ح13422): [حدثنا الحسن بن علي المعمري حدثنا إسماعيل بن مسعود حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عون عن أبيه عن نافع عن بن عمر ان النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك في يمننا فقالها مرارا فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا يا رسول الله وفي (عراقنا) قال: إن بها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان]
قلت: وهذا أيضاً لا شئ، لفظة شاذة: عبيد الله بن عبد الله بن عون ليس بذلك المشهور، وليس هو من أكابر أهل الحديث، ولم يخرج له الستة، ولا الإمام أحمد، وقال البخاري عنه في التاريخ الكبير: (معروف الحديث)، وقال أبو حاتم في (الجرح والتعديل): (صالح الحديث) فقط، فلا يعارض به الثقات الأثبات المشاهير من أمثال: أبي بكر أزهر بن سعد السمان، وحسين بن الحسن؛ ولا حتى عبد الرحمن بن عطاء بن كعب القرشي المدني، على عجره وبجره!
ولم يأت هذا عن سالم بن عبد الله عن أبيه إلا في روايتين، فيهما نظر:
* أولاهما كما هي في المعجم الأوسط (ج4/ص245/ح4098): [حدثنا علي بن سعيد قال: حدثنا حماد بن إسماعيل بن علية قال: حدثنا ابي قال: حدثنا زياد بن بيان قال: حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر عن ابيه قال: صلى النبي، صلى الله عليه وسلم، صلاة الفجر ثم انفتل فأقبل على القوم فقال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا فقال رجل: (والعراق) يا رسول الله فسكت ثم قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا ويمننا فقال رجل: (والعراق) يا رسول الله قال: (من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن)]
قلت: شيخ الطبراني علي بن سعيد بن بشير، أبو الحسن الرازي، حافظ مختلف فيه: تكلم فيه الدارقطني، وغيره. ولكن هذا لا تأثير له ها هنا لأن الإمام ابن عساكر أخرجه في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 131) بسنده إلى محمد بن عبدوس: حدثنا حماد بن إسماعيل بن علية به إلى منتهاه. كما أخرجه بإسناد آخر إلى سليمان بن عمر بن خالد الأقطع حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية به إلى منتهاه. ونسبه الألباني في (السلسلة الصحيحة، ج: 5 ص: 302)، عند دراسة الحديث رقم (2246) أيضاً إلى كل من: الربعي في (فضائل الشام ودمشق)؛ وأبي علي القشيري الحراني في (تاريخ الرقة) من طريق: العلاء بن إبراهيم حدثنا زياد بن بيان به.
وزياد بن بيان، وإن كان صدوقاً عابداً، كما نص عليه الحافظ، إلا أنه ليس من أهل الحديث المشاهير، وليس له من الحديث إلا هذا الحديث أعلاه، وحديث مرفوع آخر: (المهدي من ولد فاطمة)، وقد أنكر الإمام البخاري رفعه، وأثر في التسليم عن أبي بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، فلعلنا ندرس حاله في ملحق مستقل؛ فزياد بن بيان عن سالم ليس بالذي ينهض لمخالفة الإمام الثقة الثبت المشهور عبد الله بن عون عن نافع.
فالراجح أن الخطأ هنا إنما هو من زياد بن بيان، ولعله سمع كلام سالم لأهل العراق، أو علم به، فظن أن سالماً يعتقد انطباق الحديث على العراق أو أن (نجداً) المذكورة في الحديث تعني (العراق)، فتساهل في لفظ الحديث ورواه بالمعنى حسب فهمه. وقد يكون هذا التساهل اللفظي من سالم بن عبد الله بن عمر، كما سيتبين قريباً، إن شاء الله.
* وربما استند البعض، كما فعل الألباني، على ما جاء في مسند الشاميين، (ج2/ص247/ح1276): [حدثنا عبد الله بن العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي حدثني أبي أخبرني أبي حدثني عبد الله بن شوذب حدثني عبد الله بن القاسم ومطر الوراق وكثير أبو سهل عن توبة العنبري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك في مكتنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا اللهم بارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا فقال رجل يا رسول الله وعراقنا فأعرض عنه فرددها ثلاثا وكان ذلك الرجل يقول وعراقنا فيعرض عنه ثم قال: بها الزلازل والفتن وفيها يطلع قرن الشيطان]،
قلت: لم يبين عبد الله بن شوذب من أي الثلاثة (عبد الله بن القاسم ومطر بن طهمان الوراق وأبو سهل كثير بن زياد) أخذ اللفظ، لا سيما وأن مطر بن طهمان الوراق معروف بكثرة الخطأ. فيحتمل أن يكون هذا هو لفظه، أو تداخلت الألفاظ في بعضها البعض، وما كان هكذا فلا تقوم به حجة قاطعة، خصوصاً وأن مدار البحث يدور حول لفظة واحدة بعينها، فلا بد إذاً من المبالغة في تحرير الألفاظ، والتشدد في ذلك.
.* وجاء في (حلية الأولياء، ج: 6 ص: 133) ما يقوي مخاوفنا، إذ قال الإمام أبو نعيم الأصبهاني: [حدثنا عبدالله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبدالله حدثنا الحسن بن رافع الرملي حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن توبة العنبري عن سالم بن عبدالله عن أبيه أن عمر قال إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا،... إلخ)، فرددها ثلاث مرات، فقال الرجل: (يا رسول الله ولعراقنا)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان)].
وهذا إسناد منقطع مدلس، ثم قال الإمام أبو نعيم: (كذا رواه ضمرة عن ابن شوذب عن توبة ورواه الوليد بن مزيد عن ابن شوذب عن مطر عن توبة)، ثم ساقه: [حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر حدثنا عبدالله بن جامع الحلواني حدثنا عباس ابن الوليد بن مزيد حدثنا أبي حدثنا ابن شوذب حدثني عبدالله بن القاسم ومطر وكثير أبو سهل عن توبة عن سالم عن أبيه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مكتنا وبارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا وبارك لنا في صاعنا ومدنا فقال رجل يا رسول الله وفي عراقنا فأعرض عنه فقال فيها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان]
وقد أخرج الإمام ابن عساكر في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 130) إسناد بن شوذب المدلس، فقال: [أخبرنا أبو الفرج جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسي المكي بمدينة الرسول في مسجده بين قبره ومنبره، أنبأنا الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن فراس أنبأنا أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن عبد الله الديبلي حدثنا أبو عمير عيسى بن محمد بن النحاس حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن توبة العنبري عن سالم، أراه عن أبيه بنحوه]، ثم قال الإمام ابن عساكر: (كذا أخبرنا أبو جعفر، وكان أول كتابه قد ذهب، فكتب إسناده من لا يعرف فقال فيه: أخبرنا الديبلي؛ وإنما يرويه ابن فراس عن العباس بن محمد بن الحسن بن قتيبة عن أبي عمير؛ ورواه غير أبي عمير عن ضمرة بغير شك: أخبرناه أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر الزاغوني ببغداد أنبأنا محمد بن أحمد بن مسلمة حدثنا أبو طاهر المخلس). ثم أخرج إسنادين مختلفين إلى العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي بمثل حديث الطبراني في (مسند الشاميين).
ودرسه الألباني في (السلسلة الصحيحة، ج: 5 ص: 302)، الحديث رقم (2246)، فنسبه إلى ما ذكرنا أعلاه من المراجع باستثناء (مسند الشاميين) الذي فاته، كما نسبه أيضاً إلى كل من: الفسوي في (المعرفة، ج: 2 ص: 746)؛ والمخلص في (الفوائد المستقاة، ج: 7 ص: 2)؛ والجرجاني في (الفوائد، ج: 2 ص: 164). ثم قال الألباني: (من طرق عن توبة العنبري عن سالم عن أبيه أن النبي دعا، فقال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين).
فنقول: هذا في أحسن أحواله تدليس شنيع من الألباني، إن لم يكن خيانة صريحة: فكل الطرق تنتهي إلى عبد الله بن شوذب ثم تصعد مدلسة منقطعة، أو عن ثلاثة من الرواة لا يدرى لفظ من منهم هو، وبعضهم ليس بالمتقن: فكيف يكون هذا على شرط الشيخين؟؟!!
فهذه اللفظة: (عراقنا) في هذه الرواية إذاً في أحسن أحوالها شاذة، وإن كان الأرجح أنها منكرة، فهي لا تثبت أصلاً، ولا تجوز نسبتها إلى نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، ولا بحال من الأحوال.
غير أن ورود لفظة (عراقنا) من طريقين مستقلتين، وإن كان فيهما كلام، إلا أنهما ليستا بالساقطتين كلية عن الاعتبار، تشعر بأنها ربما كانت عن سالم بن عبد الله، ويكون سالم روى الحديث بالمعني لقناعته بأن (نجدنا) تعني العراق، حيث فهم ذلك، من الحديث الآخر، الذي سيأتي قريباً، وهو فهم خاطئ يقيناً، كما أسلفنا، وكما سيأتي. وعلى كل حال فإن سالم بن عبد الله، على وثاقته وجلالة قدره، لا يتقدم على نافع. وجمهور الأئمة على تقديم نافع على سالم في حالة الخلاف، لا سيما أن نافعاً أكثر تثبتاً في الألفاظ.
وشذَّت رواية عن نافع عن بن عمر لا يعتد بها، لا سنداً ولا متناً:
* كما هي في مسند الشاميين (ج2/ص270/ح1319): [حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي عن أبيه حدثني أبو رزين الفلسطيني عن أبي عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك عن نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وفي مكتنا وفي مدينتنا وفي شامنا وفي يمننا!)، فقال رجل: يا رسول الله: وفي العراق ومصر؟!)، فقال: (هناك يطلع قرن الشيطان؛ وثم الزلازل والفتن)]، وقد أخرجه الإمام ابن عساكر في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 135) من عدة طرق كلها إلى محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي هذا عن أبيه، وفيما أعلم لم يتابعهما أحد في العالم على هذا قط.
قلت: وهذا إسناد ساقط، بل هو ظلمات بعضها فوق بعض: يزيد بن سنان الرهاوي، وكذلك ابنه محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي ضعاف. وأبو رزين الفلسطيني مجهول، ومن المحتمل، وإن كان هذا مستبعداً، أن يكون مسرة بن معبد اللخمي الفلسطيني، وهو مختلف فيه: ذكره في الضعفاء وقال: (لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الاثبات)؛ ذكره بن حبان في الثقات، فقال: (كان ممن يخطى)؛ وذكره في مشاهير الأمصار، وقال: (وكان يغرب). والمتن أكثر سقوطاً: فما ورد في مصر ذم من هذا النوع إطلاقاً: هذا كلام متعصب كاذب أراد الثناء على الشام، وفي نفس الوقت مذمة مصر والعراق!
وشذَّ حديث عن ابن عباس، لا يعتد به، لا سنداً ولا متناً:
* كما هو في المعجم الكبير (ج12/ص84/ح12553): [حدثنا محمد بن علي المروزي حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن المنيب حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان عن أبيه عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: دعا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وبارك لنا في مكتنا ومدينتنا وبارك لنا في شامنا ويمننا!)، فقال رجل من القوم: (يا نبي الله، وعراقنا؟!) فقال: (إن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن. وإن الجفاء بالمشرق!)]، وقد أخرجه الإمام ابن عساكر في (تاريخ دمشق، ج: 1 ص: 138) من طريق الطبراني هذه،
ولكن: عبد الله بن كيسان، هو أبو مجاهد عبد الله بن كيسان المروزي، وهو كثير الخطأ، لا تقوم به حجة. وابنه إسحاق بن عبد الله بن كيسان أضعف منه، وهو (منكر الحديث) كما قال الإمام البخاري، لا سيما إذا روى عن أبيه؛ وجاء في لسان الميزان (ج1/ص365/ت1134): [إسحاق بن عبد الله بن كيسان المروزي شيخ لعبد العزيز بن المنيب لينه أبو أحمد الحاكم انتهى. وقال البخاري في ترجمة عبد الله بن كيسان: (له ابن يسمى إسحاق منكر الحديث)؛ وقال بن حبان في الثقات: (يتقي حديثه من رواية ابنه عنه)؛ وأورد أيضا في مسند بن عباس من المختارة من رواية إسحاق هذا عن أبيه عن عكرمة عن بن عباس حديثا طويلا في نزول: {إذا جاء نصر الله والفتح}، فتعقبه الصدر الياسوفي فيما رأيت بخطه فقال: (هو من رواية إسحاق عن أبيه وفيهما الضعف الشديد)].
قلت: فظهر بذلك أن قول الهيثمي في (مجمع الزوائد) عند تعقيبه على هذا الحديث: [رجاله ثقات] وهم فاحش. وبذلك تكون لفظة (عراقنا) في الحديث لفظة منكرة (رواية)، أي من حيث الإسناد، لمخالفة الراوية الضعيف للثقات، وهي كذلك منكرة (دراية)، أي من حيث المتن، بقرينة لفظة (المشرق)، والعراق ليس بمشرق المدينة أصلاً، كما حررناه أعلاه، على فرض ثبوت أصل الحديث، أو بعض فقرات الحديث، عن ابن عباس أصلاً، وهو لا يثبت بمثل هذا الإسناد الساقط!!
ولا شك أنه من المحال الممتنع أن يكون العراق المعروف بعينه هو نجد جزيرة العرب المعروف بعينه، لأنهما مكانان معروفان مختلفان منفصلان، ومن المحال أيضاً أن يكون المقصود هو العراق، ويسميه نبي الله الخاتم: نجداً، فيكون قد لبس علينا، ولم يقم بما أوجب الله عليه من البيان الكافي، لا سيما أنه أن خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وقت لأهل نجد (قرن المنازل) يهلون منه، ووقت لأهل العراق (ذات عرق): فما باله هنا صرح وأبان، وهناك تكلم بالأحاجي والألغاز؟!
فلا بد إذاً من أن أحد ثلاث احتمالات:
(1) اللفظ النبوي هو (نجدنا) في أحاديث، و(مشرقنا) في أحاديث أخر: فلفظة (عراقنا) من أوهام الرواة، أو من روايتهم بالمعنى وفق ظنهم. وهذا هو ما ترشد إليه دراسة الأسانيد وفق أصول هذا الفن؛
(2) اللفظ النبوي هو (عراقنا). ولفظة (نجدنا) من أوهام الرواة، وهذا بعيد جداً، بل هو إلى المحال أقرب؛
(3) اللفظ النبوي هو (مشرقنا). ولفظتا: (نجدنا)، و(عراقنا) كلاهما من تصرفات أو أوهام الرواة، وهذا أيضاً بعيد جداً؛
والاحتمال الأول هو الحق المقطوع به، كما تشهد به الأحاديث التالية، التي تقطع الشك باليقين، وتبرهن أن لفظة (المشرق) قد وردت في أحاديث أخرى، فتداخل الأمر في أذهان بعض الرواة الضعاف أو المتساهلين في الرواية بالمعنى:
* حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: [رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشير إلى المشرق، ويقول: (ها: إن الفتنة ههنا، إن الفتنة ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان)]، كما رواه عنه النجوم الثواقب: مالك، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن جعفر.
وهو مروي بنحوه عن نافع عن عبد الله بن عمر، رواه عنه النجوم الثواقب: عبيد الله بن عمر، وهو في الطبقة العليا من الرواة عن نافع، والبعض يقدمه حتى على مالك وأيوب، وليث بن سعد، وأيوب بن موسى، وهما من أهل المراتب العالية في نافع، وإن كانا دون عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب.
وهو مروي بنحوه أيضاً عن سالم بن عبد الله عن أبيه، رواه عنه محمد بن شهاب الزهري، وحسبك به، وعكرمة بن عمار. وأبو خريم عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، وعمر بن محمد، وفضيل بن عزوان، وعلي بن زيد بن جدعان قولاً واحداً، واضطرب فيه راوية أو إثنان، كما سيأتي قريباً، إن شاء الله:
* كما هو في الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري، (ج3/ص1195/ح3105): [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشير إلى المشرق فقال: (ها إن الفتنة ها هنا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان)]، وتجد في الملحق كافة الأسانيد والطرق التي لخصناها أعلاه.
* وعقب الإمام أبو حاتم محمد بن حبان في (صحيح ابن حبان) بعد ذكر الحديث بنحوه قائلاً: [مشرق المدينة هو البحرين ومسيلمة منها وخروجه كان أول حادث حدث في الإسلام]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرطهما)؛ قول الإمام ابن حبان: (البحرين ومسيلمة منها) ليس بالدقيق، إلا إذا قلنا أنه قصد: جهة البحرين، فهذا صحيح: لأن مسيلمة من اليمامة، وهي من سافلة نجد، وبعدها صحراء الدهناء، ثم (البحرين) التي تسمَّى في أيامنا هذه: (الأحساء)، والناس، في عصرنا هذا، يقتصرون بلفظة (البحرين) على الجزيرة الصغيرة المعروفة.
* وفي (صحيح الإمام مسلم (ج4/ص2229/ح2905)) ذكر المكان الذي تكلم فيه النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بذلك: [وحدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثني (ح) وحدثنا عبيد الله بن سعيد كلهم عن يحيى القطان (قال القواريري: حدثني يحيى بن سعيد) عن عبيد الله بن عمر حدثني نافع عن بن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: (الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)، قالها مرتين أو ثلاثا]، وقال الإمام مسلم: (وقال عبيد الله بن سعيد في روايته قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند باب عائشة).
قلت: الصحيح هو ذكر (عائشة) كما يظهر من مجموع الروايات المتضافرة، وتجد طرفاً منها في الملحق.
* ولكن جاء في الجامع الصحيح المختصر (ج3/ص1130/ح2937): [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قام النبي، صلى الله عليه وسلم، خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان].
قلت: هذا اللفظ: (فأشار نحو مسكن عائشة) تفرد به جويرية عن نافع. وأكثر الرواة يقول: (كان قائما عند باب عائشة)، وجاء أيضاً: (خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بيت عائشة):
* كما هو في صحيح الإمام مسلم (ج4/ص2229/ح2905): [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن عكرمة بن عمار عن سالم عن بن عمر قال: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بيت عائشة فقال: (رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)، يعني المشرق]، وهو بنحوه في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج2/ص26/ح4802)، وغيرهما.
وبتأمل ألفاظ الحديث المختلفة وملابساتها، يظهر الآن – خلافاُ لما قلته في الإصدار القديم – أنه من المستبعد لأن يكون النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال ما قاله، أو قام خطيباُ عند باب عائشة. بل كانت عادته أن بصعد المنبر فيخطب، أو ينفتل من صلاته فيقف في محرابه ويتكلم. ولذلك نرجح أنه خطب (فأشار نحو مسكن عائشة): فإما أن يكون ذكر (باب عائشة) وهماً من بعض الرواة، التبست عليه جملة (أشار نحو مسكن عائشة) بجملة (خرج من مسكن عائشة)؛ أو، وهو الأولى: أن يكون حديث جويرية عن نافع هو الصحيح، ولكن فيه اختصار، والأصل هو: [خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، من باب عائشة، فصعد المنبر خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان]، أو نحواً من ذلك، فإن كان هذا صحيحاً فإنه يعني أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خرج من بيت عائشة متوجها إلى المنبر فمخاطباً الحضور فوراً، وهذا يدل على الاهتمام والاستعجال، فكأنه جاءه وحي بذلك تلك الساعة.
* وكذلك جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل، (ج2/ص143/ح6302): [حدثنا بن نمير حدثنا حنظلة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن بن عمر قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشير بيده يؤمالعراق ها ان الفتنة ههنا ها ان الفتنة ههنا ثلاث مرات من حيث يطلع قرن الشيطان]
قلت: هذه تفرد بها عبد الله بن نمير عن حنظلة، خالفه إسحاق بن سليمان العبدي الرازي، فرواه بلفظ (المشرق)، كما هو عند الإمام مسلم في الصحيح من طريق محمد بن عبد الله بن نمير عن إسحاق بن سليمان العبدي الرازي!
وكنا قد تعجلنا فحكمنا على لفظة (العراق) بالشذوذ وذلك لما يظهر من متابعة الروايات الأخرى عن سالم بن عبد الله بن عمر، رضوان الله عليهم، من غير طريق حنظلة، والصحاح منها تجمع كلها على لفظة: (المشرق) أو (من حيث يطلع قرن الشيطان)، وليس فيها لفظة (العراق) البتة، كما هو في رواية الإمام محمد بن شهاب الزهري (وهو أجل وأحفظ وأثبت من حنظلة)، وكل من: عكرمة بن عمار. وعقبة بن أبي الصهباء أبو خريم الباهلي، وعمر بن محمد، وفضيل بن غزوان، وكلهم ثقات مشاهير، وكذلك علي بن زيد بن جدعان (وليس هو بالقوي). وقلنا، أيضاً آنذاك: فهذه نصوص صريحة على صحة وثبوت لفظة: (المشرق) عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ونحن نستدرك الآن فنقول: الذي يظهر أن أصل حديث بن عمر هو: [خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، من باب عائشة، فصعد المنبر خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان]، أو نحواً من ذلك، ومسكن عائشة هو في الشمال الشرقي من المحراب أو المنبر: فذكره نافع عن عبد الله بن عمر هكذا صراحة في بعض المرات، وترجمه إلى: المشرق في أكثر المرات، وأما سالم فجعله نحو العراق، ولا لوم عليه في ذلك لأن جانب العراق الجنوبي هو إلى الشمال الشرقي من المدينة، ونصفه الشمالي يكاد أن يكون شمال المدينة خالصاً، ولا ننتظر من سالم، أو غيره من أهل ذلك العصر، أن يكون لهم علم بالمساحة الأرضية والجغرافيا أكثر من ذلك. ولذلك لا نستغرب أن تأتي بعض من الروايات عن سالم بلفظ: (العراق).
* وجاء إيضاح الإشكالات في صحيح الإمام مسلم (ج4/ص2229/ح2905): [حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان وواصل بن عبد الأعلى وأحمد بن عمر الوكيعي (واللفظ لابن أبان) قالوا: حدثنا ابن فضيل عن أبيه قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: (يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة: سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن الفتنة تجيء من هاهنا)، وأومأ بيده نحوالمشرق، (من حيث يطلع قرنا الشيطان!). وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض؛ وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل له: {وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا}]. وقال الإمام مسلم: (قال: أحمد بن عمر في روايته عن سالم لم يقل سمعت)، وهو بعينه في (مسند أبي يعلى) وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، قلت: نعم هو كذلك، وهو أيضاً على شرط مسلم!
قلت: أما توبيخ سالم بن عبد الله بن عمر لأهل العراق، كما جاء في الحديث الصحيح، آنف الذكر، فإنما هو رأي واجتهاد من سالم فقط، فليس هو إذاً حجة، وإنما الحجة في روايته، لا في رأيه؛ وهو قد روى صراحة: (وأومأ بيده نحو المشرق). فلعل سالماً توهم أن الحديث ينطبق على العراق لأنه ظنه، كما أسلفنا، شرق المدينة محضاً، وهو ليس كذلك يقيناً، والله أعلم.
وبهذا تتضح المسألة، وتنجلي الإشكالية، بأن لفظة (العراق) إنما هي في الأصل من سالم بن عبد الله بن عمر، الذي ضاق ذرعاً بتقاتل أهل العراق في عصره، فوبخهم على ذلك، وهو محق في هذاً التوبيخ، وظن أن الحديث ينطبق عليهم، فذكره لهم، وهو مخطئ في هذا التطبيق، لأن التقاتل موجود في كل أنحاء الدنيا، شرقاً وغرباً، شاماً ويمناً؛ وإنما تميزت نجد (مشرق المدينة)، والمشرق الأقصى بزيادة من ذلك فاحشة، تفوق ما يوجد في غيرها من الأقطار، كما سيأتي مزيد بيان له.
وربما كابر بعض الزاعمين بان المقصود هو: (العراق)، فاحتج بالحديث التالي:
* الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2541/ح6535): [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا الشيباني حدثنا يسير بن عمرو قال قلت لسهل بن حنيف هل سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول في الخوارج شيئا قال سمعته يقول، وأهوى بيده قبل (العراق)، يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية]؛
ــ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج6/ص91/ح5608): [حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب (ح) وحدثنا محمد بن حيان المازني حدثنا محمد بن عبيد بن حساب (ح) وحدثنا أبو حصين القاضي حدثنا يحيى الحماني قالوا حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا سليمان الشيباني حدثنا يسير بن عمرو قال قلت لسهل بن حنيف هل سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول في الخوارج شيئا قال سمعته يقول وأهوى بيده نحو (العراق) يخرج بينهم قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية]؛
فنقول: جملة: (أهوى بيده قبل (العراق) من كلام سهل بن حنيف، وفق فهمه لإشارة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فقد يكون مصيباً، وقد يكون مخطئاً في تقدير الاتجاهات، كما كان هو الحال بالنسبة لسالم بن عبد الله بن عمر. والصحيح أنه مخطئ بشهادة الحديث التالي:
* الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2749/ح7123): [حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (المَشْرِقِ)، وَيَقْرَؤونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لاَ يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ»، قِيلَ: (مَا سِيمَاهُمْ؟)، قَالَ: «سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ»، أَوْ قَالَ:«التَّسْبِيدُ»]؛ وهو بعينه فس شرح السنة للبغوي (10/234/2558): [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ به]، وعقَّب محي السنة قائلاً: (التَّسْبِيدُ: هُوَ الحَلْقُ وَاسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ، وَيُقَالُ: هُوَ تَرْكُ التَّدَهُّنِ وَغَسْلِ الرَّأْسِ. رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسَ قدِمَ مَكَّةَ مُسَبِّدًا رَأْسَهُ، وَأَرَادَ تَرْكَ التَّدَهُّنِ وَغَسْلِ الرَّأْسِ)؛
ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص64/ح11632) بلفظ: [حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَخْرُجُ أُنَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ» قِيلَ: (مَا سِيمَاهُمْ؟)، قَالَ: «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ وَالتَّسْبِيتُ»]
ــ وبنحوه أبو يعلى في مسنده (ج2/ص409/ح1193): [حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، بنحوه]؛
فنقول: أولاً: جملة: (يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (المَشْرِقِ)) فإنما هي من كلام المعصوم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وهذا قطعاُ أولى بالتقديم من فهم سهل بن حنيف لإشارته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛
وثانياً: لا يشك أحد في العالم أن أبا سعيد الخدري، رضي الله عنه، أحفظ وأثبت وأتقن وأوسع رواية من سهل ين حنيف، رضي الله عنه؛ وأبو سعيد معروف بالتشدد في الرواية باللفظ؛ وكذلك لا يشك أحد أن معبد بن سيرين أشهر وأوثق من يسير (أو: أسير) بن عمرو؛ والإمام محمد بن سيرين من رؤوس الحفظ والتثبت والإتقان؛ وهو أيضاً معروف بالتشدد في الرواية باللفظ، بل ورفض الرواية بالمعنى، ولا شك أنه فوق أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني؛ ومهدي بن ميمون ليس بدون عبد الواحد بن زياد، بل لعله فوقه؛ فهذا الإسناد إذاً أصح وأولى بالتقديم من إسناد حديث سهل بن حنيف؛
وثالثاً: إن كان أبو سعيد الخدري سمع من النبي ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في مناسبة أو جلسة غير التي سمع فيها سهل بن حنيف، فحيثه زيادة بيان وإيضاح لإشارة النبي ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التي ربما كانت نحو بيت عائشة، فأساء سهل بن حنيف فهمها. وأما إن كانا سمعا ذلك في نفس الجلسة فرواية أبي سعيد برهان على أن سهلاً لم يحفظ كما ينبغي: فهو لم يحفظ تمام اللفظ النبوي، ولعله لم يحفظ أو يفهم الإشارة على وجهها.
ويؤيد قولنا هذا:
* ما جاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/556/8558): [أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: خَرَجْتُ حَاجًّا، فَقَالَ لِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتَرٍ قَاضِي أَهْلِ مِصْرَ: أَبْلِغْ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَعْلِمْهُ أَنِّي قَدِ اسْتَغْفَرْتُ الْغَدَاةَ لَهُ وَلِأُمِّهِ، فَلَقِيتُهُ فَأَبْلَغْتُهُ، قَالَ: وَأَنَا قَدِ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ أُمَّ حَنْو، يَعْنِي مِصْرَ؟)، قَالَ: فَذَكَرْتُ لَهُ مِنْ رَفَاهِيَتِهَا وَعَيْشِهَا، قَالَ: (أَمَا إِنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْضِ خَرَابًا، ثُمَّ أَرْمِينِيَةُ، قُلْتُ: (سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم؟)، قَالَ: لَا؛ وَلَكِنْ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِنَّهَا تَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ، وَتُقَذِّرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ فَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ»؛ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (الْمَشْرِقِ) يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ، حَتَّى يَخْرُجَ فِي بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ»]، ثم قال الإمام الحاكم: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ؛ فَقَدِ اتَّفَقَا جَمِيعًا عَلَى أَحَادِيثِ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ)؛
قلت: إنما أخرج البخاري لموسى بن علي بن رباح اللخمي المصري وأبيه في الأدب المفرد فقط؛ وكلاهما ثقة صدوق؛ ولكن في أبي صالح عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، كاتب الليث نزاع معروف. ولكن هذا لا يضر ها هنا لورود الحديث من طريق مستقلة تمام الاستقلال:
* فقد جاء في مسند أبي داود الطيالسي (4/48/2407): [حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو نَوْفًا فَقَالَ: حَدِّثْ، فَإِنَّا، قَدْ نُهِينَا عَنِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُحَدِّثَ وَعِنْدِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، يَخْرُجُ خِيَارُ الْأَرْضِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ»؛ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (الْمَشْرِقِ) يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ ثُمَّ يَخْرُجُ فِي بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ»]؛ وهو في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (8/118/7622)، ثم قال: (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْه: “يَخْرُجُ نَاسٌ… ” إِلَى آخِرِهِ دُونَ بَقِيَّتِهِ).
ــ وهو بأتم لفظ في تاريخ دمشق لابن عساكر (1/161): [أخبرنا أبو القاسم بن الحصين حدثنا أبو علي بن المذهب أخبرنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا أبو داود (وعبد الصمد المعني)، قالا: حدثنا هشام عن قتادة عن شهر قال أتى عبد الله بن عمرو على نوف يعني البكائي، وهو يحدث فقال حدث فإنا قد نهينا عن الحديث فقال ما كنت لأحدث وعندي رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم من قريش فقال عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول ستكون هجرة بعد هجرة بخيار الأرض قال عبد الصمد لخيار الأرض إلى مهاجر إبراهيم فيبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم الأرضون وتقذرهم نفس الله عز وجل وتحشرهم النار مع القردة والخنازير ثم قال حدث فإنا قد نهينا عن الحديث فقال ما كنت لأحدث وعندي رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم من قريش فقال عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول يخرج قوم من قبل (المشرق) يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما قطع قرن نشأ قرن كلما قطع قرن نشأ قرن حتى يخرج في بقيتهم الدجال]؛
ــ وهو باختصار في المعجم الكبير للطبراني (ج13-14/ص618/ح14540): [حدثنا محمَّد بن علي الصَّائغ، حدثنا بكر بن خَلَف، حدثنا معاذُ بن هشام، حدثني أبي، عن قَتادة، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الله بن عَمرو، قال: سمعتُ النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، يقول: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ (المَشْرِقِ)، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ، حَتَّى يَكُونَ مَعَ بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ»]؛ وبعينه في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (6/230/10417)، ثم قال: (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ)؛ قلت: بل هو إلى الصحيح أقرب لعدم صحة الكلام في شهر بن حوشب.
| فصل: روايات مؤيدة لحديث الباب
* ويؤيده (أي حديث الباب)، ويزيده بياناً، أيضاً حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري: [أشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده نحو اليمن فقال: (الإيمان يمان ها هنا؛ ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)]
* كما هو في الجامع الصحيح المختصر (ج3/ص1202/ح3126): [حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن إسماعيل قال: حدثني قيس عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: أشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده نحو اليمن فقال: (الإيمان يمان ها هنا؛ ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج3/ص1289/ح3307)؛ ومسلم في صحيحه (ج1/ص71/ح51)؛ والحميدي في مسنده (ج1/ص217/ح458)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص118/ح17107)، و(ج5/ص273/ح22397)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص209/ح565)، و(ج17/ص209/ح566)، و(ج17/ص209/ح567)، و(ج17/ص210/ح568)، و(ج17/ص212/ح577)؛ والقضاعي في مسند الشهاب (ج1/ص129/ح163)؛ وابن حنبل في فضائل الصحابة (ج2/ص862/ح1608)؛ وربما غيرها.
قلت: وهذا الحديث أكثر صراحة في ذكر (نجد) جزيرة العرب، فهي:
(1)ــ أرض الفدادين، رعاء الإبل. والعراق أرض زراعة وصناعة وتجارة، وما كانت آنذاك أرضاً لرعاء الإبل، ولا هي كذلك الآن؛
(2)ــ و(نجد) جزيرة العرب، هي بلاد ربيعة ومضر. وليس بالعراق آنذاك من مضر أحد يعتد به. وفي أقصى جنوبه (المناطق التي يسمونها الكويت وما حولها) يسكن بعض بني شيبان، من ربيعة، رهط المثنى بن حارثة الشيباني، رضي الله عنه؛ وفي أقصى شماله الغربي، من جهة الجزيرة، بطون من تغلب، إلا أن الجزيرة تعتبر في العادة شامية، وليست عراقية. أما العراق فعامة أهله من الفرس والأكراد والنبط (وهؤلاء، في الأرجح، من أصول سامية وقحطانية قديمة)، ثم بطون من قبائل اليمن.
* ويؤيده حديث أبي هريرة: وتمام نصه، كما هو من مجموع الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما، التي تجدها في الملحق، إذا ألفت تأليفاً صحيحاً: [لما نزلت: {إذا جاء نصر الله والفتح}، قال: النبي، صلى الله عليه وسلم: (أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوباً وأرق أفئدة: الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان؛ السكينة والوقار في أهل الغنم؛ والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل؛ والجفاء والقسوة وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل من ربيعة ومضر، ورأس الكفر نحو المشرق)]؛(وجاءت رواية صحيحة بزيادة: وأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)؛
ورواه كذلك العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه، وزاد فيه (أي: العلاء): [ويأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة، حتى إذا جاء دبر أحد تلقته الملائكة: فضربت وجهه (وقال مرة: صرفت وجهه) قبل الشام هنالك يهلك، هنالك يهلك!]؛ وهي زيادة صحيحة على شرط الإمام مسلم، وقد أخرجها الإمام مسلم.
وهو كالمتواتر عن أبي هريرة، رواه: الأعرج، وأبو صالح ذكوان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب، وهمام بن منبه، وأبو مصعب هلال بن يزيد المازني البصري، وأبو الغيث سالم مولى أبي مطيع المدني، وأبو رزين مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، وثابت بن الحارث، وأبو روح شبيب بن نعيم، وموسى بن مطير عن أبيه.
قلت: وهذا الحديث الصحيح الصريح كسابقه ينص على (نجد) المعروفة، نجد جزيرة العرب، ولكن فيه زيادة فائدة تبين أن المسيح الدجال هو أحد ما تصدق عليه جملة: (رأس الكفر نحو المشرق)، فيكون المشرق ها هنا هو المشرق الأقصى من بلاد الترك، وما وراء النهر، حيث يخرج عدو الله الأعور الدجال، لعنه الله.
وأهل اليمن هنا، كما يدل عليه مجموع الروايات، وسيأتي طرف طيب منها، هم جميع قبائل اليمن، وليس فقط الأنصار، ولا هم أهل تهامة، كما ظنه الإمام سفيان بن عيينة عندما قال: (وإنما يعني قوله أتاكم أهل اليمن أهل تهامة لأن مكة يمن وهي تهامة وهو قوله الإيمان يمان والحكمة يمانية).
وهناك أحاديث كثيرة جداً، مؤيدة لما سبق، يصعب حصرها، فلعلنا نجتزئ بالأهم منها، مع مناقشة أهم طرقها في الملحق:
* حديث جابر بن عبد الله: (الإيمان في أهل الحجاز، والقسوة وغلظ القلوب قبل المشرق في ربيعة ومضر)، بإسناد صحيح.
* وحديث بشر بن حرب عن عبد الله بن عمر: (اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي صاعنا ومدنا ويمننا وشامنا ثم استقبل مطلع الشمس فقال: من ههنا يطلع قرن الشيطان، من ههنا الزلازل والفتن)،
قلت: بشر بن حرب صدوق، ولكنه ليس بالقوي، والظاهر أنه أدخل حديثاً في حديث، أو تساهل في الرواية بالمعنى، وربما كان هذا من حماد بن سلمة، لأن حماد بن زيد، وهو أقوى وأثبت، خالفه، كما هو في الملحق.
* وحديث أبي سعيد الخدري: (أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا) بإسناد جيد.
* وحديث آخر عن أبي سعيد الخدري: [افتخر أهل الإبل عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل)]
* وأثر عبد الله بن مسعود: [الإيمان يمان]، بإسناد صحيح.
* وحديث أنس بن مالك: [الإيمان يمان (هكذا إلى لخم وجذام) والجفاء في هذين الحيين من ربيعة ومضر]، بإسناد صحيح.
* وحديث آخر لأنس بن مالك: [قد أقبل أهل اليمن وهم أرق قلوبا منكم: فهم أول من جاء بالمصافحة]، بإسناد صحيح على شرط مسلم.
* وحديث عقبة بن عامر: [أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدة وأنجع طاعة]، بأسانيد حسنة جياد.
* وحديث آخر لعقبة بن عامر (وربما عن عبد الله بن مسعود): [الإيمان يمان؛ ومضر عند اذناب الإبل] بإسناد جيد.
* وحديث جبير بن مطعم: [آتاكم أهل اليمن كقطع السحاب خير أهل الأرض]، بإسناد حسن، لا بأس به.
* وحديث أبي كبشة الأنماري: [الإيمان يمان، والحكمة ههنا إلى لخم وجذام]، بإسناد صحيح.
* وحديث بن عباس: [قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية]؛ بإسناد قوي.
* وحديث عثمان بن عفان: [الإيمان يمان: ورحى الإسلام في قحطان].
* وحديث عبادة بن الصامت: [«الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَهَكَذَا إِلَى جُذَامَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى جُذَامَ، يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى شَعَفَ الْجِبَالِ»]، بإسناد حسن قوي، والحديث صحيح بشواهده ومتابعاته.
* وحديث روح بن زنباع: [الإيمان يمان]، بإسناد جيد.
* وحديث معاذ بن جبل: [بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم]، وأمره أن ينزل بيم السكون والسكاسك.
عباس بن الوليد
وهناك روايات أخرى حول هذا الموضوع، منها:
* ما جاء في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (4/264/2279) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حدثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ، عَنْ ثَوْبَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنِّي عِنْدَ عُقْرِ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَذُودُ عَنْهُ النَّاسَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ»]
* وما جاء في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (4/265/2280): [حَدَّثَنَا الْحَوْطِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بُحَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ السَّلَمِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعَنْ أَهْلَ الْيَمَنِ: فَإِنَّهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، كَثِيرَةٌ عَدَدُهُمْ، حَصِينَةٌ حُصُونُهُمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «لَا» ثُمَّ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْأَعْجَمَيْنِ فَارِسَ وَالرُّومَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرُّوا بِكُمْ يَعْنِي أَهْلَ الْيَمَنِ يَسُوقُونَ نِسَاءَهُمْ وَيَحْمِلُونَ أَبْنَاءَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ فَإِنَّهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»]؛ ولا خوف إلا من تدليس بقية، وتدليسه قبيح في العادة، ولكني استخير الله وأقول: لم يدلس هاهنا، لأن المتن في غاية الجودة والنظافة، والحديث صحيح إن شاء الله.
* وجاء في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (4/266/2286): [حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ التُّجْيبِيِّ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَوْدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو نَجِيحٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ قَبَائِلَ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (السَّكَاسِكُ وَالسُّكُونُ () كِنْدَةُ، وَإِلَّا مُلُوكَ مُلُوكِ رَدْمَانَ، وَفِرَقًا مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَفِرَقًا مِنْ خَوْلَانَ)]؛ كأن هناك سقط ()، فلعله: (و)، ولفظة: (وَإِلَّا) ها هنا نافية استثنائية، بمعنى: (غير)، أو بمعني: (ليس)، والله أعلم؛ فلعل تأويل الكلام هو: (خَيْرِ القَبَائِلِ: السَّكَاسِكُ وَالسُّكُونُ وَكِنْدَةُ، ليس مُلُوكَ مُلُوكِ رَدْمَانَ، وَفِرَقًا مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَفِرَقًا مِنْ خَوْلَانَ)؛ وستأتي تسمية بعض أولئك الملوك الأشرار الذين استثناهم نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، والملوك كلها أثرة وشر وجبروت: لا ملك إلا الله.
* وهناك أيضاً مراسيل في هذا الموضوع، منها:
* ما جاء في الآحاد والمثاني (ج5/ص271/ح2797): [حدثنا أبو بكر أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن جبلة بن عطية عن عبد الله بن عوف رضي الله تعالى عنه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الإيمان يمان في حِنْدِس وجذام)]؛ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص407/ح32437)؛ قلت: هذا إسناد صحيح إلى عبد الله بن عوف، ولكنه مرسل: عبد الله بن عوف ليست له صحبة، في الأرجح؛ وأما (حِنْدِس) فلم أعرفها من القبائل، ولم أجدها مذكورة في غير هذا الحديث مطلقاً، فإن لم تكن تصحيفاً، فلعلها بطن من لخم لكثرة ذكر لخم وجذام مقترنتين؛ وأما لغة: (فالحِنْدِسُ: الظُّلْمَة، وَفِي الصِّحَاحِ: اللَّيْلُ الشَّدِيدُ الظُّلْمَةِ) كذا نصاً من لسان العرب (6/58)؛ وأيضاً في نفس الصفحة: (وَلَيْلَةٌ حِنْدِسَة، وَلَيْلٌ حِنْدِس: مُظْلِمٌ. والحَنادِسُ: ثَلَاثُ ليالٍ مِنَ الشهرْ لِظُلْمَتِهِنَّ، وَيُقَالُ دَحامِسُ. وأَسْوَدُ حِنْدِسٌ: شَدِيدُ السَّوَادِ، كَقَوْلِكَ أَسْوَدُ حالِكٌ)؛ ووجدنا أيضاً في تكملة المعاجم العربية (3/348): [حَنْدُس: حَنْدُوس: صُفْر، نحاس أصفر]
* وما جاء في فضائل الصحابة (ج2/ص866/ح1619): [حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (الإيمان يمان، إلى ههنا)، وأشار بيده حتى جذام، (صلوات الله على جذام)]، قلت: هذا مرسل صحيح الإسناد إلى قتادة؛ وهو في حقيقته متصل بواسطة عمير بن هانئ إلى عبادة بن الصامت، كما سلف.
* وما جاء أيضاً في فضائل الصحابة (ج2/ص867/ح1622): [حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الله بن الحارث قال: حدثني حنظلة أنه سمع طاوسا يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة. الإيمان يمان، والحكمة يمانية)، قال: حنظلة فقلت يا أبا عبد الرحمن ما يعد اليمن قال: المدينة]، قلت: وهذا أيضاً مرسل صحيح الإسناد إلى طاوس.
ولحسم ماهية (اليمن) المقصود في الأحاديث حسما نهائياً يقينياً، إليك حديث عمرو بن عبسة الطويل الصحيح الغريب:
* كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص387/ح19463) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قال: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْن
...

الثلاثاء، 30 أغسطس 2016

الانتقاص من العظمة المحمدية بالبشرية

النبي صلى الله عليه وسلم هو أكرم الخلق على رب العالمين، وهو المبعوث رحمة للعالمين، وسيد الخلق أجمعين، وإمام الأنبياء والمرسلين، وصاحب الشفاعة الكبرى يوم الدين، وصاحب المقام المحمود، وصاحب لواء الحمد، والمصطفى في الإسراء والمعراج لرؤية الحق سبحانه وتعالى من غير جهة ولا كيفية، ونبي آخر الزمان الذي بشر به الأنبياء والمرسلون، وله من الخصائص الجلية والخفية ما لا يحصى ولا يعد أليس هو أكرم الخلق على ربه عز وجل؟!

لذلك عندما تجد في هذا الزمان المتأخر من ليس له هم إلا النيل من هذه العظمة المحمدية، والإنتقاص من هذا القدر العظيم، والطعن في هذا الجناب المبجل فاعلم أن في قلبه نفاق ولو لم يشعر، وأنه يواطئ اليهود الذين ما كرهوا شيئًا مثل ما كرهوا مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخرج النبوة والرسالة من بني إسرائيل.

وإن الذين يتذرعون بالبشرية في الإنتقاص من قدر الأنبياء والرسل ظانين أنهم مساوون لهم فإنهم يسلكون مسلك الذين كفرو والمنافقون، قال تعالى:
▪"فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ"
[المؤمنون: 24]

▪"وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ" [المؤمنون:  33]

▪"قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" [إبراهيم: 10]

▪"وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ" [الشعراء: 186]

▪"قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ"
[يس: 15]

▪"لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ"
[الأنبياء: 3]

▪"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ"
[الأنعام: 91]

لا، ليس كل البشر كالبشر، فالأنبياء والرسل هم القمم في كل شيء ولهم بشرية خاصة كأن يولدوا بغير أب، أو أن يتكلموا في المهد، أو أن ينبع الماء من بين أصابعهم، أو أن يروا من خلفهم كما يروا من أمامهم، أو أن يسمعوا الحجر والجماد ويتكلموا مع الطير والحيوان، وغير ذلك من الخصائص الفريدة لبشريتهم، قال تعالى:
"قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" [إبراهيم: 11]

يمن على من يشاء بما يشاء، والله على كل شيء قدير.

فلا تسمعوا لخوارج هذا العصر

    🍃🍀🍀🍀🌿


📩 لا تدعها تقف عندك، فالدال على الخير كفاعله

هل المبالغة في حب النبي صلى الله عليه وسلم غلو؟‼

💞 هل المبالغة في حب النبي صلى الله عليه وسلم غلو؟‼

ما هو الغلو إبتداءًا؟ هو مجاوزة الحد.

وما هو حد محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟‼

المطلوب منا هو أن نحبه أكثر من الولد والوالد والناس أجمعين، وأكثر من كل شيء حتى النفس لقوله تعالى:
 (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [سورة التوبة: 24]

ولقوله صلى الله عليه وسلم:
"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"
[متفق عليه]

وقوله صلى الله عليه وسلم:
"والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"
[أخرجه الإمام أحمد]

ولحديث سيدنا عمر رضي الله عنه المشهور في صحيح البخاري، فعن عبدالله بن هشام بن زهرة القرشي رضي الله عنه قال:
كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر:
يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك".
فقال له عمر:
فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"الآن يا عمر".

وهل بلغنا هذا الحد؟ أن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شيء حتى النفس؟‼

لا والله، بل نحن متقاصرون دون ذلك بكثير وإن اجتهدنا وسعينا، ونسأل الله عز وجل أن يبلغنا ذلك المقام السامي الذي تصدره الصحابة رضوان الله عليهم والصلحاء الكمَُل من عباد الله الصالحين في هذه الأمة.

فكيف تكون المبالغة في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم غلوًا ونحن أصلًا دون الحد؟‼

                  💞💚💞

هذا الدين العظيم ربط بين المحبة والإيمان ربطًا محكمًا، فلا إيمان لمن لا محبة له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم" أي لا يكمل إيمانه، "حتى أكون أحب إليه من نفسه" التي بين جنبيه.

بل ولن نتذوق حلاوة الإيمان أصلًا إلا بالمحبة لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان" أولها:
"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" [متفق عليه]

وهل للإيمان حد؟ هل يقال: آمن حتى حد معين ولا تزد فوق ذلك؟‼

لا يقول ذلك عاقل، بل لا يقوله إلا مجنون أو جاهل.

فثبت بذلك أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليس لها حد كما أن الإيمان ليس له لحد، بل الواجب علينا أن نعمل على رفع هذه المحبة إلى أقصى درجة نستطيعها فيكون عند ذلك منتهى إيماننا.

أما قوله صلى الله عليه وسلم:
"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم"
فيعني أن لا نخرج النبي صلى الله عليه وسلم من العبودية لله كما فعل النصارى برسولهم عيسى عليه السلام إذ جعلوه إلها مع الله سبحانه وتعالى. أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو عبد الله ورسوله، لم يبلغ تلك العظمة وذلك المقام المحمود إلا بكمال عبوديته لله عز وجل فقال جل من قائل: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ)

وهل هناك فرق بين حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟‼

حاشا لله! فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من حب الله عز وجل، لماذا؟

لأننا ما أحببناه إلا لله، وفي الله، وبأمر الله، ولأنه رسول الله، كما قال تعالى:
(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [سورة التوبة: 24]
ولما تقدم من الأحاديث النبوية الشريفة الآمرة بوجوب المبالغة في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا العلم منقول، فجزى الله عني خيرًا الأستاذ والإمام في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فضيلة الشيخ عبد الرحيم الركيني رضي الله عنه على هذه المعاني الراقية والعلوم السامية التي نتلقاها عنه في مسجده العامر في [أبو آدم] مربع 6 بالخرطوم، فجزاه الله عن أمة الإسلام خير الجزاء، وبارك الله لنا في عافيته. اللهم آمين

🌿🍃🌷🌷🌷🍃🌿

📩 لا تدعها تقف عندك، فالدال على الخير كفاعله.

دليل المحبة الشوق ام الطاعة؟

☝ما هو الدليل على محبة النبي صلى الله عليه وسلم: الشوق أم الطاعة؟

ابتداءًا هل الطاعة دليل على المحبة؟‼

ليس بالضرورة، فكل مؤمن مثلًا يحب الله عز وجل بلا شك، ومع ذلك فهناك مؤمنون يعصونه باقتراف بعض الذنوب، بل كان هناك مدمن خمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم -والخمر هي أم الكبائر- وكان كثيرًا ما يؤتى به فيجلد. وذات يوم سبه أحد الحاضرين وقال:
"ما أكثر ما يؤتى بك!"
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوه، فوالله إني قد علمت أنه يحب الله ورسوله" [رواه البخاري]

فرغم عصيانه وشربه لأم الكبائر فقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويالها من شهادة تؤكد أن الطاعة ليست شرطًا للمحبة، فكم من منافق كان يطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهره ويبغضه في باطنه! وكم من عاصٍ ومبتلى وهو يسأل الله كل حين أن يتوب عليه.

                  🌴🌴🌴

وقد يكون العصيان في بعض الأحيان أبلغ دليل على المحبة، فإذا كنت ومحبوبك في خطر وأمرك حبيبك أن تتركه وتنجو هل سيهون عليك أن تفعل؟! بل ستبقى معه وتخالفه إن كان حبه متمكنًا من قلبك.

لذلك عندما طلب المشركون في صلح الحديبية من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمحو من المعاهدة عبارة "رسول الله"، قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: "أمحها يا علي"، فأبي سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن يمحوها وقال: " لا والله لا أمحوك أبدًا"، وما قال ذلك إلا محبة وغيرة على النبي صلى الله عليه وسلم.

                    ☘☘☘

إن المحبة عاطفة قلبية صادقة، الدليل عليها الشوق إلى لقاء المحبوب، لذلك أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
"إن من أشد أمتي لي 💕 حبًا ناس يكونون بعدي، يود أحدهملو رآني بأهله وماله"‼
يتخلى عن أعز ما يملك لأجل أن يلقى محبوبه صلى الله عليه وسلم، وفي هذا دليل صريح على أن علامة حب النبي صلى الله عليه وسلم هي شدة الشوق لرؤية الجميل النبيل صلى الله عليه وسلم.

               ☘☘☘

والمحبة درجات، فكلما تصاعدت وتجذرت في قلب المحب كلما زاد صدقه لمحبوبه وإخلاصه، وطاعته، والإستعداد للتضحية من أجله. فلذلك المحبة أصل وأساس والطاعة فرع منها وليس العكس، وعندما سأل أعرابي النبي صلى الله عن القيامة قائلًا:
"يا رسول الله متى الساعة؟"
فتعجب النبي من جرأة السائل وقال له: "ويحك، وماذا أعددت لها؟!"
فقال: "والله ما أعددت لها من شيء يا رسول الله غير أني أحب الله وسوله"‼
فسر النبي صلى الله عليه وسلم وتهلل وقال له: "أنت مع من أحببت"
وفي رواية: "المرء مع من أحب"
[متفق عليه]

لم يقل له: لن تنفعك المحبة لأن طاعتك قليلة كما تقول، بل بشره بأنه سيكون في معية الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بفضل هذه المحبة، ويالها من معية.

وقد فرح الصحابة رضوان الله عليهم ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم تلك فرحًا شديدًا، فقال راوي الحديث سيدنا ﺃﻧﺲ رضي الله عنه:
"ﻓﻤﺎ ﻓﺮﺣﻨﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﻓﺮﺣًﺎ ﺃﺷﺪ ﻣﻦ ﻗﻮﻝ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: "ﻓﺈﻧﻚ ﻣﻊ ﻣﻦ ﺃﺣﺒﺒﺖ". ﻗﺎﻝ ﺃﻧﺲ: "ﻓﺄﻧﺎ ﺃﺣﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ ﻭﺃﺑﺎ ﺑﻜﺮ ﻭﻋﻤﺮ ﻓﺄﺭﺟﻮ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﻣﻌﻬﻢ، ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺃﻋﻤﻞ ﺑﺄﻋﻤﺎﻟﻬﻢ".

فالمحبة هي الأساس والطاعة ثمرة من ثمارها، وهذا يفسر لنا لماذا أن الإسلام أوجب علينا محبة الله عز وجل وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم أكثر من كل شيء حتى النفس!
لأن ذلك هو السبيل الوحيد إلى الصدق والإخلاص والتضحية وحسن الطاعة.

                   ☘☘☘

أما قوله تعالى:
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم)
فيستدل به في غير موضعه، وفيه عدة مسائل منها:
▪ذكر المفسرون أن الآية نزلت في وفد النصارى الذين قدموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من نجران، فأمره الله عز وجل إن كان الذي يَقولونه في عيسى من عظيم القول، إنما يقولونه تعظيمًا لله وحبًّا له، فليتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
▪الإتباع هنا بمعنى التصديق والإيمان بالرسالة والدخول في دين الإسلام.
▪الآية تتناول الذين يزعمون ويدَّعون محبة الله، وليس محبة رسول الله.
▪هذه الآية أصل كبير في أن النبي صلى الله عليه وسلم هو باب الله عز وجل، فلو سلك الخلق إلى الله كل طريق وطرقوا له كل باب فلن يُفتح لهم حتى يأتوا من خلف النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك أخرج البيهقي بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
"لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي"

                ☘☘☘

📩 لا تدعها تقف عندك، فالدال على الخير كفاعله

أهمية الإرشاد

إلى أولي الألباب..

إن الله عز وجل احتجب عن عامة الخلق بحجاب لا يرفعه عنهم فيرونه إلا يوم القيامة، لكنه عز وجل هداهم إليه بالأنبياء والرسل فقال تعالى:
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [سورة البقرة: 38]

فأوحى إلى صفوة خلقه ليدلوا الناس عليه جل وعلا ويهدونهم إلى سبيل الرشاد، وأمرهم ببلاغ رسالاته وبيان الكتاب الذي أنزل إليهم، وجعلهم منارات ترشد الناس إليه وأبواب يدخلون منها عليه.
لم يشأ سبحانه للناس أن يطلبونه بلا دليل ولا مرشد، لأن الشيطان يتربص بهم، حيث قال تعالى:
(وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [سورة اﻷنعام: 153]
وعن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا ثم قال: "هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" الآية.

لذلك جاء في المثل الشعبي أن من لا شيخ له فشيخه الشيطان، لأن من يقبل على الله فلابد له من دليل ومرشد وإلا سقط في مصائد الشيطان. وعندما زعم أناس أنهم يحبون الله عز وجل ويريدون أن يتعاموا معه مباشرة بدون وسائط ارتضاها أنزل الله تعالى قوله:
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
[سورة آل عمران: 31]
فردهم إلى الباب، فلا دخول على حضرته إلا من الأبواب التي ارتضاها لهم.

                ☘☘☘

لذلك فإن كل من يدعو للتعامل مع الله تبارك وتعالى مباشرة بدون مرشد ولا وسائط ارتضاها فإنه يدعو إلى ضلالة في ثوب حق وتوحيد، لأننا ما رأينا الله عز وجل ولا سمعناه، ولا تكلمنا معه، ولا تكلم هو معنا إلا عبر رسله عليهم السلام، فهم الواسطة التي ارتضاها لنا لنتعرف بها عليه ونقبل منها إليه، ولذلك تجد كثيرًا في القرءان الكريم: عبارة "ويسألونك" ثم تجد الإجابة عبر النبي صلى الله عليه وسلم بعبارة "قل"، فلماذا لم نسأل الله مباشرة؟ ألا يسمعنا؟ ولماذا لم يقل لنا نحن الإجابة مباشرة ألا يتكلم؟ جل وعلا عن ذلك، لكنه حكيم خبير، ولا يسأل عما يفعل.

                ☘☘☘

وقد ورث العلماء الربانيون والأولياء الصالحون العلم من بعد الرسل، وكلفوا بالهداية بعدهم وتذكير الخلق بربهم ودينهم، لذلك عندما سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن الأولياء الصالحين قال:
"هم الذين يُذكر الله بذكرهم"
وفي رواية:
"هم الذين إذا رؤوا ذكر الله".

فالأنبياء والرسل والأولياء الصالحون ليسوا خصمًا على دين الله بل منارات تدل الناس على الله وترشدهم إليه لا غنى عنها، فمن يريد أن يقصيهم في علاقته مع ربه أو يتجاوزهم فإنه يسلك سبيل ضلال على رأسه شيطان.

فلابد من التتلمذ والتلقي عن الأشياخ والسلوك على أيديهم، ومن يظن أن التعلم من الكتب مباشرة أو من المقاطع والرسائل يغنيه فهو على ضلالة، فلو كانت الكتب السماوية تغني لما بعث الله تعالى رسله يبينونها ويطبقونها في واقع الناس.

لا غنى عن الإرشاد لأن المرشد لا يعلمك فقط بل يربيك أيضًا، ويتعهدك، ويخلصك من علل نفسك وعيوبها حتى يوصلك إلى الله عز وجل.

📩 لا تدعها تقف عندك، فالدال على الخير كفاعله

الموت ليس نهاية الحياة

إلى أولي الأبصار..

الموت هو ليس نهاية الحياة، بل هو انتقال من دار إلى دار، من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، فإن الآخرة هي حياة أيضًا كما قال تعالى:
(وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [سورة الفجر: 23 - 24]
فأي حياة تلك التي ندم على أنه لم يقدم لها؟‼
هي الحياة الآخرة.

ولأن الموت ليس هو نهاية الحياة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون"
 [رواه أبو يعلى ورجاله ثقات]

وقال صلى الله عليه وسلم:
"مررت ليلة أسري بي على أخي موسى قائمًا يصلي في قبره"
[أخرجه مسلم]

وفي ليلة الإسراء والمعراج جمع له صلى الله عليه وسلم الأنبياء والرسل فصلى بهم.

وفي معراجه صلى الله عليه وسلم لقي الأنبياء والرسل في كل سماء، وسلم عليهم وتحاور معهم، وكان من ثمرة هذا اللقاء وذلك الحوار أن خففت الصلاة على هذه الأمة من خمسين صلاة إلى خمس.

وأخرج الحاكم عن بن عباس رضي الله عنهما: قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا وأسماء بنت عميس رضي الله عنها قريبًا منه إذ رد السلام وقال: "يا أسماء هذا جعفر مع جبرئيل وميكائيل مروا فسلموا علينا، وأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا ويوم كذا قال: فأصبت في جسدي من مقادمي ثلاثًا وسبعين من طعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذته بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبرئيل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت وأكل من ثمارها ما شئت"
قالت أسماء: "هنيئًا لجعفر ما رزقه الله من الخير، لكني أخاف أن لا يصدقني الناس، فاصعد المنبر فأخبر به الناس"، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"إن جعفر بن أبي طالب مر مع جبرئيل وميكائيل، عوضه الله من يديه جناحين، فسلم علي" ثم أخبرهم بما أخبره به.

وأخرج ابن عدي من حديث سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "عرفت جعفر في رفقة من الملائكة يبشرون أهل بيشة بالمطر".

                    🌴🌴🌴

فعلاقتنا بالأموات لا تنتهي بالموت، بل إن الإعتقاد أن علاقتنا بهم تنتهي بالموت هو اعتقاد الكفار، قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [سورة الممتحنة: 13]
قال الحسن البصري: "كما يئس الكفار من أصحاب القبور" قال الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات.

لذلك قال تعالى:
(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)
[سورة البقرة: 154]

وقال تعالى:
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
[سورة آل عمران: 169 - 170]

                    🌴🌴🌴

ومن بدع هذا الزمان التي بالغ في نشرها خوارج هذا العصر -أجار الله الأمة من أذاهم- قطع العلاقة مع الأموات وتصوير العلاقة بهم أنها شرك والعياذ بالله تعالى. فلم يعد يزور الأموات أحد، ولا يترحم عليهم أحد، ولا يهبهم الثواب أحد، ولا ينال بركة قبورهم أحد بل ولا يكاد يتذكرهم أحد.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور أهل البقيع ويترحم عليهم، وحرص الخليفتان الراشدان سادتنا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أن يدفنا جوار النبي صلى الله عليه وسلم لينالا من بركة قبره الشريف، وكانت أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها تدخر مكان قبر سيدنا عمر رضي الله عنه لنفسها فآثرته على نفسها عندما طلب أن يدفن جوار صاحبه صلى الله عليه وسلم.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقصدون القبر النبوي الشريف إذا أصابهم كرب وقحط، فعن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار -وكان خازن سيدنا عمر رضي الله عنه على الطعام- قال:
"أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"يا رسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا"
فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال:
"ائت عمر، فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مُسْقَوْنَ، وقل له: عليك الْكَيْسَ الْكَيْسَ". فأتى الرجل عمر، فأخبره، فبكى عمر ثم قال: "يا رب ما آلو إلا ما عَجَزْتُ عنه"
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في دلائل النبوة وصححه الحافظ في الفتح.
وكانوا رضي الله عنهم يقضون الدين عن موتاهم، ويصومون عنهم ويهبونهم ثواب الأعمال الصالحة كالحج والعمرة وسائر الصدقات.
                    🌴🌴🌴

وكان السلف الصالح من الأئمة وأهل العلم يتبركون بقبور الصالحين ويسألون الله عندها فيستجاب لهم. قال الحاكم في تاريخ نيسابور:
"سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضى بطوس، قال فرأيت من تعظيمه -يعني ابن خزيمة- لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا."

وقال الإمام الحافظ ابن حبان صاحب الصحيح في ترجمة على بن موسى الرضا رضي الله عنه -وهو على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم أجمعين- من كتابه "الثقات" (8 /456): "ما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة، وهذا شيء جربته مرارًا فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين".

وقال الإمام الحافظ إبراهيم الحربي:
"قبر معروف -يعني الكرخي- الترياق المجرب"
فعلق الحافظ الذهبي على الخبر في سير أعلام النبلاء فقال:
"إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السحر مرجو، ودبر المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق"

وقال الإمام العلامة عبد الله بن المحاملي:
"أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه".
أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح

 وعن عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال سمعت أبي يقول:
"قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج، ويقال إن من قرأ عنده مائة مرة  قل هو الله أحد  وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته".
رواه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسند صحيح

📩 لا تدعها تقف عندك، فالدال على الخير كفاعله
منقول

احذروا الوهابية بكل مسمياتهم

إن الشيطان ماكر، ذو حِيَل، يغوي الناس بالطاعات كما يغويهم بالمعاصي والشهوات! ألا ترى أنه يغوي الطائعين بالرياء والعجب والكبر، والغلو والتطرف؟!

لذا فالحذر الحذر من الذين لبسوا ثياب المتدينين ثم نصَّبوا أنفسهم حكما على أعمال العباد مع خفاء النوايا، فليس من عمل إلا وله نية، ولا قيمة لعمل إلا بتلك النية، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" [متفق عليه]

                   ⚠⚠⚠

▪احذروا الذين يساوون بين من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، موحدًا بالله، ومسلمًا لله، وبين من يشهد على نفسه بالشرك والكفر والإلحاد، قال تعالى:
(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) [سورة التوبة: 17]

قال السدي: "شهادتهم بالكفر هو أن النصراني تقول له: ما دينك؟ فيقول نصراني، واليهودي فيقول يهودي، والصابئ فيقول صابئ، ويقال للمشرك ما دينك؟ فيقول: مشرك"

لا يستوي المسلم مع المشرك ولا المؤمن مع الكافر أبدًا، قال تعالى:
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [سورة القلم 35 - 36]

                   ⚠⚠⚠

▪احذروا الذين يغضون طرفهم عن الملاحدة الذين يعلنون كفرهم بالله على المنابر‼

▪ويغضون طرفهم عن النصارى أهل الثالوث الذين شهد الله عليهم بالكفر الصريح فقال جل ثناؤه:
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)
[سورة المائدة: 73]‼

▪ويغضون طرفهم عن عبَّاد الأصنام والبقر من البوذيين والهندوس وعبدة الشيطان وغيرهم من المشركين اليوم الذين يعلنون في كل مكان عبادتهم لغير الله عز وجل‼

▪احذروا الذين ليس لهم شغل إلا المسلمين الموحدين، يدَّعون عليهم باطلًا بالشرك والكفر والبدعة‼

▪احذروا الذين يستحلون بفكرهم المنحرف دم الوالدين والأهل والأقارب وعامة المؤمنين‼

                👹👹👹

إنهم جرثومة صنعت لتفتيت المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وشغلهم عن أعدائهم..

والكل بات يعرف اليوم إنهم لا يفعلون ذلك لله، وإنما بتمويل كبير يرد إليهم من دول نشأت وزرعت في الأمة برعاية يهودية وبريطانية مع الأسف الشديد.

فاعتبروا يا أولي الأبصار..

📩 لا تدعها تقف عندك، فالدال على الخير كفاعله.
منقول

الخلفيات وراء القرار الحكيم لوزير الإرشاد بمنع الخطاب التكفيري في الساحات العامة

الخلفيات وراء القرار الحكيم لوزير الإرشاد بتنظيم الخطاب الديني ومنع الحلقات التكفيرية في الأسواق والأماكن العامة:

إن الأجهزة الأمنية لا تسمح بالمخاطبات السياسية أبدًا في الساحات العامة فكيف تسمح بمخاطبات هي أشد خطرًا على الأمن القومي ويمكن أن تعصف باستقرار هذا البلد؟‼

الحرية لا تعني الفوضى، ولا التعدي على حقوق المجتمع في السلام والأمان والتعايش. إن هذه الحلقات والمخاطبات التكفيرية والمتفلتة في الأسواق والأماكن العامة تعتبر أشد خطرًا على الوطن والمجتمع من المخاطبات السياسية التي تحظرها الأجهزة الأمنية، خاصة في ظل بروز التيارات الجهادية التكفيرية كتنظيم "داعش" في المنطقة وذلك لعدة أسباب منها أنها:
1. تبث سمومها إلى المواطن البسيط بشكل مباشر، فتفرِّخ التكفيريين والمتطرفين بشكل مستمر.
2. تستغل جهل البسطاء الذين يحضرون هذه الحلقات بدافع الفضول وحب الإستطلاع، فتستقطبهم وتغسل أدمغتهم من خلال استغلال العاطفة الدينية لديهم وبتحريف الخطاب الديني وإنزال الآيات القرءانية والأحكام الشرعية للكفار والمشركين على المسلمين.
3. تعصف بالأمن والسلم الإجتماعيين من خلال هتك النسيج الإجتماعي ونشر الكراهية والبغضاء وإغراء العداوات بين مكونات المجتمع بالتكفير والتشريك والطعن المستمر والممنهج.
4. تغذي العنف والتطرف عبر الخطاب الديني العنيف، والوعيد وتحدي الخصوم وتأجيج الصراع الديني.
5. تدمر ثقافة التنوع والاختلاف في الرأي وقبول الآخر التي هي الضمانة الوحيدة للسلام في بلد متعدد الثقافات.
6. تهدد الأمن القومي من خلال:
أ‌- الطعن في رموز الدولة ومكونات الخارطة السياسية، وما تكفير المرحوم الدكتور الترابي إلا خير مثال.
ب‌- ضرب الأمن السلم الإجتماعيين بنشر العنف والكراهية والبغضاء العداوات وتأجيج الصراعات.
ت‌- تهيئة المناخ لنشوب حرب أهلية وصدامات دينية وفوضى عارمة يتعذر التعامل معها.
ث‌- تفريخ التكفيريين والمتطرفين بما في ذلك عناصر في الأجهزة الأمنية، وإعداد المجتمع لقبول التيارات التكفيرية المحلية والوافدة.
ج‌- تحييد الشباب عن القضايا الوطنية وتقديمهم لقمة سائغة لداعش ومثلاتها من التيارات التكفيرية في المنطقة، وما سفر طلاب كلية مامون حميدة والإنضمام إلى داعش إلا خير مثال.
ح‌- تشويه صورة القدوات الدينية المعتدلة ذات القاعدة العريضة، الأمر الذي سيدفع أنصارهم إلى ترك التدين والإقبال إما على المخدرات والجريمة أو على الجماعات التكفيرية المتطرفة، وما قضية قتل الدبلوماسي الأمريكي إلا خير مثال.
7. تمهد نفسها لتكون بديلًا سياسيًا ذا قاعدة عريضة من الأتباع من خلال تكفير الدولة والتيارات الدينية المعتدلة، وإكساب نفسها الزعامة الدينية في مجتمع متدين.
8. يتم تصوير هذه المخاطبات بالفيديو وتستفيد من شبكات التواصل الإجتماعي وموقع يوتيوب في نشرها وإيصال رسائلها الخبيثة إلى كل مكونات المجتمع الأخرى التي لا تحضر هذه المخاطبات ميدانيًا.
9. سيكون من العسير إن لم يكن من المستحيل التعامل مع هذا الخطر إذا تجاوز مرحلة اللاعودة.

لذلك يعتبر قرار الدولة بمنع هذه الفوضى العارمة هو خطوة في الاتجاه الصحيح يجب تعزيزها بزيادة الرقابة على التنظيمات التكفيرية والمتطرفة وتفكيك خلاياها النشطة والنائمة، وحماية المواطن من شرور هذا الفكر الخبيث، وإفساح المجال أمام التيارات المعتدلة ذات القاعدة الجماهيرية العريضة.

إن المكان المناسب للندوات والمحاضرات هو المساجد والقاعات ودور الثقافة والفكر.

منقول

السبت، 18 يونيو 2016

عن ثعلبة وقصة نزول قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن) الآية

القصة مشهورة جدًا بين أهل التفسير، ورويت من عدة طرق تقوي بعضها بعضها، وترقى بالحديث إلى الحسن إن شاء الله.
أما كون المقصود هو الصحابي البدري فلا، لأن الصحابي البدري توفي سنة ثلاثة للهجرة في غزوة أحد، بينما الذي في القصة توفي في خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه.
والحاصل أنه تشابه أسماء، قال الحافظ في الإصابة:
"وقد تأكدت المغايرة بينهما -أي أنهما شخصان مختلفان تشابها في الإسم- يقول ابن الكلبيّ: إن البدريّ استشهد بأحد، ويقوّي ذلك أيضًا أن ابن مردويه روى في تفسيره من طريق عطية عن ابن عبّاس في الآية المذكورة
قال: وذلك أن رجلا يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسًا فأشهدهم فقال: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: 75] الآية. فذكر القصّة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب، والبدريّ اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب" أهـ

ولشهرة الصحابي البدري سرى اسمه على القصة، والله أعلم.

الأربعاء، 8 يونيو 2016

حكم كلمة «رمضان كريم» نموذج للفتاوى الوهابية الشاذة‼

سئل شيخ الوهابية ابن عثيمين عن حكم هذه الكلمة؟
فأجاب: «حكم ذلك أن هذه الكلمة (رمضان كريم) غير صحيحة، وإنما يقال: (رمضان مبارك) وما أشبه ذلك؛ لأن رمضان ليس هو الذي يعطي حتى يكون كريمًا، وإنما الله تعالى هو الذي وضع فيه الفضل، وجعله شهرًا فاضلا، ووقتًا لأداء ركن من أركان الإسلام» انتهى. فتاوى الصيام ص٨٣٧

هذا خطأ فادح، وجهل باللغة العربية وبالقرءان الكريم وبمقاصد الناس في كلامهم، وهذه محاولة يائسة للتعكير على المسلمين بالإنكار عليهم في تعبير مشهور لقرون. أما شرعًا فمن المعلوم أن الله تعالى من أسمائه الكريم، ومع ذلك وصف القرءان النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رسول كريم فقال تعالى:
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» [سورة الحاقة: 40]

▪ووصف موسى عليه السلام بأنه رسول كريم فقال تعالى:
«وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ» [سورة الدخان: 17]

▪ووصف جبريل عليه السلام بأنه رسول كريم فقال تعالى:
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» [سورة التكوير 19]

▪ولا تعارض بين كون الله تبارك وتعالى هو الكريم، وبين أن من عباده كرماء، لأن الكريم في حق الرسل بمعنى أنهم كرماء على ربهم، مبجلين، ذوي مقام سامٍ ومنزلة عالية.

▪ونظائر ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى كثيرة، فالله تبارك وتعالى من أسمائه المؤمن، وهناك سورة كاملة اسمها «المؤمنون»، ولا تعارض.. وأن الله هو الراحم وهناك راحمون من الخلق، وفي الحديث: «الراحمون يرحمهم الله تعالى» ولا تعارض، أن الرازق هو الله وهناك رازقون من الخلق كما قال تعالى:
(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [سورة النساء: 5]
وهكذا.

▪إذًا فلا ننكر قول هذا كريم لأن الكريم هو الله، ولا أن فلان مؤمن لأن المؤمن هو الله، ولا أن فلان رحيم لأن الرحيم هو الله، وهكذا.

▪وكلمة «كريم» معانيها كثيرة، منها «الكثير والطيب والمبارك»، مثلًا «رزق كريم» أي رزق طيب ومبارك وكثير كقوله تعالى: (أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [سورة اﻷنفال: 4]

▪وكقوله تعالى:
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) [سورة لقمان: 10]

▪ومن معانيها الحسن، الشريف، العظيم، الجليل، الرفيع القدر والمنزلة كقوله تعالى:
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» [سورة الحاقة: 40]

▪وقوله تعالى:
(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [سورة يوسف: 31]

▪وقوله تعالى:
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) [سورة النمل: 29]

▪وقوله تعالى:
(وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) [سورة الشعراء: 58]

▪وقوله تعالى:
(تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) [سورة اﻷحزاب: 44]

▪وغيرها كثير، فرمضان شريف وعظيم وجليل ورفيع القدر، وكريم بالعطايا والهبات الربانية من رحمة ومغفرة وعتق من النار، وكريم حتى على الفقراء والمساكين الذين يجدون من الرزق في رمضان ما لا يجدونه في غيره من الشهور إلا في شهر ربيع الأول.

فرمضان كريم

ولا تلتفوا إلى الذين ليس لهم حظ من العلم إلا الإنكار على الناس، وبذر الفرقة والخلاف والشتات.

هل نعبد لله طمعًا في جنته وخوفًا من ناره؟

هل نعبد الله لدخول الجنة والنجاة من النار، أم نعبده في ذاته كما روي عن رابعة العدوية، المرأة الصالحة الزاهدة التي عاشت في القرون المفضلة؟

إن لم يكن لله جنة ولا نار ألم يكن يستحق أن يعبد؟ بلى والله، لذلك فإن أعظم لذة لأهل الجنة هي شهود الحق سبحانه ولذة النظر إليه. وأبلغ عذاب الآخرة هو الحجب عن النظر لله عز وجل. ما الجنة عن أهل التحقيق إلا مظهر رضاه وما النار إلا مظهر سخطه جل وعلا.
وفي الصحيح أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أنك تقوم حتى تتورم قدماك وقد غفر لك الله ما تقدم وما تأخر؟
أي أنك لا تحتاج لكل هذا العناء في قيام الليل، والجنة لك مضمونة، فماذا كان رده صلى الله عليه وسلم؟
قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟‼
إذًا هي عبادة لذاته تبارك وتعالى، تلذذًا بالوقوف بين يديه، وليست الغاية دخول الجنة، فهو صلى عليه وسلم مفتاح الجنة، وأول من يدخلها، ومع ذلك تتورم أقدامه في القيام بين يدي ربه جل وعلا.
إن الذين يعشقون الجنة لنعيمها ليس كالذين يعشقونها لأنها منزل رضا الله، والذين يفرون من النار لعذابها ليس كالذين يفرون منها لأنها متزل سخط الله. فأهل التحقيق مشغولون بالله جل وعلا عمن سواه من خلقه إلا ما اتصل برضاه سبحانه، لأنه عنئذٍ متعلق بالله، لا ينشغلون بغير الله لعينه.
 بل إن الصحابة عليهم رضوان الله علمونا أن الجنة بدون رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيخة، لا طعم لها مع كل ما فيها من نعيم  فهي في ذاتها لا تجتذب إلا الذين يتلذذون كما يتلذذ البهائم.
لذلك كان ثوبان رضي الله عنه، مولى رسول الله ﷺ، كان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يُعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله ﷺ: «يا ثوبان ما غير لونك؟» فقال: «يا رسول الله ما بي من ضُر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف أن لا أراك هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أرك أبداً».
الله الله على المحبة!

وأيضًا كما روي في الصحيح عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت آتي رسول الله ﷺ بوضوئه وبحاجته، فقال: «سلني»، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك»، قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».

فلم يكتف الصحابة عليهم رضوان الله بالرغبة في الجنة في ذاتها، لأنها بدون رسول الله لا تسوى شيئًا، ولا طعم لها مع كل ما فيها من نعيم، فكيف بها بدون لذة النظر إلى الله جل وعلا؟
وكيف بقساوة الحجب عن الله جل وعلا في الآخرة والخلود في النار.

هذه الدرجة من محبة الله عز وجل درجة ذوقية، لا يصل إليها كل عابد، فهناك من يعبد الله عبادة التجار للأجر والثواب، هذا أقصى ما فهمته عقولهم، فيتنعمون فيها بها وبملذاتها كما تتنعم البهائم، وهناك من يعبد الله لذاته العلية، لكماله وجماله وجلاله، (والذين ءامنوا أشد حبًّا لله)، فينتظرون لحظات الشهود، ويرون في نعيم الجنة مظهر لرضاه سبحانه، وعظمة قدرته، فيتلذذون بها أكثر من غيرهم لأن قلوبهم تعلقت به سبحانه وحده.

مقتنيات الأنبياء والصالحين ووجوب المحافظة عليها والعناية بها والإنتفاع ببركتها

في قوله تعالى:
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
[سورة البقرة: 248]

إشارة إلى بركة مقتنيات الأنبياء والصالحين، وأن الهدي الرباني فيها هو العناية بها والمحافظة عليها والإنتفاع ببركتها. ولم يكن ذلك ذريعة إلى الشرك مطلقًا، بل كان من أسباب اليقين في الله عز وجل وقدرته.

قال أهل التفسير إن التابوت أنزله الله تعالى على آدم عليه السلام وفيه صورة الأنبياء عليهم السلام، وكان من عود الشمشاذ نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم عليه السلام إلى أن مات، ثم بعد ذلك عند شيث عليه السلام، ثم توارثها أولاد آدم عليه السلام إلى أن بلغ إبراهيم عليه السلام ثم كان عند إسماعيل عليه السلام لأنه كان أكبر ولده، ثم عند يعقوب عليه السلام، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام فكان موسى عليه السلام يضع فيه التوراة ومتاع،ا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات موسى عليه السلام، ثم تداولته أنبياء بني إسرائيل إلى وقت إشمويل وكان فيه ذكر الله تعالى. فانظر إلى عظمة هذا التابوت وإلى العناية الفائقة به، وكان فيه سكينة من ربكم، قيل السكينة هي روح تكلمهم إذا اختلفوا وتبين لهم ما اختلفوا فيه، وقيل هي مخلوق له رأسان، وذكروا فيها وفي التابوت عجائب، فكان يستنصر به بنو إسرائيل، وكانوا ينصرون إلى أن عصوا، فعلبوا عليه وسلبوه. وقيل إنه وعصا موسى الآن في بحيرة طبرية، وأنهما سيخرجان قبل يوم القيامة.

أما بقية ما ترك آل موسى وآل هارون فكان لوحين من التوراة، ورضاض الألواح التي تكسرت، وكان فيه عصا موسى، ونعلاه، وعمامة هارون، وعصاه، وقفيز من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل.
فكان التابوت وما حوى من مقتنيات نبوية آية لملك طالوت، أتت تحمله الملائكة بين السماء والأرض كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.

هذا مقتنيات آدم وموسى وهارون عليهم السلام، يعتنى بها هذه العناية، ويتبرك بها هذه البركة، فكيف بمقتنيات سيد آدم، وسيد موسى وسيد هارون، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟‼ أعظم خلق الله أجمعين، إمام المتقين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وختامهم‼
لا شك الأولى العناية بمقتنياته هو صلى الله عليه وسلم.

وكان هذه هديه صلى الله عليه وسلم، فقد ربى الصحابة على تلك المعاني. فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة، ثم رجع إلى المنزلة بمنى، فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن، فحلقه، فجعل يقسمه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: «ههنا أبو طلحة؟» فدفعه إلى أبي طلحة.
رواه البخاري ومسلم

وعن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن خالد بن الوليد قد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال: «اطلبوها»، فلم يجدوها فقال: «اطلبوها»، فوجدوها فإذا هي قلنسوة خلقة -أي ليست بجديدة- فقال خالد: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالًا وهي معي إلا رزقت النصر» المطالب العالية للحافظ.
                                                                                                                                 
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: «رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه، يقبِّلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه ويغمسها في الماء البارد ويشربه، ويستشفي به» مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة حتى قُبضت، فلما قُبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها» رواه مسلم.

عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال لي: «إنطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصلي في مسجده».
أخرجه البخاري

🎯هذه رسالة لمن يطمسون الآثار النبوية ويحرمون الأمة من بركتها، ويحاربون المتاحف التي تحتفظ بالمقتنيات النبوية. اتقوا الله ربكم!

وإذا كان القرءان العظيم، المهيمن على التوراة والإنجيل والزبور وكل الكتب السماوية، إذا كان عند بعضنا ممتهن، وغير مقدس، ومهجور، وعليه الغبار، ونحمله بدون وضوء وطهاره، فإنه قد كان في التابوت لوحان من ألواح موسى، أيهما أولى بالعناية؟ الألواح أم المصحف الشريف؟‼

🎯هذه رسالة لمن نسوا تقديس المصحف الشريف وكتاب الله المهيمن.

السبت، 4 يونيو 2016

هل في القبر نعيم وعذاب؟‼

إن في القبر نعيم وعذاب، وهذا مما علم من الدين بالضرورة وتواترت به النصوص: ▪قال تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) [السجدة:21]. قال ترجمان القرءان سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «جزء منه في الدنيا، والنصيب الأكبر منه في القبر، والعذاب الأكبر هو عذاب جهنم»، قال مجاهد: «يعني به عذاب القبر». ▪وقال تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) [الأنعام:93]. فهذا عذاب عاجل في الموت والقبر. ▪وقال النبي ﷺ: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يريكم عذاب القبر». فقالت أم بشر: «وهل للقبر عذاب؟!» فقال: «إنهم ليعذبون عذابًا تسمعه البهائم». أخرجه مسلم. ▪ومر النبي ﷺ على قبرين فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة» أخرجه البخاري. ▪وقال النبي ﷺ: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه». أخرجه الدارقطني ▪وقال النبي ﷺ: (إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: «ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟» فأما المؤمن فيقول: «أشهد أنه عبد الله ورسوله» قال: فيقول: «انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة»، وأما الكافر والمنافق فيقولان: «ما كنت تقول في هذا الرجل؟» فيقول: «لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس»، فيقولان: «لا دريت ولا تليت» ثم يضرب بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين). أخرجه البخاري ومسلم ▪وقال النبي ﷺ: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ» وفي رواية: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهد له سبعون ألفا من الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه» أخرجه النسائي ▪كان رجل يقال له كركرة على متاع رسول الله ﷺ فمات فقال النبي: «هو في النار، وإن الشملة تشتعل عليه نارًا في قبره» فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها. أخرجه البخاري. والغلول: هو السرقة من الغنيمة. والشملة: هي الكساء من الصوف يُتغطى به. ▪وقال النبي ﷺ: «إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يغفر له من أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا و ما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه». أخرجه أحمد والطبراني ▪وكان من دعائه ﷺ وبعد التشهد الأخير: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». أخرجه مسلم. ▪وقال النبي ﷺ: «من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء» أخرجه أحمد والترمذي ▪وكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته فسئل عن ذلك وقيل له: «تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر؟!» فقال: سمعت رسول الله يقول: «إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعد أشد» أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجة.

الأربعاء، 1 يونيو 2016

تناقضات السلفية

قال ابن القيم كما في مدارج السالكين (1/447): (ومن تجريبات السالكين، التي جربوها فألفوها صحيحة: أن من أدمن يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت أورثه ذلك حياة القلب والعقل.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - شديد اللهج بها جدا.
وقال لي يوما: لهذين الاسمين - وهما الحي القيوم - تأثير عظيم في حياة القلب. وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم. وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب، ولم يمت قلبه). اهـ
فائدة: قول ابن القيم: (ومن تجريبات السالكين) يستفاد منه أن السالك إلى الله تعالى إذا جرب نوعا من الأذكار، وإن لم يكن هذا الذكر مأثورا بلفظه، أو مأثورا بلفظه ولكنه غير مأثور بذلك العدد، أو تلك الهيئة، ووجد بعد التجربة نفعا لذلك الذكر، كصلاح قلبه، وإقباله على الطاعة، وتوبته من معاصي كان يقارفها، فلا حرج عليه في المداومة على ذلك، بل ولا حرج عليه في أن يدل طلابه وأحبابه على ذلك الخير الذي فتح الله به عليه، كما فعل ابن تيمية رحمه الله تعالى مع ابن القيم.
فلاحظ أخي أن ابن تيمية:
1- قيد هذا الذكر بعدد،
2- وقيده بزمن،
3- وأثبت له ثمرة،
4- وحث على المواظبة عليه بقوله (من واظب عليه).


منقول للفائدة

الثلاثاء، 24 مايو 2016

لا تنسوا موتاكم!! إنهم يلوحون إليكم!

روى رجل سوداني أنه رأى في المنام الموتى في مقابر "بُـرِّي" واقفين كأنهم دمى هوائية تلوِّح عن طريق هواء يضخ من أسفل، يلوحون طلبًا للعون والمساعدة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الميت في قبره إلا كالغريق المستغيث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله عز وجل ليُدخل على أهل القبور من دعاء أهل الدور أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلى الأموات الإستغفار» رواه البيهقي في الشعب.
ورأى الرجل أحد الموتى لا يلوح مثل إخوانه، فسأله: «لماذا لا تلوح مثل إخوانك من الموتى؟» فقال له: «أنا لست مثلهم، لي ولد صالح يهب لي كل يوم جزء من القرءان الكريم. إنه يعمل في سوق "التُّشاشا" -أي سوق البهارات بأمدرمان-في دكان رقمه كذا».
قال فلما انتبهت من النوم في الصباح عزمت على أن أتأكد من هذه الرؤيا، لأن الأموات في دار حق ولا يكذبون. فذهبت إلى سوق «التُّشاشا» في أمدرمان وصرت أقرأ أرقام الدكاكين إلى أن وقعت عيني على الرقم الذي رأيته في الرؤيا، فتقدمت إلى الدكان فإذا به كأنه خالي، لكني تجرأت وقلت: «السلام عليكم» فرد علي شاب كان يجلس تحت «البنك» -أي منضدة الدكان- يتلو القرءان، فعمل علامة على الصفحة التي كان يقرأها ورد علي السلام. فقلت له: «أسأل عن صاحب هذا الدكان، أين هو لا أراه؟» فقال له: «أنا ولده، لقد توفي والدي منذ فترة». فأظهرت التأثر بما قال، لكنني تأكدت من جزء كبير من الرؤيا وتحمست لأن أتأكد من بقيتها، فقلت له: «أريد أن أصنع له معروفًا، أريد أن أجعل له صدقة لعلها تنفعه في قبره». فقال لي: «الأمر لا يحتاج إن شاء الله، نحن حالتنا حسنة، وأنا أهب له كل يوم جزء من القرءان الكريم». فتعجبت جدًا، وحكيت له قصة الرؤيا وبشرته بوصول ثواب قراءته لوالده رحمه الله تعالى. هذه قصة حقيقة حكاها صديق الشخص الذي رآها، في مناسبة عزاء.


السبت، 7 مايو 2016

نزول الحق تبارك وتعالى في الثلث الأخير كناية عن قرب المتهجدين وفتح باب الأنس للعاشقين

نزول الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل كناية عن دنوه من المتهجدين وقربه من المستغفرين وفتح باب أنسه للعاشقين.
أخذ الفضيل بن عياض رحمه الله بيد الحسين بن زياد رحمه الله فقال له:
يا حسين، ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول الرب: كذب من أدعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني!! أليس كل حبيب يخلو بحبيبه؟!! ها أنا ذا مطَّلع على أحبائي إذا جنَّهم الليل ، غدًا أقر عيون أحبائي في جنَّاتي. [سير أعلام النبلاء]
▪وقال ابن الجوزي رحمه: لما امتلأت أسماع المتهجدين بمعاتبة "كذب من أدعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني" حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
▪وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: كابدت نفسي أربعين عامًا حتى استقامت لي.
▪كان ثابت البناني يقول: كابدت نفسي على القيام عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة.

المشبهة والمجسِّمة -الذين يرون أن الله جسم كالأجسام تعالى الله عن قولهم- استدلوا بحديث النزول على نسبة الجهة والمكان والحركة لله تبارك وتعالى عن افترائهم، وهذا خلل عقدي كبير، فالله (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، لا يشبه خلقه في شيء. ومذهب جمهور أهل العلم إما تأويل المعنى بما يليق بالله تبارك وتعالى وتحتمله لغة العرب، خاصة المجاز. أو بالتفويض، وهو عدم محاولة فهم ذلك بالعقل السليم، والتفويض في حد ذاته هو تأويل لمعنى آخر يعلمه الله، فكأن مذهب الجمهور هو التأويل، إما لمعنى يليق بالله تبارك وتعالى وتحتمله لغة العرب، أو لمعنى آخر لا يعلمه إلا الله. أما التشبيه والتجسيم الذي جاء به الخوارج وغلاة الحنابلة والفرق التكفيرية والمتطرفة في العصر الحديث فهو كفر وبدعة ضلالة أجار الله المسملين من شرها.

قال الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
"قوله ينزل ربنا إلى السماء الدنيا استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن قولهم." أهـ
وقال أيضًا:
"النزول محال على الله لأن حقيقته الحركة من جهة العلو إلى السفل وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه على ذلك، فليتأول ذلك بأن المراد نزول مَلَك الرحمة ونحوه أو يفوض مع اعتقاد التنزيه" أهـ
وقال أيضًا:
"قال بن بطال: هو وقت شريف خصه الله بالتنزيل فيه فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم وإعطاء سؤلهم وغفران ذنوبهم وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية وفي زمن البرد وكذا أهل التعب ولا سيما في قصر الليل فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه فلذلك نبه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا وعلقها ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه" أهـ
وقال أيضًا:
"قال ابن العربي: حُكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث وعن السلف إمرارها وعن قوم تأويلها وبه أقول، فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني فإن حملته في الحديث على الحسي قتلك صفة الملك المبعوث بذلك وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة" أهـ
وقال أيضًا:
"قال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه فالمراد نور رحمته أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة" أهـ
وقال الخطابي في معالم السنن:
"الله سبحانه لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله جل وعز متعال عنهما ليس كمثله شيء" أهـ
وقال الإمام البدر العيني في شرح سنن أبي داود:
"اعلم أن النزول والصعود، والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك. فقيل: معناه: ينتقل كل ليلة من صفات الجلال إلى صفات الرحمة والكمال، وقيل: المراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، أو نزول مَلك من خواص ملائكته فينقل حكاية الرب."أهـ

التأويل ليس سؤال عن الكيف

إن الله تعالى هو من علمنا كيف ننزهه وننفي عنه كلَّ ما لا يليق بذاته العلية من هذه الظواهر، كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في فضل عيادة المريض والذي يقول فيه الرب تعالى لعبده يوم القيامة: (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني... يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني... يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني) كل ذلك والعبد يقول (رب كيف أعودك وأنت رب العالمين... رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين.. رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين) فإنه عندما استحال في عقل العبد الذي ينزه مولاه عن صفات المخلوقين وسمات الأجسام وعوارض النقص والآفات أن يمرض ربه ويعوده على الحقيقة وأن يستطعم ويستسقي على الحقيقة سأل (رب كيف.. وأنت رب العالمين) أي أن حقائق هذه الألفاظ لا تليق به تعالى وهي محالة قطعاً في حقه، وما دامت منفية الظاهر والحقيقة فهي عنده بلا معنى مفهوم. ولهذا سأل (رب كيف)، وهذا شأن كل لفظ من هذه الألفاظ التي من هذا القبيل عندما يستحيل معناه الظاهر والحقيقي يستفسر عن المـراد منـه بـ (كيف)، وهذا الذي حدث من بعض العوام في الصدر الأول حين أخذوا يسألون عن مثل هذه الألفاظ: كيف استوي؟ كيف ينزل؟ كيف يضحك؟ فنهاهم علماء السلف عن الاستفسار عن معانيها بقولهم (بلا كيف) وألزموهم تنزيه الله تعالى عن ظواهرها ثم السكوت بعد الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شيء.
والتأويل ليس سؤالًا عن الكيف، بل هو فهم النص بما يليق بما تحتمله معاني اللغة العربية، ومنها المجاز بكل أصنافه.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)، فاليد هنا لا تعني الجارحة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم" [البغوي في التفسير]

وقال الطبري في تفسيره:
"وفي قوله (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ; والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على نُصرته على العدو."

وقال ابن الجوزي في زاد المسير:
"فيه أربعة أقوال: أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم. والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم. والثالث: يد الله عليهم في المنّة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه الأقوال الزجاج. والرابع: قُوَّة الله ونُصرته فوق قُوَّتهم ونُصرتهم، ذكره ابن جرير، وابن كيسان." أهـ

وقال الحافظ ابن حيان في تفسيره:
"قال الجمهور: اليد هنا النعمة، أي نعمة الله في هذه المبايعة، لما يستقبل من محاسنها، فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك. وقيل: قوة الله فوق قواهم في نصرك ونصرهم"

وقال الشوكاني في فتح القدير نقلًا عن القرطبي:
"والمعنى: أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت. وقال الكلبي: المعنى إن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم"

ولليد معانٍ كثيرة جدًا في كلام العرب، قال أهل اللغة:
اليَدُ:
اليَدُ: من أَعضاء الجسد، وهي من المنكب إِلى أَطراف الأَصابع [ مؤنثة ].
واليَدُ من كلِّ شيءٍ: مَقْبَضُه.
ومنه يدُ السيف والسِّكِّين والفأْس والرَّحَى.
واليَدُ الثَّوب ونحوه: كُمُّه.
واليَدُ النِّعمةُ والإِحسان تصطنعهما.
واليَدُ السُّلطانُ.
واليَدُ القُدرة.
واليَدُ القُوَّة.
يقال: ما لي بهذا الأَمر يدان.
واليَدُ الجماعةُ.
يقال: هم يَدُهُ: أَنصاره.
وهم يدٌ على غيرهم: مجتمعون متَّفقون.
واليَدُ المِلْكُ.
يقال: هو في يدي: أَي مِلكي وحَوْزَتي.
واليَدُ الكَفالةُ في الرَّهن.
واليَدُ الطاعةُ والانقياد والاستسلام.
يقال: هذه يدي لك.
وأَعطى بيده: استسلم وخَضَع.
ويقال: أَعطى الجزيةَ عن يد: عن ذلٍّ واستسلام. والجمع: أَيْدٍ، ويدِيٌّ ( بتثليث الياء )، وأيادٍ.
ويقال: ضرب يَدَهُ في يَدِ كذا: شرع فيه.
و::- اليد العُليا خيرٌ من اليد السُّفلى:-: أَي المعطيةُ خيرٌ من الآخذة.
وخرج من تحت يده فلانٌ: خَرَّجَهُ وعلَّمه وربّاه.
والأَمرُ بِيَدِ فلانٍ: في تصرُّفه.
وهو طويل اليد: سَخِيّ ؛ كطويل الباع.
واستعمله المولَّدون بمعنى المختلس.
ويقال: هو أَطولُ يدًا منه: أَكرمُ وأَجود.
واليَدُ مشى بين يديه: قُدَّامَهُ.
وسُقِطَ في يده، أَو في يديه: نَدِمَ وتحسَّر، أَو أَخذ يقلِّب كفَّيه على ما فات: وبعتُه يدًا بيدٍ: حاضرًا بحاضر.
ويقال: جاءَ فلانٌ بما أَدَّتْ يَدٌ إِلى يد: مُخفِقًا خائبًا، ولا أَفعلهُ يَدَ الدَّهْر: أَبدًا.
ولقيتُه أَوَّل ذات يدين: أَوّلَ شيءٍ: وابْتَعْتُ الغنمَ ونحوَها اليدين، أَو باليدين: بثمنين مختلفين: غالٍ ورخيص.
وباعها اليَدَانِ: أَسلمها بيدٍ وأَخذ ثمنَها بيدٍ.
وأَعطاه مالاً عن ظهر يدٍ: تفضُّلاً، ليس من بيعٍ ولا قَرْضٍ ولا مكافأَة.
ويقال في الدُّعاءِ على المرءِ: لليدين وللفم: أَي يَسقُطُ لليدين وللفم.

قال الإمام الخطابي - رحمه الله تعالى - عند شرحه قول النبي ‘ "وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب " (معالم السنن 4 / 328):
(هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة، ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام وبما لطف منه عن درك الإفهام، وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله " أتدري ما الله " معناه أتدري ما عظمة الله وجلاله، وقوله " إنه ليئط به " معناه إنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهاً بشيء أو مكيفا بصورة خلق أو مدركاً بحد. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) اهـ.

ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن دقيق العيد مؤيداً له في شرحـه لحديث " لا شخص أغير من الله " (الفتح 13 / 411) قال:
(قال ابن دقيق العيد: المنزهون لله إما ساكت عن التأويل، وإما مؤول، والثاني - يعني المؤول - يقول المراد بالغيرة المنع من الشيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأطلقت على سبيل المجاز، كالملازمة وغيرها من الأوجه الشائعة في لسان العرب) اهـ.

وقال الإمام النووي - رحمه الله - (شرح مسلم 5 / 24) في شرح حديث إمساك السموات على أصبع والأرضين على أصبع " ما نصه:
(هذا من أحاديث الصفات وقد سبق فيها المذهبان التأويل والإمساك...) ثم قال بعد صفحات (وأما إطلاق اليدين لله تعالى فمتأول على القدرة، وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين، فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس، ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة، والله تعالى أعلم بمراد نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيما ورد في هذه الأحاديث من مشكل ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئاً به ولا نشبهه بشيء) اهـ.


وقال الإمام اللغوي النحوي ابن السيد البطليوسي - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر حديث النزول في سياق إثباته للمجاز (الإنصاف ص/ 82):
(جعلته المجسمة نزولا على الحقيقة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد أجمع العارفون بالله عز وجل على أنه لا ينتقل لأن الانتقال من صفات المحدثات، ولهذا الحديث تأويلان صحيحان لا يقتضيان شيئاً من التشبيه:
أحدهما أشار إليه مالك رحمه الله وقد سئل عن هذا الحديث فقال: ينزل أمره كل سحر، فأما هو عز وجل فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو.
وسئل الأوزاعي فقال: يفعل الله ما يشاء([1]).
وهذا تلويح يحتاج إلى تصريح، وخفي إشارة يحتاج إلى تبيين عبارة)
ثم أخذ رحمه الله ببيان حقيقة ما قالاه على أساليب العرب واستعاراتها، وذكر أن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره ومعنى النزول في الحديث أن الله تعالى يأمر ملكاً بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، ثم قال رحمه الله: (فهذا تأويل كما تراه صحيح جار على فصيح كلام العرب في محاوراتها والمتعارف من أساليبها ومخاطباتها، وهو شرح ما أراده مالك والأوزاعي رحمهما الله) اهـ.

قال الإمام أبو بكر بن العربي - رحمه الله - (القبس شرح الموطأ 1 / 288 – 289):
(وأما الأوزاعي - وهو إمام عظيم - فنزع بالتأويل حين قال وقد سئل عن قول النبي ‘ "ينزل ربنا " فقال: يفعل الله ما يشاء. ففتح باباً من المعرفة عظيما ونهج إلى التأويل صراطا مستقيما).
ثم قال رحمه الله تعالى:
(إن الله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزاً كما لا يدنو إلى شيء بمسافة ولا يغيب بعلمه عن شيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغير والاستحالات، إله في الأرض إله في السماوات. وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل) اهـ.
وقال أيضاً في شرحه على سنن الترمذي (2 /234):
(اختلف الناس في هذا الحديث وأمثاله على ثلاثة أقوال فمنهم من ردّه لأنه خبر واحد ورد بما لا يجوز ظاهره على الله وهم المبتدعة، ومنهم من قبله وأمرّه كما جاء ولم يتأوله ولا تكلم فيه مع اعتقاده أن الله ليس كمثله شيء، ومنهم من تأوله وفسره. وبه أقول، لأنه معنى قريب عربي فصيح.

أما إنه قد تعدى إليه قوم ليسوا من أهل العلم بالتفسير فتعدوا عليه بالقول بالتكثير، قالوا: في هذا الحديث دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات.
قلنا:هذا جهل عظيم وإنما قال " ينزل إلى السماء " ولم يقل في هذا الحديث من أين ينزل ولا كيف ينزل.
قالوا - وحجتهم ظاهره - : قال الله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) .
قلنا: وما العرش في العربية؟ وما الاستواء؟...) إلى أن قال رحمه الله تعالى:
(والذي يجب أن يعتقد في ذلك أن الله كان ولا شيء معه ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش فلم يتغير بها ولا حدث له جهة منها ولا كان له مكان فيها فإنه لا يحول ولا يزول قدوس لا يتغير ولا يستحيل، وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية، ومنها ما لا يجوز على الله بحال، وهو إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار أو الاتصال أو المحاذاة، فإن شيئاً من ذلك لا يجوز على الباري تعالى، ولا يضرب له الأمثال في المخلوقات، وإما أن لا يفسر كما قال مالك وغيره: إن الاستواء معلوم. يعني مورده في اللغة. والكيفية التي أراد الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعيّنها، والسؤال عنه بدعة، لأن الاشتغال به وقد تبين طلب التشابه ابتغاء للفتنة. فتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك أن الاستواء معلوم وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه، وتعيُّن المراد بما لا يجوز عليه لا فائدة لك فيه إذ قد حصل لك التوحيد والإيمان بنفي التشبيه والمحال على الله سبحانه وتعالى فلا يلزمك سواه، وقد بينا ذلك في المشكلين على التحقيق، وأما قوله: ينزل ويجيء ويأتي، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها فإنها ترجع إلى أفعاله، وهنا نكتة وهي: أن أفعالك أيها العبد إنما هي في ذاتك، وأفعال الله سبحانه لا تكون في ذاته ولا ترجع إليه وإنما تكون في مخلوقاته، فإذا سمعت الله يقول كذا فمعناه في المخلوقات لا في الذات، وقد بين ذلك الأوزاعي حين سئل عن هذا الحديث ـ أي حديث النزول ـ فقال: يفعل الله ما يشاء. وإما أن تعلم وتعتقد أن الله لا يتوهم على صفة من المحدثات ولا يشبهه شيء من المخلوقات ولا يدخل باباً من التأويلات.
قالوا- أي أصحاب الظواهر - : نقول ينزل ولا نكيف.
قلنا: معاذ الله أن نقول ذلك، إنما نقول كما علمنا رسول الله ‘ وكما علمنا من العربية التي نزل بها القرآن، قال النبي ‘: " يقول الله عبدي مرضت فلم تعدني.. وجعت فلم تطعمني.. وعطشت فلم تسقني " وهو لا يجوز عليه شيء من ذلك ولكن شرّف هؤلاء بأن عبّر به عنهم، كذلك قوله: ينزل ربنا، عبّر به عن عبده وملَكه الذي ينزل بأمره باسمه فيما يعطي من رحمته... والنزول قد يكون في المعاني وقد يكون في الأجسام، والنزول الذي أخبر الله عنه إن حملته على أنه جسم فذلك ملَكُه ورسوله وعبده، وإن حملته على أنه كان لايفعل شيئاً من ذلك ثم فعله عند ثلث الليل فاستجاب وغفر وأعطى وسمّى ذلك نزولاً عن مرتبة إلى مرتبة ومن صفة إلى صفة فتلك عربية محضة خاطب بها من هم أعرف منكم - أهل الظاهر - وأعقل وأكثر توحيداً وأقلّ بل أعدم تخليطاً. قالوا بجهلهم: لو أراد نزول رحمته لما خص بذلك الثلث من الليل لأن رحمته تنزل بالليل والنهار. قلنا: ولكنها بالليل وفي يوم عرفة وفي ساعة الجمعة يكون نزولها أكثر وعطاؤها أوسع وقد نبّه الله على ذلك بقوله تعالى ( والمستغفرين بالأسحار ) اهـ.

وجاء في كتاب البيان والتحصيل لابن رشد (الجد) رحمه الله تعالى (18 / 504، وانظر السير 8/104، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد 14/553) ما نصه:
(قال - يعني ابن القاسم صاحب مالك - وسألت مالكاً عن الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش، فقال: لا تتحدث به... وعن الحديث " إن الله خلق آدم على صورته " وعن الحديث في الساق، وذلك كله، قال ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله ويخافه أن يحدث بمثل هذا. قال ابن رشد بعد أن ذكر الأحاديث التي أشار إليها ابن القاسم: وإنما نهى مالك أن يتحدث بهذين الحديثين وبالحديث الذي جاء بأن الله خلق آدم على صورته، ونحو ذلك من الأحاديث التي يقتضي ظاهرها التشبيه، مخافة أن يتحدث بها، فيكثر التحدث بها، وتشيع في الناس، فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها، فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها، وسبيلها – إذا صحت الروايات بها – أن تتأول على ما يصح، مما ينتفي به التشبيه عن الله عز وجل بشيء من خلقه، كما يصنع بما جاء في القرآن مما يقتضي ظاهره التشبيه وهو كثير، كالإتيان في قوله عز وجل ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ) والاستواء في قوله ( الرحمن على العرش استوى ) وكما يفعل أيضاً بما جاء من ذلك في السنن المتواترة كالضحك والنزول وشبه ذلك مما لم يكره روايتها لتواتر الآثار بها، لأن سبيلها كلها في اقتضاء ظاهرها التشبيه وإمكان تأويلها على ما ينتفي به تشبيه الله عز وجل بشيء من خلقه سواء) اهـ.

وقال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى (النهاية في غريب الحديث 5/300):
( " الحجر يمين الله في الأرض " هذا الكلام تمثيل وتخييل، وأصله أن الملك إذا صافح رجلاً قبّل الرجل يده، فكأن الحجر الأسود لله بمنزلة اليمين للملك، حيث يستلم ويلثم.
ومنه الحديث الآخر " وكلتا يديه يمين " أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال، لانقص في واحدة منهما، لأن الشمال تنقص عن اليمين، وكل ما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والأيدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله تعالى فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة، والله منزه عن التشبيه والتجسيم ) اهـ.
وقال أيضاً عن حديث النزول (5/42): ( النزول والصعود والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس، والمراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، وتخصيصها بالليل والثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمّن يتعرض لنفحات رحمة الله، وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة ) اهـ.
وقال الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى - (المُفهم 6 / 672) في شرح حديث "قلوب بنى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ":
(ظاهر الأصبع محال على الله تعالى قطعاً... وقد تأول بعض أئمتنا هذا الحديث فقال: هذا استعارة جارية مجرى قولهم: فلان في كفي وفي قبضتي. يراد به أنه متمكن من التصرف فيه والتصريف له كيف يشاء...) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (الفتح 1/189) مؤولاً للفظ الحياء المضاف إلى الله تعالى في الحديث: (قوله " فاستحيا الله منه " أي رحمه ولم يعاقبه، وقوله " فأعرض الله عنه " أي سخط عليه..)’اهـ.
وقال أيضاً (الفتح 1/419) مؤوّلاً للفظ اليد (والمراد باليد هنا القدرة) اهـ.
وقال قبل ذلك (هدي الساري ص/219): (ووقع ذكر اليد في القرآن والحديث مضافاً إلى الله تعالى، واتفق أهل السنة والجماعة على أنه ليس المراد باليد الجارحة التي هي من صفات المحدثات، وأثبتوا ما جاء من ذلك وآمنوا به، فمنهم من وقف ولم يتأوّل، ومنهم من حمل كلّ لفظ منها على المعنى الذي ظهر له، وهكذا عملوا في جميع ما جاء من أمثال ذلك) اهـ

وللإمام الأُبّي - رحمه الله تعالى - كـلام يعتبر قـاعدة ذهبية في هذا الباب، قال رحمه الله (شرح مسلم 7 / 54):
(القاعدة التي يجب اعتبارها أن ما يستحيل نسبته للذات أو الصفات يستحيل أن يرد متواتراً في نص لا يحتمل التأويل، وغاية المتواتر أن يرد فيما دلالته على المحال دلالة ظاهرة، والظاهر يقبل التأويل، فإن ورد فيجب صرف اللفظ عن ظاهره المستحيل، ثم اختلف، فوقف أكثر السلف عن التأويل، وقالوا نؤمن به على ما هو عند الله سبحانه في نفس الأمر، ونَكِلُ علم ذلك إلى الله سبحانه، وقال قوم بل الأولى التأويل... وإن ورد خبر واحد نصاً في محال قطع بكذب راويه، وإن كان محتملاً للتأويل يتصرف فيه كما سبق) اهـ.
وقوله رحمه الله (وإن ورد... قطع بكذب راويه) لأنه ظني عارض القطعي، وقد ثبت بالقطعي من دليل النقل والعقل أنه تعالى ليس كمثله شيء، فكل خبر يأتي على خلاف ذلك يقطع بكذب راويه، لأن أدلة الشرع تتعاضد ولا تتضاد.

بعض المحتويات منقولة من موقع "المستنير دوت كوم"

بعض ما روي عن قيام الليل عند السلف

قال سعيد بن المسيب رحمه الله: إن الرجل ليصلي بالليل، فيجعل الله في وجه نورا يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إن لأحبُ هذا الرجل!!.
قيل للحسن البصري رحمه الله: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم من نوره.
صلى سيد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله الفجر خمسين سنة بوضوء العشاء وكان يسرد الصوم.
كان شريح بن هانئ رحمه الله يقول:ما فقد رجل شيئاً أهون عليه من نعسة تركها!!! (أي لأجل قيام الليل).
قال ثابت البناني رحمه الله: لا يسمى عابد أبداً عابدا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان: الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه!!
قال طاووس بن كيسان رحمه الله: ألا رجل يقوم بعشر آيات من الليل، فيصبح وقد كتبت له مائة حسنة أو أكثر من ذلك.
قال سليمان بن طرخان رحمه الله: إن العين إذا عودتها النوم اعتادت، وإذا عودتها السهر اعتادت.
قال يزيد بن أبان الرقاشي رحمه الله: إذا نمت فاستيقظت ثم عدت في النوم فلا أنام الله عيني.
أخذ الفضيل بن عياض رحمه الله بيد الحسين بن زياد رحم الله، فقال له: يا حسين: ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول الرب: كذب من أدعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني؟!! أليس كل حبيب يخلو بحبيبه؟!! ها أنا ذا مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل،.....، غداً أقر عيون أحبائي في جناتي.
قال ابن الجوزي رحمه: لما امتلأت أسماع المتهجدين بمعاتبة [ كذب من أدعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني ] حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
قال محمد بن المنكدر رحمه الله: كابدت نفسي أربعين عاماً (أي جاهدتها وأكرهتها على الطاعات) حتى استقامت لي!!
كان ثابت البناني يقول كابدت نفسي على القيام عشرين سنة!! وتلذذت به عشرين سنة.
كان أحد الصالحين يصلي حتى تتورم قدماه فيضربها ويقول يا أمّارة بالسوء ما خلقتِ إلا للعبادة.
كان العبد الصالح عبد العزيز بن أبي روّاد رحمه الله يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش فيتحسسه ثم يقول: ما ألينك!! ولكن فراش الجنة ألين منك!! ثم يقوم إلى صلاته.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك.
قال معمر: صلى إلى جنبي سليمان التميمي رحمه الله بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ في صلاته: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} حتى أتى على هذه الآية {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا، ثم خرجت إلى بيتي، فما رجعت إلى المسجد لأؤذن الفجر فإذا سليمان التميمي في مكانه كما تركته البارحة!! وهو واقف يردد هذه الآية لم يجاوزها {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا }.
قالت امرأة مسروق بن الأجدع: والله ما كان مسروق يصبح من ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام!!....، وكان رحمه الله إذا طال عليه الليل وتعب صلى جالساً ولا يترك الصلاة، وكان إذا فرغ من صلاته يزحف (أي إلى فراشه) كما يزحف البعير!!
قال مخلد بن الحسين: ما انتبه من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم رحمه الله يذكر الله ويصلي إلا أغتم لذلك، ثم أتعزى بهذه الآية { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء}.
قال أبو حازم رحمه الله: لقد أدركنا أقواماً كانوا في العبادة على حد لا يقبل الزيادة!!
قال أبو سليمان الدارني رحمه الله: ربما أقوم خمس ليال متوالية بآية واحدة، أرددها وأطالب نفسي بالعمل بما فيها!! ولولا أن الله تعالى يمن علي بالغفلة لما تعديت تلك الآية طول عمري، لأن لي في كل تدبر علماً جديدا، والقرآن لا تنقضي عجائبه!!
كان السري السقطي رحمه الله إذا جن عليه الليل وقام يصلي دافع البكاء أول الليل، ثم دافع ثم دافع، فإذا غلبه الأمر أخذ في البكاء والنحيب.
قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟!! فقال: لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف.
قال سفيان الثوري رحمه الله: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته.
قال رجل للحسن البصري رحمه الله: يا أبا سعيد: إني أبيت معافى وأحب قيام الليل، وأعد طهوري فما بالي لا أقوم؟!! فقال الحسن: ذنوبــك قيــدتك!!
وقال رجل للحسن البصري: أعياني قيام الليل؟!! فقال: قيدتك خطاياك.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: أول ما ينقص من العبادة: التهجد بالليل، ورفع الصوت فيها بالقراءة.
قال عطاء الخرساني رحمه الله: إن الرجل إذا قام من الليل متهجداً أًبح فرحاً يجد لذلك فرحاً في قلبه، وإذا غلبته عينه فنام عن حزبه (أي عن قيام الليل) أصبح حزيناً منكسر القلب، كأنه قد فقد شيئاً، وقد فقد أعظم الأمور له نفعا (أي قيام الليل).
رأى معقل بن حبيب رحمه الله:قوماً يأكلون كثيراً فقال: ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة.
قال مسعر بن كدام رحمه الله حاثاً على عدم الإكثار من الأكل:
وجدت الجوع يطرده رغيف *** وملء الكف من ماء الفرات
وقل الطعم عـون للمصلــــي *** وكثر الطعم عــــون للسبات
كان العبد الصالح علي بن بكار رحمه الله تفرش له جاريته فراشه فيلمسه بيده ويقول: والله إنك لطيب!! والله إنك لبارد!! والله لا علوتك ليلتي (أي لا تمت عليك هذه الليلة) ثم يقوم يصلي إلى الفجر!!
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الهجعة!! إنما هو على الجنب، فإذا تحرك (أي أفاق من نومه) قال: ليس هذا لك!! قومي خذي حظك من الآخرة!!.
قال هشام الدستوائي رحمه الله: إن لله عبادا يدفعون النوم مخافة أن يموتوا في منامهم.
عن جعفر بن زيد رحمه الله قال: خرجنا غزاة إلى [ كأبول ] وفي الجيش [ صلة بين أيشم العدوي ] رحمه، قال: فترك الناس بعد العتمة (أي بعد العشاء) ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس، حتى إذا نام الجيش كله وثب صلة فدخل غيضة وهي الشجر الكثيف الملتف على بعضه، فدخلت في أثره، فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح الصلاة، وبينما هو يصلي إذا جاء أسد عظيم فدنا منه وهو يصلي!! ففزعت من زئير الأسد فصعدت إلى شجرة قريبة، أما صلة فوالله ما التفت إلى الأسد!! ولا خاف من زئيره ولا بالى به!! ثم سجد صلة فاقترب الأسد منه فقلت: الآن يفترسه!! فأخذ الأسد يدور حوله ولم يصبه بأي سوء، ثم لما فرغ صلة من صلاته وسلم، التفت إلى الأسد وقال: أيها السبع اطلب رزقك في مكان آخر!! فولى الأسد وله زئير تتصدع منه الجبال!! فما زال صلة يصلي حتى إذا قرب الفجر!! جلس فحمد محامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: الله إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة!!! ثم رجع رحمه الله إلى فراشه (أي ليوهم الجيش أنه ظل طوال الليل نائماً) فأصبح وكأنه بات على الحشايا (وهي الفرش الوثيرة الناعمة والمراد هنا أنه كان في غاية النشاط والحيوية) ورجعت إلى فراشي فأصبحت وبي من الكسل والخمول شيء الله به عليم.
كان العبد الصالح عمرو بن عتبة بن فرقد رحمه الله يخرج للغزو في سبيل الله، فإذا جاء الليل صف قدميه يناجي ربه ويبكي بين يديه، كان أهل الجيش الذين خرج معهم عمرو لا يكلفون أحداً من الجيش بالحراسة ؛ لأن عمرو قد كفاهم ذلك بصلاته طوال الليل، وذات ليلة وبينما عمرو بن عتبة رحمه الله يصلي من الليل والجيش نائم، إذ سمعوا زئير أسد مفزع،فهربوا وبقي عمرو في مكانه يصلي وما قطع صلاته!! ولا التفت فيها!! فلما انصرف الأسد ذاهبا عنهم رجعوا لعمرو فقالوا له: أما خفت الأسد وأنت تصلي؟!! فقال: إن لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه!!
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أفضل الأعمال ما أكرهت إليه النفوس.
قال أبو جعفر البقال: دخلت على أحمد بن يحيى رحمه الله، فرأيته يبكي بكاء كثيرا ما يكاد يتمالك نفسه!! فقلت له: أخبرني ما حالك؟!! فأراد أن يكتمني فلم أدعه، فقال لي: فاتني حزبي البارحة!! ولا أحسب ذلك إلا لأمر أحدثته، فعوقبت بمنع حزبي!!ثم أخذ يبكي!! فأشفقت عليه وأحببت أن أسهل عليه، فقلت له: ما أعجب أمرك!! لم ترض عن الله تعالى في نومة نومك إياها، حتى قعدت تبكي!! فقال لي: دع عنك هذا يا أبا جعفر!! فما احسب ذلك إلا من أمر أحدثته!! ثم غلب عليه البكاء!! فلما رأيته لا يقبل مني انصرفت وتركته.
عن أي غالب قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما ينزل علينا بمكة، وكان يتهجد من الليل، فقال لي ذات ليلة قبل الصبح: يا أبا غالب: ألا تقوم تصلي ولو تقرأ بثلث القرآن، فقلت: يا أبا عبد الرحمن قد دنا الصبح فكيف اقرأ بثلث القرآن؟!! فقال إن سورة الإخلاص { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن.
كان أبو إسحاق السبيعي رحمه الله يقول: يا معشر الشباب جدوا واجتهدوا، وبادروا قوتكم، واغتنموا شبيبتكم قبل أن تعجزوا،ـ فإنه قلّ ما مرّت عليّ ليلة إلا قرأت فيها بألف آية!!
كان العبد الصالح عبد الواحد بن يزيد رحمه الله يقول لأهله في كل ليلة: يا أهل الدار انتبهوا!! (أي من نومكم) فما هذه (أي الدنيا) دار نوم، عن قريب يأكلكم الدود!!
قال محمد بن يوسف: كان سفيان الثوري رحمه الله يقيمنا في الليل ويقول: قوموا يا شباب!! صلوا ما دمتم شبابا!! إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟!!
دخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعي رحمه الله فرأت تلك المرأه بللاً في موضع سجود الأوزاعي، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتك أمك!! أراك غفلت عن بعض الصبيان حتى بال في مسجد الشيخ (أي مكان صلاته بالليل) فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحك هذا يُصبح كل ليلة!! من أثر دموع الشيخ في سجوده.
قال: إبراهيم بن شماس كنت أرى أحمد بن حنبل رحمه الله يحي الليل وهو غلام.
قال أبو يزيد المعَّنى: كان سفيان الثوري رحمه الله إذا أصبح مدَّ رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل!!
كان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يصلي من الليل فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالا!! ثم يصلي إلى الفجر.
رأى أحد الصالحين في منامه خياماً مضروبة فسأل: لمن هذه الخيام؟!! فقيل هذه خيام المتهجدين بالقرآن!! فكان لا ينام الليل!!
كان شداد بن أوس رضي الله عنه إذا دخل على فراشه يتقلب عليه بمنزلة القمح في المقلاة على النار!! ويقول اللهم إن النار قد أذهبت عني النوم!! ثم يقوم يصلي إلى الفجر.
كان عامر بن عبد الله بن قيس رحمه الله إذا قام من الليل يصلي يقول: أبت عيناي أن تذوق طعم النوم مع ذكر النوم.
قال الفضيل بن عياض -رحمه الله -: إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأُصبح وما قضيت نهمتي (أي ما شبعت من القرآن والصلاة).
لما احتضر العبد الصالح أبو الشعثاء رحمه الله بكى فقيل له: ما يبكيك!! فقال: إني لم أشتفِ من قيام الليل!!
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: كان يقال: من أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرة قلوبهم، خلائق ثلاثة: الحلم والإنابة وحظ من قيام الليل.
كان ثابت البناني رحمه الله يصلي قائما حتى يتعب، فإذا تعب صلى وهو جالس.
قال السري السقطي رحمه الله: رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل.
كان بعض الصالحين يقف على بعض الشباب العبّاد إذا وضع طعامهم، ويقول لهم: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فتخسروا كثيرا!!
قال حسن بن صالح رحمه الله: إني أستحي من الله تعالى أن أنام تكلفا (أي اضطجع على الفراش وليس بي نوم) حتى يكون النوم هو الذي يصير عني (أي هو الذي يغلبني)، فإذا أنا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائما فلا أرقد الله عيني!!
كان العبد الصالح سليمان التميمي رحمه الله هو وابنه يدوران في الليل في المساجد،فيصليان في هذا المسجد مرة، وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا!!

الخميس، 5 مايو 2016

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل في الإسراء والمعراج

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل في الإسراء والمعراج: قال القاضي عياض في الشفا: «وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه رآه بعينه. وروى عطاء عنه: أنه رآه بقلبه، وعن أبي العالية عنه: رآه بفؤاده مرتين. وذكر ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم. والأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه»أهـ وقال الحافظ السيوطي في الدر المنثور: «وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: "رأى محمد ربه". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه". وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: "إن محمدًا رأى ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده". وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله الله {ولقد رآه نزلة أخرى} قال ابن عباس:" قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل"»أهـ وقال الشوكاني في فتح القدير: «أخرج ابن مردويه عن أنس قال: "رأى محمد ربه". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه". وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه قال: "رأى محمد ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده". وأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه والبيهقي عنه أيضا قال: "لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل". وأخرج النسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضًا قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟" قال: وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه؟» . وأخرج مسلم وابن مردويه عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: "رأيت نورًا"» أهـ أما ما يروى من إنكار السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها للرؤية ونفيها فمعلوم أن الإثبات مقدم على النفي، لأن الإثبات فيه زيادة علم والنفي يحتمل التأول ونقصان علم بالمنفي، وقد أثبت الرؤية النبي صلى الله عليه وسلم. روى الخلال في كتاب السنة عن المروزي قال: قلت للإمام أحمد بن حنبل: إنهم يقولون إن عائشة قالت: «من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: «بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ”رأيت ربي“، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من قولها». وروى الإمام أحمد رضي الله عنه بإسناد على شرط الصحيح قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ربي عز وجل» وأثبت الرؤية أيضًا عدد من الصحابة، قال الحافظ في فتح الباري: «أما احتجاج عائشة رضي الله عنها بالآية (لا تدركه الأبصار) فقد خالفها فيه بن عباس، فأخرج الترمذي من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن بن عباس قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: (لا تدركه الأبصار)، قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين.» وتابع الحافظ فقال: «ذهب جماعة إلى إثباتها، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمدًا رأى ربه. وأخرج بن خزيمة عن عروة بن الزبير إثباتها، وكان يشتد عليه إذا ذكر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب بن عباس، وجزم به كعب الأحبار والزهري وصاحبه معمر، وآخرون وهو قول الأشعري وغالب أتباعه» 🌹🌹🌹 اللهم صلِّ وسلم على الذات المحمدية وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد أ ك

الثلاثاء، 3 مايو 2016

استحباب صيام رجب

استحباب الصوم في شهر رجب وهو مذهب الجمهور من أهل العلم من كافة المذاهب، لأنه أحد الأشهر الحرم التي يندب فيها الصوم وسائر الأعمال الصالحات، والصوم أخص بالندب لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي المشهور: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به). وقد كان صلى الله عليه وسلم يصوم الأشهر الحرم ويأمر بصيامها، فقال صلى الله عليه وسلم لأبي مجيبة الباهلي رضي الله عنه: (صم من الحرم واترك) [رواه أبو داود والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي في السنن]، وحين سئل صلى الله عليه وسلم عن سبب صومه شهر شعبان: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ) [رواه النسائي بسند جيد]، قال الشوكاني في نيل الأوطار: "ظاهر قوله في حديث أسامة إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان أنه يستحب صوم رجب، لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم، كما يعظمون رمضان ورجبًا به" أهـ
وقال المرداوي في الإنصاف: "وأما صيام بعض رجب، فمتفق على استحبابه عند أهل المذاهب الأربعة لما سبق، وليس بدعة، ثم إن الراجح من الخلاف المتقدم مذهب الجمهور لا مذهب الحنابلة." أهـ
وكل الأحاديث المرغِّبة في صيامه فإنها تحسَّن لغيرها، ولو ضعف سندها فإنه يعمل بها على مذهب جمهور أهل العلم في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند دخول شهر رجب: "اللهم بارك لنا في رجبٍ وشعبان وبلغنا رمضان".

الأحد، 1 مايو 2016

ذكرى الإسراء والمعراج

ما هي الذكرى؟ هي التفكر والتدبر في التاريخ لاستلهام الدروس والعبر، وهي من خصائص المؤمنين أولي الأبصار وأولي الألباب الممدوحين في كتاب الله عز وجل حيث قال سبحانه: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ؟ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)، وقوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، فقال أحد السلف: "من وجد للذكرى في قلبه موقعًا فليعلم أنه مؤمن". وفي التاريخ تذكير بنعم الله ووآلائه وفضله، وفيه ذكر آياته الكبرى كما قال تعالى لموسى عليه السلام: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) أي ذكِّر قومك بفضله تعالى ونعمه عليهم وإنجائهم من فرعون وملأه وبمعجزة فلق البحر لهم. وتمر علينا ذكرى الإسراء والمعراج وما فيها من العجائب والحكم والعبر والآيات، ولعل من إشارات ذلك أن الحق سبحانه وتعالى استهل كلامه عنها بـ"سبحان" فقال تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا). وأعظم ما في هذه الذكرى العجيبة هو خرق الحجاب وشهود المخلوق للخالق عز وجل ممثلًا في سيدنا محمد ﷺ وما يدل عليه ذلك من العظمة والتفرد والخصوصية التي حظي بها نبيُّنا ﷺ، فإن موسى عليه السلام طلب الرؤية فقال له الله تعالى: (لَن تَرَانِي)، بينما رآه النبي ﷺ في تلك الليلة كما في صحيح مسلم: "رأيتُ نورًا"، وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله الله (ولقد رآه نزلة أخرى): "قد رأى النبي ﷺ ربه عز وجل"، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه. وفي هذه الذكرى أيضًا إشارة إلى تميز البصر المحمدي الخاص عن بصر عامة الناس، فالإسراء كان ليلًا، وفي السابع والعشرين من رجب كما ذهب إلى ذلك الجمهور، وهي ليلة مظلمة، ومع ذلك حكى ما حكى من عجائب ما رآه في الملك والملكوت، ووصف قافلة قريش وما حصل لها وكأن ذلك كان نهارًا! حكى كل ذلك ولم يُروَ في أحاديث الإسراء أنه ﷺ كان يحمل قنديلًا أو مصباحًا! ولا غرو، فخصوصية البصر المحمدي ثابته، ففي صحيح البخاري قال ﷺ: «أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري»! فمن مثله ﷺ يرى من خلفه كما يرى من أمامه؟! إن المؤمنين أولي الألباب الذين تعرضوا لنفحات شهر رجبٍ المبارك، أحد الأشهر الحرم ذات الثواب المضاعف، عليهم أن يغتنموا ذكرى هذه الليلة التي أسري فيها برسول الله ﷺ روحًا وجسدًا من أول بيت وضع للناس إلى ثاني بيت، إلى المسجد الأقصى فأمَّ أنبياء الله جميعًا إشارة إلى سيادته عليهم، ثم عرج به إلى السماء العلية لشهود ربه جلَّ وعلا ثم عاد وفراشه لم يفقد دفئه. أحيوها بذكر الله عز وجل والثناء عليه وحمده وشكره على ما منَّ به علينا من نعمة الإتباع لهذا النبي العظيم ﷺ، وبتدارس تلك الذكرى العظيمة والاعتبار بما فيها من الحكم والآيات والعجائب. احتفلوا بهذه الليلة الكبرى لأنها تستحق، فعجائبها لا تحصى ولا تعد، فاقت عجائب غيرها من معجزات الأنبياء والقصص القرءاني، وليس في الاحتفال بها بدعة، لأن البدعة عند جمهور أهل العلم من السلف والخلف تنقسم إلى حسنة سيئة، والبدعة الحسنة هي ما كان لها أصل من الدين يدل عليها، وقد تقدم في هذا المقال التأصيل لهذه الذكرى. واللبيب يدرك إن البدع الحسنة دائمًا ما ترتبط بواقع الناس في كل عصر وبحاجات الأمة المتجددة، فما جُمع القرءان إلا عندما خِيف على القراء الهلاك، وما نقِّط المصحف إلا عندما دخل الأعاجم في الإسلام وخِيف على القرءان اللحن، والآن لم يُندب مثل هذا الاحتفال إلا لأن الناس انشغلت وبعدت وتكاثرت عليها المُلهيات في الفضائيات والإنترنت والهواتف المحمولة والحياة العصرية، فيحسن عندئذٍ تذكيرها بأيام الله متى ما كان إلى ذلك من سبيل. وبهذا الفهم تقبَّلت الأمة أمورًا دينية كثيرة لم تكن في صدر الإسلام الأول كصلاة التهجد في في العشر الأواخر من رمضان في جماعة، وكالأسابيع الدعوية، والمؤتمرات الإسلامية، والمسابقات الدينية، بل وحتى نيل الدرجات العلمية الغربية في الدراسات الإسلامية، كالدكتوراة، والماجستير، والبكالريوس والدبلوم وغير ذلك. إن كانت دوامة الحياة المادية المعاصرة قد جرفتنا فلتكن هذه الذكرى فرصة لأن نستريح من عناء ذلك التفكير المادي الدخيل ونسرح في عالم عجائب قدرة الله، ونحكي لأطفالنا قصص وعجائب الإسراء والمعراج، فنحبب إليهم سيرة المصطفى ﷺ، ونكلمهم عن عظمة نبيهم ﷺ الذي عرج به إلى العرش المجيد وعاد في كسر من الثانية!! لنوسع مداركهم بأن هذا الكون هو خلق عظيم، وفيه سكان عظماء، ففي كل سماء أنبياء وملائكة وأرواح، وشؤون وحضرات، وأن المسافة بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. أخرجوهم من ضيق المادة إلى سعة المعنى، فالإيمان ليس ماديات، الإيمان ينفذ إلى ما وراء المادة، إلى الإيمان بالغيب، وهذا ما يميز المؤمن من الكافر.

السبت، 30 أبريل 2016

ما لا تعرفه عن الألباني

هو الباحث في مجال الحديث الشريف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ولد سنة 1914م بألبانيا، وتوفي في الأردن سنة 1999م، أي قبل نحو 17 سنة من اليوم. تعليمه ومشائخه: درس الإبتدائية ولم يكمل تعليمه، ودرس على والده المذهب الحنفي، وعلى صديق والده الشيخ سعيد البرهاني -شيخ الطريقة الشاذلية في زمانه- مراقي الفلاح في الفقه الحنفي وبعض كتب اللغة والبلاغة وقيل كان يحضر دروسًا لمحمد بهجة البيطار في "الحماسة" لأبي تمام. ويعاب على الألباني أنه ليس له مشائخ سوى والده وصديقه الشيخ سعيد البرهاني، مع أن علماء الحديث وحفاظه كان يعد مشائخهم بالمئات والألوف، حتى أنهم كانوا يصنفون المعاجم في شيوخهم مثل معجم شيوخ الطبراني. دراسته للحديث الشريف: على الرغم أن الألباني عاش في القرن العشرين إلا أنه اشتهر بين العوام كأحد علماء السلف، واشتهر بين أنصار الدعوة السلفية بأنه محدث العصر، قال الشيخ عبد العزيز بن باز:«ما رأيت تحت أديم السماء عالمًا بالحديث في العصر الحديث مثل محمد ناصر الدين الألباني»، لكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أن الألباني لم يدرس الحديث الشريف وعلومه على أحد أهل العلم من المشائخ، ولا في معهد ديني أو جامعة إسلامية، بل درسه من خلال بحوث مجلة المنار التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، ومن بعض الكتب. ويعتبر هذا من أحد أكبر الإنتقادات التي وجهت إليه فقالوا: ما أخذ أحد العلم من الكتاب –دون معلم– إلاَّ ضل، فلابد من المعلم، ليشرح الغامض، ويقيد المطلق، ويفصل المجمل، ويبين المراد من الاصطلاح، ولو كان الكتاب وحده ينفع دون احتياج لمعلم يشرح، لما أرسل الله مع كل كتاب رسولاً يشرحه، ويبينه، ويبلغه، ولَمَا أخذ الله العهد على الذين أوتوا الكتاب أن يبينوه للناس، ولَمَا ألجمَ الله كاتم العلم بلجام من نار، وكتب العلم متوفرة للقاصي والداني، ولا شك أن كلام الله هو أحسن الحديث وأبلغه وأيسره، ومع ذلك لا يستغنى عن الرسول لبيانه. قال الأوزاعي أحد أئمة السلف: "كان هذا العلم كريمًا يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله. لذلك يعتبر الألباني في نظر بعض العلماء أنه غير مؤهل في هذا العلم وليس بمعتبر فيه وما كان ينبغي أن يصنف فيه ولا أن تفرد له كل هذه المساحة، فالعلم بالتعلم والفقه بالتفقه، قال محدث الهند الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في كتابه: "الألباني: أخطاؤه وشذوذه": «ولازم ذلك أنه والله لا يعرف ما يعرفه آحاد الطلبة الذين يشتغلون بدراسة الحديث في عامة مدارسنا». ومع ذلك قام بتحقيق كتب لأكابر علماء الأمة في هذا الفن وحكم على مروياتهم تصحيحًا وتضعيفًا كالإمام البخاري والحافظ أبي داود، والحافظ الترمذي، والحافظ الطبراني، والحافظ البيهقي والحافظ المنذري والحافظ السيوطي، وغيرهم من أئمة هذا العلم الشريف. مهنته: أخذ الألباني عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها حتى صار من أصحاب الشهرة فيها. عمله وجهوده: بحسب شهرته في مجال الحديث الشريف عمل الألباني في عدد من الجامعات والمؤسسات ذات العلاقة بعلوم الحديث الشريف، فاختير عضوًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعمل فيها لمدة ثلاث سنوات، وطلبت منه الجامعة السلفية في بنارس -الهند- أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك، واختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955. مع أنه لم يكن حافظًا ولا مسندًا ولا محدثًا عمل الألباني في تحقيق وتخريج كتب الأئمة والحفاظ، وأصدر كتبًا يحكم فيها على مروياتهم تصحيحًا وتضعيفًا، كسلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، وصحيح وضعيف الترغيب والترهيب، وصحيح وضعيف الجامع الصغير وزياداته، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل وغيرها من تصانيف الحفاظ. وقد كثرت أخطاؤه في كتبه فكان في كل طبعة جديدة يتراجع عن خطأ في الحكم على حديث في الطبعة السابقة، وتعرض بسبب ذلك لكثير من الإنتقادات حتى ترك كثير من تلامذته وأنصاره الإعتماد على حكمه على الأحاديث، قال الشيخ السلفي محمد الحسن الددو الشنقيطي رئيس جامعة عبد الله بن ياسين بنواكشوط: "فلذلك لا ينبغي أن يؤخذ تصحيحه بالإطلاق ولا تضعيفه بالإطلاق" وقال أيضًا: "والشيخ الألباني رحمة الله عليه بعض ما دخل عليه من الأخطاء وجهه أنه يعتمد على نسخة واحدة ويكون هو غير راوٍ لها، لم يروها ولم يقرأها على أحد من أهل العلم، وكثير من النسخ فيها أخطاء، فالكتب لا تخلو من أخطاء، ولذلك فإنه رحمه الله مثلاً ضعَّف حديثًا في سنن البيهقي وقد طبع في الطبعة (عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس) فضعفه قال: (عبيد الله بن عبد الله بن عباس مجهول فالحديث ضعيف)، وهذا خطأ مطبعي، فأصل الكلام (عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس)، وعبيد الله هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الإمام أحد الفقهاء السبعة من فقهاء المدينة، وهو أثبت الناس في ابن عباس بالإجماع، فالغلط المطبعي كان سببًا للتضعيف، وهكذا فهذا النوع من الأخطاء سببه أخطاء مطبعية أو أخطاء خطية في المخطوطات". وقال: "بعض ما صححه من الأحاديث لم يوافقه غيره على التصحيح، وقد تبين خطؤه في بعض تلك الأمور، ولذلك رجع هو عن بعض تصحيحاته، وبعض ما ضعفه من الأحاديث أيضًا تبين خطؤه فيه ولذلك رجع هو عن بعض ذلك، وكل طبعة من كتاب له فالطبعة التي بعدها فيها رد على نفسه ورجوع عن بعض ما كان أنتج". وقال الدكتور الشريف حاتم العوني، أستاذ الحديث الشريف بجامعة أم القرى والعضو السابق لمجلس الشورى بالمملكة العربية السعودية: "وخلال مرحلة الاستقلال هذه كنت ألحظ بعض أخطاء الشيخ، وبعض تناقضات أحكامه من كتاب إلى كتاب، ولكني كنت أتجاهلها، وأتغافل عنها، مع مخالفتي له فيها؛ لكني كنت أمتنع عن وضعها في سياق ميزان مكانة الشيخ، ولم أفكّر أن أُعدّل من تصوري عنه بملاحظة تلك الأخطاء". وأردف قائلًا: "الأخطاء المنهجية أو المتكررة عند الشيخ: أ‌- عجلة الشيخ في الحكم على الأحاديث، كما حصل في تخريج أحاديث مشكاة المصابيح وغيرها. ب‌- تساهلٌ يتكرر منه في التصحيح والتحسين بمجموع الطرق، دون التزام بالقواعد الدقيقة لشروط ذلك. وهذا ليس دائما، لكنه كثير ملحوظ، وهو أحد أسباب أخطائه المتكررة. ت‌- قصور ملحوظ في الترجمة للرواة، فتوسعه في الترجمة قليل، مع الأهمية القصوى لذلك، خاصة في الرواة المختلف فيهم أو المقلين الذين يحتاجون إلى بذل وسع كبير للتعرف على حالهم. ث‌- تهاونه وقلة حفاوته بتعليلات أئمة النقد كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وأمثالهم، فلا يتوقف عندها كما يجب، فإن هو نقلها، ما أسهل الاعتراض عليهم عنده بظواهر لا تكفي لصحة الاعتراض." وأنتقد الألباني أنه كان يقوم بتخريج الأحاديث تبعًا لهواه ونصرته لمذهبه، قال مسفر بن غرم الله الدميني رئيس قسم السنة سابقًا ورئيس الدراسات العليا حاليًا بكلية أصول الدين بالرياض عن الألباني بأنه: «تساهل في تصحيح الأحاديث الموافقة لرأيه وتساهل كذلك في تضعيف الأحاديث المخالفة لرأيه». والثابت أن الألباني ضعَّف أحاديث كثيرة لا تنصر مذهبه، وقد أحصى أحد طلابه نحوًا من 315 روايًا كان الألباني يجهِّلهم مع أن لهم تراجم في كتب الجرح والتعديل، وبسبب ذلك ضعَّف أحاديثهم. وانتقد كذلك بطعنه وقلة احترامه وتوقيره لأئمة الحديث وحفاظه كالحاكم وابن الجوزي والذهبي والسيوطي والمناوي، ولعل ذلك ناتج من أنه لم يتهذب على شيخ ليأخذ عنه توقير العلماء واحترامهم. وقد تعرض الألباني لانتقاد آخر في عقيدته، فقال الشيخ سفر الحوالي أستاذ ورئيس قسم العقيدة سابقًا في جامعة أم القرى عن عقيدة الألباني: «والمؤسف مع هذا أن الألباني أخذ بكلام أهل الإرجاء المحض من غير تفصيل» علاقته بالمملكة العربية السعودية: كان في بدايته مناصرًا للدعوة السلفية في المملكة العربية السعودية وخدم منهجهم ونصره من خلال عمله في تخريج الأحاديث النبوية، وقد ساهمت المملكة في دعم نشاطه ونشر كتبه وتقديمه للعالم على أنه مُحدِّث العصر، لكن العلاقة ما لبثت أن ساءت بسبب حرب الخليج وبسبب خلافات نشبت بينه وبين بعض مشائخ المملكة فأمر مفتي المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ بفصله من الجامعة الإسلامية بالمدينة نتيجة إختلافه مع عدد من المدرسين فيها، ثم طرد من المملكة على خلفية أحداث الحرم التي قام بها منتسبون إلى الدعوة السلفية سنة 1979م رأت السلطات أنهم تلامذة للألباني.

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

خبر إنشاد أهل المدينة "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" عند دخول النبي صلى الله عليه وسلم مشهور جدًا رواه وذكره جملة من الحفاظ والعلماء الثقات الأثبات، منهم الحافظ ابن سعد، والحافظ ابن حبان، والحافظ البيهقي، والحافظ أبو الحسن الخلعي، والحافظ رزين، والحافظ ابن الجوزي، والحافظ المحب الطبري والإمام الغزالي، والحافظ ابن كثير، والحافظ بن حجر، والحافظ السيوطي، والحافظ السمهودي وغيرهم خلق كثير. أخرج البيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئًا، ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئًا حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، فَكَمَنَّا في بعض جدر المدينة، ثم بعثنا رجلًا من بعض البادية لِيُؤْذِنَ بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ قال: فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ. قال أنس: فلقد رأيت يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين شبيهًا بهما" وأخرج الحافظ ابن حبان (ت354هـ) في ثقاته قال: "فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة وهم خمسمائة رجل من الأنصار، فتلقى الناس والعواتق فوق الأجاجير والصبيان والولائد يقولون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وأخذت الحبشة يلعبون بحرابهم لقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحًا بذلك" وأخرج الحافظ البيهقي (ت458هـ) في الدلائل عن الإمام العلامة الثقة ابن عائشة (ت228هـ) قال: "لما قدم عليه السلام المدينة جعل النساء والصبيان يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع" قال البيهقي: هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة. وروى الحافظ أبو داود أن الحبشة لعبت بحرابهم فرحا بقدومه صلّى الله عليه وسلّم وزاد الحافظ رزين (ت535هـ): وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير -أي سطوح المنازل- يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع وفي رواية: أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع وأخرج الحافظ المحب الطبري (ت694هـ) في الرياض النضرة عن ابن الفضل ابن الحباب الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه قال: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة جعل الصبيان والنساء والولائد يقولون: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع قال: خرجه الحلواني على شرط الشيخين. أما السؤال عن كيف لهجت جميع الألسن في آن واحد بهذه العبارات فلا ننسى أن الأنصار كانوا يترقبون مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأبجديات أن يتأهبوا لاستقباله بهذه الأبيات العذبات. قال ابن حبان: "سمع المسلمون بالمدينة بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون قدومه حتى يردهم حر الظهيرة" ومن أشباه ذلك ما رواه ابن ماجة وغيره بسند جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن: نحن جوارٍ من بني النجار *** يا حبذا محمد من جار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يعلم الله إني لأحِبُّكُنَّ" فالأنصار أهل إنشاد وذوق، ويتغنون الشعر بالسليقة بدون تكلف، ويعجبهم ذلك كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ما كان معكم لهو! فإن الأنصار يعجبهم اللهو" وفي حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: "قوم فيهم غزل". وقال صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة: "فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: تقول ماذا؟ قال تقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم *** ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء *** ما سمنت عذاريكم أما كون أن ثنية الوداع ليست من جهة طريق مكة فقد أجاب عليها كثير من العلماء ومنهم الحافظ السمهودي في الوفاء قال: "إن ذلك لا يمنع من كونه في الهجرة عند القدوم من قباء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ركب ناقته، وأرخى لها زمامها، وقال: دعوها فإنها مأمورة، ومر بدور الأنصار كما سبق، حتى مر ببني ساعدة، ودارهم في شاميّ المدينة قرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها، وقد عرج النبي صلى الله عليه وسلم في رجوعه من بدر إلى ثنية الوداع؛ لما في مغازي ابن عقبة أنه صلى الله عليه وسلم سلك حين خرج إلى بدر حتى ثقب بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع."